فقه الهجرة إلى الله تعالى
بيان أن الهجرة إلى الله تعالى لا تقتصر
على الانتقال من مكان إلى مكان، وإنما هي هجرة القلب والجوارح من المعصية إلى الطاعة،
ومن الغفلة إلى الذكر، ومن البعد عن الله إلى القرب منه.
الهجرة في الإسلام مفهومها وأهميتها.
الهجرة إلى الله ورسوله أصل كل
خير.
صور الهجرة إلى الله في واقع المسلمين.
ثمرات الهجرة إلى الله تعالى.
نماذج مشرقة من الهجرة إلى الله.
الخطبة الثانية: التحذير من الغش في الامتحانات.
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي
جعل لعباده مواسم للطاعات، وفتح لهم أبواب التوبة والإنابات، أحمده سبحانه وأشكره،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، جعل الفلاح في طاعته، والخسران في معصيته،
وأشهد أن سيدنا محمدًا عبد الله ورسوله، خير من هاجر إلى ربه، وأكمل من حقق العبودية
لربه، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
فإن من أعظم الدروس التي نستقبل بها عامًا
هجريًا جديدًا أن نتذكر الهجرة النبوية المباركة، لا باعتبارها حدثًا تاريخيًا فحسب،
بل باعتبارها منهج حياة، ومدرسة إيمان، وطريقًا للتغيير والإصلاح.
أيها المسلمون:
لقد ارتبط مطلع التاريخ الإسلامي بحدث الهجرة؛
لأنها كانت نقطة التحول الكبرى في حياة الأمة، ومن هنا كان لزامًا علينا أن نتفقه في
معنى الهجرة الحقيقي، وأن ندرك أن الهجرة ليست مجرد انتقال بالأبدان من بلد إلى بلد،
بل هي قبل ذلك وبعده هجرة القلوب إلى الله تعالى.
أولًا الهجرة في الإسلام مفهومها وأهميتها
الهجرة في اللغة: الترك والانتقال.
وفي الشرع: الانتقال من حال يكرهه الله إلى حال يحبه ويرضاه.
وقد كانت الهجرة النبوية انتقالًا من مكة إلى المدينة لإقامة الدين وحماية الدعوة، لكنها تحمل معاني أوسع وأبقى لكل مسلم في كل زمان ومكان.
قال الله تعالى: ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً﴾ [النساء: 100].
وقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ
اللَّهِ﴾ [البقرة: 218].
ثانيًا: الهجرة إلى الله ورسوله أصل كل
خير
عباد الله:
إن أعظم أنواع الهجرة هي الهجرة إلى الله
ورسوله.
قال الله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾
[الذاريات: 50].
وقال سبحانه على لسان نبيه إبراهيم عليه
السلام: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [العنكبوت:
26].
والهجرة إلى الله تعني:
هجرة الشرك إلى التوحيد.
وهجرة المعصية إلى الطاعة.
وهجرة الغفلة إلى الذكر.
وهجرة الظلم إلى العدل.
وهجرة الرياء إلى الإخلاص.
ولهذا قال النبي ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى
اللَّهُ عَنْهُ» (رواه البخاري).
وقال ﷺ: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده،
والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه» (متفق عليه).
قال الإمام ابن القيم رحمه الله:
"الهجرة هجرتان: هجرة بالجسد من بلد إلى بلد، وهجرة بالقلب إلى الله ورسوله، وهذه
هي الهجرة الحقيقية الدائمة إلى قيام الساعة".
ثالثًا: صور الهجرة إلى الله في واقع المسلمين
أيها المؤمنون:
إن الهجرة إلى الله ليست شعارًا يرفع، بل
عمل يُترجم إلى واقع.
هجرة التائبين
حين يترك العبد الذنب الذي ألفه سنوات طويلة،
ويتجه إلى ربه نادمًا مستغفرًا، فهذه هجرة عظيمة.
قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا
أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
هجرة المحافظين على الصلاة
فكم من مسلم هجر التفريط والكسل إلى المحافظة
على الصلاة في أوقاتها.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ
الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾ [العنكبوت: 45].
هجرة أصحاب الأخلاق الحسنة
من هجر ال كذب إلى الصدق، والغيبة إلى حفظ اللسان، والخصومة إلى العفو، والحسد إلى الرضا، فقد هاجر إلى الله.
قال ﷺ: «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا»
(رواه الترمذي).
هجرة الشباب من رفقاء السوء
كم من شاب أفسدت صحبته السيئة دينه وأخلاقه، فإذا تركها لله فقد حقق معنى الهجرة.
قال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ
لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 67].
رابعًا: ثمرات الهجرة إلى الله تعالى
من أعظم ثمار الهجرة إلى الله:
1- محبة الله تعالى
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾
[البقرة: 222].
2- سعة الرزق وتيسير الأمور
قال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل
لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2-3].
3- الأمن والطمأنينة
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ
قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: 28].
4- الفوز بالجنة
قال سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا
وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ [البقرة:
218].
خامسًا: نماذج مشرقة من الهجرة إلى الله
أيها الأحبة:
ومن أروع قصص الهجرة إلى الله قصة الصحابي الجليل صهيب الرومي رضي الله عنه.
فلما أراد الهجرة إلى المدينة منعه المشركون،
فقال لهم: أرأيتم إن تركت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم، فترك ماله كله لله وهاجر.
فلما بلغ النبي ﷺ خبره قال: «ربح البيع أبا يحيى» (رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي).
وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول:
"حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم".♥
فالعام الهجري الجديد فرصة عظيمة لمراجعة النفس وتجديد التوبة والهجرة إلى الله.
فليهاجر المقصر إلى الصلاة، وليهاجر العاق إلى بر الوالدين، وليهاجر الظالم إلى العدل، وليهاجر الغافل إلى الذكر، وليهاجر الجميع إلى طاعة الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
«التحذير من الغش في الامتحانات»
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله
إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد:
فمع قرب الامتحانات أو استمرارها، فإن من
الواجب الشرعي التحذير من الغش؛ لأنه خلق مذموم، وخيانة للأمانة، وأكل للحقوق بالباطل.
وقد قال النبي ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنَّا» (رواه مسلم).
والغش لا يقتصر على قاعة الامتحان، بل يشمل
كل صور الخداع والتزوير والكذب.
أيها الأبناء:
إن النجاح الحقيقي ليس في الحصول على درجات
مرتفعة بالغش، وإنما في العلم النافع المبني على الصدق والاجتهاد.🇪🇬♥
واعلموا أن شهادة بنيت على غش قد تفتح بابًا من الحرج في الدنيا والآخرة، وأن الله مطلع على السرائر
وعلى الآباء والأمهات أن يغرسوا في أبنائهم
قيمة الأمانة، وأن يربوهم على أن النجاح مع الصدق خير من التفوق مع الغش.
اللهم وفق أبناءنا وبناتنا لكل خير، ووفقهم في امتحاناتهم، واجعل النجاح حليفهم، وارزقهم الصدق والأمانة والإخلاص.
اللهم أصلح أحوال المسلمين، واحفظ مصر وسائر
بلاد المسلمين من الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.