recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعةأثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان الشيخ وائل طارق كحله

 أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان 

 

"الحمد لله الذي جعلَ الأسرةَ ميثاقاً غليظاً، ولبنةً يبنى عليها صرحُ الأمة،

- وأشهد أن لا إله إلا الله، جعلَ من البيوتِ سكناً ومودة، ومن الأبناءِ قرةَ عينٍ وزينةً للحياةِ الدنيا،

-وأشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه، خيرُ من ربّى، وأعظمُ من وضعَ منهجَ الاستقرارِ في البيوت، صلى الله عليه وسلم، وعلى آلهِ وصحبهِ الذين حملوا الأمانةَ فصانوا البيوتَ وبنوا الحضارات.. 

      - - - - أما بعد: يا عباد الله، نحنُ اليومَ أمامَ قضيةٍ هي عصبُ الحياةِ وبدايةُ النجاة.. إننا لا نتحدثُ عن مجردِ جدرانٍ وأسقف، بل نتحدثُ عن "مصنعِ الرجالِ" و**"مستودعِ القيم" ..  

يا عباد الله، إنَّ استقرارَ الأسرةِ هو "الزلزالُ" الذي يقلبُ موازينَ الحياة؛ فبصلاحِ البيتِ يُصلحُ اللهُ حالَ الأمةِ بأسرها، وبفسادِه -لا قدرَ الله- تتداعى قيمُ المجتمعِ كأوراقِ الخريف!  

  ----لقد غفلنا -يا عباد الله- عن أنَّ الأسرةَ هي السدُّ المنيعُ أمامَ كلِّ انحراف، وهي الحصنُ الذي إذا انهارَ، ضاعَ الإنسانُ في دُنيا المتاهات..  

-- فما قيمةُ المالِ؟ وما قيمةُ الجاهِ؟ وما قيمةُ النجاحِ في العمل؟ إذا كان "البيتُ" يعيشُ في صمتٍ موحش، وتفككٍ مريب؟!  

 ـــ-- إنَّ الإنسانَ الذي يخرجُ من رحمِ بيتٍ مستقرٍ عامرٍ بالحبِ والوصل، هو "قنبلةٌ موقوتةٌ بالخيرِ" في وجهِ الفساد، وهو "منارةٌ" تضيءُ لمجتمعِه ولأمتِه..  

--ــ فيا حسرةً على بيوتٍ غفلنا فيها عن أسرارِ الاستقرار.. وكيف أذنا لهذه الحصونِ أن تتصدع؟..

--ــ إننا اليومَ في محطةِ مراجعةٍ جادةٍ، لنعيدَ للبيتِ هيبتَه، وللقلوبِ دفأَها، وللأبناءِ مكانتَهم، قبلَ أن يجرفَنا طوفانُ الانشغالِ والمادةِ إلى ما لا نُحمدُ عُقباه!  

ــ --  فهل من وقفةِ صدقٍ مع أنفسنا؟!"  

 

      خارطة طريق الخطبتين (العناصر)

الخطبة الأولى: «أثر استقرار الأسرة في بناء الإنسان»  

 

العنصر الأول: الأسرةُ "ميزانُ المجتمع": بيان أن فسادَ الفردِ غالباً ما يبدأُ من شرخٍ في البيت، وأنَّ صلاحَ الأمةِ انعكاسٌ مباشرٌ لصلاحِ البيوت 

-

العنصر الثاني: ركائزُ الاستقرار (المودة والقدوة): كيف نؤسسُ بيتاً آمناً؟ (المودةُ كغطاء، والقدوةُ الصالحة كمنهج عملي يراه الأبناء بأعينهم).  

-

العنصر الثالث: البيتُ "حاضنةُ الانتماء": كيف يصنعُ البيتُ المستقرُّ إنساناً صالحاً نافعاً لوطنه، من خلال زرعِ الثقةِ والأمانِ في نفسِ الابن.  


الخطبة الثانية: «خطورة غياب التواصل بين الآباء والأبناء»  


العنصر الأول: عزلةُ البيتِ (القاتلُ الصامت): كشفُ خطرِ الانشغالِ الرقمي وتركِ الأبناءِ بلا حوار، وكيف يؤدي غيابُ الكلمةِ إلى ضياعِ الفكرِ وانحرافِ البوصلة

-

العنصر الثاني: روشتةُ الاستعادة (كيف نعودُ لقلوبِ أبنائنا؟): تقديم حلولٍ عملية لكسرِ الجليد (الاستماع، التغافل، المشاركة، والصدق في المشاعر). 

