سَلَامَةُ الصَّدْرِ وَأَثَرُهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ
سَلَامَةُ الصَّدْرِ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ.
طُرُقٌ شَتَّى لِسَلَامَةِ الصَّدْرِ عِبَادَ اللَّهِ.
الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ التَّشْكِيكِ وَنَشْرِ رُوحِ التَّشَاؤُمِ، عِبَادَ اللَّهِ.
اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَضَعَ كُلُّ
شَيْءٍ لِإِرَادَتِهِ، وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ، وَتَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ
لِكِبْرِيَائِهِ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ، اَلْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ
فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ
أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء:89،88]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا
اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَوَّلٌ بِلَا ابْتِدَاءِ، وَآخِرٌ بِلَا انْتِهَاءِ،
الْوِتْرُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا
أَحَدٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْقَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ رَمَضَانَ: صِيَامُ
شَهْرِ اللَّهِ الْمُحَرَّمِ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ:
الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ
وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الأَطْهَارِ،
وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ
وَنَفْسِي أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾
(آلِ عِمْرَانَ: 102).
صَلُّوا عَلَى الْمَبْعُوثِ فِينَا رَحْمَةً
*** تُكْتَبْ لَكُمْ عَشْرًا لَدَى الرَّحْمَنِ
صَلَّى عَلَيْكَ اللَّهُ يَا خَيْرَ الْوَرَى
*** مَا ضَجَّتِ الْآفَاقُ بِالْأَذَانِ
أَيُّهَا السَّادَةُ: (سَلَامَةُ الصَّدْرِ
وَأَثَرُهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ ) عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ
خُطْبَتِنَا.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا
فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ سَلَامَةِ
الصَّدْرِ وَأَثَرِهَا فِي السِّلْمِ الْمُجْتَمَعِيِّ ، وَخَاصَّةً وَمِنْ أَجَلِّ
النِّعَمِ الرَّبَّانِيَّةِ وَالْمِنَحِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالْعِبَادَاتِ الْقَلْبِيَّةِ
الَّتِي غَابَتْ عَنْ قُلُوبٍ كَثِيرَةٍ فِي عَصْرِنَا الْحَالِيِّ، سَلَامَةُ الصَّدْرِ؛
تِلْكَ الطَّهَارَةُ الْخَفِيَّةُ الَّتِي إِذَا فُقِدَتْ، تَفَشَّتِ الْخُصُومَاتُ،
وَتَقَطَّعَتِ الْأَرْحَامُ، وَاضْطَرَبَتْ أَوَاصِرُ الْمُجْتَمَعِ، وَانْتَشَرَ الْحِقْدُ
وَالْغِلُّ فِي الْقُلُوبِ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، وَخَاصَّةً
وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا انْتَشَرَتْ أَمْرَاضُ الْقُلُوبِ بِصُورَةٍ مُفْزِعَةٍ
مُخْفِيَةٍ، انْتَشَرَ الْحِقْدُ وَالْغِلُّ وَالْحَسَدُ وَالْكَرَاهِيَةُ وَالْبَغْضَاءُ
فِي قُلُوبِ الْكَثِيرِ مِنَ النَّاسِ، وَهَذِهِ أَمْرَاضٌ تُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِ
صَاحِبِهَا، بَلْ رُبَّمَا تُؤَدِّي إِلَى هَلَاكِ الْأُمَمِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ، فَالْحَذَرَ
الْحَذَرَ مِنْهَا قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ، وَخَاصَّةً وَإِنَّ الْحِقْدَ هُوَ الْمَصْدَرُ
الدَّفِينُ لِكَثِيرٍ مِنَ الرَّذَائِلِ الَّتِي رَهَّبَ مِنْهَا الْإِسْلَامُ، فَالِافْتِرَاءُ
عَلَى الْأَبْرِيَاءِ جَرِيمَةٌ يَدْفَعُ إِلَيْهَا الْكُرْهُ الشَّدِيدُ (الْحِقْدُ)،
وَالْغِيبَةُ مُتَنَفَّسُ حِقْدٍ مَكْظُومٍ، وَصَدْرٍ فَقِيرٍ إِلَى الرَّحْمَةِ وَالصَّفَاءِ،
وَسُوءُ الظَّنِّ، وَتَتَبُّعُ الْعَوْرَاتِ، وَاللَّمْزُ، وَتَعْيِيرُ النَّاسِ بِعَاهَاتِهِمْ
أَوْ خَصَائِصِهِمُ الْبَدَنِيَّةِ أَوِ النَّفْسِيَّةِ، وَالتَّنَمُّرُ عَلَيْهِمْ
مِنْ لَوَازِمِ الْحِقْدِ، وَقَدْ كَرِهَ الْإِسْلَامُ ذَلِكَ كُلَّهُ كَرَاهِيَةً
شَدِيدَةً، وَلِلَّهِ دَرُّ عَنْتَرَةَ بْنِ شَدَّادٍ:
لَا يَحْمِلُ الْحِقْدَ مَنْ تَعْلُو بِهِ
الرُّتَبُ *** وَلَا يَنَالُ الْعُلَا مَنْ طَبْعُهُ الْغَضَبُ
إِنَّ الْأَفَاعِيَ وَإِنْ لَانَتْ مَلَامِسُهَا
*** عِنْدَ التَّقَلُّبِ فِي أَنْيَابِهَا الْعَطَبُ
أَوَّلًا: سَلَامَةُ الصَّدْرِ نِعْمَةٌ
رَبَّانِيَّةٌ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: لَقَدْ حَرَصَ الْإِسْلَامُ
عَلَى غَرْسِ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيمَةِ فِي النُّفُوسِ حِرْصًا شَدِيدًا
