recent
أخبار عاجلة

الرشوةُ وأثرُهَا فى إفسادِ المجتمعِ الإمام والفقيه

  الرشوةُ وأثرُهَا فى إفسادِ المجتمعِ 

 

 

 حرمةُ الرشوةِ بكلِّ صورِهَا وأشكالِهَا.

  عقوبةُ المرتشي فى الدنيا والآخرةِ.

 إنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.

الحمدُ للهِ رب العالمين والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد 

(1) حرمةُ الرشوةِ بكلِّ صورِهَا وأشكالِهَا.

"الرشوةُ" هى: "ما يُبذلُ للغيرِ؛ ليحكمَ بغيرِ الحقِّ، أو ليمتنعَ من الحكمِ بالحقِّ". [مغني المحتاج إلى معرفةِ معاني ألفاظِ المنهاجِ للخطيبِ الشربينيِّ، 6/288].

وقد حرمتِ الشريعةُ الغراءُ "الرشوةَ" سواءٌ صدرتْ عن موظفٍ حكوميٍّ أم غيرِ حكوميٍّ، وهى عدوُّ النزاهةِ، وضربٌ من ضروبِ الفسادِ فى المجتمعِ، ويترتبُ عليهَا ضياعُ الحقوقِ، وتعطيلُ مصالحِ الخلقِ إنْ لم يدفعُوا، ومن ثمَّ تدميرُ أخلاقِ الأفرادِ، بل يفقدُهُمْ الثقةَ بمؤسساتِ الدولةِ، وهى ضربٌ من أكلِ أموالِ الناسِ بالباطلِ، قالَ تعالى: ((وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) سورةُ البقرةِ (188)، وقالَ أيضًا: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ)) سورةُ النساءِ 26.

وهى كبيرةٌ من الكبائرِ، وخيانةٌ للأمانةِ التى وُسدتْ لصاحبِهَا، قالَ تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ)) سورةُ الأنفالِ 27.

بحقٍّ، وإعطاؤُهَا بباطلٍ، والسعيُ فيهَا بينَ الراشي والمرتشي، وأخذُ مالٍ على توليةِ الحكمِ ودفعُهُ حيثُ لم يتعينْ عليهِ القضاءُ ولم يلزمْهُ البذلُ...، وقولُهُ تعالى: ((بِالْبَاطِلِ)) سورةُ البقرةِ (188)، يشملُ سائرَ وجوهِهِ ويجمعُهَا فى كلِّ ما نهى الشارعُ عنهُ...، والأحاديثُ التى ذكرتُهَا صريحةٌ فى أكثرِ ذلكَ؛ لما فيهَا من الوعيدِ الشديدِ، واللعنةِ للراشي وللمرتشي وللسفيرِ بينهُمَا). اهـ. [الزواجرُ عن اقترافِ الكبائرِ، 2/312].

كلُّ من يتعاملُ بالرشى، أو يكونُ وسيطًا فيهَا، ملعونٌ على لسانِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ؛ فعن أبي هريرةَ رضي اللهُ عنهُ، عن النبيِّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: ((لعنَ اللهُ الراشيَ، والمرتشيَ فى الحكمِ)) [رواهُ أحمدُ، وابنُ حبانَ]، وفى روايةٍ بزيادةِ: ((والرائشَ)) [رواهُ الحاكمُ فى "المستدركِ على الصحيحينِ"]. ومعناهُ: "الذى يسعى بينهُمَا، يستزيدُ لهذا، وينتقصُ لهذا".

ويبينُ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ لأصحابِهِ أنَّ من يستغلُّ مكانَهُ الذى استأمنَهُ اللهُ عليهِ، ويتعاملُ بالرشا والمجاملاتِ على حسابِ الآخرينَ، سينقلبُ ذلكَ عليهِ، وسيحملُهُ على رقبتِهِ يومَ القيامةِ؛ ليكونَ أبلغَ فى فضيحتِهِ، وليتبينَ للأشهادِ جنايتُهُ، وحسبُكَ بهذا تعظيمًا لإثمِ الرشوةِ، وتحذيرًا لأمتِهِ؛ فعن أبي حميدٍ الساعديِّ قالَ: ((استعملَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ رجلًا من بني أسدٍ يقالُ لهُ ابنُ الأتبيةِ على صدقةٍ، فلما قدمَ قالَ: هذا لكُمْ، وهذا أُهديَ لي، فقامَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ على المنبرِ ثمَّ قالَ: ما بالُ العاملِ نبعثُهُ فيأتي يقولُ: هذا لكَ وهذا لي، فهلا جلسَ فى بيتِ أبيهِ وأمِّهِ، فينظرَ أيهدى لهُ أم لا؟ والذى نفسي بيدِهِ، لا يأتي بشيءٍ إلا جاءَ بهِ يومَ القيامةِ يحملُهُ على رقبتِهِ، إنْ كانَ بعيرًا لهُ رغاءٌ، أو بقرةً لهَا خوارٌ، أو شاةً تيعرُ، ثمَّ رفعَ يديهِ حتى رأينا عفرتيْ إبطَيْهِ، ألا هلْ بلغتُ؟ ثلاثًا)) [رواهُ البخاريُّ].

