recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الآثارُ الكارثيةُ للرِّشوةِ على الفردِ والمجتمعِ الشيخ عبدالناصربليح

  الآثارُ الكارثيةُ للرِّشوةِ على الفردِ والمجتمعِ


عقوبةُ المرتشي فى الدنيا والآخرةِ.

أولًا: آثارها على الفرد في الدنيا 

ثانياً:أثارها في الأخرة

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد 

أيها المسلمون، إنَّ الرِّشوةَ إذا انتشرتْ في مجتمعٍ لم تقفْ آثارُها عندَ آخذٍ أو معطٍ، بل امتدَّ خطرُها إلى بناءِ المجتمعِ كلِّه؛ لأنها تُفسدُ ميزانَ العدلِ، وتُضعفُ الثقةَ بين الناسِ، وتجعلُ المصالحَ والحقوقَ مرهونةً بالمالِ لا بالاستحقاقِ.

فالرِّشوةُ تُحوِّلُ الحقَّ من أمرٍ ثابتٍ إلى أمرٍ يُشترى، وتجعلُ صاحبَ المالِ مقدَّمًا ولو كان مبطلًا، وتحرمُ صاحبَ الحقِّ ولو كان مستحقًّا؛ فيضيعُ المجتهدُ، ويُحبطُ المخلصُ، ويشعرُ الناسُ أنَّ الطريقَ إلى النجاحِ ليس بالكفاءةِ والأمانةِ، وإنما بالقدرةِ على الدفعِ والوصولِ إلى أصحابِ النفوذِ.

وإذا سادتِ الرِّشوةُ في أمةٍ ضعفتْ فيها هيبةُ القانونِ، وانتشرَ الظلمُ، وفقدَ الناسُ الثقةَ في مؤسساتِهم، وحلَّ الخوفُ محلَّ الطمأنينةِ؛ لأنَّ الإنسانَ حينَ يرى الحقوقَ تُنتزعُ بالمالِ، يشعرُ أنَّ العدلَ غائبٌ، وأنَّ الضعيفَ لا مكانَ له في مجتمعٍ لا تُصانُ فيه الحقوقُ.

وقد جاءَ في الحديثِ: عن عبدِ اللهِ بنِ عمروٍ رضي اللهُ عنهما قال: قال رسولُ اللهِ :

"إِنَّ الرُّشَا فِي الْحُكْمِ كُفْرٌ"(أحمدُ).

ومعنى ذلك - عندَ أهلِ العلمِ - أنَّ الرشوةَ في الحكمِ من أعظمِ الذنوبِ؛ لما فيها من تغييرِ الحقِّ، وإعانةِ الظالمِ، وإفسادِ ميزانِ القضاءِ والعدلِ، وليستْ المرادُ بها الكفرُ المخرجُ من الملَّةِ بإطلاقِه.

عبادَ اللهِ، إنَّ خطرَ الرِّشوةِ لا يقتصرُ على من يباشرُها، بل يتعدَّى إلى المجتمعِ كلِّه إذا سكتَ عنها، أو رضيَ بوجودِها، فإنَّ الفسادَ إذا تُركَ حتى يستفحلَ أصابَ أثرُه الجميعَ. قال اللهُ تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"(الأنفال: 25).

فالمجتمعُ مسؤولٌ عن محاربةِ الفسادِ، والنصحِ، والأخذِ على يدِ المفسدِ، كلٌّ بحسبِ قدرتِه وموقعِه؛ لأنَّ انتشارَ الظلمِ لا يضرُّ الظالمَ وحدَه، بل يفتحُ بابًا من الضررِ يعمُّ الناسَ جميعًا.

ومن أعظمِ آثارِ الرِّشوةِ أنَّها تُقصي أصحابَ الكفاءةِ، وتُقدِّمُ أهلَ الواسطةِ والمحاباةِ، فإذا تولَّى غيرُ الأكفاءِ مواقعَ المسؤوليةِ بسببِ المالِ أو النفوذِ تعطَّلتِ المصالحُ، وضاعتِ الطاقاتُ، وتأخَّرَ البناءُ والتنميةُ.

