كيف نستقبل العام الجديد الهجري؟
الحمد لله رب العالمين، يكوِّر الليل على
النهار، ويكوِّر النهار على الليل، وسخَّر الشمس والقمر كلٌّ يجري لأجَل مسمًّى، يقلِّب
الأحوال، ويفعل ما يشاء، أشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده
ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ
بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ
وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا ﴾.
عبادَ الله: إنَّ طلوع الشمس كلَّ يومٍ
مِن مشرقها، ومِن ثمَّ غروبها مِن مغربها، وهلال الشهر صغيرًا، ثم يكبُر شيئًا فشيئًا،
ثم يعُود كما كان،كلُّ ذلك دليل على الزوال، وهكذا عمر الإنسان، بل والحياة كلها مآلها
إلى الزوال.
عباد الله: جمعتكم هذه هي آخر جمعة من هذا
العام الهجري فبعد أيام قلائل سيطوى سجله عمله، فهنيئاً لمن أحسن فيه واستقام. وويل
لمن أساء وارتكب الإجرام. هلم نتساءل عن هذا العام كيف قضيناه؟ ولنفتش كتاب أعمالنا
كيف أمليناه. فإن كان خيراً حمدنا الله وشكرناه. وإن كان شراً تبنا إلى الله واستغفرناه.
عباد الله: يُقسم الجليل جل جلاله بالزمان
لِعِظم شرفِه، فأقسم تعالى بالليل، وبالضحى، وبالنهار، وبالفجر ممَّا يدلُّ على عِظم
شأن هذا الوقت، قال تعالى ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا
بِالصَّبْرِ ﴾.
عبادَ الله: وها نحن نودِّع عامًا، ونستقبل
عامًا جديدًا من حياتنا، فطالما أن في العمر بقيَّة، وفي الحياة فسْحة، فهذه نعمةٌ
أَنعَم اللهُ بها علينا، لنتأمَّل هذا الحديث: عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ،
أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَلِيٍّ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ، وَكَانَ إِسْلَامُهُمَا جَمِيعًا، فَكَانَ أَحَدُهُمَا أَشَدَّ اجْتِهَادًا
مِنَ الْآخَرِ، فَغَزَا الْمُجْتَهِدُ مِنْهُمَا فَاسْتُشْهِدَ، ثُمَّ مَكَثَ الْآخَرُ
بَعْدَهُ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ، قَالَ طَلْحَةُ: فَرَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ: بَيْنَا
أَنَا عِنْدَ بَابِ الْجَنَّةِ، إِذَا أَنَا بِهِمَا، فَخَرَجَ خَارِجٌ مِنَ الْجَنَّةِ،
فَأَذِنَ لِلَّذِي تُوُفِّيَ الْآخِرَ مِنْهُمَا، ثُمَّ خَرَجَ، فَأَذِنَ لِلَّذِي
اسْتُشْهِدَ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: ارْجِعْ، فَإِنَّكَ لَمْ يَأْنِ لَكَ
بَعْدُ، فَأَصْبَحَ طَلْحَةُ يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَعَجِبُوا لِذَلِكَ، فَبَلَغَ
ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَحَدَّثُوهُ الْحَدِيثَ،
فَقَالَ: ((مِنْ أَيِّ ذَلِكَ تَعْجَبُونَ؟)) فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا
كَانَ أَشَدَّ الرَّجُلَيْنِ اجْتِهَادًا، ثُمَّ اسْتُشْهِدَ، وَدَخَلَ هَذَا الْآخِرُ
الْجَنَّةَ قَبْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((أَلَيْسَ قَدْ مَكَثَ هَذَا بَعْدَهُ سَنَةً؟)) قَالُوا: بَلَى، قَالَ: ((وَأَدْرَكَ
رَمَضَانَ فَصَامَ، وَصَلَّى كَذَا وَكَذَا مِنْ سَجْدَةٍ فِي السَّنَةِ؟)) قَالُوا:
بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((فَمَا بَيْنَهُمَا
أَبْعَدُ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ)).
عباد الله: لك أيها المسلم أن تتأمَّل البقاء
على هذه الدنيا، وطول العمر مع الأعمال الصالحة، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: ((خيرُ
الناسِ مَن طالَ عمُرهُ وحسُنَ عملُهُ، وشرُّ الناسِ مَن طال عمُرهُ وساءَ عملُهُ))،
((خيارُكم أطولُكم أعمارًا وأحسنُكم أعمالًا))، ((خيارُكم أطولُكم أعمارًا وأحسنُكم
أخلاقًا)).
عباد الله: مع بداية هذا العام علينا أن
نجدِّد حياتنا... ونغيِّر ما بأنفُسنا مِن عِلل وخَلل ونقص إلى ما هو أفضل وأجلُّ،
لنبدأ عامنا هذا بتوبة صادقة نصوحٍ مع ربِّنا تبارك وتعالى، فهو يُنادينا ويَطلب منا
التوبة، واللهُ تعالى يحبُّ مَن أَذنَب وجدَّد التوبة ﴿ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ
وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ﴾، واحذروا التسويفَ؛ فإنَّ الموت يأتي بغتة، والجَنَّة
والنار أقرب إلى أحدكم مِن شِراك نعله.
تأمَّلوا عبادَ الله إلى فرْحته تبارك وتعالى
بعودتكم إليه، تفُوق كلَّ وصف، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
((لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ، مِنْ أَحَدِكُمْ
كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ
وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، قَدْ
أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ إِذَا هُوَ بِهَا، قَائِمَة عِنْدَهُ،
فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي
وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ)).
عباد الله: إنَّ دخولك أيها المسلم لعام
جديدٍ يعني زوالَ عامٍ حوى أكثر مِن ثلاثمائة يوم مضَت مِن عمرك... بمعنى: أنك ابتعدتَ
عن دنياكَ واقتربتَ مِن قبرك، وفي ذلك إيذان بنهاية الأعمار، إنَّ المتأمِّل في كتاب
الله جل وعلا يجد وصفًا صادقًا لهذا ﴿ اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ
وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا
ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ ﴾ [الحديد: 20].
وفكَّر أحد الصالحين ذات مرة فجلس مع نفسه
يحاسبها فقال: كم عمري الآن؟ فتذكر أنه ابن ستين سنة، فأخذ يحسب أيامها فإذا هي واحد
وعشرون ألفاً وخمسمائة يوم، فقال يحاسب نفسه: ويلتا أألقى الله بواحد وعشرين ألفاً
وخمسمائة ذنب؟! هذا على فرض أن الإنسان يذنب ذنباً واحداً كل يوم فقط، كيف وفي كل يوم
عشرات الذنوب؟ فجعل يبكي ويبكي حتى سقط مغشياً عليه ميتاً – رحمه الله -، فلما مات
سمعوا من يقول: يا لها من ركضة إلى الفردوس الأعلى.
عباد الله: حاسبوا أنفسكم اليوم فأنتم أقدر
العلاج منكم غداً؛ فإنكم لا تدرون ما يأتي به الغد، حاسبوها في ختام عامكم وفي جميع
أيامكم؛ فإنها خزائنكم التي تحفظ لكم أعمالكم، وعما قريب تفتح لكم فترون ما أودعتم
فيها؛ روى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطب فقال: "أيها الناس إن لكم معالم
فانتهوا إلى معالمكم، وإن لكم نهاية فانتهوا نهايتكم. إن المؤمن بين مخافتين: أجل مضى
لا يدري ما الله صانع فيه، وأجل قد بقى لا يدري ما الله قاض فيه. فليأخذ العبد من نفسه
لنفسه، ومن دنياه لأخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت".
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في خطبته:
"إنكم تغدون وتروحون إلى أجل غيّب عنكم عمله؛ فإن استطعتم أن لا يمضي هذا الأجل
إلا وأنتم في عمل صالح فافعلوا".
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا،
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة
زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر. اللهم اختم لنا بخاتمة السعادة، واجعلنا
ممن كتبت لهم الحسنى وزيادة، يا كريم يا رحيم.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، وعافنا واعف عنا،
ووفقنا لكل خير، وادفع عنا كل ضير. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.