مُرَاعَاةُ الْمَشَاعِر مِنْ أَعْظَمِ الشَّعَائِرِ
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل:"سَيَأْتِيكُمْ عِكْرِمَةُ بْنَ أَبِي جَهْلٍ مُؤْمِناً مُهَاجِراً، فَلَا تَسُبُّوا أَبَاهُ، فَإِنَّ سَبَّ الْمَيِّتِ يُؤْذِي الْحَيَّ وَلَا يَبْلُغُ الْمَيِّتَ"اللهم صلاة وسلاماًعليك ياسيدي يارسول الله
.أما بعد.. عباد الله، :"
حديثنا إليكم اليوم عن مراعاة المشاعر من أعظم الشعائر فلقد شرع الله لنا ديناً قيماً، وجعل حسن الخلق ميزاناً يثقل به العبد موازينه يوم القيامة. ومن أسمى هذه الأخلاق التي تتجلى بها عظمة الإسلام: مراعاة مشاعر الناس وجبر خواطرهم.
إن مراعاة مشاعر الناس وجبر خواطرهم من أعظم العبادات وأجلّ الأخلاق التي حث عليها الإسلام.
فهي تبني المودة، وتزيل الشحناء، وتجعل المجتمع مترابطاً. لقد أعلى ديننا الحنيف من قيمة الكلمة الطيبة والتعامل الراقي الذي يحفظ كرامة الإنسان.
إنّ النفس البشرية تتألق بالكلمة الطيبة، وتأنس بمن يشعر بها، وتنفر من جاف المشاعر متبلد الإحساس.
مراعاة المشاعر من كتاب الله القرأن الكريم
عباد الله :" هذا الادب الرفيع والخلق النبوي العظيم. نتعلمه من كتاب الله من نبي الله يوسف عليه السلام.
قال تعالي:" وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا
لَهُ سُجَّدًا ۖ وَقَالَ يَا أَبَتِ هَٰذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا
رَبِّي حَقًّا ۖ وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم
مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي
ۚ إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ "(يوسف/100).
النبي الكريم ابن الكريم لما صار على خزائن مصر. وحضر اخوته بين يديه جعل يحدثهم بنعمة ربه عليه وقال لهم إذْ أخرجني من السجن. ولم يقل إذْ أخرجني من الجب لأنهم هم الذين رموه في الجب والبئر. فراعى مشاعرهم. ولم يرد أن يذكرهم بماضيهم المشين والمهين.
وقال من بعد ان نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي. مع أنهم هم الذين باشروا أذيته والإساءة إليه وقال وجاء بكم من البدو ولم يقل وجاء بكم من الفقر والنصب والتعب
لأن لا يظهر منته عليهم ثم أعاد الثناء على ربه فقال :" إِنَّ رَبّــِي لَــطِــيفٌ لِـمَـا يَـشَاء".
فـسبحــــان من اصطفى لنبوته ورسالته الكُمل والخٌلص من عباده.
ونبي الله سليمان النبي المــلك الكـريم راعى مشاعر نملة. وتبسم ضاحكـاً من قولها وراعى مشاعرها. وأمـر الجيش أن يغير طريقه ولا يهدم مملـكة النمل .
قال تعالي:" حَتَّىٰ إِذَا أَتَوْا عَلَىٰ وَادِ النَّمْلِ
قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ
سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ
أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ
وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ"(النمل
أيها المسلمون عباد الله مراعاة المشاعر من أعظم الشعائر.
ولذا فإن الشريعة الإسلامية وضعت الأهداف والأسس والقيم والمبادئ لمراعاة هذا الخلق العظيم.
ومن ذالك ما جاء النهي عن سب الأموات وقد يكون من أولئك الأموات من يستحق السب واللعن ولكن مراعاة لمشاعر أقاربهم من الاحياء نهى الاسلام عن السب.
فعن عائشة قال صلى الله عليه وسلم:"لا تَسُبُّوا الأمواتَ؛ فإنَّهم قد أفضَوا إلى ما قدَّموا."(البخاري).
لقد ضرب لنا نبينا صلي الله عليه وسلم أروع الأمثلة في مراعاة الأحاسيس والرفق بالنفوس.
فخرُ كل أمة بعــد صلاح دينها سمــو قيمها وفضائلهافحضــارات الأمــم تنهــض بنهــضة الاخــلاق وتنهــار بانهــيار الاخــلاق
وإنمــا الأمــم الأخــلاق ما بقيت
فان ذهبت أخــلاقهــم ذهــبوا
ولذا فان الهــدف الأسمى والأول من بعثة النبي صلى الله عليه وسلــم بعد تعبيد العبــاد لله وتتمـيم بنيان الأخــلاق.