أيها المؤمنون، إنَّ الأممَ لا تسقطُ غالبًا بسببِ قلَّةِ المواردِ، وإنما تسقطُ حينَ تُهدرُ القيمُ، وتضيعُ الأمانةُ، ويصبحُ الفسادُ أمرًا مألوفًا لا يستنكرهُ أحدٌ.

فالرِّشوةُ ليستْ مالًا حرامًا فقط، بل هي طعنةٌ في جسدِ العدالةِ، وإضعافٌ لثقةِ الناسِ، وسببٌ في تعطيلِ مصالحِ الأمةِ، ولذلك كان القضاءُ عليها حمايةً للدينِ، وصيانةً للمجتمعِ، وحفظًا لمستقبلِ الأجيالِ.

عقوبةُ المرتشي فى الدنيا والآخرةِ.

عقوبات الاعتداء على المال العام في الإسلام عظيمة وتشمل حرمة أخذ مال المجتمع، والوعيد الشديد للغال والمختلس والمرتشي في الدنيا والآخرة.

خطورة المال العام وحرمته حق المجتمع: المال العام هو ملك لجميع أفراد الأمة وليس لملك فرد، والاعتداء عليه يعد خيانة للأمانة وظلمًا لجميع المواطنين.

أنه من الكبائر: عُدّ التخوض في مال الله بغير حق من كبائر الذنوب التي توعد الله أصحابها بالنار.

عقوبات المرتشي والخائن في الدنياالتعزير والرد: أخذ المال العام يوجب ردّ المال المسلوب أو رد قيمته إلى خزينة الدولة، مع توقيع عقوبات تعزيرية قوية ورادعة من ولي الأمر لحماية حقوق الناس.

 خطورة المال الحرام

المال الحرام يُغلق أبواب السماء، ويمنع قبول الدعاء، ويورث القسوة والجفاء.

قال النبي صلي الله عليه وسلم  كما في الصحيح:"يُطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب، يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغُذِّي بالحرام، فأنّى يُستجاب لذلك؟!» أرأيتم؟! يدعو ويرفع يديه، وصورته توحي بالإخلاص، لكن دعاءه يُردّ؛ لأن الحرام سدَّ بينه وبين الله باب القبول.

أيها الأحبة: كم من رجلٍ ظن أن المال الحرام سيُغنيه، فإذا به يُذلّه! وكم من إنسانٍ جمع المال من الحرام، فلم تمضِ عليه أيام حتى ذهب المال وذهبت البركة، وبقي الوزر والعذاب.

يُروى أن رجلًا قال لأحد الصالحين: “يا هذا، ما بالنا نجتهد ولا نُبارك؟” قال: “لأن في أرزاقكم شبهة أو حرامًا، والحرام لا يعيش طويلًا.” وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم" «كل جسد نبت من سُحت فالنار أولى به».

روى ابن الجوزي أن رجلاً كان يطعم أبناءه من مالٍ فيه شبهة، فمات أحد أبنائه، فرآه في المنام فقال له: يا أبتِ، أطِب مطعمك، فإنّا وُقِفنا للحساب على كل لقمةٍ أطعمْتناها من حرام!

قال بعض الحكماء: رأيت المال الحرام كالنار، ما مسّ شيئًا إلا أحرقه، حتى الدين والنفس والولد.

ومن هنا كانت الرشوة أشدّ صور المال الحرام خطرًا، لأنها ليست معصيةً فرديةً فحسب، بل فسادٌ عامٌّ يُهلك القلوب والمجتمعات، تُطفئ نور الأمانة، وتُطفئ نور العدالة، وتجعل القويَّ ظالمًا، والضعيفَ مظلومًا، وتُبدِّل الموازين التي أقامها الله بالحق.

الرشوة في واقعنا المعاصر هي: "كل مالٍ أو منفعةٍ تُقدَّم لأحد المسؤولين أو العاملين أو أصحاب النفوذ؛ ليُقدِّم خدمةً لا يستحقها المُعطي، أو ليمنحَه ما ليس له حقٌّ فيه، أو ليُسهِّل له أمرًا على حساب النظام أو الناس."