الختام( سؤال  وجواب). 


- العنصر الأول: الأسرةُ "ميزانُ المجتمع".. صلاحُ الأمةِ يبدأُ من عتبةِ الدار 

--ــ يا عباد الله، نعلم جميعا أنَّ انهيارَ الأممِ لا يبدأُ من حدودِها الخارجية، بل يبدأُ من "تصدعِ جدرانِ بيوتها".

ــ-- البيتُ هو "الترمومتر" الذي نقيسُ به عافيةَ الوطن؛ فإذا فسدَ البيتُ، خرجَ لنا فردٌ متمردٌ، ومن ثمَّ مجتمعٌ متهالك.

-

-- وإليكم هذه القصة التي تزلزل الكيان (قصة ابن عمر مع الراعي):

أخرج الإمام البخاري في قصةٍ شهيرةٍ عن نافعٍ، أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خرجَ يوماً في سفر، فمرَّ براعٍ للغنمِ في الصحراء، فأرادَ ابنُ عمر أن يختبرَ أمانتَه، فقال له: "يا راعي، بعني شاةً من هذه الغنم". فقال الراعي: "إني مملوك". فقال ابنُ عمر: "قل لصاحبها: أكلها الذئب". فنظرَ إليه الراعي بنظرةٍ هزت وجدان ابنِ عمر وقال له: "فأين الله؟". 

--ــ العبرة: يا إخوة، انظروا إلى هذا الراعي! من أين جاء بهذه التربية؟ من أيِّ بيتٍ خرج؟ ومن أيِّ "ميزانِ مجتمعٍ" تعلّمَ أنَّ اللهَ يراه؟ لقد خرجَ من بيتٍ غرسَ فيه أنَّ "الرقابةَ الإلهيةَ" أقوى من أيِّ رقابةٍ بشرية. هذا الراعي هو "المنتجُ الصالح" الذي تُنتجه الأسرةُ المستقرة. لو كان هذا الراعي تربى في "بيئةٍ مادية" تبحثُ عن التكسبِ بأيِّ ثمن، لسرقَ الشاةَ وباعها. لكنَّ بيتهُ هو الذي صنعه.

-

الواقع المرير (لماذا غاب الصلاح؟):

يا إخوة، انظروا اليوم إلى أبنائنا في الشوارع، في الجامعات، في أماكنِ عملهم. أليسَ أغلبُ انحرافاتهم "صدىً" لغيابِ الميزانِ في بيوتهم؟

-البيتُ الذي يرى فيه الابنُ والدهُ يكذبُ على زوجتهِ في الهاتف، يخرجُ لنا شاباً يكذبُ على وطنهِ ومجتمعِه.

- البيتُ الذي ترى فيه الابنةُ أمَّها تتسخطُ على رزقِ الله، تخرجُ لنا امرأةً لا تَقنعُ ولا ترضى، فتدمرُ بيتها الجديد

الحقيقة: نحن اليوم نشتكي من "فسادِ المجتمع"، وننسى أنَّ المجتمعَ ما هو إلا "بيوتٌ كبرت". إذا أردتَ أن تُصلحَ حالَ البلاد، فابدأ بـ "ترميمِ الميزان" داخل بيتك.

--ــ التوجيه النبوي المزلزل:

روى الإمام أحمد في مسنده عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي قال: «إنَّ اللهَ سائلٌ كلَّ راعٍ عما استرعاه: أحفظَ أم ضيَّع؟ حتى يُسألَ الرجلُ عن أهلِ بيتِه».

تخيل الموقف يوم القيامة؛ يُسألُ الأبُ: "لماذا خرجَ ابنُك فاسداً؟ لماذا ضاعت ابنتك في فتنِ الدنيا؟". لن يقبلَ اللهُ منك عذراً بأنك كنت مشغولاً بجمعِ المال، أو أنك وفرتَ لهم المأكلَ والمشرب. المسؤوليةُ هنا مسؤوليةُ "دينٍ وأخلاق".

