recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الماء حياة ونماء عادل عبدالكريم توني إبراهيم

 الماء حياة ونماء

                 


١- الماء سر الحياة و جند من جنود الله تعالي .

٢- شكر الله تعالي علي نعمة الماء .

٣- : "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ، والكلأ، وَالنَّارِ".

 الحَمْدُ للهِ وَاسِعِ الفَضْلِ وَالعَطَاءِ، سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجيبُ الدُّعَاءِ. أَشهَدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحده لا شريكَ لَهُ وَاسِعُ الكَرمِ وَالجُودِ، وَأَشْهَدُ أنَّ مُحمداً عبدُ اللهِ وَرَسُولُهُ صَاحِبُ الحَوضِ الْمَورودِ، صلَّى الله وسلَّمَ وباركَ عليه وعلى آلهِ وَصحبِهِ وَمَن تَبِعَهُم بِإحسْانٍ إلى اليومِ الْمَوعُودِ.

أمَّا بعدُ . عِبَادَ اللهِ :

 إن نعم اللهِ على الإنسانِ لا يَحدها حدٌ، ولا يُحصيها عَدٌ، ولا يُستثنَى من عمومها أحدٌ، فهي نعم عامة، سابغة تامّة، ظاهرة وباطنة، ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ ، ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [إبراهيم: 34].

ومن أجل هذه النعم نعمة الماء .

الماء من أعظم ما امتن الله به على عباده: قال الله تعالي : ﴿أَفَرَأَيْتُمْ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنْتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنْ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة:68-70].

وقال تعالى:  ﴿ فَلْيَنْظُرْ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقّاً * فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَائِقَ غُلْباً * وَفَاكِهَةً وَأَبّاً * مَتَاعاً لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ ﴾  [عبس:24-32].

أيها المسلمون: إن السعي في حصر خصائصه ووظائفه ومنافعه وفوائده تعجز الحاصرين، فلا شراب إلا بماء، ولا طعام إلا بالماء، ولا دواء إلا بالماء ولا نظافة إلا بالماء، ثم لا زراعة إلا بالماء، بل ولا صناعة إلا بالماء ، قال الله تعالي:﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾

[الْأَنْبِيَاءِ: 30]،

فهو سر الوجود، وأرخص موجود، وأغلى مفقود، وأساس الحياة كما أخبر ربنا المعبود: قال اللهُ -تعالى-: ﴿ أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 30]،

فالماء أصل الخلق، قال تعالى: ﴿ وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [النور: 45].

وعن أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي إِذَا رَأَيْتُكَ طَابَتْ نَفْسِي وَقَرَّتْ عَيْنِي، فَأَنْبِئْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ. فَقَالَ: كُلُّ شَيْءٍ خُلِقَ مِنْ مَاءٍ» رواه أحمد.

وعنه رضي الله عنه قَالَ: «قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مِمَّ خُلِقَ الخَلْقُ؟ قَالَ: مِنَ المَاءِ» رواه الترمذي.

قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: «وقوله صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة لما سأله: مم خلق الخلق؟ فقال له: من الماء، يدل على أن الماء أصل جميع المخلوقات ومادتها، وجميع المخلوقات خلقت منه».

الماء هبة الخالق تفضل و أمتنَّ الله به على عباده، وذكره في كتابه أكثر من خمسين مرةً، فهذا الماء المبارك لا تستغني عنه جميع الكائنات، فلا غذاء إلا بالماء، ولا نظافة إلا بالماء، ولا دواء ولا زراعة ولا صناعة إلا بالماء، هو الثروة الثمينة، فالبلاد التي بلا ماء تهجر، ولا تسكن!.

دخل الواعظ ابن السَّمَّاك رحمه الله على الخليفة هارون الرشيد، فاستسقى الخليفة فأتي بكوب من الماء، فلما أخذه قال له ابن السماك: على رسلك يا أمير المؤمنين، لو مُنِعت هذه الشربة بكم كنت تشتريها؟ قال: بنصف ملكي، قال: اشرب هنأك الله تعالى، فلما شربها قال: أسألك: لو مُنِعْتَ خروجَها من بدنك، بماذا كنت تشتري خروجها؟ قال: بجميع ملكي. قال: إن ملكا قيمته شربة ماء وإخراجِها، لجدير أن لا يُنافس عليه!! فبكى هارون الرشيد بكاء شديدا .