فهي ليست مقصورة على النقود فقط، بل تشمل كل ما يُقدَّم من هدية أو خدمة أو مصلحة بقصد التوصل إلى باطل أو منع حق.

آثار الرشوة على الفرد والمجتمع

الرشوة ليست مجرد معصية فردية، بل هي جريمة مجتمعية تُدمّر أركان الأمة، وتُهلك حضارتها من الداخل, فما من أمةٍ انتشرت فيها الرشوة إلا فُقد فيها العدل، وارتفعت منها البركة، وضاعت فيها الحقوق،

حتى يُصبح الشريف فيها مظلومًا، والظالم مكرَّمًا، ويُصبح باب الحلال مغلقًا، وباب الحرام مفتوحًا لمن يدفع أكثر!

 

أولًا: آثارها على الفرد في الدنيا 

محْق البركة في الرزق والعمر والأهل: قال النبي :"ما نبت من سحت فالنار أولى به"فكل لقمة، وكل مال جمع بالحرام، يكون سببًا في الشقاء والنكد في الدنيا قبل الآخرة.

قيل للحسن البصري: إن رجلًا لا يُستجاب له الدعاء، فقال: انظر من أين مطعمه، ومن أين ملبسه، فإن الله طيّب لا يقبل إلا طيبًا.

ضياع الدين وضعف الإيمان:

من اعتاد أكل الحرام، صار قلبه قاسيًا لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا، وقد قال النبي : تُعرضُ الفتنُ على القلوبِ كالحصيرِ عودًا عودًا ، فأيُّ قلبٍ أُشربَها نكتَتْ فيه نكتةٌ سوداءُ فيصيرُ أسودَ مربادًّا كالكوزِ مُجَخِّيًا ، لا يعرفُ معروفًا ولا ينكرُ إلا ما أُشرِبَ من هَواه..

سوء الخاتمة والحرمان من التوفيق: من عاش على الحرام، مات على الندم.

قال بعض السلف: من أكل حرامًا أربعين يومًا لم تُستجب له دعوة. فكيف بمن جعل الحرام عادة، والرشوة مهنة؟!

  الرشوة تظهر في صحة أطفالك وأهلك، فيا أيها المرتشي، احذر أن تُبتلى بفقد عزيز على قلبك، وماذا ينفعك ذلك المال إن فقدت أحد أطفالك؟

  الرشوة تظهر في كآبة الإنسان وغياب مفهوم السعادة، فلا يوجد مرتشٍ يأكل الحرام سعيدًا، وإن أظهر ذلك، ولكن في قلبه معارك طاحنة.

  الرشوة تظهر في القلق الدائم للإنسان، خوفًا من الفضيحة، وخوفًا من القانون، وخوفًا من المجهول.

  الرشوة تُصغِّر الإنسان أمام المجتمع، وتجعله حديث سوء، وسمعة سوء تلازمه أبد الدهر.

  الرشوة في بدايتها لذيذة كالعسل، ولكنها في النهاية تؤدي بك إلى السجن الذي لا مفر منه، وتؤدي بك إلى جهنم الدار الباقية.

المرتشي لا يشبع، وهذه صفة مذمومة جعلها الله في قلب المرتشي، لا يشبع يعني لا يرتاح، يعني يقضي عمره بالهم والتفكير والقلق والحرب، حتى يجد نفسه في القبر، دون أن يعيش حياته.

نزعُ البركةِ من حياتِهِ، ومالِهِ، وولدِهِ:

 المرتشي منزوعُ البركةِ، ومحرومٌ من استجابةِ الدعاءِ، ودخولِ الجنةِ إنِ استحلَّ هذا:

لما كانتِ الرشوةُ ماحقةً للأرزاقِ، معطلةً لمصالحِ الخلقِ، تؤخرُ المجتهدَ الذكيَّ، وتقدمُ الخاملَ البليدَ، تعلقُ الناسَ بحبِّ الدنيا، وتنسيهِم أمرَ الآخرةِ، وتسوقُ المجتمعاتِ إلى الخرابِ والدمارِ، جاءَ الوعيدُ بالنهيِ عنهَا، وعن كلِّ طريقٍ يؤدي إليهَا.