قالَ الإمامُ الخطابيُّ: (فى الحديثِ بيانٌ أنَّ هدايا العمالِ سحتٌ، وأنَّهُ ليسَ سبيلُهَا سبيلَ سائرِ الهدايا المباحةِ، وإنَّما يُهدى إليهِ للمحاياةِ، وليخففَ عن المهدي، ويسوغَ لهُ بعضَ الواجبِ عليهِ، وهوَ خيانةٌ منهُ، وبخسٌ للحقِّ الواجبِ عليهِ، استيفاؤُهُ لأهلِهِ). اهـ. [معالمُ السننِ، 3/8].

قالَ الإمامُ النوويُّ: (فى سببِ منعِ هدايا العملِ فى هذا الحديثِ بيانٌ أنَّ هدايا العمالِ حرامٌ وغلولٌ؛ لأنَّهُ خانَ فى ولايتِهِ وأمانتِهِ، ولهذا ذكرَ فى الحديثِ فى عقوبتِهِ حملَهُ ما أُهديَ إليهِ يومَ القيامةِ، كما ذكرَ مثلَهُ فى الغالِّ، وقد بيَّنَ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فى نفسِ الحديثِ السببَ فى تحريمِ الهديةِ عليهِ، وأنَّهَا بسببِ الولايةِ). اهـ. [شرحُ النوويِّ على مسلمٍ، 12/219].

ومن أبرزِ ما جاءَ فى حرمةِ الرشوةِ، ويبينُ أنَّهَا محرمةٌ فى جميعِ الشرائعِ السماويةِ؛ عن سليمانَ بنِ يسارٍ: ((أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ كانَ يبعثُ عبدَ اللهِ بنَ رواحةَ إلى خيبرَ، فيخرصُ بينَهُ وبينَ يهودِ خيبرَ، قالَ: فجمعُوا لهُ حليًّا من حليِّ نسائِهِم، فقالُوا لهُ: هذا لكَ، وخففْ عنَّا، وتجاوزْ فى القسمِ، فقالَ عبدُ اللهِ بنُ رواحةَ: يا معشرَ اليهودِ، واللهِ إنَّكُمْ لمن أبغضِ خلقِ اللهِ إليَّ، وما ذاكَ بحاملي على أنْ أحيفَ عليكُمْ، فأما ما عرضتُمْ من الرشوةِ فإنَّهَا سحتٌ، وإنَّا لا نأكلُهَا، فقالُوا: بهذا قامتِ السماواتُ والأرضُ)) [رواهُ مالكٌ فى "الموطأ"، والبيهقيُّ فى "السننِ الكبرى"].

هدايا العمالِ، والموظفينَ تدخلُ تحتَ الرشوةِ المحرمةِ شرعًا:

من الحيلِ المحرمةِ التى يستخدمُهَا البعضُ تسميةَ "الرشى" بالهدايا أو إكرامياتٍ، فهُمْ قلبُوا الموازينَ، وجعلُوا الباطلَ حقًّا، وصورُوا الظلمَ عدلًا، فما هى إلا تغييرُ مسمياتٍ للرشوةِ.

أخرجَ الإمامُ مسلمٌ فى "بابِ تحريمِ هدايا العمالِ" حديثَ عديِّ بنِ عميرةَ الكنديِّ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ: ((من استعملناهُ منكُمْ على عملٍ، فكتمَنَا مخيطًا، فما فوقَهُ كانَ غلولًا يأتي بهِ يومَ القيامةِ)). قالَ: فقامَ إليهِ رجلٌ أسودُ من الأنصارِ، كأنى أنظرُ إليهِ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، اقبلْ عني عملَكَ. قالَ: ((وما لكَ؟)) قالَ: سمعتُكَ تقولُ: كذا وكذا. قالَ: ((وأنا أقولُهُ الآنَ، من استعملناهُ منكُمْ على عملٍ، فليجئْ بقليلِهِ وكثيرِهِ، فما أوتيَ منهُ أخذَ، وما نُهيَ عنهُ انتهى)) [رواهُ مسلمٌ].

وعن أبي حميدٍ الساعديِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((هدايا الأمراءِ غلولٌ)) [رواهُ البيهقيُّ فى "السننِ الكبرى"].

