الهجرةالنبوية دروس وعبروحديث القرآن عن المهاجرين والأنصار
الهجرة النبوية الشريفة
ثانيا : من دروس الهجرة
حديث القرآن الكريم عن المهاجرين
والأنصار وفضلهم
الحمد لله الملك القدوس السلام، مجري الليالي
والأيام، ومجدد الشهور والأعوام، أحمده تعالى وأشكره ان هدانا للإيمان واعزنا بالإسلام
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له جعل ايام ذي الحجة اخر الايام وجعل شهر المحرم فاتحة شهور العام وجعلهما من اشهر
الله الحرام ليعلمنا ان لكل بداية نهاية ولكل بدأ ختام وليبين لنا ان ما احله الله
هو الحلال وانه ما حرمه هو الحرام
هــا قد أهلّ على الوجودِ (مُحَرّمُ) فالكـونُ
يزهــو والحيـاةُ تبسـّمُ
ترنو إلى ركـبِ النبي وقـد مضى تَبْكيــه
مكـةُ والمَقَـامُ وزمـزمُ
عوّدتُ نفسي الاحتفالَ بهجـرةِ الْـ هـادي
الْبشـيرِ، وعطرَها أتنسـّمُ
يا مسلمون : لهجرةِ الهادي ارجعوا واستوعبوا
لدروسِها ، وتعلّموا
وأشهد أن نبينا محمدًا عبد الله ورسوله
سيد الأنام، وبدر التمام، ومسك الختام ، ورسول الملك العلام ، صلى الله وسلم وبارك
عليه وعلى آله البررة الكرام ، وصحبه الأئمة الأعلام، والتابعين ومن تبعهم بإحسان ما
تعاقب النور والظلام.
اما بعد
فإن هجرةَ النبيِ وأصحابهِ إلى المدينة
تلك الهجرة التي غيرتْ مسارَ التاريخ, وفاجأت العالم بأحداثِها الضخمة ونتائجِها المُدهشة
والهجرة فتذكرنا بحدث من أهم أحداث السيرة سيرة رسول الله وأصحابه التي ينبغي أن نقف
على وقائعها في كل وقت وأن نقتدي من خلالها برسولنا في إيمانه وصبره وفي جهاده وأخلاقه
وفي ثباته وتضحيته وفي صفاته كلها: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة [الأحزاب:21].
أولا : الهجرة النبوية الشريفة
أيها الأخوة يقول ربنا عز وجل ( إِلَّا
تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
ۖ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ ۗ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ۗ وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ (40) التوبة
خرج الحبيب مهاجرا داعيا الي ربه لعله يجد
لدعوته أرضا خصبة وقلوبا تطمئن لدعوته ليس خوفا ولا فراراً بنفسه إنما ليخرج الناس
من عبادة العباد الي عبادة رب العباد
لكن انطلق المشركون في البحث عنه ليجتثوا
الدعوة من جذورها ووصلوا بالفعل بالقرب من الغار ويسمع أبو بكر رضي الله عنه وقع أقدامهم
فيضطرب خوفاً على رسول الله لا خوفاً على نفسه ويقول : يا رسول الله لو نظر أحدهم تحت
قدميه لرآنا ، لكن الرسول يبقى ثابتاً متصلاً بربه عز وجل واثقاً بنصره ومعيته فيقول
له : ((لا تحزن إن الله معنا. ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما))
يا غارُ إنا من ثَراك نغارُ في جوفك الصَدِّيقُ والمختارُ
قد آثراك على البريّة كلِّها حِيزت لك الدنيا فحقَّ فَخَار
التِّبْرُ يغبط من ترابك قَدْرهُ والسرُّ فيك تَحُوطه الأنوار
عباد الله إن الهجرة النبوية موقع من مواقع
