ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ
عَلَى سَيِّدِنَا رَسُولِ اللَّهِ، وَآلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ وَالَاهُ وَاتَّبَعَ
هُدَاهُ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللَّهَ عِبَادَ اللَّهِ حَقَّ
تُقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ نِعَمَ اللَّهِ عَلَيْنَا لَا تُعَدُّ وَلَا تُحْصَى:
وَمِنْ أَعْظَمِ هَذِهِ النِّعَمِ بَعْدَ نِعْمَةِ الْإِيمَانِ؛ نِعْمَةُ الْأَمْنِ
وَالْأَمَانِ فِي الْأَوْطَانِ، وَالْأَوْطَانُ لَا تُبْنَى وَلَا تَزْدَهِرُ وَلَا
تُحْفَظُ إِلَّا بِطَاعَةِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، .. فَإِنَّ الْحَدِيثَ عَنْ مِصْرَ
لَيْسَ حَدِيثًا عَابِرًا، بَلْ هُوَ حَدِيثٌ عَنْ بَلَدٍ كَرَّمَهُ اللَّهُ، وَاخْتَصَّهُ
بِالذِّكْرِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ تَصْرِيحًا وَتَلْمِيحًا فِي مَوَاضِعَ عِدَّةٍ،
وَرَبَطَ اسْمَهُ بِالْأَمْنِ وَالْأَمَانِ، قَالَ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ سَيِّدِنَا
يُوسُفَ ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [يوسف: 99]، فَإِنَّ لَنَا
تَارِيخًا عَرِيقًا فِي هَذِهِ الْأَرْضِ الْمُبَارَكَةِ أَرْضِ مِصْرَ ، فَقَدْ جَعَلَهَا
اللَّهُ مَلَاذًا لِلْخَائِفِينَ، وَمَهْدًا لِلْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ، فَعَلَى
أَرْضِهَا عَاشَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى، وَإِلَيْهَا لَجَأَ الْخَلِيلُ إِبْرَاهِيمُ،
وَفِي رُبُوعِهَا احْتَمَى عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأُمُّهُ الْبَتُولُ، بَلْ
وَلَهَا مَقَامٌ رَفِيعٌ وَمَنْزِلَة خَصَّهَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ؛ فَعَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ(إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ
أَرْضٌ يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ، فَإِذَا فَتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا،
فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا) أَوْ قَالَ (لَهُمْ ذِمَّةً وَصِهْرًا،...) [مسلم]
فَأَهْلُ مِصْرَ لَهُمْ ذِمَّةٌ (عَهْدٌ وَأَمَانٌ) وَلَهُمْ رَحِمٌ؛ لِأَنَّ السَّيِّدَةَ
هَاجَرَ أُمَّ النَّبِيِّ إِسْمَاعِيلَ جَدِّ الْعَرَبِ كَانَتْ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ
صِهْرٌ؛ فَالسَّيِّدَةُ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ النَّبِيِّ
ﷺ كَانَتْ مِنْهُمْ، فَأَيُّ شَرَفٍ هَذَا؟!
وَأَيُّ كَرَامَةٍ بَعْدَ هَذِهِ الْكَرَامَةِ؟! إِنَّهَا أَرْضُ الْكِنَانَةِ، صِمَامُ
أَمَانِ الْأُمَّة
.
عِبَادَ اللَّهِ، إِنَّنَا نَعِيشُ فِي
زَمَنٍ اجْتَرَأَتْ أَلْسِنَةٌ سَافِهَةٌ وَنُفُوسٌ جَاهِلَةٌ، عَلَى جُرْمٍ يَهْدِمُ
الْإِيمَانَ مِنْ أَصْلِهِ! أَلَا وَهُوَ سَبُّ الدِّينِ وَالِاسْتِهْزَاءُ بِشَعَائِرِ
رَبِّ الْعَالَمِينَ: كَيْفَ يَجْرُؤُ مَخْلُوقٌ خُلِقَ مِنْ نُطْفَةٍ ضعيفةٍ، يَعِيشُ
عَلَى رِزْقِ اللَّهِ،وَيَتَنَفَّسُ بِهَوَاءِ اللَّهِ أن يَسُبَّ دِينَ اللَّهِ؟!
أَيُّ جُرْأَةٍ هَذِهِ وَأَيُّ خِذْلَانٍ؟! إِنَّ سَبَّ الدِّينِ لَيْسَ زَلَّةَ لِسَانٍ
وَلَيْسَ فَلْتَةَ غَضَبٍ كَمَا يَدَّعِي الْوَاهِمُونَ، قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ
سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ
وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ . لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾
[التوبة: 65-66] لَمْ يَقْبَلِ اللَّهُ عُذْرَهُمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْزَحُونَ
أَوْ يَلْعَبُونَ، بَلْ جَاءَ الْحُكْمُ صَرِيحًا﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾
فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تَجْرِي عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ فِي
الشَّوَارِعِ وَالْأَسْوَاقِ عِنْدَ أَدْنَى خُصُومَةٍ، لَا يُقَدِّرُونَ خُطُورَةَ
مَا يَنْطِقُونَ،فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ
ﷺ قَالَ(إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ
مِنْ سَخَطِ اللَّهِ، لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا، يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ) [البخاري]
فَيَا سَابَّ الدِّينِ،إِنَّ كَلِمَةً وَاحِدَةً تَسُبُّ فِيهَا دِينَكَ كَفِيلَةٌ
بِأَنْ تُحْبِطَ عَمَلَكَ، وَتَفْسَخَ عَقْدَ نِكَاحِكَ، وَتَجَعَلَكَ مَطْرُودًا مِنْ
رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى،وَتَهْوِيَ بِهَا فِي جَهَنَّمَ !!!!