، وَدَعَا إِلَيْهَا وَشَجَّعَ عَلَيْهَا، وَأَكَّدَ عَلَى التَّمَسُّكِ بِمَعَالِيهَا تَأْكِيدًا، فَمَا مِنْ خُلُقٍ كَرِيمٍ إِلَّا حَثَّ عَلَيْهِ، وَلَا مِنْ خُلُقٍ ذَمِيمٍ إِلَّا حَذَّرَ مِنْهُ وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، وَمِنَ الْبَغْضَاءِ وَالْحِقْدِ، مِنْ أَعْظَمِ الْخِصَالِ وَأَشْرَفِ الْخِلَالِ؛ الَّتِي دَعَا إِلَيْهَا الإِسْلَامُ، وَنَبِيُّ الإِسْلَامِ ﷺ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ: جزءٌ مِن شريعةِ الإسلامِ، وعبادةٌ نتقرَّبُ بهَا إلى الرحمنِ، وَمِن أعظمِ أسبابِ الألفةِ والمحبةِ بينَ المؤمنين، وهو أدبٌ إسلاميٌّ رفيعٌ، وخلقٌ عظيمٌ لا يتخلقُ بهِ إلّا أصحابُ النفوسِ النبيلةِ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ: عِبَادَةٌ يُحِبُّهَا اللَّهُ، عِبَادَةٌ غَفَلَ عَنْهَا الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ إِلَّا مَا رَحِمَ اللَّهُ، وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ خُلُقٌ عَظِيمٌ مِنْ أَخْلَاقِ الدِّينِ، وَمَبْدَأٌ كَرِيمٌ مِنْ مَبَادِئِ الْإِسْلَامِ، وَشِيمَةُ الْأَبْرَارِ الْمُحْسِنِينَ مِنَ النَّاسِ، وَصِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ، وَهِيَ عِبَادَةٌ جَلِيلَةٌ، وَسَهْلَةٌ وَمَيْسُورَةٌ، أَمَرَ بِهَا الدِّينُ، وَتَخَلَّقَ بِهَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، تَدُلُّ عَلَى سُمُوِّ النَّفْسِ وَعَظَمَةِ الْقَلْبِ وَرَجَاحَةِ الْعَقْلِ وَوَعْيِ الرُّوحِ وَنُبْلِ الْإِنْسَانِيَّةِ وَأَصَالَةِ الْمَعْدِنِ، وَجَبْرُ الْخَوَاطِرِ عِبَادَةٌ يَحْرِصُ عَلَيْهَا دَائِمًا الْأَصْفِيَاءُ الْأَنْقِيَاءُ مِنْ أَصْحَابِ الْأَرْوَاحِ الطَّيِّبَةِ وَالْمَشَاعِرِ الْفَيَّاضَةِ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ: بَابٌ عَظِيمٌ مِنْ أَبْوَابِ السَّعَادَةِ، وَسَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ صَفَاءِ الْعَيْشِ وَطُمَأْنِينَةِ الْقَلْبِ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْأَحْقَادِ، وَخَلَا مِنَ الضَّغَائِنِ، امْتَلَأَ نُورًا وَسَكِينَةً، وَأَصْبَحَ صَاحِبُهُ أَخَفَّ نَفْسًا، أَصْفَى سَرِيرَةً، وَأَعْظَمَ قُرْبًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. سَلَامَةُ الصَّدْرِ: خُلُوُّ القَلْبِ مِنَ الغِلِّ وَالحِقْدِ وَالحَسَدِ وَالضَّغِينَةِ وَالبَغْضَاءِ لِعِبَادِ اللَّهِ، إِنَّهَا الرَّاحَةُ المُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّجَاةُ المُؤَكَّدَةُ فِي الآخِرَةِ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ: صِفَةٌ اتَّصَفَ بِهَا أَنْبِيَاءُ اللَّهِ الصَّالِحُونَ، قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الصَّافَّاتِ: ٨٣-٨٤]. فَالْقَلْبُ السَّلِيمُ هُوَ الْقَلْبُ الَّذِي سَلِمَ مِنَ الشِّرْكِ وَالْبِدْعَةِ، وَمِنَ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ وَالْحَسَدِ، وَمِنْ كُلِّ خُلُقٍ ذَمِيمٍ، وَامْتَلَأَ بِالْإِيمَانِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْمَحَبَّةِ لِلَّهِ، وَالنُّصْحِ لِعِبَادِهِ، فَكَانَ أَهْلًا لِرِضْوَانِ اللَّهِ وَفَوْزِهِ. وَهَذَا يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَضْرِبُ أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي سَلَامَةِ الصَّدْرِ، فَلَمَّا الْتَقَى بِإِخْوَتِهِ بَعْدَ مَا صَنَعُوا بِهِ مَا صَنَعُوا، لَمْ يُعَيِّرْهُمْ، وَلَمْ يُؤَنِّبْهُمْ، بَلْ قَابَلَ إِسَاءَتَهُمْ بِالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، فَقَالَ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يُوسُفَ: ٩٢]. ثُمَّ أَعْلَنَ سَلَامَةَ صَدْرِهِ، وَكَمَالَ عَفْوِهِ، وَحُسْنَ أَدَبِهِ، فَلَمْ يُسْنِدِ الْجُرْمَ إِلَيْهِمْ مُبَاشَرَةً، بَلْ نَسَبَ مَا وَقَعَ إِلَى تَزْيِينِ الشَّيْطَانِ وَنَزْغِهِ؛ سَتْرًا عَلَيْهِمْ، وَتَلَطُّفًا بِهِمْ، وَتَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، فَقَالَ: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يُوسُفَ: ١٠٠]. وَهَذِهِ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَصِدْقِ الْعَفْوِ، وَكَرَمِ النَّفْسِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ. وَهَذَا سَيِّدُ الْمُرْسَلِينَ ﷺ، قَدْ بَلَغَ فِي طَهَارَةِ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ مِنَ الْأَحْقَادِ وَالضَّغَائِنِ وَسَائِرِ الْآفَاتِ الْقَلْبِيَّةِ غَايَةَ الْكَمَالِ، حَتَّى امْتَنَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ (الشَّرْحِ: ١) وَلَمْ يَكُنْ شَرْحُ صَدْرِهِ ﷺ مُجَرَّدَ سَعَةٍ فِي الصَّبْرِ وَقُوَّةٍ فِي التَّحَمُّلِ، بَلْ كَانَ شَرْحًا بِالْإِيمَانِ وَالْيَقِينِ، وَمَلْأً بِالرَّحْمَةِ وَالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ وَالْإِحْسَانِ، حَتَّى اتَّسَعَ قَلْبُهُ لِلْخَلْقِ جَمِيعًا؛ يُؤْذِيهِ قَوْمُهُ فَيَصْبِرُ، وَيُكَذِّبُونَهُ فَيَدْعُوَ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ، وَيُخْرِجُونَهُ مِنْ وَطَنِهِ، ثُمَّ لَمَّا مَكَّنَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ».فَكَانَ ﷺ أَصْفَى النَّاسِ صَدْرًا، وَأَطْهَرَهُمْ قَلْبًا، وَأَبْعَدَهُمْ عَنِ الْغِلِّ وَالْحِقْدِ، وَأَعْظَمَهُمْ عَفْوًا وَصَفْحًا، لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ قَطُّ، وَإِنَّمَا يَغْضَبُ إِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللَّهِ، فَكَانَ الْقُدْوَةَ الْعُظْمَى فِي سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَنَقَاءِ السَّرِيرَةِ، وَحُسْنِ الْخُلُقِ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ الْجَنَّةِ قُلُوبُهُمْ نَقِيَّةً مِنْ كُلِّ غِلٍّ وَحِقْدٍ وَحَسَدٍ، فَلَا تَبَاغُضَ بَيْنَهُمْ، وَلَا تَحَاسُدَ، وَلَا شَحْنَاءَ، بَلْ يَعِيشُونَ فِي أُخُوَّةٍ صَادِقَةٍ، وَمَحَبَّةٍ كَامِلَةٍ، وَصَفَاءٍ لَا يَشُوبُهُ كَدَرٌ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الْحِجْرِ: ٤٧]