التأمل العظام في هذه المسيرة المحمدية المباركة وإن لها لخبرا وإن فيها لعبرا ان هجرة
المصطفي صلوات ربي وسلامه عليه دروس وعبر تعالوا
بنا نقطف بعضا من ثمارها
وخرج الحبيب واستخفي في الغار ثلاثا وقريش
تبحث عنه فقد ذكر أحمد في مسنده عن ابن عباس -رضي الله عنهما: أن أهل مكة لما اقتفوا
أثر الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد خروجه من مكة وصلوا إلى جبل ثور، فصعدوا فيه فمروا
بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت
على بابه
)
يقول شوقي
سل عصبة الشرك حول الغار حائمة لولا مطاردة المختار لم تحم
هل ابصروا الاثر الوضاء ام سمعوا همس التسابيح والقران من امم
وهل تمثل نسج العنكبوت لهم كالغاب والحائمات الزغب فى الرخم
فادبروا ووجوه الارض تلعنهم كباطل من جلال الحق منهزم
كان خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم
وأبى بكر الصدّيق رضى الله عنه من الغار ليلة الاثنين لأربع خلون من شهر ربيع الأوّل،
وذلك أنه لما مضت الأيام الثلاثة، وسكن عنهما الناس أتاهما عبد الله بن الأريقط براحلتيهما وبعير له، فقرّب أبو بكر رضى الله عنه
الراحلتين إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقدّم له أفضلهما
ثانيا : من دروس الهجرة النبوية الشريفة
الدرس الاول : التخطيط السليم للنبي صلي
الله عليه وسلم والاخذ بالأسباب
ان حادثَ هجرة النبي صلى الله عليه وسلم
والمسلمين الأوائل من مكة إلى المدينة المنورة يُعَدُّ أروعَ أحداثِ التاريخ الإسلامي،
التي يتجلَّى فيها التعاملُ مع الأسباب، والإعداد والتخطيط المحكم، والتنظيم السديد.
ان هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم لم تأت
فلتة عابرة، بل سبقها ما سبقها من محاولات وتجارب، ثم تهيئة كانت فيها دعوة مصعب بن
عمير وكانت فيها بيعة العقبة الأولى، وكان فيما بينهما هذه الدعوة، وكان فيها تهيئة
الأسباب وخروج الأصحاب وإعداد لهجرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، حتى إذا استحكمت الأمور
وأتمت عدتها هيأ الله لها أسبابها ويسر لها تحقيق مرادها، فكان الأمر الذي تم هو نتيجة
ذلك التخطيط والإعداد والعمل والجد المتواصل.
لقد أوضحت لنا الهجرة المباركة ضرورة التخطيط
الجيد للأمور كلها مع الاستعانة بالتوكل على الله عز وجل، فالنبي صلى الله عليه وسلم
خطط للأمر جيدا؛ حيث تم اختيار الصديق وتجهيز الراحلة والمرشد الماهر الأمين، إضافة
إلى توزيع الأدوار الجيد في عملية الهجرة كلها، واستكمل ذلك كله بحسن التوكل على الله
عز وجل.
ولما نمى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
نبأُ المؤامرة، لم يكن ثمة بدٌّ من وضع خطة مضادة لما دبَّرتْه عصبة قريش، فلقد حزم
النبي صلى الله عليه وسلم أمرَه على الهجرة، وأعدَّ لها مقدماتِها، ولم يبقَ إلا أن
يوحى إليه أن يهاجِر، فجاءه أمر ربه، فوضع لتنفيذ خطة تتناول عدة مراحل؛ أولاها: إعداد
مستلزمات الرحيل، والثانية: الخروج من بيته، والثالثة: الاستخفاء عن أعين قريش في الطريق.