قالَ ابنُ العربيِّ: (الذى يُهدي لا يخلو أنْ يقصدَ: ودَّ المهديِّ إليهِ، أو عونَهُ، أو مالَهُ، فأفضلُهَا الأولُ، والثالثُ جائزٌ؛ لأنَّهُ يتوقعُ بذلكَ أنْ يردَّ إليهِ بالزيادةِ على وجهٍ جميلٍ، وقد تستحبُّ إنْ كانَ محتاجًا، والمهدي لا يتكلفُ، وإلا فيكرهُ، وأما الثاني فإنْ كانَ لمعصيةٍ فلا يحلُّ، وهوَ الرشوةُ، وإنْ كانَ لطاعةٍ فيستحبُّ، وإنْ كانَ لجائزٍ فجائزٌ، لكنْ هذا إنْ لم يكنِ المُهدى لهُ حاكمًا). اهـ. [فتحُ الباري شرحُ صحيحِ البخاريِّ، 5/221].

وعن معاذِ بنِ جبلٍ قالَ: ((بعثني رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ إلى اليمنِ، فلما سرتُ أرسلَ فى أثري فرددتُ، فقالَ: أتدري لِمَ بعثتُ إليكَ؟ لا تصيبنَّ شيئًا بغيرِ إذني فإنَّهُ غلولٌ، ((وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)) سورةُ آلِ عمرانَ (161)، لهذا دعوتُكَ، فامضِ لعملِكَ)) [رواهُ الترمذيُّ وحسنهُ].

وقالَ أ.د/ موسى لاشين: (والتحقيقُ أنَّ هدايا العمالِ تشبهُ الرشوةَ المحرمةَ، فالرشوةُ هى كلُّ مالٍ دُفعَ؛ ليبتاعَ بهِ من ذي جاهٍ عونًا على ما لا يحلُّ، ويُخشى من هدايا العمالِ، ومن الهدايا إلى جامعي الصدقاتِ، أنْ تدفعَهُمْ هذهِ الهدايا إلى التغاضي، والتساهلِ فى حقوقِ الفقراءِ والمساكينِ، ومصارفِ الزكاةِ الأخرى، فهى قد تكونُ وسيلةً إلى ما لا يحلُّ، ووسيلةُ الحرامِ حرامٌ، وهى وإنْ كانتْ وسيلةً غيرَ محققةِ الغايةِ، لكنَّ "سدَّ بابِ الذرائعِ" مطلوبٌ، ولهذا لو تحققنا أنَّ الهديةَ لنْ توصلَ إلى ما لا يحلُّ، كأنْ تعطى بعدَ انتهاءِ مهمةِ العاملِ نهائيًّا، فلا شيءً فيهَا). اهـ. [فتحُ المنعمِ شرحُ صحيحِ مسلمٍ، 7/446].

وقد وردَ عن الصحابةِ التورعُ عن قبولِ الهدايا؛ خشيةَ الوقوعِ فى الحرامِ؛ فعن مالكٍ، قالَ: ((أهدى رجلٌ من أصحابِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، وكانَ من عمالِ عمرَ بنِ الخطابِ رضي اللهُ عنهُ، نمرقتينِ لامرأةِ عمرَ، فدخلَ عمرُ فرآهُمَا، فقالَ: من أينَ لكِ هاتينِ؟ اشتريتِهِمَا؟ أخبريني، ولا تكذبيني. قالتْ: بعثَ بهِمَا إليَّ فلانٌ، فقالَ: قاتلَ اللهُ فلانًا، إذا أرادَ حاجةً فلم يستطعْهَا من قبلي أتاني من قبلِ أهلي، فاجتذبَهُمَا اجتذابًا شديدًا من تحتِ من كانَ عليهِمَا جالسًا، فخرجَ يحملُهُمَا، فتبعتْهُ جاريتُهَا، فقالتْ: إنَّ صوفَهُمَا لنَا، ففتقَهُمَا، وطرحَ إليهَا الصوفَ، وخرجَ بهِمَا، فأعطى إحداهُمَا امرأةً من المهاجراتِ، وأعطى الأخرى امرأةً من الأنصارِ)) [رواهُ البيهقيُّ فى "السننِ الكبرى"].

(2) عقوبةُ المرتشي فى الدنيا والآخرةِ.

أولًا: المرتشي منزوعُ البركةِ، ومحرومٌ من استجابةِ الدعاءِ، ودخولِ الجنةِ إنِ استحلَّ هذا:

لما كانتِ الرشوةُ ماحقةً للأرزاقِ، معطلةً لمصالحِ الخلقِ، تؤخرُ المجتهدَ الذكيَّ، وتقدمُ الخاملَ البليدَ، تعلقُ الناسَ بحبِّ الدنيا، وتنسيهِم أمرَ الآخرةِ، وتسوقُ المجتمعاتِ إلى الخرابِ والدمارِ، جاءَ الوعيدُ بالنهيِ عنهَا، وعن كلِّ طريقٍ يؤدي إليهَا.