وَمِنْ كَمَالِ عَدْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ أَنَّهُ لَا يُدْخِلُ الْجَنَّةَ إِلَّا قُلُوبًا طَاهِرَةً، بَعْدَ أَنْ تُهَذَّبَ وَتُنَقَّى مِنْ كُلِّ مَا يَشُوبُهَا؛ فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «يَخْلُصُ الْمُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ... حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ». فَلَا يَدْخُلُونَهَا إِلَّا وَقُلُوبُهُمْ قَدْ صَفَتْ مِنْ كُلِّ ضَغِينَةٍ وَشَحْنَاءَ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ... قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ». فَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَوْصَافِهِمْ اتِّحَادُ الْقُلُوبِ، وَتَمَامُ الْمَحَبَّةِ، وَانْتِفَاءُ الْغِلِّ وَالْبَغْضَاءِ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ دُخُولِ جَنَّةِ النَّعِيمِ جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْ أَهْلِهَا. فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ»، فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَكَرَّرَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَفِي كُلِّ مَرَّةٍ يَطْلُعُ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَتَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، وَأَقَامَ عِنْدَهُ ثَلَاثَ لَيَالٍ؛ لِيَنْظُرَ إِلَى عَمَلِهِ الَّذِي بَلَغَ بِهِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةَ الْعَظِيمَةَ، فَلَمْ يَرَهُ يُكْثِرُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَلَا مِنْ صِيَامِ النَّافِلَةِ، وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ إِلَّا ذَاكِرًا لِلَّهِ، وَلَا يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا. فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْ سِرِّ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، قَالَ «مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ«فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو: «هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ« فَيَا لَهَا مِنْ خَصْلَةٍ عَظِيمَةٍ! لَمْ يَكُنْ سَبَبُ بَلُوغِهِ هَذِهِ الْمَنْزِلَةِ كَثْرَةَ النَّوَافِلِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ مَعَ ذَلِكَ قَلْبٌ سَلِيمٌ، طَاهِرٌ مِنَ الْغِشِّ وَالْحَسَدِ وَالْحِقْدِ، يُحِبُّ لِلْمُسْلِمِينَ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ، وَيَرْضَى بِقَسْمِ اللَّهِ، وَلَا يَحْمِلُ فِي صَدْرِهِ عَلَى أَحَدٍ شَيْئًا.
فَمَا أَحْوَجَنَا إِلَى مُجَاهَدَةِ أَنْفُسِنَا عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَتَطْهِيرِ الْقُلُوبِ مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالضَّغِينَةِ؛ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْفَوْزِ بِرِضْوَانِ اللَّهِ، وَدُخُولِ جَنَّاتِ النَّعِيمِ. فَيَا مَنْ يَرْجُو الْجَنَّةَ، طَهِّرْ قَلْبَكَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ وَالْحِقْدِ، وَعَوِّدْ نَفْسَكَ الْعَفْوَ وَالصَّفْحَ وَالإِحْسَانَ؛ فَإِنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ هُمْ أَهْلُ الْقُلُوبِ السَّلِيمَةِ، وَالنُّفُوسِ النَّقِيَّةِ، وَالسَّرَائِرِ الطَّاهِرَةِ. سَلَامَةُ الصَّدْرِ نِعْمَةٌ رَبَّانِيَّةٌ، وَمِنْحَةٌ إِلَهِيَّةٌ، وَسَبَبٌ في قَبُولِ الأَعْمَالِ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ وَعَكْسُ ذَلِكَ خَسَارَةٌ فَادِحَةٌ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «تُعْرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ مَرَّتَيْنِ، يَوْمَ الاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ، إِلَّا عَبْدًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اتْرُكُوا، أَوِ ارْكُوا (يَعْنِي: أَخِّرُوا) هَذَيْنِ حَتَّى يَفِيئَا».
لِنَنْظُرْ كَمْ يُضَيِّعُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الخَيْرِ مَنْ يَحْمِلُ في قَلْبِهِ الأَحْقَادَ وَالضَّغَائِنَ، وَسَلَامَةُ الصَّدْرِ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ نَيْلِ مَغْفِرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَحْمَتِهِ، فَهِيَ تُطَهِّرُ الْقَلْبَ مِنَ الْمَوَانِعِ الَّتِي تَحْجُبُهُ عَنْ فُيُوضَاتِ الْخَيْرِ وَالنِّعَمِ.
لِذَا جَاءَ التَّحْذِيرُ الشَّدِيدُ مِنَ الشَّحْنَاءِ وَالْبَغْضَاءِ، لِمَا فِيهِمَا مِنْ فَسَادِ الْقُلُوبِ وَقَطْعِ أَسْبَابِ الْمَغْفِرَةِ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ، فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلَّا لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ» [رواه ابن ماجه]. فَالشَّاحِنُ الَّذِي يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ الضَّغِينَةَ وَالْعَدَاوَةَ يَحْرِمُ نَفْسَهُ مِنْ نَفَحَاتِ الرَّحْمَةِ، وَيَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَوَاسِمِ الْخَيْرِ الَّتِي يَتَفَضَّلُ اللَّهُ فِيهَا عَلَى عِبَادِهِ بِالْمَغْفِرَةِ وَالْعَفْوِ. فَطُوبَى لِمَنْ سَلِمَ صَدْرُهُ، وَطَهُرَ قَلْبُهُ، وَعَفَا عَمَّنْ ظَلَمَهُ، فَفَازَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ.