وحفاظا علي السرية لإنجاح المهمة لم يكن
يعلم بِخُرُوجِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَدٌ ، حَيْنَ خَرَجَ
إلّا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ ، وَآلُ أَبِي بَكْرٍ
أَمَا عَلِيّ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى
اللّهُ عَلَيْهِ أَخْبَرَهُ بِخُرُوجِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَخَلّفَ بَعْدَهُ بِمَكّةَ
حَتّى يُؤَدّيَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْوَدَائِعَ الّتِي
كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنّاسِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
لَيْسَ بِمَكّة أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يُخْشَى عَلَيْهِ إلّا وَضَعَهُ عِنْدَهُ لِمَا
يُعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ وَأَمَانَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
الدرس الثاني من دروس الهجرة : علينا أن
نعلم أن الهجرة سنة من سنن الله تعالى الكونية التي لازمت الرسل والدعاة إلى الله تعالى،
فما من رسول إلا أُخرجَ من داره أو عرَّضه قومه للإخراج، فهذه سنة من سنن الله تعالى،
فإن الأقوام الذين عارضوا دعوة الرسل نجدهم يعرضون على رسل الله إما أن يعودوا إلى
العقائد الفاسدة وإما أن يطردوا من ديارهم، قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا
فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ
مِن بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ [إبراهيم:13، 14].
لقد هاجر رُسُلُ اللهِ تعالى حرصًا على
نشر دين الله تعالى وكسبِ رضاهُ الذي به عِزُ الدارين وَسَعْدُهُما،
فلقد هاجرَ أبو الأنبياء إبراهيمُ عليه
السلام قال عنه الله تعالى: وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ
الْحَكِيمُ [العنكبوت:26]، وكذلك هاجر معه نبي الله لوطٌ عليه السلام، وهاجر شعيب وموسى
وعيسى عليهم السلام.
فموسى عليه السلام أقام الحجج والبراهين
الواضحة وجاء بالآيات الصادقة الدالة على نبوته ورسالته، ومع ذلك لم يستجب له قومه
وأراد الطاغيةُ فرعون أن يقاوم هذه الحجج والبراهين بالأكاذيب والأباطيل والافتراءات،
فعذب بني إسرائيل وقتل أبناءهم واستحيى نساءهم، فأمر الله تعالى نبيه موسى أن يهاجر
بقومه، فخرج موسى عليه السلام مهاجرًا مع أخيه وقومه من مصر
ولقد هاجر رسول الله بعدما أوذي في الله
تعالى هو ومن معه من الصحابة الكرام، ففيما خرّجه البخاري ومسلم عن ابن مسعود قال:
بينما رسول الله يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال
أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه فيضعه في كتفَي محمد إذا سجد؟ فانبعث
أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبي وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل
على بعض وأنا قائم أنظر، لو كانت لي مَنَعة طرحته عن ظهر رسول الله ، والنبي ساجد ما
يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم
تشتمهم، فلما قضى النبي صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاثا، وإذا
سأل سأل ثلاثا، ثم قال: ((اللهم عليك بقريش)) ثلاث مرات، فلما سمعوا صوته ذهب عنهم
الضحك وخافوا دعوته، ثم قال: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن
ربيعة والوليد بن عقبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط))، وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي
بعَث محمدا بالحق لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحِبوا إلى القليب قليبِ بدر.
وروى البخاري في صحيحه عن عروة بن الزبير
قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي ؟ قال: بينا النبي
يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا،
فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه ودفعه عن النبي قال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟!