الخلاصة المزلزلة:

قيل: "البيتُ الذي يُبنى على تقوى اللهِ منذُ الخطوةِ الأولى، لا تضرهُ عواصفُ المجتمع".

--ــ  فالصلاحُ ليس "موهبةً" تولدُ مع الطفل، بل هو "صناعةٌ" يقومُ بها الأبوان. فهل نحنُ اليومَ "صنّاعٌ مهرة" لأبنائنا، أم أننا نتركهم للظروفِ تعبثُ بهم كيف تشاء؟ 


- العنصر الثاني: ركائز الاستقرار (المودةُ غطاءٌ.. والقدوةُ منهجٌ حيٌّ لا يموت

يا عباد الله، البيتُ الذي يقومُ على "الأوامرِ الجافة" والتعليماتِ الجامدة هو بيتٌ يُبنى على رمالٍ متحركة، سرعان ما تبتلعُ قِيَمَ الأبناءِ وتُغرقُ سفينةَ العائلة. لكي يستقرَّ البيتُ، نحن بحاجةٍ إلى ركيزتين: مودةٌ تغمرُ القلوب، وقدوةٌ تراها العيون.

 أولاً: المودة.. ليست كلمةً تُقال، بل "حياةً تُعاش":

يقول الله تعالى في سورة الروم: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}. 

انظروا إلى كلمة {جَعَلَ}؛ أي أنها ليست فطريةً تولدُ مع الزواج، بل هي "صنيعةٌ" تحتاجُ إلى جهدٍ وصدق.

قصةٌ تُحيي القلوب:-

 اسمعوا إلى نبينا ، وهو في أوجِ انشغالِه بنشرِ الدعوةِ وبناءِ الدولة، كان يدخلُ بيتَه فيُسابقُ عائشةَ رضي الله عنها، ويخصفُ نعلَه، ويخيطُ ثوبَه في خدمةِ أهلِه.

- هل كان النبي "ضعيفاً" في بيته؟ معاذَ الله!

بل كان يرسخُ لنا حقيقةً مزلزلة: أنَّ المودةَ هي "جسرُ العبورِ" لقلوبِ الأهل.

 الواقع المرير: -

الكثيرُ من الآباء اليومَ يظنونَ أنَّ "الرجولة" في الغلظة، وأنَّ "الهيبة" في كثرةِ الصراخ!

- واللهِ ما كان غليظاً، بل كان "ألينَ الناس" في بيته، فصارَ بيته "ملاذاً" لا "سجناً".

- المودةُ هي أن ترحمَ زوجتَك من ضغوطِ الحياة، وأن ترحمي زوجك من كثرةِ الطلبات.

- المودةُ هي أن يكونَ البيتُ "أماناً" لا "ميدانَ صراع". 

  ثانياً: القدوة.. "المنهجُ المسموعُ بالعين":

يا إخوة، الابنُ اليوم لا يسمعُ بأذنِه، الابنُ يراقبُ بـ "عينِه"! القرآنُ وضعَ قاعدةً ذهبيةً في سورةِ الكهفِ حين قال في قصةِ الخضرِ وموسى عليه السلام : {وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا}.

التفسير الذي يزلزل القلوب: قال المفسرون: إنَّ اللهَ حفظَ لهما كنزَهما بصلاحِ أبيهما.

--ــ  أتعلمون ماذا يعني ذلك؟ أنَّ "صلاحك الشخصي" هو درعٌ لابنك! إذا أردتَ ابناً صادقاً، فليكن الصدقُ "ديدنَك" في البيت؛ لا تكذب في هاتفك أمامهم ثم تضربهم إذا كذبوا!

- إذا أردت ابنةً محتشمةً، فلتكن الأمُّ هي النموذجُ الذي تراه البنتُ في حيائِها واحتشامِها.

 && الحديث الذي يغير الموازين (تخريج): في سنن الترمذي بسندٍ صححه الألباني: «إنَّ اللهَ لَيَحْفَظُ بِالصَّالِحِ وَلَدَهُ وَوَلَدَ وَلَدِهِ».

-

هل تدركون قيمةَ هذا؟ إنَّ "صلاحَ الأبِ" هو أكبرُ استثمارٍ ينجحُ فيه الإنسانُ في حياته.

-الابنُ يتشربُ صفاتِ أبيه عبرَ "المراقبةِ الصامتة".