سَلَامَةُ الصَّدْرِ تَكْسُو صَاحِبَهَا حُلَّةَ الْخَيْرِيَّةِ، وَتُلْبِسُهُ لِبَاسَ الْأَفْضَلِيَّةِ، وَتَرْفَعُهُ إِلَى أَعْلَى الْمَنَازِلِ عِنْدَ ربِّ البريةِ. فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ سُئِلَ: «أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟» فَقَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ». قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ النَّقِيُّ التَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ». فَتَأَمَّلُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- كَيْفَ جَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ أَفْضَلَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صِدْقِ اللِّسَانِ وَطَهَارَةِ الْجَنَانِ؛ فَلَا يَحْمِلُ فِي قَلْبِهِ حِقْدًا، وَلَا غِلًّا، وَلَا حَسَدًا، وَلَا يَبْغِي عَلَى أَحَدٍ، بَلْ يَلْقَى الْخَلْقَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ، وَنَفْسٍ طَيِّبَةٍ، وَسَرِيرَةٍ نَقِيَّةٍ.
وَمَا أَحْوَجَنَا فِي زَمَانِنَا هَذَا إِلَى هَذَا الْخُلُقِ الْعَظِيمِ، الَّذِي تَصْفُو بِهِ الْقُلُوبُ، وَتَتَآلَفُ بِهِ النُّفُوسُ، وَتَقْوَى بِهِ أَوَاصِرُ الْأُخُوَّةِ الْإِيمَانِيَّةِ. وَكَيْفَ لَا؟ وَقَدْ عَلَّقَ الشَّرْعُ صَلَاحَ الْإِنْسَانِ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَطَهَارَةِ الْجَنَانِ؛ فَعَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» ((أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ. وَكَيْفَ لَا؟ وَلَقَدْ أَثْنَى اللهُ عَلَى أَقْوَامٍ يَدْعُونَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِإِخْوَانِهِمْ بِالرَّحْمَةِ وَالْغُفْرَانِ، وَأَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ وَيُسَلِّمَ صُدُورَهُمْ مِنَ الْغِلِّ نَحْوَ مَنْ سَبَقُوهُمْ بِالْإِيمَانِ، فَقَالَ تَعَالَى )وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ( [الحشر:10]، فَأَيُّ لَذَّةٍ وَنَعِيمٍ فِي الدُّنْيَا أَطْيَبُ مِنْ بِرِّ الْقَلْبِ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ؟!.
وَكَيْفَ لَا؟ وَسَلَامَةُ
الصَّدْرِ عِبَادَةٌ خَفِيَّةٌ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا إِلَّا اللَّهُ، وَهِيَ مِنْ
أَعْظَمِ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَأَثْقَلِهَا فِي الْمِيزَانِ، وَبِهَا تَصْفُو النُّفُوسُ،
وَتَتَآلَفُ الْقُلُوبُ، وَتَسْلَمُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَيَرْتَفِعُ الْعَبْدُ عِنْدَ
رَبِّهِ دَرَجَاتٍ، وَرُبَّ عَمَلٍ قَلِيلٍ عَظَّمَتْهُ سَلَامَةُ الصَّدْرِ، وَرُبَّ
عَمَلٍ كَثِيرٍ أَحْبَطَتْهُ آفَاتُ الْقُلُوبِ مِنْ غِلٍّ وَحِقْدٍ وَحَسَدٍ وَضَغِينَةٍ.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي تَطْهِيرِ الْقُلُوبِ، وَتَزْكِيَةِ النُّفُوسِ، وَمُجَاهَدَتِهَا
عَلَى الْعَفْوِ وَالصَّفْحِ وَحُسْنِ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِينَ؛ فَإِنَّ الْقَلْبَ
السَّلِيمَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى
أَحَدٍ ** أَرَحْتُ نَفْسِي مِنْ هُمُومِ الْعَدَاوَاتِ
إِنِّي أُحَيِّي عَدُوِّي عِنْدَ رُؤْيَتِهِ
** لِأَدْفَعَ الشَّرَّ عَنِّي بِالتَّحِيَّاتِ
وَأُظْهِرُ الْبِشْرَ لِلْإِنْسَانِ أُبْغِضُهُ
** كَأَنَّمَا قَدْ حَشَا قَلْبِي مَحَبَّاتِ
ثَانِيًا: طُرُقٌ شَتَّى لِسَلَامَةِ الصَّدْرِ
عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ وَنَقَاءَهُ مِفْتَاحُ المُجْتَمَعِ المُتَمَاسِكِ، وَمِفْتَاحُ الأُسْرَةِ المُتَمَاسِكَةِ، لَا تَهُزُّهَا العَوَاصِفُ، وَلَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الفِتَنُ، وَكَيْفَ يَكُونُ حَالُ الأُسْرَةِ إِذَا كَانَتْ تَسُودُهَا الدَّسَائِسُ وَالفِتَنُ، وَتَمْتَلِئُ قُلُوبُ أَفْرَادِهَا غِشًّا، وَحَسَدًا، وَأَمْرَاضًا؟ لِسَلَامَةِ الصَّدْرِ أَسْبَابٌ ، مَنْ أَخَذَ بِهَا طَهُرَ قَلْبُهُ، وَزَكَتْ نَفْسُهُ، وَنَالَ رِضْوَانَ رَبِّهِ، وَلِطَهَارَةِ الْقَلْبِ وَسَائِلُ مُبَارَكَةٌ ، مَنْ أَخَذَ بِهَا صَفَا قَلْبُهُ، وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ، وَسَعِدَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. وَمِنْ أَهَمِّ هَذِهِ الْأَسْبَابِ: تَحْقِيقُ الْإِخْلَاصِ وَتَقْوَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَالْقَلْبُ الْمُمْتَلِئُ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ يَضِيقُ عَنِ الْغِلِّ وَالْحَسَدِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فَالتَّقْوَى تُطَهِّرُ الْقَلْبَ مِنْ آفَاتِهِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: ٨٨-٨٩]
وَمِنْ طُرُقِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَاللُّجُوءُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِنَّ الْقُلُوبَ بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ، يُقَلِّبُهَا كَيْفَ يَشَاءُ، وَلَا يَثْبُتُ عَلَى الصَّفَاءِ وَالنَّقَاءِ إِلَّا مَنْ ثَبَّتَهُ اللَّهُ وَهَدَاهُ. فَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» [متفق عليه]؛ فَالنُّورُ إِذَا دَخَلَ الْقَلْبَ أَزَالَ ظُلُمَاتِ الْحِقْدِ، وَدَفَعَ دَخَائِلَ الْحَسَدِ، وَأَوْرَثَ صَفَاءً وَسَكِينَةً وَإِيمَانًا. وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا» (رواه الترمذي والنسائي) وَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي [أَيْ: أَزِلْ حِقْدَهُ» فَانْظُرُوا -رَحِمَكُمُ اللَّهُ- كَيْفَ جَمَعَ النَّبِيُّ ﷺ بَيْنَ صَلَاحِ الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ، فَجَعَلَ خَيْرَ مَا يُسْأَلُ اللَّهُ تَعَالَى: لِسَانًا صَادِقًا وَقَلْبًا سَلِيمًا؛ فَمَنْ صَلَحَ قَلْبُهُ صَلَحَتْ أَعْمَالُهُ، وَمَنْ سَلِمَ صَدْرُهُ سَعِدَ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ.