الدرس الثالث
إن من الدروس المستفادة من حادث الهجرة
( حسن اختيار الصديق، والصاحب والرفيق)
فالرسول صلى الله عليه وسلم حينما أراد
الهجرة ، اختار أقوى الناس إيمانا ، وأحسنهم خلقا ، وأشدهم حبا لله تعالى وللرسول صلى
الله عليه وسلم ، وأعظمهم فداء للحق ، وأكرمهم يدا ، إنه صاحب رسول الله صلى الله عليه
وسلم ورفيقه في رحلته ، ثاني اثنين إذ هما في الغار ، إنه أبو بكر الصديق رضي الله
عنه وأرضاه ، وجزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء حتى أن الله سماه صاحبه
(إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ) قَالَ اللَّيْثُ بْنُ
سَعْدٍ: مَا صَحِبَ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ مِثْلُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وفي صحيح البخاري (عَنْ عَائِشَةَ – رضى
الله عنها – قَالَتْ هَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ نَاسٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَجَهَّزَ
أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا ، فَقَالَ النَّبِىُّ – صلى الله عليه وسلم – « عَلَى رِسْلِكَ
، فَإِنِّى أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِى » . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَوَ تَرْجُوهُ بِأَبِى
أَنْتَ قَالَ « نَعَمْ » . فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى النَّبِىِّ – صلى
الله عليه وسلم – لِصُحْبَتِهِ ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ
السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ) ، هكذا اختار الرسول صلى الله عليه وسلم صاحبه في
رحلته ، ورفيقه في سفره
ويجب عليك أيها المسلم أن تحسن اختيار رفقائك
،وأصحابك وأصدقائك ، وجلسائك ،وفي سنن الترمذي (عَنْ أَبِى سَعِيدٍ – أَنَّهُ سَمِعَ
رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا وَلاَ
يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلاَّ تَقِىٌّ
»
إن الحريص على الدنيا صحبته سم قاتل، لأن
الطباع مجبولة على التشبه والاقتداء، بل الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يدري صاحبه،
فمجالسة الحريص على الدنيا تُحرك الحرص، ومجالسة الزاهد تزهد في الدنيا، فلذلك تُكْره
صحبة طلاب الدنيا، وتستحب صحبة الراغبين في الآخرة».
نعم ، لا تصاحب ولا تجالس ولا تستضيف في
بيتك ، إلا المؤمن التقي ، الذي يحفظ سرك ، ويصون عرضك ، ويغض طرفه عن محارمك ، ويحفظ
ودك ، ويعرف قدرك ، ويقربك من ربك ، فهو ناصح لا يغش ، أمين لا يخون ، صادق لا يكذب
، (لاَ تُصَاحِبْ إِلاَّ مُؤْمِنًا ) ، لأن الصاحب يتأثر بصاحبه ، وينقل عنه طباعه
، وأخلاقه
يقول الامام علي بن ابي طالب
إِنَّ اَخاكَ الحَقّ مَن كانَ مَعَك وَمَن يَضِرُّ نَفسَهُ لِيَنفَعَك
وَمَن إِذا ريبَ الزَمانُ صَدَعَك شَتَّتَ فيكَ شَملَهُ لِيَجمَعَك
فالصاحب ساحب ( فقد يسحبك للطاعة ، وقد
يسحبك للمعصية
)
لذا جاء في سنن الترمذي (عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ
قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ
فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ »
وصحبة الأخيار ، ومجالسة الأبرار الأطهار
، مكسب لك في دنياك وآخرتك ، يقول الحق تبارك وتعالى في وصف الأصدقاء والأخلاء يوم
القيامة : (الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
) الزخرف 67
يقول صالح بن عبدالقدوس
المَرءُ يَجمَعُ وَالزَمانُ يُفرق وَيَظل يَرقع وَالخطوب تمزق
وَلَئِن يُعادي عاقِلاً خَير لَهُ مِن أَن يَكون لَهُ صَديق أَحمَق
فَاِربَأ بِنَفسِكَ أَن تصادِق اِحمَقاً إِن الصديقَ عَلى الصَديقِ مُصدق
تقول أمنا عائشة: والله! ما ظننت أن أحداً
يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي في ذلك اليوم.