نزعُ البركةِ من حياتِهِ، ومالِهِ، وولدِهِ: عن حكيمِ بنِ حزامٍ، قالَ: قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمن أخذَهُ بطيبِ نفسٍ بوركَ لهُ فيهِ، ومن أخذَهُ بإشرافِ نفسٍ لم يباركْ لهُ فيهِ، وكانَ كالذى يأكلُ ولا يشبعُ)) [رواهُ مسلمٌ].

ثانيًا: محرومٌ من استجابةِ الدعاءِ: عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بهِ المرسلينَ، فقالَ: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)) سورةُ المؤمنونَ (51)، وقالَ: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ)) سورةُ البقرةِ (172)، ثمَّ ذكرَ الرجلَ يطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديهِ إلى السماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُهُ حرامٌ، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغذيَ بالحرامِ، فأنى يستجابُ لذلكَ؟)) [رواهُ مسلمٌ].

وقالَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ: ((يا رسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أنْ يجعلني مستجابَ الدعوةِ. فقالَ لهُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: يا سعدُ، أطبْ مطعمَكَ تكنْ مستجابَ الدعوةِ، والذى نفسُ محمدٍ بيدِهِ، إنَّ العبدَ ليقذفُ اللقمةَ الحرامَ فى جوفِهِ، ما يتقبلُ منهُ عملٌ أربعينَ يومًا، وأيما عبدٍ نبتَ لحمُهُ من السحتِ والربا، فالنارُ أولى بهِ)) [رواهُ الطبرانيُّ فى "المعجمِ الأوسطِ"].

ثالثًا: النارُ أولى بهِ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ لكعبِ بنِ عجرةَ: ((إنَّهُ لا يدخلُ الجنةَ لحمٌ نبتَ من سحتٍ، النارُ أولى بهِ)) [رواهُ أحمدُ، وابنُ حبانَ].

وعن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهُمَا أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ: ((من وُلِّيَ عشرةً فحكمَ بينهُمْ بما أحبوا أو بما كرهوا، جيءَ بهِ مغلولةً يداهُ، فإنْ عدلَ ولم يرتشِ ولم يحفْ فكَّ اللهُ عنهُ، وإنْ حكمَ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ، وارتشى وحابى فيهِ، شدتْ يسارُهُ إلى يمينِهِ، ثمَّ رميَ بهِ فى جهنمَ، فلم يبلغْ قعرَهَا خمسمائةَ عامٍ)) [رواهُ الطبرانيُّ فى "الأوسطِ"، والحاكمُ فى "المستدركِ"].

رابعًا: العيشُ فى رعبٍ وخوفٍ: عن عمروِ بنِ العاصِ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ:"ما من قومٍ يظهرُ فيهِم الربا، إلا أُخذوا بالسنةِ، وما من قومٍ يظهرُ فيهِم الرشا، إلا أُخذوا بالرعبِ"(أحمدُ).

ليعلمْ كلُّ من يتعاملُ بالرشوةِ أنَّهُ موقوفٌ بينَ يدي ربِّهِ، وأنَّهُ سائلُهُ عن مالِهِ؛ عن أبي برزةَ الأسلميِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ...، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ)) [رواهُ الترمذيُّ وحسنهُ].

أنَّ فعلَهُ هذا يجني على الأمةِ؛ لأنَّ فيهِ توسيدَ الأمرِ لغيرِ أهلِهِ؛ فعن أبي هريرةَ قالَ: بينما النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فى مجلسٍ يحدثُ القومَ، جاءَهُ أعرابيٌّ، فقالَ: متى الساعةُ؟ فمضى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يحدثُ، فقالَ بعضُ القومِ: سمعَ ما قالَ فكرهَ ما قالَ. وقالَ بعضُهُمْ: بلْ لم يسمعْ، حتى إذا قضى حديثَهُ قالَ: ((فإذا ضيعتِ الأمانةُ فانتظرِ الساعةَ)). قالَ: كيفَ إضاعتُهَا؟ قالَ: ((إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانتظرِ الساعةَ)) [رواهُ البخاريُّ].

(3) ِإنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا.

أولًا: ضرورةُ الأخذِ بالأسبابِ، والسعيِ فى الأرضِ مع التوكلِ على اللهِ: قالَ تعالى: ((وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ)) سورةُ الطلاقِ 3.

قالَ الإمامُ البقاعيُّ: (وحرفُ الاستعلاءِ "على"؛ للإشارةِ إلى أنَّهُ قد حملَ أمورَهُ كلَّهَا عليهِ سبحانهُ؛ لأنَّهُ القويُّ الذى لا يعصيهِ شيءٌ، والكريمُ الذى يحسنُ حملَ ذلكَ ورعيَهُ، والعزيزُ الذى يدفعُ عنهُ كلَّ ضارٍّ، ويجلبُ لهُ كلَّ سارٍّ إلى غيرِ ذلكَ من المعاني الكبارِ...، فمن توكلَ استفادَ الأجرَ، وخففَ عنهُ الألمَ، وقذفَ فى قلبِهِ السكينةَ، ومن لم يتوكلْ، لم ينفعْهُ ذلكَ، وزادَ ألمَهُ، وطالَ غمُّهُ بشدةِ سعيِهِ، وخيبةِ أسبابِهِ التى يعتقدُ أنَّهَا هى المنجحةُ). اهـ. [نظمُ الدررِ فى تناسبِ الآياتِ والسورِ].

وأمرَ اللهُ بالمشيِ فى الأرضِ؛ طلبًا للرزقِ الحلالِ، فقالَ تعالى: ((هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ)) سورةُ الملكِ  15>

فقولُهُ: ((فِي مَنَاكِبِهَا))، قالَ الماورديُّ: (فيهِ أوجهٌ: أحدُهَا: فى جبالِهَا، قالَهُ ابنُ عباسٍ، وقتادةُ، وبشيرُ بنُ كعبٍ. الثاني: فى أطرافِهَا وفجاجِهَا، قالَهُ مجاهدٌ والسديُّ. الثالثُ: فى طرفِهَا. الرابعُ: فى منابتِ زرعِهَا، وأشجارِهَا، قالَهُ الحسنُ). اهـ. [النكتُ والعيونُ].

قالَ مولانَا الإمامُ الأكبرُ أ.د/ محمدُ سيدُ طنطاويُّ: (فالآيةُ الكريمةُ دعوةٌ حارةٌ للمسلمينَ؛ لكى ينتفعُوا بما فى الأرضِ من كنوزٍ، حتى يستغنُوا عن غيرِهِم فى مطعمِهِم، ومشربِهِم، وملبسِهِم، وسائرِ أمورِ معاشِهِم...، فإنَّهُ بقدرِ تقصيرِهِم فى استخراجِ كنوزِهَا، تكونُ حاجتُهُمْ لغيرِهِم...، فعليهِم أنْ يحتلُوا مكانَهُمْ، ويحافظُوا على مكانتِهِم، ويشيدُوا كيانَهُمْ بالدينِ والدنيا معًا). اهـ.

السماءُ لا تمطرُ ذهبًا ولا فضةً، ولكنْ تمطرُ ماءً يشقُّ الأرضَ، فيجني الإنسانُ ثمارَهَا، ويعفُّ نفسَهُ، وينفعُ مجتمعَهُ؛ لذا عليهِ أنْ يأخذَ بالأسبابِ؛ فعن عمرَ بنِ الخطابِ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((لو أنَّكُمْ كنتُمْ تتوكلونَ على اللهِ حقَّ توكلِهِ؛ لرزقكُمْ كما يرزقُ الطيرَ، تغدو خماصًا، وتروحُ بطانًا)) [رواهُ الترمذيُّ وحسنهُ].

قالَ القرطبيُّ – عندَ تفسيرِ قولِهِ تعالى: ((وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ)) سورةُ الأنبياءِ (80) –: (هذهِ الآيةُ أصلٌ فى اتخاذِ الصنائعِ، والأسبابِ، وهوَ قولُ أهلِ العقولِ والألبابِ، لا قولُ الجهلةِ الأغبياءِ القائلينَ بأنَّ ذلكَ إنَّما شرعَ للضعفاءِ، فالسببُ سنةُ اللهِ فى خلقِهِ، فمن طعنَ فى ذلكَ، فقد طعنَ فى الكتابِ والسنةِ، ونسبَ من ذكرنَا إلى الضعفِ وعدمِ المنةِ). اهـ. [الجامعُ لأحكامِ القرآنِ].

وقد أمرَ اللهُ السيدةَ مريمَ – عليهَا السلامُ – بهزِّ الجذعِ اليابسِ الذى لا رطبَ لهُ ولا ثمرَ، مع قدرتِهِ – سبحانهُ – على إنزالِ الرطبِ إليهَا من غيرِ هزٍّ أو تحريكٍ، فقالَ: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا)) سورةُ مريمَ 25.

قالَ ابنُ عجيبةَ: (إنَّ تحريكَ الأسبابِ الشرعيةِ لا ينافي التوكلَ، لقولِهِ تعالى: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ))، لكنْ إذا كانتْ خفيفةً مصحوبةً بإقامةِ الدينِ، غيرَ معتمدٍ عليهَا بقلبِهِ، فإنْ كانَ متجردًا فلا يرجعُ إليهَا حتى يكملَ يقينُهُ، ويتمكنَ فى معرفةِ الحقِّ تعالى، وقد كانتْ فى بدايتِهَا تأتي إليهَا الأرزاقُ بغيرِ سببٍ، كما فى سورةِ آلِ عمرانَ، وفى نهايتِهَا قالَ لهَا: ((وَهُزِّي إِلَيْكِ)).