فَمَا انْتَشَرَ سَبُّ الدِّينِ فِي دِيَارٍ
إِلَّا وَحَلَّ فِيهَا الْفَقْرُ، وَنُزِعَتْ مِنْهَا الْبَرَكَةُ، وَتَسَلَّطَتْ عَلَيْهَا
النِّقَمُ: يَتَعَمَّدُ سُفَهَاؤُهَا سَبَّ الدِّينِ جِهَارًا نَهَارًا، وَلَا يَتَمَعَّرُ
وَجْهُ أَحَدٍ غَضَبًا لِلَّهِ؟! فَيَتَعَمَّدُونَ إِفْسَادَ تَرْبِيَةِ أَبْنَائِهِمْ؛
يَسْمَعُ الْأَبْنَاءُ آبَاءَهُمْ وَالْكِبَارَ يَتَلَفَّظُونَ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ،
فَيَنْشَأُ جِيلٌ فَاقِدٌ لِتَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَيْنَ غِيرَتُهُمْ عَلَى
دِينِهِمْ؟! أَيْنَ تَعْظِيمُهُمْ لِرَبِّهِمْ؟! إِنَّ الْوَاجِبَ الشَّرْعِيَّ يَقْتَضِي
مِنْ كُلِّ أَبٍ، وَكُلِّ مُرَبٍّ، وَكُلِّ صَاحِبِ سُلْطَةٍ فِي مَكَانِهِ، أَنْ يَضْرِبَ
عَلَى أَيْدِي هَؤُلَاءِ السُّفَهَاءِ، فلَا تَسْمَحْ لِأَحَدٍ أَنْ يَسُبَّ الدِّينَ
فِي بَيْتِكَ، أَوْ مَتْجَرِكَ، أَوْ طَرِيقِكَ، فَلْنأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَلْنَنْهَ
عَنِ الْمُنْكَرِ بِحَزْمٍ وَأَدَبٍ.
أَمِنَ الرُّجُولَةِ إِذَا غَضِبَ أَحَدٌ
مِنْ مَخْلُوقٍ مِثْلِهِ، جَعَلَ الدِّينَ سِلْعَةً رَخِيصَةً يُهِينُهَا فِي الشَّوَارِعِ؟!:
أَيَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ إِذَا خَافُوا مِنْ لِسَانِهِ الْبَذِيءِ قَدْ هَابُوا رُجُولَتَهُ؟لَا
وَاللَّهِ! إِنَّمَا يَبْتَعِدُونَ عَنْهُ كَمَا يَبْتَعِدُونَ عَنِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ،
وَيَتَّقُونَ شَرَّهُ كَمَا يَتَّقُونَ مَجَارِيَ الْقَاذُورَاتِ! أَمَا سَمِعْتُمْ
قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ(... إِنَّ شَرَّ النَّاسِ عِنْدَ اللَّهِ
مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ شَرِّهِ)[البخاري
ومسلم] فَالنَّاسُ لَا يَنْظُرُونَ لِسَابِّ الدِّينِ عَلَى أَنَّهُ رَجُلٌ شُجَاعٌ،
بَلْ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ بِاحْتِقَارٍ وَازْدِرَاءٍ، وَيَتجنبونَهُ لفحشه ، بل وَصَفَهُ
فُقَهَاءُ سَلَفِ الْأُمَّةِ بِسَفِلَةِ الْعَوَامِّ مِنَ الْحَمَّارَةِ وَالْجَمَّالَةِ
وَالْخَدَّامِينَ، فَتَخَيَّلْ نَفْسَكَ الْآنَ لَوِ انْقَطَعَ نَفَسُكَ وَخَرَجَتْ
رُوحُكَ وَأَنْتَ تَسُبُّ الدِّينَ، بِأَيِّ وَجْهٍ سَتَلْقَى رَبَّكَ؟! مَاذَا سَتَقُولُ
لَهُ؟كُنْتُ غَاضِبًا؟!هَلِ الْغَضَبُ يُبِيحُ الرِّدَّةَ عَنِ الْإِسْلَامِ؟ فَمَنْ
وَقَعَ فِي هَذِهِ الْبَلِيَّةِ فَلْيُبَادِرْ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، بِأَنْ يُجَدِّدَ
إِسْلَامَهُ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ .