مخاطر الزنا على الفرد والمجتمع
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبطاعته
تُرفع الدرجات، وبمرضاته تُدفع النقم والآفات. الحمد لله الذي خلَق الإنسان في أحسن
تقويم، واستخلفه في هذه الأرض ليُعمرها بالطهر والعفاف والمنهجِ القويم، ونهاه عن اتباع
خطوات الشيطان المُوصلة إلى العذاب الأليم.
أحمده سبحانه وهو المستحقُ للحمد والثناء،
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملكُ وله الحمدُ في الآخرة والأولى،
بيده مقاليدُ الأمور، وهو الغفورُ الشكور. وأشهد أن سيدَنا ونبيَنا محمداً عبدُه ورسولُه،
النبي المصطفى، والرسول المجتبى، الذي بُعث ليُتمم مكارم الأخلاق، ويحمي حِمى الفضيلة،
ويقطع دابر الرذيلة، صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين، وأصحابه الغر الميامين، والتابعين
لهم بإحسان إلى يوم الدين، وسلّم تسليماً كثيراً.
أما بعد: فاتقوا الله -عباد الله- واعلموا
أن تقوى الله هي الحصنُ الحصين، والدرعُ المتين، وبها النجاةُ يوم يقوم الناسُ لربِ
العالمين: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا
تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}.
أيها المسلمون.. أحبتي في الله
إن من أعظم النعم التي امتنَّ اللهُ بها
على عبادِه، أن شَرَع لهم من الأحكامِ ما تُصانُ به الضروراتُ الخمس، والتي من أهمِها:
حِفظُ الأعراضِ والأنساب. ولأجلِ هذا المقصدِ العظيم، أقام الإسلامُ سياجاً منيعاً
لحمايةِ المجتمع، فحرَّم الفواحش غاية التحريم، وجاءت النصوص بالتحذير الشديد من منها
وخاصةً جريمة الزنا؛ كونها معصية تُقوِّضُ البناء الأخلاقي، وتجلبُ غضبَ الجبار، وتُهلكُ
المجتمعات.
يقول اللهُ سبحانه وتعالى في محكم التنزيل:
{وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء:
32].
وتأملوا -أحبتي- كيف لم يقل "ولا تزنوا"،
بل قال: {وَلَا تَقْرَبُوا}، ليُحرِّمَ كلَ سببٍ، أو نظرةٍ، أو خطوةٍ، أو خلوةٍ تؤدي
إلى هذه الفاحشة النكراء. بل إن اللهَ عز وجل قرَن الزنا بالشرك والقتل، لعِظمِ جُرمِه،
فقال سبحانه في صفاتِ عبادِ الرحمن: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا
آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا
يَزْنُونَ ۚ وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا} [الفرقان: 68-69].
أيها المسلمون
إن لجريمةِ الزنا أبعاداً تدميرية وآثاراً
وخيمة، تعود على الفرد والمجتمع بالخراب والهلاك في الدنيا والآخرة:
أما أبعادُها على الفرد، فتتجلّى أولاً:
في الاضطراب النفسي والإيماني؛ حيت يَسلِبُ الزنا من العبد حلاوة الطاعة، ويُذهب نورَ
وجهِه وطمأنينةَ قلبِه، فيعيشُ مُعذَّبَ الضمير، مُثقَلاً بالخوفِ والهم، وقد حذر النبيُ
صلى الله عليه وسلم من نزعِ الإيمان عن الزاني وقت اقتراف الذنب فقال: (لا يَزْنِي
الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [رواه البخاري ومسلم]. وعن أبي هريرة رضي
الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: (إذا زنى الرجلُ خرج منه الإيمان
كان فوق رأسه كالظُّلة، فإذا انقطع رجع إليه الإيمان) [رواه أبو داود والترمذي].
كذلك تتجلى مخاطر هذه الفاحشة في الأمراض
الصحية الفتاكة؛ فالأصلُ أحبتي في العلاقات المُحرَمة أنها المُسبِّبُ الأول لانتقال
الأمراض الجنسية التي تُدمِّر الأبدان وتُعجِّل بالهلاك، وهذا مصداقُ تحذيرِ النبي
صلى الله عليه وسلم حيث قال: (لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ، حَتَّى
يُعْلِنُوا بِهَا، إِلَّا فَشَا فِيهِمُ الطَّاعُونُ، وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ
مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمُ الَّذِينَ مَضَوْا) [رواه ابن ماجه].
تتجلى مخاطرها كذلك في الوصمة الاجتماعية
والذلة بين الناس؛ فمرتكبُ الفاحشة يسقطُ من أعينِ الخلق، ويُكسَى ثوبَ المَذلة، ويُنظَرُ
إليه بعينِ الريبة، ويفقدُ مصداقيتَه وعدالتَه وسط محيطِه ومجتمعِه.
كذلك يجلب الزنا تدني الأداء، وضياع الرزق
والبركة؛ لأن انشغال الفكر بتتبعِ الشهواتِ المُحرمةِ يُورِثُ الخمولَ النفسي، ويُشتِّتُ
الذهن، ويذهبُ ببركة الوقت والجُهد، هذا غير أنه يَجلِبُ الفقر كما جاء في الأثر:
"الزنا يُورِثُ الفقر".