قالَ الشيخُ أبو العباسِ المرسيُّ – رضي اللهُ عنهُ –: "كانتْ فى بدايتِهَا متعرفًا إليهَا بخرقِ العاداتِ، وسقوطِ الأسبابِ، فلما تكملَ يقينُهَا رجعتْ إلى الأسبابِ، والحالةُ الثانيةُ أتمُّ من الحالةِ الأولى"). اهـ. [البحرُ المديدُ فى تفسيرِ القرآنِ المجيدِ].

وللهِ درُّ القائلِ:

أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِمَرْيَمَ ... وَهُزِّي إِلَيْكِ الْجِذْعَ يَسَّاقَطِ الرُّطَبُ

وَلَوْ شَاءَ أَنْ تَجْنِيَهُ مِنْ غَيْرِ هَزِّهِ ... جَنَتْهُ وَلَكِنْ كُلُّ شَيْءٍ لَهُ سَبَبُ

قالَ أ.د/ موسى شاهين لاشين: (إنَّ الإسلامَ دينُ كفاحٍ، وعملٍ، وإنتاجٍ، يبني الدنيا ويعملُ للآخرةِ، يدعو المسلمَ للعملِ فى دنيَاهُ كما لو كانَ يعيشُ أبدًا، ويعملُ لآخرتِهِ كأنَّهُ يموتُ غدًا، حينَ أمرَهُ بتركِ البيعِ والشراءِ من أجلِ صلاةِ الجمعةِ، أعقبَ صلاتَهَا بالدعوةِ للعملِ: ((فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ)) سورةُ الجمعةِ (10)، وفى سبيلِ بناءِ الحياةِ الدنيا، وجهَ إلى العملِ والإنتاجِ، وحذرَ من الكسلِ والخذلانِ.

إنَّ السؤالَ نفسَهُ ذلٌّ، وإنَّ ما يأتي عن طريقِهِ سحتٌ، فلا يحلُّ السؤالُ وما يحصلُهُ إلا فى حالاتٍ ثلاثٍ: الأولى: أنْ يتحملَ الرجلُ غرمًا لإصلاحِ ذاتِ البينِ، ولا تغطي أموالُهُ هذا الغرمَ، فلهُ أنْ يسألَ لسدادِ هذا الغرمِ، فهوَ مسؤوليةُ المسلمينَ. الثانيةُ: أنْ يصابَ بكارثةٍ علنيةٍ مفاجئةٍ تأتي على مالِهِ، فلهُ أنْ يسألَ حتى يحصلَ ما بهِ كفافُهُ. الثالثةُ: أنْ يخسرَ فى عملِهِ، فيفصلَ من وظيفتِهِ، أو تخسرَ تجارتُهُ، أو تكسدَ صنعتُهُ، ويحتاجَ العونَ، فيشهدَ بحالتِهِ العالمونَ بأمرِهِ، فيحلُّ لهُ أنْ يسألَ ما بهِ كفافُهُ، ولقد خشيَ الصحابةُ من كثرةِ التحذيرِ من السؤالِ، حتى ابتعدُوا عن سؤالِ العونِ فى الشيءِ الحقيرِ). اهـ.

ثانيًا: الإنسانُ بينَ الإخفاقِ والسعيِ، النجاحِ والرسوبِ:

بيَّنَ اللهُ فى كتابِهِ العزيزِ أنَّ سنتَهُ الكونيةَ اقتضتْ أنَّهُ خلقَ البشرَ من أجلِ السعيِ والعملِ، وإلا لما كانَ للحياةِ طعمٌ أو مذاقٌ، قالَ تعالى: ((لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ)) سورةُ البلدِ (4).

ومن فهمَ هذا القانونَ الربانيَّ، عافرَ، وحاولَ مرةً بعدَ أخرى؛ بغيةَ الوصولِ إلى ما يريدُ، والإنسانُ الكائنُ الوحيدُ من بينِ الكائناتِ الذى يرفضُ قانونَ «الجهدِ المهدورِ»، "قانونَ رجالِ الأعمالِ، والعباقرةِ الجسامِ"، فتجدُ الأسودَ مثلًا لا تنجحُ فى الصيدِ إلا فى ربعِ محاولاتِهَا، أى تفشلُ فى (75%) من صيدِهَا، ومع ذلكَ لا تيأسُ من محاولاتِ المطاردةِ، والسعيِ للانقضاضِ على فريستِهَا، ونصفُ مواليدِ الدببةِ يموتُ قبلَ البلوغِ، ونصفُ بيوضِ الأسماكِ يتمُّ التهامُهَا... إلخ، ولا يزالُ هذا القانونُ الإلهيُّ مستمرًّا، لا ينقطعُ عن نواميسِ الطبيعةِ، بينما الإنسانُ إذا أخفقَ فى عملٍ ما، توقفَ عن السعيِ والمثابرةِ، واستسلمَ للظروفِ، ومن ثمَّ تراهُ يسلكُ أعمالًا غيرَ مشروعةٍ، وما يُؤتى بدونِ عرقٍ يذهبُ سدى.