- فالأبُ الذي يغضبُ لأتفهِ الأسباب، سيخرجُ لنا جيلاً عصبياً. والأبُ الذي لا يحترمُ زوجتَه، لا ينتظرنَّ ابناً يحترمُ المرأةَ في المستقبل.

الربط بالواقع (خلاصة القول):

نحن نريدُ أبناءنا "ملائكةً"، ونحنُ أمامهم "أشباحُ غضب"! نريدهم "حفاظاً للقرآن"، ونحنُ لا يسمعوننا نقرأُ آية!

 -القدوةُ غابت، فغابَ الاستقرار. مَن أرادَ "بيتاً مستقراً"، فليبدأ "بإصلاحِ نفسِه". 

قيل: "لسانُ الحالِ أفصحُ من لسانِ المقال".

-القدوةُ هي اللغةُ الوحيدةُ التي يفهمُها الأبناء. فاجعل بيتك "مرآةً" لما تحبُّ أن تراه في أولادك، لا "مجلساً" للوعظِ النظريِّ الذي يتبخرُ بمجردِ خروجكَ من الباب.


العنصر الثالث: البيتُ "حاضنةُ الانتماء".. المسؤوليةُ قبل العقوق 

يا عباد الله، إنَّ البيتَ هو الحاضنةُ الأولى التي يُصنعُ فيها "انتماءُ" الإنسانِ لدينهِ ووطنه. والبيتُ الذي يخلو من "الرحمة" لا يخرجُ إلا إنساناً مُغترباً.

 --ــ الأصلُ القرآني:

قال تعالى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُم مِّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا} [النحل: 80].

التفسير: قال الطبري في "تفسيره": أي جعلها لكم مسكناً تسكنون فيه وتستريحون (تفسير الطبري، ج14، ص265). فإذا تحول السكنُ إلى "صراعٍ" أو "قطيعة"، فقدنا الغايةَ الربانيةَ من البيت.

 القصةُ الأثرية (عمر بن الخطاب والابن):

جاء رجلٌ إلى عمر بن الخطاب رضى الله عنه يشكو عقوقَ ابنه، فدعا عمرُ الابنَ ووبخه، فقال الابنُ: "يا أمير المؤمنين، أما لي على أبي حق؟" قال: "بلى". قال: "ما هو؟" قال: "أن ينتقيَ أمي، ويُحسنَ اسمي، ويُعلّمني الكتاب". قال الابن: "فإنه لم يفعلْ من ذلك شيئاً". فقال عمرُ للأب: "اذهبْ فقد عققته قبل أن يعقّك".

التوثيق: ذكره ابن الجوزي في "بر الوالدين" (ص 52)، وذكره ابن حجر في "المطالب العالية" (رقم 3226).

 العبرة: هذه القصةُ "ميزانٌ شرعي"؛ فالأبوةُ ليست سلطةً، بل هي أمانةٌ ومسؤولية، ومن قصَّر في الأمانةِ فقد أسقطَ حقَّه في الطاعة.

   القولُ المأثورُ والحكمة:

يقول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "من لم يُصنِ نفسَه، لم يُصنِ غيرَه" (شرح نهج البلاغة، ج20، ص329).

التطبيق: فكيف نطلبُ من أبنائنا أن يكونوا "منتمين" لبيوتنا ونحنُ لا نحترمُ ذواتهم ولا نمنحهم وقتاً من يومنا؟

  الواقعُ وربطهِ بالحقيقة:

يا إخوة، نحنُ نشتكي "عقوقَ الأبناء"، ولكن هل راجعنا أنفسنا في "عقوقِ التربية"؟ الأبُ الذي يقضي ساعاتٍ في مقهى أو أمام شاشةٍ بينما ابنُه بجانبهِ لا يجدُ من يحاوره، هو الذي يزرعُ "القطيعة".

- الانتماءُ يبدأُ بـ "الحوار" الذي أمرَ به النبي حين كان يُنصتُ لأصغرِ الصحابةِ ويُشاورهم.

 الحديثُ النبويُّ (تخريج):

عن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي قال: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته... والرجل في أهله راعٍ وهو مسؤول عن رعيته» [رواه البخاري، رقم 893؛ ومسلم، رقم 1829].