الدرس الرابع : الدعوة إلى الله بالأقوال
والأفعال
ومن الدروس المستفادة من هذه الرحلة: أن
العبد الصالح يدعو إلى الله عز وجل بأقواله وفعاله وسمته وهيئته، وهذا الأمر نستدل
عليه من مرور النبي صلى الله عليه وسلم بخيمة أم معبد الخزاعية، ومروا على خيمتي أم
معبد الخزاعية، واسم أمّ معبد عاتكة بنت خالد بن منقذ ابن ربيعة، ويقال: عاتكة بنت
خالد بن خليف » وكانت برزة جلدة تجلس بفناء
القبة تسقى وتطعم، فسألوها تمرا ولحما يشترونه منها، فلم يصيبوا عندها من ذلك شيئا،
وكان القوم مرملين مسنتين ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى شاة في كسر الخيمة،
فقال: «ما هذه الشاة يا أم معبد» ؟ قالت: شاة خلّفها الجهد عن الغنم، قال: «هل بها
من لبن» ؟ قالت: هي أجهد من ذلك، قال: «أتأذنين أن أحلبها» ؟ قالت: نعم، بأبي أنت وأمي
إن رأيت بها حلبا فاحلبها. فدعا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بيده ضرعها
وسمّى الله، ودعا لها فى شاتها، فتفاجّت عليه- أى فتحت ما بين رجليها- ودرّت، ودعا
بإناء يربض الرّهط - أى يرويهم- فحلب فيه ثجاّثم سقاها حتى رويت، ثم سقى أصحابه حتى
رووا، ثم شرب آخرهم، ثم حلب إناء حتى ملأه ثم غادره عندها، وبايعها وارتحلوا عنها
وعنِ أمِّ معبَد حدِّثَنْ أخبارها لما أتاها في الضحى زُوَّار
حزنتْ لقلة ما لديها من قِرًى فالضرعُ جفّتْ والديارُ قِفار
فأتت رئيسَ الركب تشكو عُذرَها والفقْرُ عذرٌ دونه الأعذار
فإذا الرسولُ ملامسٌ من شاتها ضرعًا ففاض لبانُها المدرار
الدرس الرابع : يقول تعالي ( وَلَا تَسْتَوِي
الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ
وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (34) فصلت
من الدروس المستفادة الثقة بالله عز وجل
يلوح في الأفق خيال فارس يعدو على فرسه
يريد اللحاق بهما فارس من فرسان المشركين سراقة بن مالك سمع بالجائزة السخية فعزم على
أن يلحق بهما ويأتي بهما سراقة بن مالك وتحول الارض الصخرية الي مخاضة تاييدا لرسول
الله صلي الله عليه وسلم
لما سار النبي صلى الله عليه وسلم في طريق
الهجرة لحقه سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي، يبحث عن أعطية قريش وهديتها لمن يأتي برسول
الله صلى الله عليه وسلم، فساخت قوائم فرسه في الأرض، فبعد ذلك قال الرسول صلى الله
عليه وسلم، وقد طلب كتاب الأمان: كيف بك يا سراقة إذا لبست سواري كسرى؟! فقال سراقة:
كسرى بن هرمز؟! قال له النبي صلى الله عليه وسلم: نعم كسرى بن هرمز -وحدث هذا فعلاً-
فجاءت التيجان إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: أين سراقة؟ فجيء به، فأخذ التاج
بيده، وألبسه سراقة، وقال: الحمد لله الذي سلبها كسرى بن هرمز، وألبسها أعرابياً من
بني مدلج} إنها أحلام الأمس، ولكنها حقائق اليوم وقد جاءت القصة في الأصل في صحيح البخاري:
{أن سراقة طلب من النبي صلى الله عليه وسلم كتاب أمان فكتبه له} .
إنها الثقة بالله عز وجل ووعده بمستقبل
هذا الدين في غمرة الأحداث، وفي أشد الأوقات، وأعظم الأزمات، فقد كان الناس يعتقدون
أنه ربما يقبض على هذا النبي الكريم في أي مكان، وينتهي تاريخ الدين، ولكن الأمر عند
الله تعالى كان على غير ذلك.