  عن حكيمِ بنِ حزامٍ، قالَ: قالَ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:"إنَّ هذا المالَ خضرةٌ حلوةٌ، فمن أخذَهُ بطيبِ نفسٍ بوركَ لهُ فيهِ، ومن أخذَهُ بإشرافِ نفسٍ لم يباركْ لهُ فيهِ، وكانَ كالذى يأكلُ ولا يشبعُ"(مسلمٌ).

 محرومٌ من استجابةِ الدعاءِ: عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: ((أيُّها الناسُ، إنَّ اللهَ طيبٌ لا يقبلُ إلا طيبًا، وإنَّ اللهَ أمرَ المؤمنينَ بما أمرَ بهِ المرسلينَ، فقالَ: ((يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ)) سورةُ المؤمنونَ (51)، وقالَ:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ"(البقرةِ/172)، ثمَّ ذكرَ الرجلَ يطيلُ السفرَ أشعثَ أغبرَ، يمدُّ يديهِ إلى السماءِ: يا ربِّ، يا ربِّ، ومطعمُهُ حرامٌ، ومشربُهُ حرامٌ، وملبسُهُ حرامٌ، وغذيَ بالحرامِ، فأنى يستجابُ لذلكَ؟"(مسلمٌ).

وقالَ سعدُ بنُ أبي وقاصٍ:"يا رسولَ اللهِ، ادعُ اللهَ أنْ يجعلني مستجابَ الدعوةِ. فقالَ لهُ النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ: يا سعدُ، أطبْ مطعمَكَ تكنْ مستجابَ الدعوةِ، والذى نفسُ محمدٍ بيدِهِ، إنَّ العبدَ ليقذفُ اللقمةَ الحرامَ فى جوفِهِ، ما يتقبلُ منهُ عملٌ أربعينَ يومًا، وأيما عبدٍ نبتَ لحمُهُ من السحتِ والربا، فالنارُ أولى بهِ"( الطبرانيُّ فى "المعجمِ الأوسطِ").

  العيشُ فى رعبٍ وخوفٍ: عن عمروِ بنِ العاصِ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يقولُ:"ما من قومٍ يظهرُ فيهِم الربا، إلا أُخذوا بالسنةِ، وما من قومٍ يظهرُ فيهِم الرشا، إلا أُخذوا بالرعبِ"(أحمدُ).

ليعلمْ كلُّ من يتعاملُ بالرشوةِ أنَّهُ موقوفٌ بينَ يدي ربِّهِ، وأنَّهُ سائلُهُ عن مالِهِ؛ عن أبي برزةَ الأسلميِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ:"لا تزولُ قدما عبدٍ يومَ القيامةِ حتى يُسألَ...، وعن مالِهِ من أينَ اكتسبَهُ وفيمَ أنفقَهُ، وعن جسمِهِ فيمَ أبلاهُ"(الترمذيُّ وحسنهُ).

أنَّ فعلَهُ هذا يجني على الأمةِ؛ لأنَّ فيهِ توسيدَ الأمرِ لغيرِ أهلِهِ؛ فعن أبي هريرةَ قالَ: بينما النبيُّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ فى مجلسٍ يحدثُ القومَ، جاءَهُ أعرابيٌّ، فقالَ: متى الساعةُ؟ فمضى رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ يحدثُ، فقالَ بعضُ القومِ: سمعَ ما قالَ فكرهَ ما قالَ. وقالَ بعضُهُمْ: بلْ لم يسمعْ، حتى إذا قضى حديثَهُ قالَ:"فإذا ضيعتِ الأمانةُ فانتظرِ الساعةَ". قالَ: كيفَ إضاعتُهَا؟ قالَ:"إذا وُسِّدَ الأمرُ إلى غيرِ أهلِهِ فانتظرِ الساعةَ"( البخاريُّ).

