recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سلامة الصدر وأثارها علي السلم المجتمي الشيخ/أحمد المراكبي

 سلامة الصدر وأثارها علي السلم المجتمي


الحَمْدُ للهِ الَّذِي طَهَّرَ قُلُوبَ عِبَادِهِ الأَبْرَارِ، وَجَعَلَ سَلَامَةَ الصَّدْرِ مَنْبَعَ السَّكِينَةِ وَالوَقَارِ. وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ المَلِكُ الرَّحِيمُ الغَفَّارُ.

وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ، المُصْطَفَى المُخْتَارُ.

اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الأَطْهَارِ، وَصَحْبِهِ الأَخْيَارِ، مَا تَعَاقَبَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ.

​أَمَّا بَعْدُ:

فَيَا عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى العَزِيزِ الجَبَّارِ، وَمُرَاقَبَتِهِ فِي الإِعْلَانِ وَالإِسْرَارِ، فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ شِعَارُ المُتَّقِينَ الأَبْرَارِ، وَدِثَارُ الصَّالِحِينَ الأَخْيَارِ، وَحِصْنٌ مِنَ الأَكْدَارِ، وَالمُنْجِيَةُ يَوْمَ يُبْعَثُ مَنْ فِي القُبُورِ وَتُبْلَى السَّرَائِرُ وَالآثَارُ، وَبِهَا النَّجَاةُ مِنْ خِزْيِ النَّارِ، وَالفَوْزُ بِجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ.

​ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ النِّعَمِ الَّتِي يَمُنُّ اللهُ بِهَا عَلَى العَبْدِ فِي الدُّنْيَا، أَنْ يَعِيشَ هَادِئَ البَالِ، مُسْتَرِيحَ النَّفْسِ، سَلِيمَ الصَّدْرِ تُجَاهَ إِخْوَانِهِ المُسْلِمِينَ.

فَمَا هِيَ حَقِيقَةُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ؟

إِنَّ حَقِيقَةَ سَلَامَةِ الصَّدْرِ هِيَ خُلُوُّ القَلْبِ مِنَ الغِلِّ وَالحِقْدِ وَالحَسَدِ وَالضَّغِينَةِ وَالبَغْضَاءِ لِعِبَادِ اللهِ، إِنَّهَا الرَّاحَةُ المُعَجَّلَةُ فِي الدُّنْيَا، وَالنَّجَاةُ المُؤَكَّدَةُ فِي الآخِرَةِ.

​أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:

لَقَدْ عَظَّمَ القُرْآنُ الكَرِيمُ وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ شَأْنَ القَلْبِ السَّلِيمِ، وَجَعَلَا صَفَاءَهُ مِنَ الأَحْقَادِ وَالأَضْغَانِ، وَنَقَاءَهُ مِنَ الحَسَدِ وَالبَغْضَاءِ، مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الفَوْزِ بِرِضَا اللهِ تَعَالَى.

سَبَبٌ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ النَّجَاةِ فِي الآخِرَةِ؛ فَلَا يَنْفَعُ يَوْمَ القِيَامَةِ مَالٌ وَلَا جَاهٌ وَلَا وَلَدٌ، وَإِنَّمَا يَنْجُو مَنْ أَتَى رَبَّهُ بِقَلْبٍ طَاهِرٍ سَلِيمٍ، كَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88- 89].

​وَلَقَدْ أَثْنَى اللهُ (عَزَّ وَجَلَّ) عَلَى أَقْوَامٍ طَهُرَتْ قُلُوبُهُمْ، وَسَلِمَتْ صُدُورُهُمْ، فَامْتَلَأَتْ نُفُوسُهُمْ رَحْمَةً بِإِخْوَانِهِمُ المُؤْمِنِينَ، فَلَمْ يَحْمِلُوا لَهُمْ غِلًّا وَلَا حِقْدًا، بَلْ رَفَعُوا أَكُفَّ الضَّرَاعَةِ إِلَى اللهِ يَسْأَلُونَهُ المَغْفِرَةَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلِإِخْوَانِهِمْ، وَأَنْ يَنْزِعَ مِنْ قُلُوبِهِمْ كُلَّ شَائِبَةٍ تُفْسِدُ المَوَدَّةَ أَوْ تَنْقُصُ المَحَبَّةَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: 10].

​إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ مِنْ أَخْلَاقِ الأَنْبِيَاءِ وَشِيَمِ الأَتْقِيَاءِ، فَقَدْ وَصَفَ اللهُ (تَعَالَى) خَلِيلَهُ إِبْرَاهِيمَ (عَلَيْهِ السَّلَامُ)، بِهَذِهِ الصِّفَةِ الجَلِيلَةِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ مِن شِیعَتِهِۦ لَإِبۡرَٰهِیمَ * إِذۡ جَاۤءَ رَبَّهُۥ بِقَلۡب سَلِیمٍ﴾ [الصافات: 83- 84]، وَهَذَا يُوسُفُ (عَلَيْهِ السَّلَامُ) حِينَمَا التَقَى بِإِخْوَتِهِ قَالَ لَهُمْ عَلَى سَبِيلِ الصَّفْحِ وَالعَفْوِ: ﴿لَا تَثۡرِیبَ عَلَیۡكُمُ ٱلۡیَوۡمَۖ يغۡفِرُ ٱللَّهُ لَكُمۡۖ وَهُوَ أَرۡحَمُ ٱلرَّٰحِمِینَ﴾ [يوسف: 92]، ثُمَّ أَعْلَنَ سَلَامَةَ صَدْرِهِ تُجَاهَهُمْ حَيْثُ أَسْنَدَ مَا فَعَلُوهُ مَعَهُ إِلَى الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ سِتْرًا عَلَيْهِمْ وَتَأَدُّبًا مَعَهُمْ فَقَالَ حِكَايَةً عَنْهُ: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنِ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100].

​أَمَّا سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ؛ فَقَدْ بَلَغَ فِي طَهَارَةِ القَلْبِ وَسَلَامَتِهِ مِنَ الأَحْقَادِ وَالضَّغَائِنِ وَسَائِرِ الآفَاتِ القَلْبِيَّةِ غَايَةَ الكَمَالِ، حَتَّى اسْتَحَقَّ أَنْ يَمْتَنَّ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿أَلَمۡ نَشۡرَحۡ لَكَ صَدۡرَكَ﴾ [الشرح: 1]، وَمِنْ كَمَالِ خُلُقِ النَّبِيِّ وَعَظِيمِ أَدَبِهِ أَنَّهُ كَانَ يَحْرِصُ عَلَى بَقَاءِ قَلْبِهِ نَقِيًّا تُجَاهَ أَصْحَابِهِ، بَعِيدًا عَنْ أَسْبَابِ الجَفْوَةِ وَسُوءِ الظَّنِّ، فَقَالَ: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ ‌وَأَنَا ‌سَلِيمُ ‌الصَّدْرِ» [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ].

​وَيَكْفِي لِصَاحِبِ القَلْبِ السَّلِيمِ، شَهَادَةُ النَّبِيِّ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) أَنَّهُ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ): أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ صَدُوقِ اللِّسَانِ"، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ، قَالَ: "هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ" [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

​إِنَّ سَلَامَةَ الصَّدْرِ مِنْ نَعِيمِ أَهْلِ الجَنَّةِ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47].

​وَعَنْ سَيِّدِنَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَالَ: "كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ ، تَبِعَهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: إِنِّي ‌لَاحَيْتُ ‌أَبِي (أَيْ خَاصَمْتُهُ)، فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ، فَعَلْتَ- قَالَ: نَعَمْ- قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومُ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، قَالَ عَبْدُ اللهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ، وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللهِ، إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنِ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ، لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ؟ فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ، فَقَالَ عَبْدُ اللهِ: هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ" [رَوَاهُ أَحْمَدُ].

​أَسْبَابُ سَلَامَةِ الصَّدْرِ كَثِيرَةٌ مِنْهَا:

​1- كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَاللُّجُوءِ إِلَى اللهِ:

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «اللهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

وَعَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُعَلِّمُنَا أَنْ نَقُولَ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الأَمْرِ، وَأَسْأَلُكَ عَزِيمَةَ الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ لِسَانًا صَادِقًا، وَقَلْبًا سَلِيمًا» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ].

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ كَانَ يَقُولُ فِي دُعَائِهِ: «وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

​2- حُسْنُ الظَّنِّ بِالخَلْقِ:

قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَسۡتَوِی ٱلۡحَسَنَةُ وَلَا ٱلسَّیِّئَةُۚ ٱدۡفَعۡ بِٱلَّتِی هِیَ أَحۡسَنُ فَإِذَا ٱلَّذِی بَیۡنَكَ وَبَیۡنَهُۥ عَدَٰوَة كَأَنَّهُۥ وَلِیٌّ حَمِیمࣱ﴾ [فصلت: 34].

دَخَلَ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَلَى الإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَهُوَ مَرِيضٌ فَقَالَ لَهُ: "قَوَّى اللهُ ضَعْفَك"، أَخْطَأَ فِي التَّعْبِيرِ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: "لَوْ قَوَّى اللهُ ضَعْفِي لَقَتَلَنِي"، فَقَالَ الرَّبِيعُ: "وَاللهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا الخَيْرَ"، قَالَ الشَّافِعِيُّ: "أَعْلَمُ أَنَّكَ لَوْ شَتَمْتَنِي لَمْ تُرِدْ إِلَّا الخَيْرَ" [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي "آدَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَنَاقِبِهِ"].

​3- التَّحْذِيرُ مِنَ الحَالِقَةِ:

عَنِ الزُّبَيْرِ بْنِ العَوَّامِ، أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: «دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَلِكَ لَكُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ].

​4- اجْتِنَابُ مَجَالِسِ الغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ:

فَهِيَ تَمْلأُ القُلُوبَ غَيْظًا وَحَنَقًا عَلَى النَّاسِ؛ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ : «إِنَّ أَحَبَّكُمْ إِلَيَّ أَحْسَنُكُمْ أَخْلَاقًا، الْمُوَطَّئُونَ أَكْنَافًا، الَّذِينَ يَأْلَفُونَ وَيُؤْلَفُونَ، وَأَبْغَضَكُمْ إِلَى اللَّهِ الْمَشَّاءُونَ بِالنَّمِيمَةِ، الْمُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ، الْمُلْتَمِسُونَ لِلْبُرَآءِ الْعَنَتَ» [رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي المُعْجَمِ الكَبِيرِ].

​5- تَذَكُّرُ قِصَرِ عُمْرِ الدُّنْيَا:

الدُّنْيَا لَا تَسْتَحِقُّ أَنْ نُعَادِيَ بَعْضَنَا لِأَجْلِهَا، أَوْ نَقْطَعَ أَرْحَامَنَا بِسَبَبِهَا، نَحْنُ هُنَا ضُيُوفٌ، وَسَنَرْحَلُ قَرِيبًا، فَلْنَرْحَلْ بِقُلُوبٍ بَيْضَاءَ.

​فَاتَّقُوا اللهَ -عِبَادَ اللهِ- وَطَهِّرُوا صُدُورَكُمْ، وَنَقُّوا سَرَائِرَكُمْ، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ بِقُلُوبٍ سَلِيمَةٍ خَالِيَةٍ مِنَ الغِلِّ وَالشَّحْنَاءِ؛ تَسْعَدُوا فِي دُنْيَاكُمْ، وَتَنْجُوا فِي أُخْرَاكُمْ، وَتَفُوزُوا بِمَحَبَّةِ رَبِّكُمْ وَجَنَّتِهِ.

​أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ العَظِيمَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ المُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ، وَادْعُوهُ يَسْتَجِبْ لَكُمْ.

​[الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ]

​الحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ.

​وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ. وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الدَّاعِي إِلَى رِضْوَانِهِ.

​اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَإِخْوَانِهِ.

​أَمَّا بَعْدُ:إن سلامة الصدر من الغل والحسد والحقد هي صمام الأمان لتحقيق السلم المجتمعي؛ فالمجتمع السليم لا يُبنى إلا على قلوبٍ متآلفة، يرجو بعضها الخير لبعض.

​وإذا كانت سلامة الصدر هي البناء والوقاية، فإن التشكيك في النيات ونشر روح التشاؤم واليأس هو المعول الهدام الذي يضرب هذا البناء في مقتل! فلا يمكن لسلامة الصدر أن تدوم في مجتمع يسيء أفراده الظن ببعضهم البعض، أو يستسلمون لأصوات الإحباط والتقليل من كل جهدٍ وإنجاز.

معاشر المؤمنين:

​إن أولى خطوات التشكيك تبدأ بمرض سوء الظن، وهو الداء الذي حذرنا منه ربنا جل وعلا في محكم تنزيله فقال:

​﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾

أيها المسلمون:

​وينضم إلى التشكيك داءٌ لا يقل عنه خطورة، وهو نشر روح التشاؤم واليأس. المتشائم إنسان غابت عن قلبه حقيقة الثقة بالله وحسن الظن به، فلا يرى في الواقع إلا السواد، ولا يتوقع في المستقبل إلا البلاء. والأخطر من ذلك أنه لا يكتفي بيأسه، بل ينقله عدوى إلى غيره، فيثبط العزائم، ويهدم الهمم، وينشر الخمول بين الشباب والناس.

​ولقد حذرنا النبي من هذا المسلك المقيت، فكان يعجبه الفأل ويكره الطِّيَرة (أي التشاؤم)، وجاء في الحديث الصحيح قوله :

​«إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هَلَكَ النَّاسُ؛ فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ»

​أي: هو الذي تسبب في إحباطهم، أو هو أشدّهم هلاكاً بجرأته على اليأس وقنوطه من رحمة الله وفرجه.

​عباد الله:

​إن مجتمعنا اليوم بحاجة ماسة إلى صناعة الأمل وبث روح التفاؤل، مع التثبت والتبين في النقل. لندع التشكيك في النيات ولنكل السرائر إلى الله، ولنأخذ الناس بظواهرهم ناصحين وموجهين ومتعاونين على البر والتقوى.

​كونوا -رحمكم الله- مفاتيح للخير مغاليق للشر، وانشروا الكلمة الطيبة التي تبني ولا تهدم، وتجمع ولا تفرق. طهروا ألسنتكم من التشكيك والتشاؤم، كما طهرتم قلوبكم بالسلامة والمحبة، ليتحقق فينا قول النبي : «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده».

 

google-playkhamsatmostaqltradent