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ: حُسْنُ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ،
وَإِعْذَارُهُ إِذَا أَخْطَأَ، وَحَمْلُ أَقْوَالِهِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَحَامِلِ؛
قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: (لَا تَظُنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ فِيْ مُسْلِمٍ
شَرًّا وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمِلًا). وَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ:
(إِذَا بَلَغَكَ عَنْ أَخِيكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ فَالْتَمِسْ لَهُ الْعُذْرَ جَهْدَكَ،
فَإِنْ لَمْ تَجِدْ لَهُ عُذْرًا فَقُلْ فِي نَفْسِكَ: لَعَلَّ لِأَخِي عُذْرًا لَا
أَعْلَمُهُ).
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ: تَرْكُ التَّنَافُسِ عَلَى الدُّنْيَا؛ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَتَنَافَسُونَ ثُمَّ تَتَحَاسَدُونَ، ثُمَّ تَتَدَابَرُونَ ثُمَّ تَتَبَاغَضُونَ» [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ((وعن عَمرِو بنِ عَوفٍ رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم قال: ((فواللهِ ما الفَقْرَ أخشى عليكم، ولكِنِّي أخشى أن تُبسَطَ عليكم الدُّنيا كما بُسِطَت على من كان قبلَكم، فتَنافَسوها كما تَنافَسوها، وتُهلِكَكم كما أهلكَتْهم)) وَمِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ سَلَامَةِ الصَّدْرِ: الْإِقْبَالُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قِرَاءَةً وَتَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا؛ فَإِنَّهُ نُورُ الْقُلُوبِ، وَشِفَاءُ الصُّدُورِ، وَرَبِيعُ الْأَرْوَاحِ، وَسَبَبُ طُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ وَسَكِينَتِهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: 57].
فَدَلَّتِ الْآيَةُ
الْكَرِيمَةُ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ يُزِيلُ أَدْوَاءَ الْقُلُوبِ مِنْ شُبُهَاتٍ
وَشَهَوَاتٍ، وَيُطَهِّرُهَا مِنْ غِلٍّ وَحَسَدٍ وَحِقْدٍ، فَتَصْفُو بِهِ النُّفُوسُ،
وَتَسْتَقِيمُ بِهِ السَّرَائِرُ. فَمَنْ أَقْبَلَ عَلَى الْقُرْآنِ صَادِقًا، تَغَذَّى
قَلْبُهُ بِالْإِيمَانِ، وَانْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالطُّمَأْنِينَةِ، وَزَالَتْ عَنْهُ
وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ وَدَخَائِلُ السُّوءِ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ
عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ وَنَقَاءِ الْقَلْبِ.
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ: إِفْشَاءُ السَّلَامِ، وَالتَّهَادِي بَيْنَ الْأَنَامِ، وَحُبُّ الْخَيْرِ لَهُمْ، وَكَفُّ الشَّرِّ عَنْهُمْ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا تَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ». وَعَنْهُ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «تَهَادَوْا تَحَابُّوا» قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ:«لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّ لِنَفْسِهِ». متفق عليه..
وَمُقَابَلَةُ الْإِسَاءَةِ بِالْإِحْسَانِ ﴿وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَةࣱ كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ﴾ فصلت: ٣٤، وصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ؛ لِلْحَدِيثِ الشَّرِيفِ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِمَا يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ؟[أَيْ: حِقْدَهُ وغِشَّهُ]: صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» [أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ) وتَرْكُ الْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ فَإِنَّهُمَا مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ فَسَادِ الْقُلُوبِ. قَالَ تَعَالَى:﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: ١٢].وَقَالَ ﷺ:«لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ». متفق عليه. وَ احْذَرُوا الحَالِقَةَ فمِنَ الْآفَاتِ الْخَطِيرَةِ الَّتِي تُهَدِّدُ سَلَامَةَ الصُّدُورِ، وَتَقْضِي عَلَى أَصْلِ الدِّينِ فِي الْقَلْبِ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، فَهُمَا دَاءُ الْأُمَمِ السَّابِقَةِ، وَسَبَبُ تَفَرُّقِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ. فَعَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعْرَ، وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ».
وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُعِينُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ:
التَّخَلُّصُ مِنْ نَزَغَاتِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَسْعَى
جَاهِدًا إِلَى إِيغَارِ الصُّدُورِ، وَإِثَارَةِ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ بَيْنَ
الْمُؤْمِنِينَ، وَيُفْسِدُ مَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْإِخَاءِ. وَقَدْ
حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ طَرِيقِهِ، وَأَمَرَ عِبَادَهُ بِحُسْنِ الْقَوْلِ وَاخْتِيَارِهِ،
فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ
يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا﴾ [الإسراء:
53]. وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ
أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ
بَيْنَهُمْ»؛ فَيَسْعَى إِلَى إِشْعَالِ الْخُصُومَاتِ، وَتَفْرِيقِ الْجَمَاعَاتِ،
وَإِثَارَةِ الضَّغَائِنِ فِي الصُّدُورِ. فَمَنْ أَرَادَ سَلَامَةَ صَدْرِهِ فَلْيَسْتَعِذْ
بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلْيُجَاهِدْ نَفْسَهُ عَلَى كَظْمِ الْغَيْظِ، وَحُسْنِ
الْقَوْلِ، وَتَرْكِ الْمِرَاءِ وَالْخُصُومَةِ، فَإِنَّ فِي ذَلِكَ حِفْظَ الْقُلُوبِ،
وَصِيَانَةَ الْإِخَاءِ، وَسَلَامَةَ الصُّدُورِ.