عقوبة الرشوة في الآخرة

العقوبات الأخروية للغَال والمختلس والمرتشي

الفضيحة يوم القيامة: يأتي الخائن وسارق المال العام حاملاً ما سرقه على رقبته يوم القيامة فضيحةً له على الملأ.

حرمان المغفرة والقبول: لا تقبل الصدقة من غلول، وقد سلب النبي وصف الشهادة عمن غلّ شملة أو عباءة من الغنيمة وجعله في النار.

عقوبة الرشوة في الآخرة هي الطرد من رحمة الله، وحمل وزرها على العنق يوم القيامة مفضوحاً.

عقوبات الرشوة يوم القيامةاللعنة والطرد: لُعن الراشي والمرتشي

 والوسيط على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، واللعن هو الطرد من رحمة الله

 تعالى.

حمل المال الحرام: يأتي المرتشي يوم القيامة يحمل ما أخذ من رشوة على عاتقه

 وعنقه ثقلاً ووزراً، كأن يحمل بعيراً أو بقرة أو شاة لها صوت.الفضيحة الكبرى: يُفضح

 الخائن والمرتشي أمام الخلائق يوم القيامة ويُسأل عن ماله من أين أكتسبه وفيما أنفقه

النارُ أولى بهِ: عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ النبيَّ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ لكعبِ بنِ عجرةَ:"إنَّهُ لا يدخلُ الجنةَ لحمٌ نبتَ من سحتٍ، النارُ أولى بهِ"( أحمدُ، وابنُ حبانَ).

وعن ابنِ عباسٍ رضي اللهُ عنهُمَا أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليهِ وسلمَ قالَ:"من وُلِّيَ عشرةً فحكمَ بينهُمْ بما أحبوا أو بما كرهوا، جيءَ بهِ مغلولةً يداهُ، فإنْ عدلَ ولم يرتشِ ولم يحفْ فكَّ اللهُ عنهُ، وإنْ حكمَ بغيرِ ما أنزلَ اللهُ، وارتشى وحابى فيهِ، شدتْ يسارُهُ إلى يمينِهِ، ثمَّ رميَ بهِ فى جهنمَ، فلم يبلغْ قعرَهَا خمسمائةَ عامٍ"(الطبرانيُّ فى "الأوسطِ"، والحاكمُ فى "المستدركِ").

فيا أيها الناس، احذروا الرشوة فإنها تقتلكم وتقتل عوائلكم .

إسمه : ديّوث  وليس : متفتح  إسمه : زنا   وليس : علاقة عاطفية  إسمه : ربا   وليس : فائدة  إسمه : خمر   وليس : مشروبات كحولية  إسمه : تبرّج   وليس : حرية لباس  

إسمها : سرقة   وليست : شطارة  إسمها : رشوة   وليست : هدية  سمّوا المنكرات بأسمائها وعلموها لأبنائكم الرشوة.. أصبحت قهوة  والاختلاط.. تحضرًا    

والتبرج.. أناقة  والتعري.. حرية    والأمر بالمعروف.. تشددًا    والنهي عن المنكر.. تخلفًا  إبليس كان صريحًا معنا من البداية.. قال إنه سوف يضلنا في الدنيا ويتخلى عنا في الآخرة.. ولكن "صمٌ بكمٌ عميٌ فهم لا يعقلون"  كلام يحزن القلب في زمن التحضر.. إذا نصحت أحدًا بترك معصية، يكون رده: "أكثر الناس تفعل ذلك، لست وحدي!"    لو بحثت عن كلمة "أكثر الناس" في القرآن.. لوجدت بعدها: - أكثر الناس لا يعلمون - أكثر الناس لا يشكرون - أكثر الناس لا يؤمنون ولو بحثت عن كلمة "أكثرهم".. 

لوجدت بعدها:  أكثرهم فاسقون - أكثرهم يجهلون - أكثرهم معرضون - أكثرهم لا يعقلون - أكثرهم لا يسمعون فكن أنت من القليل.. 