وللهِ درُّ القائلِ:

بِقَدْرِ الْكَدِّ تُكْتَسَبُ الْمَعَالِي *** وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا سَهِرَ اللَّيَالِي

وَمَنْ طَلَبَ الْعُلَا مِنْ غَيْرِ كَدٍّ *** أَضَاعَ الْعُمْرَ فِي طَلَبِ الْمُحَالِ

يقولُ الإمامُ القِنَّوجيُّ: (قالَ علماؤُنَا: أولُ ما يكابدُ قطعَ سرتِهِ، ثمَّ يكابدُ الارتضاعَ، ولو فاتَهُ لضاعَ، ثمَّ يكابدُ نبتَ أسنانِهِ، وتحركَ لسانِهِ، ثمَّ يكابدُ الفطامَ، ثمَّ يكابدُ الختانَ، والأوجاعَ، والأحزانَ، ثمَّ يكابدُ المعلمَ وصولتَهُ، والمؤدبَ وسياستَهُ، والأستاذَ وهيبتَهُ، ثمَّ يكابدُ شغلَ التزويجِ والتعجيلَ فيهِ، ثمَّ يكابدُ شغلَ الأولادِ، والخدمِ، والأجنادِ، ثمَّ يكابدُ شغلَ الدورِ، وبناءَ القصورِ، ثمَّ الكبرَ والهرمَ، وفى مصائبَ يكثرُ تعدادُهَا، ونوائبَ يطولُ إيرادُهَا، ويكابدُ محنًا فى المالِ والنفسِ، ولا يمضي عليهِ يومٌ إلا يقاسي فيهِ شدةً، ولا يكابدُ إلا مشقةً، ثمَّ الموتُ بعدَ ذلكَ كلِّهِ، ثمَّ مسألةُ الملكِ، وضغطةُ القبرِ وظلمتُهُ، ثمَّ البعثُ، والعرضُ على اللهِ، إلى أنْ يستقرَّ بهِ القرارُ، إما فى الجنةِ، وإما فى النارِ). اهـ. [فتحُ البيانِ فى مقاصدِ القرآنِ].

ثالثًا: ربِّ قلبَكَ على الرضا والقناعةِ بما رزقكَ اللهُ تعالى (لمنْ لم يوفقْ فى الثانويةِ أو فى أمرٍ ما):

(1) سُئلَ جعفرُ بنُ سليمانَ الضبعيُّ: متى يكونُ العبدُ راضيًا عن اللهِ تعالى؟ قالَ: إذا كانَ سرورُهُ بالمصيبةِ مثلَ سرورِهِ بالنعمةِ. وكانَ الفضيلُ يقولُ: إذا استوى عندَهُ المنعُ والعطاءُ فقد رضيَ عن اللهِ تعالى. [إحياءُ علومِ الدينِ].

لينظرِ الإنسانُ إلى من هو أسفلُ منهُ؛ ليكونَ ذلكَ داعيًا إلى الشكرِ، قالَ تعالى: ((وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ)) سورةُ لقمانَ 12.

عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((من يأخذُ عني هؤلاءِ الكلماتِ فيعملُ بهنَّ أو يعلمُ من يعملُ بهنَّ؟)). فقالَ أبو هريرةَ: فقلتُ: أنا يا رسولَ اللهِ. فأخذَ بيدي فعدَّ خمسًا، وقالَ: ((اتقِ المحارمَ تكنْ أعبدَ الناسِ، وارضَ بما قسمَ اللهُ لكَ تكنْ أغنى الناسِ، وأحسنْ إلى جارِكَ تكنْ مؤمنًا، وأحبَّ للناسِ ما تحبُّ لنفسِكَ تكنْ مسلمًا، ولا تكثرِ الضحكَ، فإنَّ كثرةَ الضحكِ تميتُ القلبَ)) [رواهُ الترمذيُّ وأحمدُ].

قالَ ابنُ أبي الدنيا: (بلغني عن بعضِ الحكماءِ قالَ: التوكلُ على ثلاثِ درجاتٍ: أولُهَا: تركُ الشكايةِ، والثانيةُ: الرضا، والثالثةُ: المحبةُ، فتركُ الشكايةِ درجةُ الصبرِ، والرضا سكونُ القلبِ بما قسمَ اللهُ لهُ، وهى أرفعُ من الأولى، والمحبةُ أنْ يكونَ حبُّهُ لما يصنعُ اللهُ بهِ، فالأولى للزاهدينَ، والثانيةُ للصادقينَ، والثالثةُ للمرسلينَ). [التوكلُ على اللهِ لابنِ أبي الدنيا].

عن أنسِ بنِ مالكٍ، عن رسولِ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ، أنَّهُ قالَ: ((عظمُ الجزاءِ مع عظمِ البلاءِ، وإنَّ اللهَ إذا أحبَّ قومًا ابتلاهُمْ، فمن رضيَ فلهُ الرضا، ومن سخطَ فلهُ السخطُ)) [رواهُ ابنُ ماجهِ].

(2) الدعاءُ يصنعُ المستحيلَ، ويقلبُ الموازينَ؛ فهذا زكريا – عليهِ السلامُ – يدخلُ على مريمَ – عليهَا السلامُ – المحرابَ، فيجدُ عندهَا رزقًا وفيرًا، قالَ تعالى: ((كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ)) سورةُ آلِ عمرانَ 37.

قالَ الربيعُ بنُ أنسٍ: «إنَّهُ كانَ لا يدخلُ أحدٌ سوى زكريا، فكانَ يجدُ عندهَا فاكهةَ الصيفِ فى الشتاءِ، وفاكهةَ الشتاءِ فى الصيفِ». [جامعُ البيانِ لابنِ جريرٍ الطبريِّ].

فاستجابَ اللهُ لهُ، قالَ تعالى: ((فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ)) سورةُ آلِ عمرانَ 39.

قالَ الأحنفُ: "شكوتُ إلى عمي صعصعةَ بنِ معاويةَ وجعًا فى بطني، فنهرني ثمَّ قالَ: يا ابنَ أخي، إذا نزلَ بكَ شيءٌ فلا تشكُهُ إلى أحدٍ، فإنَّما الناسُ رجلانِ: صديقٌ تسوؤُهُ، وعدوٌّ تسرُّهُ، والذى بكَ لا تشكُهُ إلى مخلوقٍ مثلِكَ، لا يقدرُ على دفعِ مثلِهِ عن نفسِهِ، ولكنْ إلى من ابتلاكَ بهِ، وهوَ قادرٌ على أنْ يفرجَ عنكَ". [ربيعُ الأبرارِ ونصوصُ الأخيارِ للزمخشريِّ].

تحلَّ بالصبرِ والذكرِ، وتقربْ إلى ربِّكَ، قالَ تعالى: ((فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى)) سورةُ طهَ 130.

وعن ثوبانَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((من قالَ حينَ يمسي: رضيتُ باللهِ ربًّا، وبالإسلامِ دينًا، وبمحمدٍ نبيًّا، كانَ حقًّا على اللهِ أنْ يرضيَهُ)) [رواهُ أبو داودَ، والترمذيُّ].

(3) كنْ على يقينٍ أنَّ اللهَ يعطي لحكمةٍ، ويمنعُ لحكمةٍ:

قالَ تعالى: ((وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)) سورةُ البقرةِ 216.

وقالَ تعالى: ((أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ)) سورةُ الزخرفِ 32.

وقالَ تعالى: ((اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَهُ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) سورةُ العنكبوتِ 62.

وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((أيُّها الناسُ، اتقوا اللهَ، وأجملُوا فى الطلبِ، فإنَّ نفسًا لنْ تموتَ حتى تستوفيَ رزقَهَا وإنْ أبطأَ عنهَا، فاتقوا اللهَ، وأجملُوا فى الطلبِ، خذُوا ما حلَّ، ودعُوا ما حرمَ)) [رواهُ ابنُ ماجهِ].

قالَ مسروقٌ: "كانَ رجلٌ بالباديةِ لهُ كلبٌ، وحمارٌ، وديكٌ، فالديكُ يوقظُهُمْ للصلاةِ، والحمارُ ينقلونَ عليهِ الماءَ، ويحملُ لهُمْ خباءَهُمْ، والكلبُ يحرسُهُمْ. قالَ: فجاءَ الثعلبُ فأخذَ الديكَ، فحزنُوا لهُ، وكانَ الرجلُ صالحًا، فقالَ: عسى أنْ يكونَ خيرًا. ثمَّ جاءَ ذئبٌ فخرقَ بطنَ الحمارِ فقتلَهُ، فحزنُوا عليهِ، فقالَ الرجلُ: عسى أنْ يكونَ خيرًا. ثمَّ أصيبَ الكلبُ بعدَ ذلكَ، فقالَ: عسى أنْ يكونَ خيرًا. ثمَّ أصبحُوا ذاتَ يومٍ، فنظرُوا فإذا قد سُبيَ من حولَهُمْ وبقُوا هُمْ. قالَ: وإنَّما أُخذَ أولئكَ لما كانَ عندهُمْ من أصواتِ الكلابِ، والحميرِ، والديكةِ، فكانتِ الخيرةُ لهؤلاءِ فى هلاكِ هذهِ الحيواناتِ كما قدرَهَا اللهُ تعالى. فإذا عرفَ خفيَّ لطفِ اللهِ تعالى رضيَ بفعلِهِ على كلِّ حالٍ". [إحياءُ علومِ الدينِ].

 

 

google-playkhamsatmostaqltradent