الفقهُ المنبري: المسؤوليةُ هنا ليست طعاماً وشراباً فقط، بل هي "رعايةُ العقولِ والقلوب". فإذا ضاعَ قلبُ الابنِ في فتنِ الخارج، فسيُسألُ الأبُ عن هذا الضياعِ يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون

 

-الخطبة الثانية: عزلةُ الجدرانِ.. وقطيعةُ الأرواح  


يا عباد الله، بعد أن بيّنا في الخطبة الأولى أنَّ الأسرة هي ميزان المجتمع، نأتي اليوم لنكشف "الداء العضال" الذي ينخر في عظام بيوتنا، ألا وهو "غياب التواصل".

   أولاً: عزلةُ البيتِ (القاتلُ الصامت

التأصيلُ القرآني:

يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} [الرعد: 25].

- التوثيق: قال الإمام الطبري في "تفسيره" (ج16، ص440): "يقطعون ما أمر الله بوصله من الأرحام والقرابات". والبيتُ هو أقربُ الأرحام، فإذا انقطعَ فيه الحوارُ، فقد وقعنا في "القطيعة" التي حذر الله منها.

 الواقعُ المزلزل:

يا إخوة، نحن نعيشُ زمن "الغربة المنزلية"؛ الأب في عالمِ عمله، والأم في عالمِ هاتفها، والأبناء في عالمِ الإنترنت. الجميعُ تحت سقفٍ واحد، لكنَّ القلوبَ في "جزرٍ منعزلة". هذا ليس بيتاً، بل هو "فندقٌ للمبيت".

-

الحقيقةُ المُرة: حين يغيبُ "صوتُ الأب" في التوجيه بالحب، يحلُّ محلَّه "صوتُ الشارعِ الرقمي" بالتوجيه بالخديعة. ابنُك سيسمعُ من أحدٍ ما، إذا لم يسمعْ منك!

 ثانياً: روشتةُ الاستعادة (القصة والحل

 ️القصة التي تدمي القلوب:

يُروى أنَّ ابناً حاولَ الحديثَ مع أبيه في أمرٍ هامٍ يخصُّ مستقبلَه، فكان الأبُ يقولُ دائماً: "اسكت، أنا مشغول!". فكتبَ الابنُ ورقةً تحتَ بابِ غرفتِه: "أبي الحبيب، لقد حاولتُ أن أكونَ صديقك، لكنك لم تكن تسمعُني.. أنا الآن أرحلُ لأبحثَ عن "أذنٍ" تسمعني، ولن أعودَ إلا عندما أجدُ أباً لا ينشغلُ عني بغيري".

التعليق: هذا النداء هو "صرخةُ ضياع" لكل أبٍ يظنُّ أنَّ التربيةَ "أكلٌ وشربٌ" فقط. (هذه قصةٌ تربويةٌ رمزيةٌ تضربُ المثلَ في واقعِ البيوتِ المفتتة).

 التأصيلُ النبويُّ (تخريج):

عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي قال: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّهُ رَعِيَّةً، يَمُوتُ يَوْمَ يَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لِرَعِيَّتِهِ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ» [رواه البخاري، رقم 7149؛ ومسلم، رقم 142].

   الفقهُ المنبري: غشُّ الرعية ليس فقط إطعامهم الحرام، بل "غشُّهم في التربية" بتركهم للفتنِ دونَ توجيه.

الحلولُ العملية (روشتة الإنقاذ):

الإنصاتُ التام:

  يقول الحكماء: "مَن أُعطي أذنينِ ولساناً واحداً، فليسمعْ أكثرَ مما يتكلم". (أثرٌ مأثور، ذكره الأبشيهي في "المستطرف").

 التغافلُ النبوي: كان النبي إذا رأى خطأً قال: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا» [رواه أبو داود، رقم 4788، وصححه الألباني].

  المشاركة: خصص وقتاً "بلا هواتف"، فقط لجلسةِ حوارٍ حول أحلامِ أبنائك ومخاوفهم. لم يعد اليتيم من مات أباه بل أصبح اليتيم من أمه وأبوه على ظهر الحياة ولكن الام متعبه والاب مشغول .