قال صلى الله عليه وسلم :"بُعِثتُ لأُتَمِّمَ صالِحَ الأخْلاقِ"(البخاري).
:"إنما بُعِثْتُ لأُتَمِّمَ مكارمَ و في روايةٍ ( صالحَ ) الأخلاقِ"( احمد وغيره بسندٍ حسن).
. فــربى صلى الله عليه وسلــــم أصحــابه. على قيم القــرآن فارتقــوا في سلــم الاخــلاق. وملكوا الدنيا ونالت أيديهم النجم. وتربعوا على ناصيت الشمس وملــكــوا الأرض شرقــاً وغــربا.
أيها المسلمون عباد الله. ومن مكــارم الاخــلاق التي دعا اليها الاسلام وحث عليها ودعا إليها مراعاة مشــاعر الاخــرين. وعدم خدش احاسيسهم.
فمراعــاة المشــاعر مــن اعظــم الشعــائر. مراعاة المشــاعر. أدبٌ رسين. وخلقٌ نبويٌ عظيم. يجب على كل مسلمٍ ان يتمسك به.
والمتأمــل في نصوص الشريعة. يجد النصوص متكاثرةٌ ومتوافرة في هذا الباب.
قال الله :"فَبِمَا رَحۡمَة مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِیظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّوا۟ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِی ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِینَ"(آل عمران: ١٥٩).
وقال تعالي:"وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا"(البقرة/83).
وقال تعالي:"وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا"(الإسراء/53).
تأملــوا رعاكم الله وقل لعبادي يقولوا التي هي احســن. يقــول الأكمــل والأجمــل والأفضــل والأحســن مــن الكلمات. والأقوال والأفعال حتى لا يجرح المشاعر. بل إن الله عز وجل ينزل في كتابه الكريم سورة باكملها من أجل مراعاة مشاعر رجلٍ من الصــحابة.
يقدم عبد الله ابن ام مكتوم على النبي صلى الله عليه وسلم. فينشغل صلى الله عليه وسلم عنه بكبار كفار قريش فينجرح ذلك الرجل فينزل الله عز وجل معاتباً لنبيه "عَبَسَ وَتَوَلَّى أَن جَآءَهُ ٱلأعْمَى" .
وفي الصحيحين عن عبد الله ابن مسعــودٍ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إذا كنتم ثلاثةً فلا يتناجى اثنان دونَ الثالثِ إلا بإذنِه فإنَّ ذلك يُحزنُه(أحمدوغيره).
عباد الله:" لقد ضرب النبي صلى الله عليه وسلم اروع الأمثلة في حسن مراعاة مشاعر الناس وعــدم خــدش أحاسيسهم
مراعاة مشاعر الصحابة
عباد الله:" إن مراعاة نفوس الآخرين ومشاعرهم يدل على سموِّ نفس صاحبها، ورجاحة عقله، وسلامة صدره؛ فلذلك كان الحظ الأوفر منها لسيد المرسلين نبيِّنا محمد عليه الصلاة والسلام الذي كان بالمؤمنين رؤوفًا رحيمًا، يُراعي نفوسهم ومشاعرهم، ويتفقَّد أحوالهم، ويسأل عن غائبهم، ويعود مريضهم، وكان لا يعيب طعامًا؛ لئلا يضيق صدر صانعه، وإذا بلغه عن الرجل الشيءُ المكروهُ لم يُصرِّح باسمه؛ ولكن يقول:"ما بال أقوم يقولون كذا وكذا"؛ حفاظًا على المشاعر وكسبًا للودِّ.
ومن صور جبره صلى الله عليه وسلم للمشاعر ومراعاة لنفوس أصحابه ما رواه النسائي أن رجلًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كان يحضر للمسجد بولده ثم توفي ولده فانعزل عن الناس، فلمَّا فَقَدَهُ النبيُّ صلى الله عليه وسلم، قال:"ما لي لا أرى فلانًا؟"، قالوا: يا رسول الله، بُنَيُّه الذي رأيتَه هَلَكَ، فلقيه النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن بُنيِّه، فأخبره أنه هلك، فعزَّاه ثم قال:"يافلان، أيُّما كان أحبَّ إليكَ، أن تمتَّع به عمرك، أو لا تأتي غدًا إلى بابٍ من أبواب الجنة إلا تجده قد سبقكَ إليه، يفتحه لكَ"، قال: يا نبيَّ الله؛ بل يسبقني إلى باب الجنة فيفتحها لي، لَهُوَ أحبُّ إليَّ، قال:"فذاكَ لك"(النسائي وأبوداود الطيالسي)..