وأما أبعادُ هذه الجريمة على المجتمع والأسرة،
فهي الطامةُ الكبرى؛ فإن الزنا يُؤدي إلى اختلاطِ الأنسابِ وضياعِها فيُولدُ أطفالٌ
لا يُعرَفُ لهم أب، ويُحرَمون من حقِ النسبِ والرعايةِ والنفقة، مما يُفضي إلى تفككِ
الروابط الاجتماعية.
وكذلك الزنا يُفككُ الأُسَر ويهدمُ البيوت؛
فإذا دخلت الخيانةُ بيتاً، دُمِّرت جسورُ الثقةِ بين الزوجين، وتحولت السكينةُ إلى
جحيم، مما يؤول بالأسرة إلى الطلاق والتشتت، ويكون الأبناءُ هم الضحيةُ الأولى ضياعاً
وانحرافاً.
وكذلك الزنا يُؤدي إلى انتشار الجريمة والعنف
وسفك الدماء؛ لأنه يُشعِل الأحقاد، ويُوقِظ فتن الثأر والانتقام، فتقع خصومات وجرائم
جنائية كالقتل غسلاً للعار أو تصفيةً للحسابات.
أيضاً الزنا يؤدي إلى الانحلال الأخلاقي
ونزول العقاب العام بالأمة فإنه أحبتي إذا شاعت الفاحشةُ في قومٍ، رُفعت الغيرةُ من
القلوب، ومُحيت المروءة، وتحوّلت طاقاتُ الشبابِ البنّاءة إلى طاقاتٍ خاملةٍ لاهية،
مما يُقعدُ الأمةَ عن الحضارة والتقدم، بل ويجلب عليها العقاب العام من الله لقول النبي
صلى الله عليه وسلم: (إذا ظهر الزنا والربا في قريةٍ، فقد أحلوا بأنفسِهم عذاب الله)
[رواه الحاكم وصححه].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني
وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه،
إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه
وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي
إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلم تسليماً كبيراً.
أما بعد.. عباد الله
اعلموا أن رحمةَ اللهِ سبحانه وسعت كلَ
شيء، وأنه ما حَرَّم على عبادِه خبيثاً إلا وفتح لهم بدلاً منه الطيبات، وإن أصَحَ
وأنجَع علاجٍ لجريمةِ الزنا وحمايةِ المجتمعِ من أبعادِها الخطيرة هو التشريعُ الربانيُ
لسنةِ الزواج وتيسيرِ سبلِه.
فالزواجُ أحبتي هو الحصنُ الفطري الشرعي
الذي يعصم النفوس من التطلعِ للمحرمات، ولهذا وجَّه النبيُ صلى الله عليه وسلم خطابه
للشباب وحثهم على الزواج فقال: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ استَطَاعَ مِنكُمُ البَاءَةَ
فَليَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ
فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ"( البخاري ومسلم).
وإذا تأملتم سورة النور، تجدون كيف رسم
الإسلامُ الخطة الوقائية المتكاملة؛ فحرّم مقدمات الزنا حيث (أمر بالاستئذان، ونهى
عن إبداء الزينةِ والتبرج، وأمَر المؤمنين والمؤمنات بغض البصر)، وفي ذات الوقت؛ أمر
المجتمعَ كله -آباء وأولياء ومسؤولين- بأن يفتحوا أبواب الحلال، ويُيسروا النكاح، ويزوجوا
مَنْ لا زوج له ولا يمنعهم الفقرُ من ذلك قال جل جلاله: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَىٰ
مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ۚ إِن يَكُونُوا فُقَرَاءَ
يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [النور: 32].
بل وجاء التحذيرُ من مغبة التضييقِ في هذا
الباب وتعسير الزواج لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ
تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي
الْأَرْضِ وَفَسَادٌ عَرِيضٌ) [رواه الترمذي وحسنه].
فالزواجُ أحبتي هو السدُ المنيع، والحصنُ
الرفيع الذي يحمي الأفراد، ويحفظ الأعراض، ويصون المجتمعات من الانزلاق في الرذائل.
فتعفّفوا -عباد الله- بالحلال، وخففوا مهورَ
بناتكم، وسهِّلوا طريق العفاف لشبابِكم، تأمن أعراضُكُم وتصلُحُ دنياكم وآخرتَكم.
اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمد،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم احفظ شبابنا وبناتنا من الفتن، ما
ظهر منها وما بطن.
اللهم طهِّر قلوبنا، وحصِّن فروجنا، ونوِّر
بصائرنا، واستر عيوبنا.
اللهم آتِ نفوسنا تقواها، وزكِّها أنت خير
من زكاها، أنت وليها ومولاها.
اللهم اغننا بحلالك عن حرامك، وبطاعتك عن
معصيتك، وبفضلك عمن سواك يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفظ بلادَنا واجعل لها مخرجاً عاجلاً
وعادلاً، وواحفظ جميع بلاد المسلمين من كل سوء، واجعل لأهلنا في غزة مخرجاً قريباً
يا عزيز يا منتقم.
عباد الله.. {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ
وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}، فاذكروا الله العظيم الجليل يذكركم،
واشكروه على نعمه يزدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.. وأقم الصلاة.