وَمِمَّا يُعِينُ عَلَى سَلَامَةِ الصَّدْرِ:
تَجَنُّبُ الْجِدَالِ وَالْمِرَاءِ، وَكُلِّ مَا يَبْعَثُ عَلَى الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ،
وَالزُّهْدُ فِي حُبِّ التَّصَدُّرِ وَالرِّيَاسَةِ، وَالْبُعْدُ عَنِ التَّعَدِّي
وَالتَّطَاوُلِ، وَالتَّجَمُّلُ بِالْكِيَاسَةِ؛ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ
اللهُ: (حُبُّ الرِّيَاسَةِ أَعْجَبُ إلَى الرَّجُلِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ،
وَمَنْ أَحَبَّ الرِّيَاسَةَ طَلَبَ عُيُوبَ النَّاسِ).
لَمَّا عَفَوْتُ وَلَمْ أَحْقِدْ عَلَى
أَحَدٍ******أَرَحْتُ نَفْسِيَ مِنْ هَمِّ الْعَدَاوَاتِ
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ
اللهَ الْعَلِيَّ الْعَظِيمَ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الخطبة الثانية الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَأَشْهَدُ
أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَأَشْهَدُ
أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَمُصْطَفَاهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى
آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ نَلْقَاهُ.
ثَالِثًا: الحَذَرَ الحَذَرَ مِنَ التَّشْكِيكِ
وَنَشْرِ رُوحِ التَّشَاؤُمِ، عِبَادَ اللَّهِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: التَّشْكِيكُ مِنْ
أَخْطَرِ الآفَاتِ التي تُفْسِدُ سَلَامَةَ الصُّدُورِ، وَتُضْعِفُ الثِّقَةَ، وَتَزْرَعُ
الرَّيْبَ وَالْقَلَقَ فِي قُلُوبِ النَّاسِ، فَنَشْرُ التَّشْكِيكِ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ
يُؤَدِّي إِلَى تَفَكُّكِ الْعَلَاقَاتِ، وَتَبَدُّدِ الْمَوَدَّةِ، وَيَجْعَلُ الْقُلُوبَ
مُتَحَفِّزَةً لِسُوءِ الظَّنِّ وَالارْتِيَابِ، وَهُوَ مِمَّا نَهَى اللَّهُ تَعَالَى
عَنْهُ فِي قَوْلِهِ:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: 12].
وَمِنْ أَخْطَرِ أَنْوَاعِ التَّشْكِيكِ:
الشَّكُّ فِي اللَّهِ جَلَّ فِي عُلَاهُ، وَهُوَ وَسْوَاسٌ يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ
فِي قُلُوبِ بَعْضِ النَّاسِ لِيُضْعِفَ يَقِينَهُمْ، وَيُعَكِّرَ صَفْوَ إِيمَانِهِمْ
قَالَ تَعَالَى:
﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
إبراهيم: 10.فَهَذِهِ الْآيَةُ تَحْسِمُ كُلَّ تَرَدُّدٍ، وَتَقْطَعُ كُلَّ وَهْمٍ،
وَتُثَبِّتُ فِي الْقُلُوبِ أَنَّ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ مَعْلُومٌ بِفِطْرَةِ الْعُقُولِ
قَبْلَ دَلِيلِ النُّصُوصِ، وَأَنَّ الشَّكَّ فِيهِ إِنَّمَا هُوَ طَارِئٌ مِنْ وَسَاوِسِ
الشَّيْطَانِ أَوْ جَهْلِ الْإِنْسَانِ. فَإِذَا ثَبَتَ فِي الْقَلْبِ هَذَا الْيَقِينُ،
سَلِمَ مِنْ أَدْوَاءِ الشُّبُهَاتِ، وَاطْمَأَنَّ بِذِكْرِ رَبِّهِ، وَسَلِمَ صَدْرُهُ
وَنَجَا فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ. وَمَا مِنْ مُسْلِمٍ إِلَّا وَقَدْ يَعْرِضُ لَهُ
شَيْءٌ مِنَ الْخَوَاطِرِ وَالْوَسَاوِسِ، وَلَكِنَّ الْفَارِقَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ
الصَّادِقَ يَدْفَعُهَا وَيَقْطَعُ سَبِيلَهَا، وَيَلْجَأُ إِلَى رَبِّهِ مُسْتَعِيذًا
مُتَوَكِّلًا، أَمَّا ضَعِيفُ الْإِيمَانِ فَيَتْرُكُهَا تَتَمَكَّنُ مِنْ قَلْبِهِ
فَتُفْسِدُ يَقِينَهُ. وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
النَّبِيُّ ﷺ: «يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ:
مَنْ خَلَقَ كَذَا، مَنْ خَلَقَ كَذَا، حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ؟ فَإِذَا
بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ» [متفق عليه]. فَدَلَّ هَذَا التَّوْجِيهُ
النَّبَوِيُّ الْعَظِيمُ عَلَى أَنَّ دَوَاءَ هَذِهِ الْوَسَاوِسِ هُوَ الِاسْتِعَاذَةُ
بِاللَّهِ وَالِانْتِهَاءُ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا، مَعَ تَثْبِيتِ الْيَقِينِ وَتَعْظِيمِ
اللَّهِ تَعَالَى فِي الْقَلْبِ، فَبِذَلِكَ يَسْلَمُ الإِيمَانُ وَتَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ.