وكشفت الريح يومًا عن ساقَي ابن مسعود رضي الله عنه فضحك القوم منه، فبادر النبي صلى الله عليه وسلم لتطييب نفسه وجبر مشاعره وخاطره، فأعلى شأنه وبيَّن مكانتَه عند ربِّه، فقال النبيُّ : أَتَضْحَكُونَ من دِقَّةِ ساقَيْهِ ! و الذي نفسي بيدِه لَهُمَا أَثْقَلُ في الميزانِ من جَبَلِ أُحُدٍ"(أحمد)،
وحين قُتِل عبدالله بن حرام رضي الله عنه في معركة أُحُد وحزن لذلك ابنه جابر رضي الله عنه واهتمَّ، رآه النبي صلى الله عليه وسلم منكسرًا، فقال له: "يا جابر، ما لي أراك منكسرًا؟))، فقال جابر: "استُشهِدَ أبي وترَك عليهِ دينًا وعيالًا"، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "ألا أُبشِّرُك بما لقيَ اللَّهُ بهِ أباكَ، إنَّ اللَّهَ لم يُكلِّم أحدًا مِن خلقِه قطُّ إلَّا من وراءِ حجابٍ، وإنَّ اللَّهَ أحيا أباكَ فَكلَّمَه كفاحًا، وقالَ: يا عبدي، تمنَّ عليَّ ما شئتَ أعطيكَ، قال: تردني إلى الدُّنيا فأقتلُ فيكَ، فقال تبارَك وتعالى: لا إنِّي أقسمتُ بيمينٍ أنَّهم إليها لا يُرجَعونَ"( الترمذي وابن ماجه)
قال الأصبهاني رحمه الله في كتابه "الحُجة في بيان المحجة": "ومن مذهب أهل السنة: التورُّع في المآكل والمشارب والمناكح، ومواساة الضُّعفاء، والشفقة على خلق الله، فأهل السنة يعرفون الحق، ويرحمون الخلق".
عباد الله :" كان صلي الله عليه وسلم يراعي مشاعر أصحابه ففي الصحيحين عن عبدالله بن عباسٍ رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"يَدخُلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي سَبعونَ ألفًا بغيرِ حِسابٍ، قالوا: ومَن هُم يا رَسولَ اللهِ؟ قال: هُمُ الذينَ لا يَكتَوونَ ولا يَستَرقونَ، وعلى رَبِّهم يَتَوكَّلونَ، فقامَ عُكَّاشةُ، فقال: ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني منهم، قال: أنتَ منهم، قال: فقامَ رَجُلٌ، فقال: يا نَبيَّ اللهِ، ادعُ اللهَ أن يَجعَلَني منهم، قال: سَبَقَك بها عُكَّاشةُ"(البخاري ومسلم).
قال القاضي عياض. قيل ان الرجل الثاني لم يكن مؤهلاً لتلك الدرجة والمنزلة فــــراعى صلى الله عليه وســلم مشــاعــره. ولم يحرجه ويجرحه عليه الصــلاة والســلام.
ويَرْوي الصَّعْبُ بنُ جَثَّامَةَ أنَّه أهدى لرَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حِمارًا وحشيًّا، وهو بالأبواءِ، أو بودَّانَ، فرَدَّه عليه، فلَمَّا رَأى ما في وجهِه قال: إنَّا لم نَرُدَّه عليك إلَّا أنَّا حُرُمٌ"(البخاري ومسلم).
لاتذكروا أباجهل بسوء امام عكرمة
هذا التوجيه يعكس أدباً نبوياً رفيعاً ودرساً عظيماً في مراعاة مشاعر الآخرين. عن عبدالله بن الزبيرقال قال رسول الله صلي الله عليه وسلم :"يأتيكُم عِكرمةُ بنُ أبى جهلٍ مؤمنًا مهاجِرًا، فلا تسبُّوا أباهُ، فإنَّ سبَّ الميِّتِ يؤذي الحيَّ، و لا يبلُغُ الميِّتَ، فلمَّا بلغ بابَ رسولِ اللهِ استبشَر صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ و وثبَ لهُ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ علَيهِ وسلَّمَ قائمًا علَى رِجلَيهِ، فرِحًا بقدومِه"(الحاكم وابن سعد في الطبقات الكبرى- متمم الصحابة والبيهقي في المدخل إلى السنن الكبرى معلقًا بنحوه).
إليك تفاصيل هذا الموقف وبعض الدروس المستفادة منه:الموقف النبوي: حرص النبي صلي الله عليه وسلم على حماية مشاعر الصحابي عكرمة رضي الله عنه، ومنع الصحابة من سب أو شتم أبيه (أبي جهل) أمامه، لأن ذلك يؤذي الحي وإن كان الميت لا يتأثر به.
مكانة عكرمة: بعد إسلامه، أصبح عكرمة من كبار الصحابة والمجاهدين الشجعان في سبيل الله. وقد عُرف بصدق توبته وشجاعته الفائقة، خاصة في "كتيبة الموت" خلال معركة اليرموك.
الدروس المستفادة:مراعاة المشاعر: تجنب الحديث عن أقارب الأشخاص بما يسيء إليهم أو يحرجهم.
عدم تزرير الأبناء بذنوب الآباء: الإسلام يعلي من قيمة الفرد وتوبته، بغض النظر عن ماضي أسرته.
مراعاة مشاعر الناس وقت الخطأ
حين بال الأعرابي في المسجد، لم يعنفه أمام الناس ولم يجرح مشاعره، بل أمر أصحابه بالرفق به حتى قضى حاجته، ثم علّمه برفق ولين.
فعن أبي هريرة أنَّ أعرابيًّا بالَ في المَسجِدِ، فثارَ إليه النَّاسُ ليَقَعوا به، فقال لهم رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم:" دَعوه، وأهريقوا على بَولِه ذَنوبًا مِن ماءٍ -أو سَجلًا مِن ماءٍ- فإنَّما بُعِثتُم مُيَسِّرينَ ولم تُبعَثوا مُعَسِّرينَ"(البخاري).
كانَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم مُعلِّمًا رَحيمًا، ومُؤدِّبًا رَفيقًا، ومُربِّيًا حَليمًا، فكانَ إذا رأى خَطأً لا يُعنِّفُ ولا ويَزجُرُ ولا يُنفِّرُ، وإذا رأى صَوابًا مدَحَهُ، وأثْنى عليهِ وشَكرَ له.
وفي موضع آخر، جاءه رجل يستأذنه في القتال، فما كان منه صلي الله عليه وسلم إلا أن راعى مشاعره وأحاسيسه وتلطف معه بدلاً من الزجر.
عن طلحة بن معاوية السلمي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت:" يا رسول الله إني أريد الجهاد في سبيل الله قال: أمُّكَ حيَّةٌ ؟ قلت نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم الزَمْ رجلَها، فثَمَّ الجنَّةُ"(صحيح الترغيب والطبراني).
مراعاة مشاعر التاجرلزميله والخاطب لأخيه المسلم
عباد الله:"
إنّ ديننا الحنيف لم يترك مجالاً إلا وأسس فيه لقاعدة مراعاة المشاعر.
فقد أمرنا بانتقاء أطيب الكلمات، وحرم علينا التناجي بين اثنين دون الثالث لئلا يحزن، ونهى عن ترويع المسلم، بل وشرّع التعزية وجبر المصاب،
وحرّم الخِطبة على خِطبة الأخ والبيع على بيعه سداً لباب الكسر والألم.
فعن أبي هريرة نَهى رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم :"أن يَبيعَ حاضِرٌ لبادٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبيعُ الرَّجُلُ على بَيعِ أخيه، ولا يَخطُبُ على خِطبةِ أخيه، ولا تَسألُ المَرأةُ طَلاقَ أُختِها لتَكفَأَ ما في إنائِها"(البخاريومسلم).
وفي هذا الحديثِ نَهى صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ عَن بَعضِ أنواعِ المُعاملاتِ الَّتي مِن شَأنِها أنْ تُؤدِّيَ لِوُقوعِ الخِلافِ
والتَّباغضِ والغشِّ بيْن المسلِمينَ؛ فنَهى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ يَبيعَ حاضرٌ
لِبادٍ -وهو الَّذي يَسكُنُ الصَّحَراءَ- والمرادُ: أنْ يَتولَّى الحضَرِيُّ بَيعَ
سِلعةٍ للبادي؛ وذلك بِأنْ يَأتيَ أحدُ أهلِ البادِيَة ليَبِيعَ سِلعتَه في إِحْدَى
القُرَى أو المُدُنِ، فيقولَ له أحدُ سُكَّانِ هذه القريةِ أو المدينةِ: اتْرُكْها
لي وأنا أَبِيعُها لك بثَمَنٍ أعْلى، فيكونُ له سِمْسَارًا في البيعِ، وكذلك الأمرُ
في شِراءِ الحاضرِ لِلْبادي، وعِلَّةُ النَّهيِ: أنَّ هذا أقرَبُ إلى مَصلحةِ النَّاسِ؛
فإذا باعَ الحاضرُ شدَّدَ على النَّاسِ، وأمَّا البادي إذا باعَ بنَفْسِه كان أرْخَصَ
للناسِ. وأيضًا قدْ يَضُرُّ الحاضرُ الباديَ ويكونُ سَببًا في خِداعِه.
ونَهى صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ عن النَّجْشِ؛
وهو أنْ يَزيدَ في ثَمَنِ السِّلعةِ وهو لا يَرغَبُ في شِرائِها؛ وإنَّما لِيَخدَعَ
غيرَه ويَغُرَّه، والنَّهيُ عن ذلك لِمَا فيه مِنَ الغِشِّ والتَغريرِ بالنَّاسِ وخِداعِهم.
وأيضًا نَهى أنْ يَبيعَ الرَّجلُ على بَيعِ
أَخيه، يعني: أنْ يقولَ لِمَنِ اشْتَرى سِلعةً في زَمَنِ الخِيارِ: افسَخْ لِأبيعَ
لك بِأنقَصَ في الثَّمنِ، ومِثلُ ذلك الشِّراءُ على الشِّراءِ؛ كأنْ يقولَ لِلبائعِ:
افسخْ لِأشترَيَ منك بِأزيَدَ.
ونَهى النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ
أيضًا أنْ يَخطُبَ الرَّجلُ على خِطبَةِ أخيهِ المسلمِ، وصُورتُه: أنْ يَخطُبَ رجلٌ
امرأةً وتُظهِرُ الرِّضا، ويَتَّفِقا على مَهْرٍ، ولم يَبْقَ إلَّا العَقدُ، فَيأتي
آخَرُ يَخطُبُها ويَزيدُ في المَهرِ أو غيرِ ذلك مِن وَسائلِ الإغراءِ.
ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: «ولا
تَسأَلُ المرأةُ طَلاقَ أُختِها» والمرادُ بها أُخوَّةُ الدِّينِ؛ «لِتَكفَأَ ما في
إنائِها»، يعني: لا تَطلُبُ المرأةُ مِن زَوجِها أنْ يُطلِّقَ ضَرَّتَها؛ لِتَقلِبَ
ما في إناءِ أُختِها في إنائِها، أي: لِتَستأثِرَ بِخَيرِ زَوجِها وحْدَها وتَحرِمَ
غيرَها نَصيبَها منه. وفي رِوايةِ أبي داودَ: «ولْتَنكِحْ؛ فإنَّما لها ما قُدِّرَ
لها»، يعني: لا تُقيِّدْ ذلك بطَلاقِ المرأةِ الأُخرى؛ فإمَّا أنْ تَقبَلَ، وإمَّا
أنْ تَرفُضَ، ويَحتمِلُ المعْنى: أنَّها لا تَشترِطُ هذا الشَّرطَ، ولْتَقبَلِ الزَّواجَ
به، والذي قدَّرَ اللهُ عزَّ وجلَّ أنْ يكونَ لها، فإنَّه لا بُدَّ أنْ يَصِلَها.
إنّ الكلمة الجارحة قد تكسر قلباً وتُحبط نفساً، بينما الكلمة الطيبة تبني وتعيد الأمل.
فلنتقِ الله في أقوالنا وأفعالنا،
ولنكن بلسمًا لجراح الآخرين، عوناً للضعيف، ومُفرّجاً لكرب المكروب.أقول قولي هذا وأستغفر
الله لي ولكم، فاستغفروه إنّه هو الغفور الرحيم.
مراعاة مشاعر الأباء للأبناء والأزواج للزوجات
عباد الله:" إنّ أولى الناس بمراعاة مشاعرنا هم أقرباؤنا وأهل بيتنا.
الآباء والأمهات مأمورون بالعدل والرفق بمشاعر أبنائهم، فكم من كلمة تشجيع أنبتت ثقة، وكم من كلمة إحباط حطمت آمالاً.
والحياة الزوجية تحتاج إلى مشاعر حتى تدوم الحياة كالثناء المتبادل بين الزوجين والعطية والهدية والتغاضي عن الاخطاء والزلات كما أمرنا بذلك النبي صلى الله عليه وسلم. فالزوج مطالب بمراعاة مشاعر زوجته، والزوجة مطالبة بتقدير مشاعر زوجها.
مراعاة الأمهات من أجل الأطفال
عباد الله:" أولى الناس بمراعاة المشاعر الوالدان. فانه يجب مراعاة مشاعرهما واحترامهما واجلالهما وتقديرهما وتقديرهما في الكلام والمكان. ومن صور مراعاة المشاعر مراعاة مشاعر الام من اجل طفلها. في صحيح البخاري عن انس رضي الله عنه قال قال النبي صلى الله عليه وسلم اني لادخل الى الصلاة. وانا اريد اطالتها فاسمع بكاء الصبي فاتجوز في صلاتي رحمةً بامه.
مراعات مشاعر الاطفال
ومن صور مراعاة المشاعر. مراعات مشاعر الاطفال و الأبناء ينبغي أن يراعى المشاعر تجاههم. فنبذل لهم الحب والتشجيع ونعدل بينهم ونشجعهم
في البخاري صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة. فسجد فيها واطال السجود حتى خاف بعض الصحابة رضي الله عنهم على النبي وخشوا أن يكون النبي قد أصيب بمكروه فرفع بعضهم رأسه من السجود فلما انتهت الصلاة قالــوا يا نبي الله إنك سجدت سجدة فاطلتها حتى خشينا عليك. فقال صلى الله عليه وسلم كل ذالك لم يكن وإنما حصل أن بني هذا ارتحل ظهري فكرهت ان اعجله حتى يقضي حاجته.
وَمَا أَرْسَلــنَاكَ إِلْاَ رَحْمــةً للعَالَمـِـين
يراعي مشاعر طفل يريد الا يزعجه في لهوه وفي لعبه. يريد الا يقطع عليه راحته.
ومن صور مراعاة المشاعر ما جاء في السنن وصححه الألباني أن النبي صلى الله عليه وسلم قال اذا أحدث احدكم في الصلاة فليأخذ بأنفــه ثم لينصرف فليأخذ بأنفــه ثم لينصرف.
قال الخــطابي أمــر بذلك ليوهم القوم أن به رعاف. وفيه السلامة من اقوال الناس. راع الاسلام مشاعر الرجل. حتى لا يحرج امام المصلين فامره ان يأتي بحيلة يوهم القوم ان به رعاف.
مراعاة مشاعر الفقراء والمحتاجين
وكذلك في مجتمعنا، تتأكد مراعاة مشاعر الفقراء والمحتاجين، فجبر خواطرهم عبادة عظيمة يتقرب بها العبد إلى الرحمن، كما قال تعالى:"قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى".
فلنحاسب أنفسنا على ما نلفظه، ولنستشعر عظم الأجر في إدخال السرور على قلوب المسلمين. لنجعل التغافل عن الزلات، والتماس الأعذار، والكلمة الطيبة منهجاً لحياتنا اليومية.
ومن صور مراعاة المشاعر النهي عن رفع الصوت
إذا كان يؤذي الأخرين. ولو كان ذلك بالقرآن الكريم
عن أبي سعيدٍ الخدري رضي الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم اعتكف في المسجد فسمعهم يجهرون بالقراءة فكشف الستر وقال ألا إن
كلكم مناجي ربه فلا يؤذين بعضكم بعضا. رواه ابو داوود وصححه الالباني.
تأملوا رعاكم الله الى عظمة هذه الشريعة.
وإلى كمال هذه الشريعة. نهت عن اذية الغير ولو كان ذلك بالقرآن الكريم
فما بالك بأولئك الذين يرفعون الأصوات بالموسيقى والأغاني ما بالك
بأولئك? الذين يرفعون اصوات المعازف من بعد صلاة العشاء? الى قبيل الفجر ربما اذوا
مشاعر الاطفال ومشاعر النساء ومشاعر الرجال ومشاعر الجيران بل ولربما اذوا مشاعر المتعبدين
المتهجدين في ثلث الليل الأخر اما تخشى أيها المسلم انك بازعاجك هذا ربما شوهت على
قائم او على ساجد او على راكع او على داعي فيرفع يديه فيرفع يديه الى ربه ويناديه ويشكو
اليه أذيتك فربمـا كان ذلك سبب في دمـار دنياك وأخرتك.
أيها المسلمون عباد الله ومن صور مراعاة
المشاعر. عدم المساس بمشاعر الجار. ولو كان برائحة الأكل.
قال صلى الله عليه وسلم :"اذا طبخت مرقةً
فاكثر ماءها. وتعاهد جيرانك. رواه مسلم.
الله أكبر تأملوا رعاكم الله في كمال هذه
الشريعة نهت عن أذية الجار ولو كان برائحة الأكل فربما تأذى ذلك الجار بهذه الرائحة
الطيبة وربما صرخ أولاده بين يديه يريدون لحماً وهو لا يملك درهما فدغغت مشاعره وجرحت
مشاعره وكدرت خاطره فيأمرنا الشرع الحكيم أن نعطيه قليلاً من المرق شيءٌ ينفعه ولا
يضرنا.
مراعاة أصحاب الاحتياجات والمهن الضعيفة
عباد الله :"ومن صور مراعاة
المشاعر مراعاة اصحاب الاحتياجات والمهن الضعيفة في البخاري أن النبي صلى الله وسلم
قال اذا أتى أحدكم خادمه بطعام فليجلسه معه فان أبى فليناوله لقمة أو لقمتين فانه ولي
حره ودخانه.
فيا أيها المسلم الكريم يا من جعـلك الله
في منصبٍ عالي وفي منصبٍ مرتفع كنت مديراً أو تاجراً او عالماً او إماماً او صاحب شهرةٍ
ومال وجعل الله تحت يديك عمال يخدمونك ويقومون برعايتك إياك إياك أن تجرح مشاعرهم إياك
إياك ان تلمس كرامتهم إياك إياك وإهانتهم إياك إياك واحتقارهــم فليجلـسوا معه فان
أبى فليناوله لقمة أو لقمتين فان له مشاعر وإن له خاطر وإن له نفس وإن له أحاسيس.
فما بالك باولئك الذين يؤذون أصحاب المهن
الشريفة كاصحاب البلدية مثلا. كم نسمع ممن يؤذيهم ويحتقرهم ويسخر بهم ويستهزئ بهم
وربما رماهم بالكلمات الجارحة كقوله يا اصحاب القمامة. يا أصحاب الزبالة يا أصحاب النفاية
ووالله إننا نحن أصحاب القمامة. ونحن أصحاب الزبالة. أما هم أصحاب النظافة أصحاب النزاهة.
هم من يزيلون الأوساخ هم من يجملون المدن هم من ينظفون الشوارع. هم من يزيلون الجراثيم.
اما نحن نحن من نرمي القمائم والقاضورات فلنتقي الله في مثل اولئك القوم.
مراعاة المرضى والمعوقين
عباد الله:" ومن مراعاة المشاعر مراعاة المرضى والمعوقين قال صلى الله عليه وسلم لا تديموا النظر الى المجذومين "(ابن ماجة وحسنه
كل ذلك رفقاً بمشاعرهم حتى لا يشعروا بالنقص بل الواجب علينا أن نلاطفهم وأن نداعبهم وأن نكرمهم وأن نجلهم والدعاء الوارد عند رؤية المبتلى. الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك الله به وفضلني على كثيرٍ ممن خلق تفضيلا يقال سرا.
مراعاة مشاعر أصحاب الأعذار
عباد الله :" وحث الاسلام علي مراعاة مشاعر أصحاب الأعذار والأمراض وفي الصحيحين نهى النبي صلى الله عليه وسلم :"ان يضحك الانسان اذا خرج من الانسان ريحٌ او صوت".
مراعاة مشاعر البنت البكر عند الخطوية
عباد الله:" ومن صور مراعاة المشاعر ما جاء في الصحيح
ان النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تنكح الايم اي الثيب حتى تستأمر. والبكر حتى تستأذن.
قالوا يا نبي الله كيف اذنها? قال أن تسكت. فجعل سكوتها كافٍ في اثرها مراعاةً لمشاعر
الحياء الموجود فيها. ذلــك في زمــانهــم.
أمــا في زماننا اليوم فربما البنت هي من تأتي بالخطيب إلى بيت أبيها الا من رحم الله. أقــول ما سمعتم واستغفر الله لي ولكم فاستغفر انه هو الغفــور الرحيم.
الخــطبة الثانيــة
الحمد لله رب العالمين. وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله واصحابه
أجمعين.
أما بعد عباد الله. مراعاة المشاعر من أعظم
الشعائر.
مراعاة المشاعر مما يجلب الود والألفة والائتلاف
والوحدة والقوة والترابط والاجتماع فقد لا ينسى أحدنا موقفاً لشخصٍ راعى فيه مشاعره
واحاسيسه.
حينما تخلف كعب ابن مالك عن غزوة تبوك.
وتاب الله عز وجل عليه. قال فجاءني الناس أفواجاً يهنئوني بتوبة الله.
قال فقدمت على رسول الله صلى عليه وسلم
وهو في المسجد والناس من حوله فلم يقم أحد الا طلحة لما رآني قام يهرول حتى هنأني وصافحني
فلا أنساها لطلحــة. فلا أنساها لطــلحة أبدا.
فقد لا ينسى أحدنا موقفاً لشخــص راعى فيه مشاعره وراعى فيه أحاسيسه. وجبر فيه خــاطره.
أيها المسلمون عباد الله ومن الناس الذين
راعى النبي صلى الله عليه وسلم مشاعرهم وخصهم بمزيد اهتمامٍ وتقديرٍ واحترام. أهل اليمن
راعى النبي صلى الله عليه وسلم مشاعرهم ومنزلتهم فاحبهم وأكرمهم ومدحهم وأثنى عليهم
ودافع عنهم. جاءه رجلٌ فقال يا نبي الله العن أهل اليمن فانه شديدٌ بأسهم كثيرٌ عددهم
حصينةٌ حصونهم فقال صلى الله عليه وسلم لا ثم لعن الأعجميين ثم قال للصحابة جابراً
مشاعر اليمنيين وجابراً لخاطرهم أذا مروا بكم يسوقون نسائهم ويحملون أبناءهم على عواتقهم
فإنهم مني وأنا منهم"( أحمد وحسنه العلماء).
الله اكبر عباد الله. ما أعظمها من كلمة. فانهم مني وأنا منهم. قال النووي رحمه الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا كناية عن شدة تمسك أهل اليمن بطريقة النبي صلى الله عليه وسلم.
وأما صاحب القلب القاسي والكلام الجارح المعرض عن الناس والتلطُّف معهم وتفقدهم، ولا يُبالي بمشاعرهم وما يُفرحهم أو يُحزنهم فقد مضت سنة الله تعالى أن ينفر الناس منه، فلا يُقبَل منه توجيهٌ ولا دعوةٌ، ولا تُسمَع منه نصيحة، ولا يرتاح ويأنس له جليس نعوذ بالله تعالى من هذا الحال.
إخوةَ الإيمانِ، إذا تقرَّر لدينا فضل جبر النفوس ومراعاة المشاعر وعظم أجر صاحب هذا الخلق العظيم، فهاكم شيئًا من صور ذلك: فمنها السلام والبشاشةُ عند اللقاء، والتهنئةُ في الأفراح، والتعزية في الأتراح، ومراعاة المشاعر فلا يُستنقص أو يُعير أو يُلمز فقير بفقره، أو مريض بمرضه، أو عانس بعنوستها، أو عقيم بعقمه وفقده نعمة الولد، أو من به عاهة بعاهته أو يُتكلم بمحضر أولئك عن منافع أو فضل ما فقدوا وعِظم المصاب بذلك، فإنه يوغر صدورهم ويزيد حزنهم، وكلما كان المرء مشاركًا لكل ذي همٍّ همَّه بنصح أو دعاء أو مواساة كان إلى الله تعالى أقربَ وأحَبَّ، فإنما يرحم الله من عباده الرحماء،
فهذه عائشة رضي الله عنها، تذكَّرت في حادثة الإفك امرأة من الأنصار شاركتها في حزنها بدمعات كان لها أعظم الأثر والمواساة،
ففي الصحيحين، قالت عائشة رضي الله عنها: "وقد بكيتُ ليلتين ويومًا، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، حتى إني لَأظن أن البكاء فالِقٌ كَبِدي، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذَنَتْ عليَّ امرأةٌ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي"،
تصف موقفاً إنسانياً مؤثراً من حادثة الإفك؛ حيث بكت أم المؤمنين عائشة بنت أبي بكر الصديق بحرقة لليلتين ويوم لا يرقأ لها دمع. جاءت امرأة من الأنصار فجلست تبكي معها دون أن تتكلم، فظلّت عائشة رضي الله عنها تحفظ لها هذا الموقف النبيل.
وعندما نزلت آيات التوبة على الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، وكان أحدهم كعب بن مالك رضي الله عنه، حكى كعب عن تهنئة الصحابة له على توبة الله تعالى عليه فقال: "حين دخلت المسجد قام إليَّ طلحة بن عبيدالله يهرول، حتى صافحني وهنَّأني، والله ما قام إليَّ رجل من المهاجرين غيره، ولا أنساها لطلحة"(البخاري ومسلم)، وهكذا حال كثير من أساليب تطييب النفوس ومراعاة المشاعر، يكفي فيها ابتسامة صادقة،
أو كلمة حانية، أو اعتذار عن خطأ أو دعاء أو مبادرة بالسؤال عن الحال، وغير ذلك من الصور الكثيرة.
فما أجمل أن يعيش العبد طيب السريرة، محبًّا للخير لغيره، فإنه علامة الإيمان، كما قال نبيُّنا صلى الله عليه وسلم:"لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يُحِبُّ لنفسه"( البخاري)،
مراعيًا لمشاعر الآخرين ونفوسهم من أن يُحزنها أو يُدخِل عليها همًّا أو غمًّا خاصة الوالدين والزوجة والأبناء، والإخوة والأخوات وبقية القرابات، ومن حوله من جيران وأصدقاء وغيرهم، فاجبروا الخواطر، وشارِكُوا إخوانكم همومهم وأفراحهم ومشاعرهم، وتذكَّروا أن ذلك عبادة جليلة يُجازي عليها الجبَّار بأجور عظيمة.
اللهُمَّ اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر، جابرين لنفوس الآخرين مُراعين لها، مُحبِّين الخير للمسلمين.