الذين قال الله تعالى فيهم:  "وقليل من عبادي الشكور"  "وما آمن معه إلا قليل" 

- "ثلة من الأولين وقليل من الآخرين"

 دفع الرشوة، للتخلص من الضرر الواقع ظلماً، جائز، لكن بشرط أن يأمن من حدوث ضرر أشد، كالسجن أو العقاب،   العقوبات الأخروية للغَال والمختلس 

الفضيحة يوم القيامة: يأتي الخائن وسارق المال العام حاملاً ما سرقه على رقبته يوم القيامة فضيحةً له على الملأ.حرمان المغفرة والقبول: لا تقبل الصدقة من غلول، وقد سلب النبي وصف الشهادة عمن غلّ شملة أو عباءة من الغنيمة وجعله في النار.

ثانيًا: آثارها على المجتمع

ضياع العدالة وانتشار الظلم: حين يُشترى الحكم ويُباع القرار، تُقتل القيم وتُدفن المبادئ. يُظلم الفقير لأنه لا يملك، ويُكرَّم الغني لأنه يدفع! وفي الحديث: «إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد».

انهيار الثقة بين الناس: حين يعلم الناس أن القرب من المسؤول لا يكون إلا بالمال، تسقط الثقة، ويعمّ الإحباط، وتُغلق أبواب الخير في وجوه المستحقين.

انتشار الفساد في مؤسسات الدولة: الرشوة تفتح الباب أمام الغش، والاختلاس، والتلاعب في الأموال العامة، فيسقط النظام، وتضعف الرقابة، وتضيع المصلحة العامة, قال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾

ذكروا أن رجلًا كان يشتغل في منصب يتلقى الرشاوي، فلما مات وُضع في قبره، فسمع الناس صوتًا شديدًا، فرآه بعض الصالحين في المنام فقال: ما صنع الله بك؟ قال: أحرق بطني أول ما دخلت قبري، قيل: ولِم؟ قال: لأنني كنت آكل الحرام ولا أتحرّاه!

ورع السلف في اجتناب السحت والرشوة

عباد الله: إن الحديث عن الرشوة والمال الحرام ليس حديثًا عن قضيةٍ اقتصاديةٍ فقط، بل هو حديث عن الإيمان والآخرة، عن الجنة والنار، عن الورع والخشية، عن أمةٍ لا تقوم إلا بالعدل، ولا تنهض إلا بالنزاهة والأمانة, وما أروع ما قدّمه لنا السلف الصالح من نماذج خالدة في ترك الحرام واجتناب السحت، حتى مع أعدائهم!

النموذج الأول: عبد الله بن رواحة رضي الله عنه مع يهود خيبر كان رسول الله يبعثه ليُقدّر ثمار خيبر، فعرض عليه اليهود شيئًا من المال ليُخفّف عنهم، فقال كلمته العظيمة التي يجب أن تُكتب بماء الذهب: «يا معشر يهود، والله لقد جئتكم من أحبّ الناس إليّ، وما أبغض أحدًا أكثر منكم، ولكن لا يحملني ذلك على أن أظلمكم، وإن الرشوة سحت، وإنّا لا نأكل السحت.» فقال اليهود: بهذا قامت السماوات والأرض! صدقوا، فالعدل هو عماد الكون، والحق لا يُشترى بالمال.

النموذج الثاني: عمر بن عبد العزيز رحمه الله كان يكتب في أمرٍ من أمور الدولة، فلما فرغ أطفأ السراج وأشعل آخر، فسأله ابنه: "يا أبتِ، لِمَ أطفأت هذا وأشعلت ذاك؟" فقال: "يا بني، هذا السراج من مال المسلمين، وكنا نتحدث في أمرٍ خاصٍّ من شؤوننا، فلا يحل أن نضيء بنورهم فيما لا يخصهم." أي قلبٍ هذا؟! وأي ورع هذا؟ وأي خوفٍ من الله يسكن صدورهم!

أيها الأحبة: هكذا كان القوم، وهكذا طهّر الله قلوبهم من الطمع، وأيديهم من السحت، وألسنتهم من الكذب.

فأقاموا العدل، ونشروا الأمانة، وورثوا الجنة.


google-playkhamsatmostaqltradent