واذكُرْ «سراقةَ» كم له من حادثٍ وهو الشجاع الفارس المغوار
متتبِّعَاً أثر النبيّ وصحْبه فالمجدُ يُغْري والجزاء نُضَار
فإذاه مطروحٌ تشتّتَ شملُه والهولُ بحرٌ عاصفٌ دوّار
مهلاً رسولَ الله إني راجعٌ عن زّلتي ما عاد لي إصرار
قد تبْتُ فامنحني الأمانَ سماحةً إن الإله مُسامحٌ غفَّار
ويعود معمورَ الفؤاد ووعْده من قصر كسرى مغنمٌ وسِوار
ومرة ثانية جاء النصر للرسول صلى الله عليه
وسلم من حيث لا يحتسب. لان القلوب بيد الله يقلبها كيف يشاء وعاد سراقة يقول لكل من
قابله في طريقه ذاك: ارجع فقد كفيتكم ماههنا، فكان أول النهار جاهداً عليهما وآخره
حارساً لهما!
وكان سراقة أمير بني مدلج، ورئيسهم فكتب
أبو جهل إليهم:
بني مدلج إني أخاف سفيهكم ... سراقة مستغوٍ
لنصر محمد
عليكم به ألا يفرق جمعكم ... فيصبح شتى
بعد عز وسؤدد
فقال سراقة يرد على أبي جهل:
أبا حكم والله لو كنتَ شاهداً ... لأمر
جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت ولم تَشْكُك بأن محمداً ... رسول وبرهان
فمن ذا يقاومه
عليك فكُف القوم عنه فإنني ... أرى أمره
يوماً ستبدو معالمه
بأمر تود الناس فيه بأسرهم ... بأن جميع
الناس طُراً مسالمه
حقا
وإذا العناية لاحظتك عيونها نم فالمخاوف كلهن أمان
الدرس الخامس الوصول الي المدينة وتأسيس
المسجد
وفي يوم الاثنين 8 ربيع الأول سنة 14 من
النبوة ـ وهي السنة الأولى من الهجرة ـ الموافق 23 سبتمبر سنة 622م نزل رسول الله صلى
الله عليه وسلم بقباء
.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، أحمده سبحانه حمدًا
كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأصلي وأسلم صلاة وسلامًا دائمين متلازمين على أفضل خلقه
وخيرة رسله محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد
فلقد كانت الهجرة النبوية كما أسلفنا حدَثًا
عظيمًا من أحداث تاريخ هذه الأمة، وكانت محطّة مهمّة من محطات مسيرة الدعوة الإسلامية،
فلا بد للأمة التي تريد الرفعة في الدنيا والرفعة في الآخرة، والتي تريد هداية الناس
إلى الحق والخير، لا بد لها أن تستخلص من حادث الهجرة الدروس الكافية الكفيلة بأن تخرج
الأمة من هذه الوهدة التي سقطت فيها وتعيدها إلى صدارة الأحداث، تعيدها إلى صناعة التاريخ،
تعيدها إلى موقع الفعل، فتكون فاعلة منفعلة كما كانت أيام النبي –صلى الله عليه وسلم-
وأيام الصحابة والسلف الصالح، بدل أن تكون مفعولاً بها على الدوام، مقهورة ومغلوبة
على أمرها كما هي طيلة القرون المتأخرة.
ثالثاً: حديث القرآن الكريم عن المهاجرين
والأنصار وفضلهم
المهاجرون والأنصار هم أصحاب رسول الله
صلى الله عليه وسلم وتلاميذه ، وهم أفضل هذه الأمة ، بل أفضل البشر عموماً بعد الأنبياء
والرسل
.
امتلأت قلوبهم بمحبة الله تعالى وتعظيمه
والخوف منه ، والإيمان به ، وأحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر من أنفسهم
وكانوا صادقين في ذلك أعلى درجات الصدق ، فبذلوا أنفسهم وأموالهم وكل
ما يملكون من أجل نصرة هذا الدين والدفاع عنه ونشره وهداية الخلق به ,
لم يوجد ولن يوجد في البشر من هم أكمل منهم
إيمانا ولا أحسن عبادة وأخلاقا
.
استحقوا أن يثني الله عليهم في آيات كثيرة
من القرآن الكريم ، وأن يثني عليهم الرسول صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة .
حتى جعل الرسول صلى الله عليه وسلم محبتهم
من الإيمان ، وجعل بغضهم من النفاق ، لأن من نظر في سيرتهم وإيمانهم وأخلاقهم وتفانيهم
في نصرة هذا الدين فلا بد أن يحبهم إن كان مؤمنا محبا لهذا الدين ، فإن أبغضهم كان
منافقا كارها لهذا الدين ولنشره والتمسك به .
أما المهاجرون فهم الذي أسلموا قبل فتح
مكة وهاجروا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة واستوطنوها ، وتركوا بلادهم
وأموالهم وأهليهم ، رغبة فيما عند الله ، وابتغاء مرضاته ، ونصرة لهذا الدين .
وأما الأنصار فهم أهل المدينة النبوية الذي
استقبلوا الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه المهاجرين ، وآووهم في المدينة وقاسموهم
أموالهم ولم يبخلوا عليهم بشيء ، وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم .
ومن الآيات التي أثنى الله فيها على المهاجرين
: قول تعالى : ( لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ
وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ
وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) الحشر/8 .
وهذه شهادة من الله عز وجل لهم بطهارة قلوبهم
، وأنهم ما خرجوا من ديارهم وأموالهم من أجل دنيا يصيبونها ، وإنما خرجوا طلبا فيما
عند الله ، ونصرة لدينه ، وكانوا صادقين في إيمانهم وأعمالهم وأقوالهم .
ثم أثنى الله تعالى على الأنصار فقال :
( وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ
هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ
هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الحشر/ 9.
أي : الذين سكونا المدينة النبوية قبل المهاجرين
، وآمنوا قبل كثير من المهاجرين ، فهؤلاء الأنصار أحبوا الرسول صلى الله عليه وسلم
وأصحابه المهاجرين محبة صادقة : ( يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ ) ولم يحسدوا
المهاجرين على ما أعطاهم الله عز وجل من الفضل والشرف ، [ لأن المهاجرين أفضل من الأنصار
، ولهذا قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ( لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ
الْأَنْصَارِ ) رواه البخاري (4330)
] .
وهؤلاء الأنصار كانوا كرماء مع المهاجرين
، أعطوهم أموالهم رغم حاجتهم إليها ( وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ
بِهِمْ خَصَاصَةٌ ) ثم شهد الله تعالى لهم بالفلاح جزاء لهم على هذه الأعمال الجليلة .
وقال الله تعالى : ( وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ
مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ
خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) التوبة/ 100 .
فأخبرنا الله تعالى أنه رضي عن المهاجرين
والأنصار ، وأخبرنا أنهم من أهل الجنة ، وأن الجنة قد أعدت لهم .
وأما أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم
فيكفي منها قوله صلى الله عليه وسلم : (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ، ثُمَّ الَّذِينَ
يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) رواه البخاري (2652) ، ومسلم (2533) .
وعدد الصحابة رضي الله عنهم تجاوز المائة
ألف ، عرفنا منهم عدة آلاف ، واشتهر منهم عدة مئات .
أفضلهم : أبو بكر الصديق ، ثم عمر بن الخطاب
، ثم عثمان بن عفان ، ثم علي بن أبي طالب ، ثم الزبير بن العوام ، وطلحة بن عبيد الله
، وعبد الرحمن بن عوف ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبو عبيدة بن الجراح ، وسعيد بن زيد رضي
الله عنهم أجمعين ، وهؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة ، وكلهم من المهاجرين .
أما الأنصار فمن أفضلهم : سعد بن معاذ ،
وسعد بن عبادة ، وأبيّ بن كعب ، ومعاذ بن جبل ، وأسيد بن حضير ، والبراء بن معرور ،
وأسعد بن زرارة ، وأنس بن النضر ، وأنس بن مالك ، وحسان بن ثابت ، وعبد الله بن عمرو
بن حرام وابنه جابر بن عبد الله ، رضي الله عنهم أجمعين .