الماء.. وقيام الحضارات
الحمد لله رب العالمين، خلق الماء بقدرته،
وجعله سبب الحياة والعمران، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا
محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.
أما بعد.. فاتقوا الله عباد الله، واعلموا
أن التأمل في سنن الله في الكون يزيد الإيمان في القلوب، ويكشف للإنسان عظمة الخالق
سبحانه، ومن أعظم هذه السنن أن الله جعل الماء (أساس الحياة)، (وأساس العمران)، (وأساس
قيام الحضارات) واستقرار الأمم.
ولذلك فإن الحديث عن الماء ليس حديثا عن
مورد من الموارد فحسب، بل هو حديث عن سر الحياة الذي به (قامت الأمم)، (وازدهرت الحضارات)،
واستقرت المجتمعات عبر التاريخ.
المحور الأول- الأنهار العظيمة وميلاد الحضارات:
أيها الأحبة.. إذا تأملنا خريطة (الحضارات
القديمة) وجدنا حقيقة واضحة لا تكاد تتخلف، وهي أن الحضارات الكبرى نشأت حول مصادر
المياه العذبة والأنهار الكبرى.
١- فالحضارة الفرعونية التي أبهرت العالم بعلمها
وعمرانها وزراعتها قامت على ضفاف نهر النيل، وقد أدرك المصري أن (النيل) هو شريان الحياة،
فارتبطت به الزراعة والتجارة والعمران.
٢- حضارات العراق القديمة، كحضارة (بابل وآشور
وسومر)، على ضفاف (نهري دجلة والفرات)، حيث تحولت الأراضي الجافة إلى جنات خضراء بفضل
الماء، فازدهرت الزراعة ونشأت المدن وتقدمت العلوم والصناعات.
٣- حضارات بلاد ما وراء النهر حول نهري (سيحان
وجيحان)، وهما من أعظم أنهار (آسيا الوسطى)، حيث قامت المدن العظيمة ومراكز العلم والتجارة
والحضارة الإسلامية.
ولعظمة هذه الأنهار ومكانتها ورد ذكرها
في حديث النبي ﷺ حين قال:«سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالفُرَاتُ
وَالنِّيلُ، كُلٌّ مِنْ أَنْهَارِ الجَنَّةِ"(مسلم).
ومن تأمل هذه الأنهار وجد أنها لم تكن مجرد
(مجار للماء)، بل كانت شرايين للحياة، (حملت الزرع والغذاء، وربطت بين المدن والقرى،
وساهمت في انتقال التجارة والثقافة والعلم بين الأمم).
المحور الثاني- حضارة سبأ باليمن:
عباد الله.. ومن أعظم الشواهد القرآنية
على ارتباط الحضارة بالماء حضارة سبأ في اليمن.
لقد كانت أرض (سبأ) مثالا رائعا لحسن استثمار
المياه والاستفادة منها في البناء والتنمية، وكان (سد مأرب) من أعظم الإنجازات الهندسية
في العالم القديم.
وقد وصف الله حالهم فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ
لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ ۖ جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ ۖ كُلُوا مِن
رِّزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ ۚ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ﴾
لقد جمع الله لهم الماء والخصب والأمن والرخاء،
حتى أصبحت بلادهم مضرب المثل في الزراعة والوفرة.
قال الإمام ابن كثير رحمه الله: (كانوا
في نعمة عظيمة ورزق واسع، وأرض خصبة مباركة، ومياه متدفقة، وزروع وثمار لا تنقطع).
وفي هذه القصة درس عظيم، وهو أن الماء إذا
أحسن الناس استثماره صار سببا للنهضة والرخاء، وإذا أسيء التعامل معه ضاعت النعم وتراجعت
الحضارات.
المحور الثالث- حضارة وادي السند:
أيها الأحبة.. ومن الحضارات العريقة التي
قامت حول الماء حضارة وادي السند في شبه (القارة الهندية).
لقد نشأت تلك الحضارة على ضفاف (نهر السند
العظيم)، واعتمد أهلها على مياهه في الزراعة والري والاستقرار.
وقد كشفت الدراسات الأثرية أن مدنهم كانت
تتميز بالتخطيط العمراني المتقدم، وأنظمة توزيع المياه والصرف، مما يدل على إدراكهم
المبكر لأهمية الماء في حياة المجتمعات.
وهذا يؤكد أن الماء كان العامل المشترك
بين الحضارات الإنسانية الكبرى شرقا وغربا.
المحور الرابع- الحضارة الصينية القديمة:
أيهاالأحبة.. وإذا انتقلنا إلى أقصى الشرق
وجدنا (الحضارة الصينية) القديمة قد قامت كذلك حول الأنهار الكبرى.
(فالنهر الأصفر) (ونهر اليانغتسي) كانا أساس
الزراعة والاستقرار السكاني في الصين منذ آلاف السنين.
وعلى ضفافهما نشأت المدن، وتوسعت الزراعة،
وظهرت الصناعات، وتطورت التجارة.
وهكذا تتكرر السنة الإلهية نفسها في كل
مكان: الماء أولا، ثم الاستقرار، ثم العمران، ثم الحضارة.
المحور الخامس- زمزم وعمران مكة:
أيها الأحبة.. ومن أعظم النماذج التي يربط
فيها القرآن بين الماء والعمران قصة زمزم.
عندما ترك (إبراهيم عليه السلام) زوجته
(هاجر وابنه إسماعيل) في واد لا زرع فيه ولا ماء، توجه إلى ربه بالدعاء قائلا: ﴿رَبَّنَا
إِنِّي أَسْكَنْتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ
رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ
وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾.
لقد كان المكان خاليا من أسباب الحياة،
لكن رحمة الله تجلت حين فجر بئر زمزم تحت قدمي إسماعيل عليه السلام.
جاءت قبائل جرهم في مكة:
بعد ظهور ماء زمزم قدمت (قبيلة جرهم) واستأذنت
هاجر عليها السلام في الإقامة عند البئر، فكان الماء سببا في استقرار القبيلة وعمران
المكان، كما جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري.
- قبائل الأوس والخزرج في يثرب
استقرت حول الآبار والعيون الزراعية في
(المدينة المنورة)، وكانت المياه سببا في ازدهار الزراعة وخاصة النخيل، حتى أصبحت يثرب
من أهم مدن الجزيرة العربية قبل الإسلام.
عباد الله.. إن المتأمل في تاريخ الأمم
يرى أن الماء لم يكن مجرد نعمة للشرب، بل كان سببا في قيام الدول والحضارات، فحول
(زمزم) اجتمعت قبيلة جرهم وعمرت مكة، وحول (الآبار والعيون) استقرت الأوس والخزرج في
يثرب، وعلى ضفاف (النيل والفرات وسيحان وجيحان) قامت حضارات عظيمة، وحتى في الصحارى
القاحلة كانت الواحات والعيون سببا في اجتماع الناس واستقرارهم.
وكأن التاريخ كله يردد قول الله تعالى:
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، فحيث وُجد الماء وجدت الحياة، وحيث
استقرت الحياة نشأ العمران وقامت الحضارات.