التَّشْكِيكُ ينَشْرُ رُوحِ التَّشَاؤُمِ،
وَالتَّشَاؤُمُ مِنْ مَسَالِكِ الشَّيْطَانِ الَّتِي يُدْخِلُ بِهَا الْحُزْنَ عَلَى
الْقُلُوبِ، وَيُفْسِدُ بِهَا صَفَاءَ النُّفُوسِ، وَيَزْرَعُ بِهَا الْيَأْسَ وَالْقَلَقَ
فِي الْحَيَاةِ. وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ التَّشَاؤُمِ، وَدَعَا إِلَى التَّفَاؤُلِ
وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: «لَا طِيَرَةَ» وَفِي رِوَايَةٍ:
«وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ الصَّالِحُ»؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ الْمُؤْمِنَ قَلْبُهُ
مُتَوَكِّلٌ عَلَى رَبِّهِ، مُقْبِلٌ عَلَى خَيْرِهِ، لَا تَحْكُمُهُ الْأَوْهَامُ
وَلَا تُقَلِّبُهُ الْخُرَافَاتُ. وَنَشْرُ رُوحِ التَّشَاؤُمِ يُقْعِدُ النُّفُوسَ
عَنِ الْعَمَلِ، وَيَقْطَعُ حَبْلَ الرَّجَاءِ، وَيُضْعِفُ عَزِيمَةَ الْمُؤْمِنِ،
وَالْمُؤْمِنُ مَأْمُورٌ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ وَالتَّفَاؤُلِ بِخَيْرِهِ. فَالْوَاجِبُ
عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ وَقَلْبَهُ مِنْ إِثَارَةِ الشُّبُهَاتِ،
وَأَنْ يَبْثَّ الْأَمَلَ وَالطُّمَأْنِينَةَ بَيْنَ النَّاسِ، فَبِذَلِكَ تَسْلَمُ
الصُّدُورُ، وَتَصْفُو الْحَيَاةُ، وَتَقْوَى رَوَابِطُ الْأُخُوَّةِ وَالْإِيمَانِ.
فَالتَّشَاؤُمُ يَكْسِرُ الْهِمَّةَ، وَيُضْعِفُ
الْإِرَادَةَ، وَيُفْسِدُ سَلَامَةَ الصَّدْرِ؛ أَمَّا التَّفَاؤُلُ فَيَشْرَحُ الصَّدْرَ،
وَيُقَوِّي الْيَقِينَ، وَيَبْثُّ الرَّجَاءَ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ. فَالْعَبْدُ
الْمُوَفَّقُ هُوَ مَنْ يَعِيشُ بِقَلْبٍ مُتَوَكِّلٍ عَلَى اللَّهِ، وَنَفْسٍ رَاضِيَةٍ
بِقَدَرِهِ، وَنَظَرَةٍ مُشْرِقَةٍ تَرَى الْخَيْرَ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ، فَتَسْلَمُ
لَهُ صَدْرُهُ، وَتَطِيبُ لَهُ حَيَاتُهُ.
والتَّشْكِيكُ الْمُفْرِطُ لَا يُوَرِّثُ
صَاحِبَهُ عِلْمًا وَلَا طُمَأْنِينَةً، بَلْ يُبَدِّدُ الْأَمَلَ، وَيُضْعِفُ الْعَزِيمَةَ،
وَيَنْشُرُ فِي الْمُجْتَمَعَاتِ أَجْوَاءً مِنَ السَّلَبِيَّةِ وَالْحَيْرَةِ وَالْإِحْبَاطِ،
فَيُعَوِّقُ مَسِيرَةَ الْبِنَاءِ وَالْعُمْرَانِ.
والتَّشْكِيكُ الْمُفْرِطُ دَاءٌ اجْتِمَاعِيٌّ
خَطِيرٌ، وَوَبَاءٌ خُلُقِيٌّ كَبِيرٌ؛ مَا فَشَا فِي أُمَّةٍ إِلَّا كَانَ سَبَبًا
فِي تَفَكُّكِهَا وَضَعْفِهَا، وَمَا دَبَّ فِي أُسْرَةٍ إِلَّا كَانَ نَذِيرَ دَمَارِهَا
وَزَوَالِ اسْتِقْرَارِهَا؛ فَهُوَ مَصْدَرُ كُلِّ عَدَاوَةٍ، وَيَنْبُوعُ كُلِّ شَرٍّ
وَتَعَاسَةٍ.
والتَّشْكِيكُ الْمُفْرِطُ مَرَضٌ خَطِيرٌ
مِنْ أَمْرَاضِ الْعَصْرِ، نَتَائِجُهُ وَخِيمَةٌ، وَمَفَاسِدُهُ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ
دَلِيلٌ عَلَى سُوءِ طَوِيَّةِ صَاحِبِهِ إِذَا تَحَوَّلَ إِلَى طَعْنٍ فِي النِّيَّاتِ
وَتَحْرِيفٍ لِلْحَقَائِقِ.
وَمَنْ أُصِيبَ بِهَذَا الدَّاءِ فَوَاجِبٌ
عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ إِلَى مُعَالَجَتِهِ بِالْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ وَحُسْنِ
الظَّنِّ، فَإِنَّ سُوءَ الظَّنِّ يَقُودُ إِلَى الْبُهْتَانِ، وَيُفْسِدُ الْقُلُوبَ،
وَيَقْطَعُ رَوَابِطَ الْأُخُوَّةِ
Kوَإِذَا
جَهِلَ الْإِنْسَانُ أَمْرًا أَوْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُ الْحَقُّ، فَعَلَيْهِ أَنْ
يَتَوَقَّفَ وَيَسْأَلَ أَهْلَ الذِّكْرِ، وَلَا يَسْتَعْجِلَ فِي إِصْدَارِ الْأَحْكَامِ،
فَإِنَّ الْعَجَلَةَ تُورِثُ الزَّلَلَ، وَالظَّنَّ السَّيِّئَ يُورِثُ الْبُهْتَانَ.
وَقَدْ وَقَعَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ سَاءَ ظَنُّهُ بِالنَّبِيِّ
ﷺ عِنْدَ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ، فَقَالَ
بِجَهْلِهِ وَتَعَجُّلِهِ: «اعْدِلْ يَا مُحَمَّدُ، فَمَا عَدَلْتَ، هَذِهِ قِسْمَةٌ
مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ»، فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى خَطَرِ سُوءِ الظَّنِّ
إِذَا تَجَرَّدَ مِنَ الْعِلْمِ وَالْبَصِيرَةِ. فَالْمُؤْمِنُ الْعَاقِلُ يَكُفُّ
لِسَانَهُ عَنِ التَّعَجُّلِ فِي التَّهْمَةِ، وَيَبْنِي أَحْكَامَهُ عَلَى الْيَقِينِ
لَا عَلَى الظُّنُونِ، وَيَعْلَمُ أَنَّ الْعَدْلَ وَالْحِكْمَةَ مَعْلُومَةٌ فِي شَرِيعَةِ
اللَّهِ، لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَلَيْهَا بِهَوًى أَوْ جَهْلٍ.