-

  خاتمةٌ تُزلزل:

يقول الإمام ابن القيم في "تحفة المودود" (ص 229): "فمن أهملَ تعليمَ ولدِه ما ينفعهُ، وتركَه سُدىً، فقد أساءَ إليه غايةَ الإساءة".

يا عباد الله، عودوا إلى بيوتكم، افتحوا قلوبكم لأبنائكم، قبل أن تفتحوا لهم أبوابَ المقابر، وقبل أن تندموا يوم لا ينفعُ الندم.

-

الختام ...(جلسةُ مصارحة.. أسئلةٌ تحاكي الواقع)  

يا عباد الله، لكي لا تظلَّ كلماتُنا حبراً على ورق، دعونا نطرحُ على أنفسنا أسئلةً صريحةً هي "واقعُ بيوتنا" اليوم:

 سؤالٌ يطرحُه الأب: "يا شيخ، لقد فاتَ الأوانُ، وأبنائي كبروا على القسوةِ والبعد، فما العمل؟"

 الجواب: يقول الله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا} [العنكبوت: 69].

التوجيه: بابُ الرجوعِ مفتوحٌ ما دامت الأنفاسُ تتردد. ابدأ بـ "الاعتذار" لابنك، نعم "اعتذر"! قل له: "يا بني، أخطأتُ في حقك حين كنتُ مشغولاً، أريد أن أبدأ معك صفحة جديدة". هذا الموقفُ وحده ينسفُ الجليدَ الذي تراكمَ لسنين.

 سؤالٌ تطرحُه الأم: "أبنائي منشغلون بهواتفهم عني طوال اليوم، هل أسحبُ الهواتفَ منهم بالقوة؟"

 الجواب: الحكمةُ تقول: "مَن أرادَ أن يُطاع، فليأمر بما يُستطاع".

التوجيه: المنعُ القسريُّ يولدُ "التمرد". استبدلي المنعَ بـ "البديل". شاركيهم في اختيارِ وقتٍ للجلوسِ معاً، وكوني أنتِ "المصدرَ الممتعَ" للحوار، فإذا وجد الابنُ في حواركِ "دلالاً وتفهماً"، سيضعُ الهاتفَ بيده لا بطلبك.

 سؤالٌ يطرحُه الجميع: "هل يكفي أن نكون صالحين بأنفسنا لنجدَ الصلاحَ في أبنائنا؟"

 الجواب: الصلاحُ "عدوى"، والفسادُ "عدوى" أيضاً.

التوجيه: قال الإمام ابن الجوزي: "من طلبَ ولداً باراً، فليكن هو في نفسه باراً بوالديه" (بر الوالدين، ص 45). فالعلاقةُ "انعكاسية"؛ ابنُك يرى فيك النموذجَ الذي سيطبقهُ في بيتهِ غداً. إنَّ "الصلاحَ الشخصي" هو البذرة، و"المتابعةَ الحانية" هي السُّقيا، فبدونهما لا ينتظرنَّ أحداً حصاداً.

 سؤالٌ أخير: "هل للبيتِ أثرٌ في حمايةِ الأبناءِ من الفتنِ التي نراها في الشارع؟"

 الجواب: البيتُ هو "الحصنُ الأخير".

التوجيه: إذا سقطَ الحصنُ، فلا أمانَ في الشارع. اجعل بيتك "مسجداً صغيراً" بالذكر، و"مدرسةً" بالتربية، و"واحةً" بالمودة. النبي كان يجعلُ بيتَه "مركزَ إشعاعٍ"، فاجعل بيتك كذلك، يهدِ اللهُ به من في قلبِ ابنك من ضياع.

 

-الدعاء الختامي:

اللهم يا من أصلحتَ الصالحين، أصلح لنا ذرياتنا وأزواجنا. اللهم اجعل بيوتنا حصوناً منيعةً على الفتن، واجعلنا قدوةً لأبنائنا في الصدقِ والأمانة. اللهم من كان في بيتهِ شقاقٌ فألّف بين قلوبهم، ومن كان لديهِ ابنٌ ضالٌ فردّه إليك رداً جميلاً، واجعل بيوتنا مناراتٍ للإيمانِ والهدى. اللهم ارزقنا برَّ أبنائنا، واجعلهم قرةَ أعينٍ لنا في الدنيا والآخرة.

أقولُ قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم.

  

 

google-playkhamsatmostaqltradent