الماء هو عماد اقتصاد الدول، ومصدر رخائها بإذن الله، بتوافره تتقدم وتزدهر، وبنضوبه وغوره وشح موارده تحل الكوارث والنكبات قال الله تعالي : ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك:30]..

وقال تعالي :﴿ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ ﴾[المؤمنون:18].

و جعل الله سبحانه وتعالى الماء مُنَظِّفًا ومزيلًا للأوساخ والملوِّثات والنجاسات والأقذار، فصلحت به حياة الإنسان، قال سبحانه وتعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا} [الفرقان: 48] .

ويروي أبو هريرة رضي الله عنه أنَّ النبيَّ --  كان يَسْكُتُ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ إِسْكَاتَةً -قَالَ: أَحْسِبُهُ قَالَ: هُنَيَّةً- فَقُلْتُ (أبو هريرة): بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ، إِسْكَاتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنَ الْخَطَايَا كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ".

وبهذا كان يدعو للميت فيقول –كما عند مسلم-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، وَعَافِهِ وَاعْفُ عَنْهُ، وَأَكْرِمْ نُزُلَهُ، وَوَسِّعْ مُدْخَلَهُ، وَاغْسِلْهُ بِالْمَاءِ وَالثَّلْجِ وَالْبَرَدِ، وَنَقِّهِ مِنَ الْخَطَايَا كَمَا نَقَّيْتَ الثَّوْبَ الأَبْيَضَ".

قال ابن حجر: "وحكمة العدول عن الماء الحارِّ إلى الثلج والبرد -مع أنَّ الحارَّ في العادة أبلغ في إزالة الوسخ- الإشارة إلى أن الثلج والبرد ماءان طاهران لم تمسهما الأيدي، ولم يمتهنهما الاستعمال، فكان ذكرهما آكد في هذا المقام". وكون البرد أكثر طهارة ونقاوة من المطر؛ ذلك أنه قد تجمَّد، فيقلُّ تأثُّره بتلوُّث الهواء أثناء نزوله.

  وجعله الله تعالى من أعظم أنواع النعيم في الجنة للمتقين كما يقول المولى جل في علاه : ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ ﴾,  [محمد:15].. ويقول تعالي : ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ * وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ ﴾ [الواقعة:30-31].

                             

(٢)- إن نعمة الماء من أول النعيم الذي يسأل عنه العبد يوم القيامة، قال تعالى: ﴿ ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ﴾ [التكاثر: 8]، وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - - : " إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة أن يقال له: ألم أصح لك جسمك وأروك من الماء البارد" ، (رواه الحاكم في مستدركه).

ولقد كان - - حفياً بنعم الله يعظمها ويشكرها، فكان إذا أكل أو شرب قال:" الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ، وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا."؛ رواه أبو داود.

إنَّ من الناس مَنْ تَعوَّدُوا وجود النعمة وأَلِفُوها؛ فهم تحت تأثير هذا الإِلْفِ وهذهِ العادةِ قد ينسون قدرها؛ لأنها دائماً حاضرةٌ بين أيديهم، فينسون شكرها، ونعمة الماء لو فقدت ولو لزمن يسير، حينها يعلم العبد عظيم فضل الله عليه، وأن فقدها جسيم، قال الله تعالى: ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ ﴾ [الملك: 30]، كذلك عذوبة الماء نعمة فلو كان مِلحاً أُجاجاً؛ فمن يستسيغه وينتفع به، قال تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ، أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ، لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجاً فَلَوْلا تَشْكُرُونَ ﴾ [الواقعة: 69 ، 70]. فهي نعمة تستوجب شكر الله وحمده.

وشكر نعمة الماء لا يقتصر على الشكر باللسان، بل يتعداه إلى الشكر بالاقتصاد والترشيد في استعماله، وعدم الإسراف فيه ، فالإسراف تصرف سيءٌ وسلوك غيرُ حميدٍ، نهى عنه القرآن المجيد، ﴿ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ [الأعراف: 31]،

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنهما أَنَّ النَّبِيَّ -- مَرَّ بِسَعْدٍ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ فَقَالَ: مَا هَذَا السَّرَفُ يَا سَعْدُ؟ قَالَ: أَفِي الْوُضُوءِ سَرَفٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى نَهْرٍ جَارٍ. قال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.

ولقد أكد الإمام أحمد قائلًا: "من فقه الرجل قلة ولوعه بالماء"،

ويقول أبو الدرداء رضي الله عنه: [[اقتصد في الوضوء ولو كنت على شاطئ نهر ]].

وقال محارب بن دثار : [[كان يقال: من ضعف علم الرجل ولوعه بالماء في الطهور ]].

ومن شكر الله علي نعمة الماء عدم تلويثه ، فلِكَي يَبقَى الماءُ علَى هذهِ صُّورَتةِ النَّضِّرَةِ الزَّاكِية، والصِّفَاتِ الجَميلةِ الرَّاقيةِ نَهَى الإسلامُ عَنْ كُلِّ تَصَرُّفٍ يُؤَدِّي إلى خِلَافِ ذلك،

 فَعَنْ جابرٍ -رضيَ اللهُ عنه- عنِ النَّبيِّ- - : "أنهُ نَهَى أنْ يُبالَ في الماءِ الرَّاكِد"،صحيح مسلم

وفي الصَّحيحَينِ من حديثِ أبي هُريرةَ رَضيَ اللهُ عنه، قالَ رسولُ اللهِ - - : «لا يَبُولَنَّ أحَدُكم في الماءِ الدَّائمِ الَّذِي لا يَجْرِي، ثُمَّ يَغتَسِلْ فِيه»

 وشدّدَ الإسلامُ النَّكيرَ على كُلِّ مَنْ تَصرُّفَ تَصرُّفًا أو سلَكَ سُلُوكًا حَرَمَ بسببِهِ الماءَ مِنْ صفَائِه، وطهارتِهِ ونقائِهِ، فعَنْ معاذٍ -رضيَ اللهُ عنه- قال: قالَ رَسولُ اللهِ - -: "اتقوا الملاعِنَ الثلاثَ: البُرازُ في المَواردِ وقارعةِ الطَّريقِ والظِلِّ"، (صحيح أبي داود)، والمرادُ بالمواردِ مواردُ المياه.

فأيَّ سلوكٍ أو تصرُّفٍ ينتجُ عنهُ تلوّثُ المياهِ هو إيذاءٌ نَهَى اللهُ -عزَّ وجلَّ- عنهُ فقال تعالي : (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا) [الْأَحْزَابِ: 58]، وهو أيضًا ضرر نهى عنهُ الرسولُ

- - فقالَ: "لا ضَرَرَ ولا ضِرار".

أقول قولي هذا قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه يغفر لكم، وادعوه يستجب لكم، إنه هو البر الكريم.

الخطبة الثانية:

  الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وإمتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيما لشأنه، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه.

أمَّا بعدُ . عِبَادَ اللهِ :

فإن الماء حقٌّ لكلِّ مسلم، جعلت الشريعة الماء من الأشياء المشتركة بين المسلمين، التي يحرم أن يتملَّكها أحدٌّ بما يُسبِّب ضررًا وحرمانًا لغيره من المحتاجين، قال رسول الله - : "الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ، والكلأ، وَالنَّارِ".

فالمنهي عنه -كما هو الراجح من أقوال الفقهاء- هو محاولة الاستحواذ على ماء عامٍّ، أو على بئرٍ ثم مَنْع الناس من الانتفاع بها، أمَّا البئر المملوكة في الأرض المملوكة فلا شيء فيه، وكذلك الكلأ وهو العُشب الذي تأكل منه الأنعام والماشية، وكذلك النار أو الحطب .

ولأهمية هذا العنصر الحيوي جاء في حرمان الناس منه وعيد شديد -لا سيما في حال الحاجة- فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله- -: "ثَلاَثَةٌ لاَ يُكَلِّمُهُمُ اللهُ، وَلاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلاَ يُزَكِّيهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً لاَ يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِلدُّنْيَا، فَإِنْ أَعْطَاهُ مَا يُرِيدُ وَفَى لَهُ، وَإِلاَّ لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ، فَحَلَفَ بِاللهِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا".

وفي رواية مسلم ذكر من يمنع الماء في الفلاة؛ أي: في الصحراء، وفي رواية أخرى عند البخاري: "فَيَقُولُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: الْيَوْمَ أَمْنَعُكَ فَضْلِي؛ كَمَا مَنَعْتَ فَضْلَ مَا لَمْ تَعْمَلْ يَدَاكَ".

قال النووي: "قيل: معنى: "لاَ يُكَلِّمُهُمْ". أي: لا يكلمهم تكليم أهل الخيرات، وبإظهار الرضى، بل بكلام أهل السخط والغضب. وقيل: المراد الإعراض عنهم. وقال جمهور المفسرين: لا يكلمهم كلامًا ينفعهم ويسرهم. وقيل: لا يُرسل إليهم الملائكة بالتحية. ومعنى: "لاَ يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ". أي: يُعرض عنهم؛ ونظره سبحانه وتعالى لعباده رحمته ولطفه بهم. ومعنى: "لاَ يُزَكِّيهِمْ": لا يُطَهِّرهم من دنس ذنوبهم".

وقال المناوي: ومعنى: "عَلَى فَضْلِ مَاءٍ". أي: له ماءٌ فاضلٌ عن كفايته، فيمنعه من المسافر المضطر للماء لنفسه أو لحيوانٍ معه. فهكذا قَدَّر الإسلام أهميَّة الماء بالنسبة لحياة البشر .

 الهدي النبوي في استعمال الماء .

لقدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ - - حَفِيًّا بنِعْمَةِ اللهِ يُعَظِّمُها ويَشكرُها، وما أَكْثَرَ الدَّعَواتِ التي كانَ يَدعُو بِها رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ يَفرُغُ مِنْ طَعامِهِ إِذَا طَعِمَ وشَرابِهِ إِذَا شَرِبَ،

‏عَنْ ‏‏أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ ‏‏قَالَ :‏ " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ

- - ‏إِذَا أَكَلَ أَوْ شَرِبَ قَالَ ‏: ‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى ،‏‏ وَسَوَّغَهُ ،‏ ‏وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا ".

رواه أبو داود (3851) ، وصححه الألباني في الصحيحة (2061) .

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه ، " أنَّ رسولَ اللهِ - -كان إذا أوى إلى فراشِه قال: ( الحمدُ للهِ الَّذي أطعَمنا وسقانا وكفانا فكم ممَّن لا كافيَ له ولا مُؤويَ )، صحيح ابن حبان

 إِنَّ هذهِ البَشَاشةَ التي يَستَقْبِلُ بِها رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- نِعْمَةَ الماءِ وشُكرَ مُسدِيها الأعلى جلَّ شأنُه لها أَعْظَمُ دَلَالةٍ على أَهَمِّيَّةِ هذهِ النِّعْمَةِ العَظِيمَة.

وتأملوا في سنة نبيكم محمد - - عن أنسٍ -رضيَ اللهُ عنه- قالَ: " كانَ النبيُّ -صلى الله عليه وسلم-يغتسلُ بالصَّاعِ إلى خمسةِ أمدادٍ، ويتوضَّأُ بالمُدِّ "، رواه أحمد ومسلم وغيرهما ، والمُدُّ مِلءُ اليدين المُتوسطتين،

وروي مسلم من حديث عائشة رضي الله عنه: {أنها كانت تغتسل هي والنبي - -

في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريباً من ذلك } ،

وجاء رجل إلى ابن عباس رضي الله عنهما، فقال: {يـابن عباس كم يكفيني من الوضوء؟ قال: مد، قال: كم يكفيني لغسلي؟ قال: صاع، فقال الرجل: لا يكفيني، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لا أم لك! قد كفى من هو خير منك، رسول الله -- } رواه أحمد والبزار والطبراني بسند رجاله ثقات.

وإذا كان الاقتصاد في استعمال الماء في العبادة مطلوباً فالاقتصاد في غير العبادة أولى وأحرى.

هذا وصلوا وسلموا على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، نبيكم محمد رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربكم في محكم تنزيله؛ فقال:"إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً"(الأحزاب:56).

اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وبارِك اللهم على  محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بارَكتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد.

وارضَ اللهم عن الخلفاءِ الراشِدين: أبي بكرٍ، وعُمر، وعُثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك وجُودِك يا أرحمَ الراحمين.

اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، واحمِ حوزَةَ الدين، واجعَل هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلادِ المُسلمين .

سبحان ربِّنا رب العزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 ·

 ·

google-playkhamsatmostaqltradent