وَالتَّشْكِيكُ فِي حَقِيقَتِهِ لَا يَنْبُعُ
إِلَّا مِنَ الْهَوَى إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَلْبِ؛ فَإِنَّ الْهَوَى مِلْكٌ ظَلُومٌ
جَهُولٌ، يَسُوقُ صَاحِبَهُ إِلَى الْبَاطِلِ دُونَ بَصِيرَةٍ، وَيُزَيِّنُ لَهُ سُوءَ
الظَّنِّ حَتَّى يَرَى الْحَقَّ بَاطِلًا وَالْبَاطِلَ حَقًّا. فَإِذَا اتَّبَعَ الْإِنْسَانُ
هَوَاهُ، أَعْمَاهُ عَنِ الْحَقِّ، وَأَصَمَّهُ عَنْ نِدَاءِ الْهُدَى، وَجَعَلَهُ
يَتَعَجَّلُ فِي الْحُكْمِ، وَيَتَّهِمُ النَّاسَ بِغَيْرِ بُرْهَانٍ، فَيَقَعُ فِي
الظُّلْمِ وَالْبُهْتَانِ.
وَقَدْ حَذَّرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنِ اتِّبَاعِ
الْهَوَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ﴾،وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالسَّلَفِ تَحْذِيرٌ شَدِيدٌ
مِنَ الْهَوَى وَاتِّبَاعِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ إِضْلَالِ الْقَلْبِ، وَإِعْمَاءِ الْبَصِيرَةِ،
وَقَلْبِ الْمَوَازِينِ. فَقَدْ نُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا
أَنَّهُ قَالَ: "مَا ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْهَوَى فِي كِتَابِهِ إِلَّا
ذَمَّهُ"، وَكَذَلِكَ فِي السُّنَّةِ لَا يَأْتِي إِلَّا فِي مَوَاطِنِ التَّحْذِيرِ
إِلَّا مَا جَاءَ مُقَيَّدًا بِمُتَابَعَةِ الْحَقِّ، كَقَوْلِهِ ﷺ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَكُونَ
هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ». وَقَالَ الإِمَامُ الشَّاطِبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:
سُمِّيَ الْهَوَى هَوًى؛ لِأَنَّهُ يَهْوِي بِصَاحِبِهِ إِلَى أَسْفَلِ الدَّرَكَاتِ
إِذَا لَمْ يُزَكِّهِ بِالْوَحْيِ وَالْهُدَى. وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ: "إِذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ اجْتَمَعَ هَوَاهُ وَعِلْمُهُ وَعَمَلُهُ،
فَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ تَبَعًا لِهَوَاهُ فَيَوْمُهُ يَوْمُ سُوءٍ، وَإِنْ كَانَ تَبَعًا
لِعِلْمِهِ فَيَوْمُهُ يَوْمُ صَلَاحٍ". وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، وَثَلَاثٌ
مُهْلِكَاتٌ؛ فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللَّهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ،
وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالسُّخْطِ، وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ،
وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ
بِنَفْسِهِ». فَالْهَوَى إِذَا تَمَكَّنَ مِنَ الْقَلْبِ قَادَهُ إِلَى التَّشْكِيكِ
وَسُوءِ الظَّنِّ وَالْبُعْدِ عَنِ الْحَقِّ، وَإِنَّمَا يَسْلَمُ الْعَبْدُ إِذَا
خَالَفَ هَوَاهُ وَجَعَلَ الْوَحْيَ حَاكِمًا عَلَى أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ، فَتَسْلَمُ
صَدْرُهُ، وَيَصْفُو قَلْبُهُ، وَيَسْتَقِيمُ سَيْرُهُ إِلَى رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى.
فَاتِّبَاعُ الْهَوَى مَفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ، وَمِنْهُ يَنْشَأُ التَّشْكِيكُ وَسُوءُ
الظَّنِّ وَفَسَادُ الْقُلُوبِ. فَالْعَبْدُ الْمُوَفَّقُ هُوَ الَّذِي يُجَاهِدُ نَفْسَهُ
عَلَى مُخَالَفَةِ هَوَاهُ، وَيَرُدُّهَا إِلَى الْحَقِّ وَالْيَقِينِ، فَبِذَلِكَ
تَسْلَمُ صَدْرُهُ، وَيَصْفُو قَلْبُهُ، وَيَسْتَقِيمُ سَيْرُهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى. وَاعْلَمُوا -عِبَادَ اللَّهِ- أَنَّ التَّشْكِيكَ
إِنَّمَا يَزُولُ بِالنُّورِ، وَالنُّورُ هُوَ الْيَقِينُ؛ فَمَنْ امْتَلَأَ قَلْبُهُ
بِالْيَقِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِهِ، وَالِاعْتِصَامِ بِكِتَابِهِ
وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ ﷺ، سَلِمَ صَدْرُهُ، وَاطْمَأَنَّتْ نَفْسُهُ،
وَانْكَشَفَتْ عَنْهُ غُمُومُ الشُّكُوكِ وَالْأَوْهَامِ.
إِذَا مَا الشَّكُّ سَادَ الْقَلْبَ يَوْمًا
** تَخَلَّتْ عَنْهُ أَنْوَارُ الْيَقِينِ
وَصَارَ الْعَقْلُ فِي وَهْمٍ عَسِيرٍ
** يَقُودُ النَّفْسَ لِلْخَطْبِ الْمُبِينِ
فَدَعْ عَنْكَ التَّشَكُّكَ فِي خَلِيقٍ
** فَإِنَّ الشَّكَّ يُرْدِي بِالظُّنُونِ
وَثِقْ بِاللَّهِ فِي سِرٍّ وَجَهْرٍ
** تَنَلْ أَمْنًا وَتَحْيَا فِي حُصُونِ
وَإِيَّاكَ اتِّبَاعَ الْهَوَى إِذَا مَا
** تَوَلَّى فَالْهَوَى بَابُ الْفُتُونِ
فَكَمْ قَلْبٍ أَضَاعَتْهُ شُكُوكٌ ** فَصَارَ
بِهَا إِلَى دَارِ الْجُنُونِ
وَمَنْ يَزْرَعْ بِقَلْبِ النَّاسِ رَيْبًا
** يَعُدْ يَوْمًا وَيَحْصُدُ مَا يَكُونِ
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ،
وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ
المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِين