recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة كُن راضياً... وإياك والتباهي الشيخ/ محمد إبراهيم سالم

كُن راضياً... وإياك والتباهي

 


​إنَّ الحمدَ لله، نحمدُه ونستعينُه ونستهديه ونستغفره، ونعوذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضلَّ له، ومَن يُضلل فلا هادي له ، ​وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ،  وأشهد أن سيدنا ونبينا ومولانا محمدًا عبد الله ورسوله،صلّى الله وسلّم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه ومَن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.

​أما بعد..

​ أيها المسلمون...

​تأملوا هذا المشهد المتكرر في واقعنا :

تلتقي بأخيك في طريقك، فتسأله بقلبٍ محبٍ مشفق: "كيف حالك يا فلان؟" فيتنفس الصُّعداء كأنه يحمل هموم الدنيا فوق كاهله، ثم يجيبك ببرودٍ يقتل بهجة القلوب: "آه.. لا جديد! الأيام تتكرر، والأمور عادية، والوضع كما هو!"

 ​عادية؟! لا جديد؟!

​يا مسكين! يا غافلاً عن عظائم المنن!

 هل تدرك ماذا تعني كلمة "لا جديد" في قاموس النعم؟

 ​الجديدُ اليوم: أنك استيقظتَ من نومك، فرأيتَ النور بعينيك مبصراً، وفي هذه اللحظة يتلوى فاقد البصر ألماً، ويتمني ومضة نورٍ واحدة!

 ​الجديدُ اليوم: أنك قمتَ من فراشك مستقلاً على قدميك بلا عكاز ولا مُعين، وفي هذه اللحظة طريحُ فراشٍ يتمنى خطوةً واحدة ليقضي حاجته بنفسه دون شفقة من أحد!

 ​الجديدُ اليوم: أن رئتيك تتسعان بالهواء النقي حرتين بلا أجهزة ولا خراطيم، وفي هذه اللحظة مريضٌ في غرفة العناية المركزة يَعُدُّ عليه الجهاز أنفاسه، ويدفع في مقابلها أموالاً طائلة!

 ​الجديدُ اليوم: أنك دخلت على أولادك فسمعت ضجيجهم، وقبلت رأس أمك أو أبيك ، وكم من وحيدٍ يقتله صمت جدرانه، يتمنى صوتاً واحداً يؤنس وحشته!

 ​أتدرون ما هي الآفة؟

إنها بلادة المشاعر، وبلاء إلْفِ النعمة.. حيث اعتاد الناس الفضل والستر، حتى ظنوا أن العافية حقٌ مكتسب، وأن الصحة فاتورة مدفوعة الأجر!

​استمعوا إلى نداء اليقظة من القرآن الكريم، حيث يقول جلّ جلاله:​"وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا"

 ​قفوا هنا .

 لِمَ لم يقل الله "نِعَمَ الله" بالجمع؟ بل قال: "نعمة الله" بالمفرد!

لأن النعمة الواحدة، لو تأملت تفاصيلها وجزيئاتها، لعجز عقلك عن إحصاء أفضالها! فكيف بجسدك كله؟ وكيف بعمرك كله؟

​لقد لخص النبي فلسفة السعادة والرضا في كبسولةٍ نبوية عجيبة، فقال:"مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا".

​يا ألله! كأنما ملك الدنيا بكل ما فيها من قصورٍ وملوكٍ وأموال.. فقط بثلاث: أمنٌ، وعافيةٌ، وقوتُ يومٍ واحد! فأين نحن من هذا الميزان؟!

​  أيها المسلمون...

حين ينسى العبد نعم الله، ويغيب الرضا عن قلبه، يبدأ في النظر إلى ما عند الناس، فإذا أكثر النظر ولد الحسد، وإذا تمكن الحسد ولد التباهي والتفاخر.

​لقد تحول مجتمعنا اليوم إلا من رحم الله إلى ساحة عرض واستعراض. في المأكل، والمشرب، والملابس، والسيارات، وحتى في تفاصيل البيوت وعلى منصات التواصل الاجتماعي!

أصبح لسان حال المرء: "انظروا إليّ.. أنا أملك ما لا تملكون!"

 ​اسمعوا لهذه المعادلة النفسية المضحكة المبكية التي نعيشها اليوم: إنسانٌ يشتري أشياء لا يحتاجها.. بأموالٍ لا يملكها عبر القروض والديون.. ليُبهر بها أُناساً لا يحبونه ولا يكترثون لأمره! ثم يقضي زهرة شبابه وخريف عمره سجيناً للمطالبات والهموم، يدفع ثمن "الوهم"!

​كم من بيوتٍ هُدّمت أركانها، واشتعلت الخلافات بين أزواجها، لأن الزوجة تقارن بيتها ببيوت المستعرضين والمستعرضات على الشاشات؟

وكم من مناسبات زواج تحولت من شعيرةٍ مباركة إلى ساحة حربٍ للمنافسة؛ مَن يتجهز أكثر؟ ومَن ينفق أكثر؟

​لقد حذرنا الله جل وعلا من هذه النفسية المنتفخة بالكبر، فقال سبحانه في كتابٍ يُتلى إلى يوم القيامة:

​{ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولا (٣٧) كُلُّ ذَ ٰلِكَ كَانَ سَیِّئُهُۥ عِندَ رَبِّكَ مَكۡرُوها" الإِسۡرَاءِ: ٣٧-٣٨]

​وقال سبحانه واصفاً طينة هؤلاء:

​﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾

وأول متباهٍ في التاريخ لم يكن ملكًا ولا ثريًا، بل كان إبليس.

 وما الذي أهلكه؟

كلمتان فقط:  ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾

وما زال الناس يرددونها إلى اليوم بصور مختلفة:

أنا خير منه بمالي...

أنا خير منه بمنصبي...

أنا خير منه بنسبي...

أنا خير منه بعلمي...

فمن هنا بدأ الهلاك، ومن هنا يبدأ كل كبرٍ وتفاخر.

قال سبحانه وتعالى :

​{ ٱعۡلَمُوۤا۟ أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِب  وَلَهۡو  وَزِینَة  وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُر  فِی ٱلۡأَمۡوَ ٰلِ وَٱلۡأَوۡلَـٰدِۖ كَمَثَلِ غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرّ ا ثُمَّ یَكُونُ حُطَـٰم اۖ وَفِی ٱلۡـَٔاخِرَةِ عَذَاب  شَدِید  وَمَغۡفِرَة  مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَ ٰن  وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا مَتَـٰعُ ٱلۡغُرُورِ"( الحَدِيدِ/ ٢٠).

يا لله!

تأملوا كيف ذكر الله التفاخر وسط هذه الأشياء الزائلة.

لعبٌ ينتهي...ولهوٌ ينقضي...وزينةٌ تذبل...وتفاخرٌ لا يبقى...

ثم يأتي الموت فيطوي الجميع في كفنٍ واحد..

 عِباد الله...

تأملوا هذا الدستور النبوي العظيم الذي لو طبقناه لعاشت البيوت في سلام، ولمات الحسد، واطمأنت النفوس؛ يقول :

«انْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلُ مِنْكُمْ، وَلَا تَنْظُرُوا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَهو أَجْدَرُ أَنْ لَا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ».

​يا لروعة هذا العلاج الرباني!

إن النظر إلى مَن هو فوقك في الدنيا يورثك ثلاثاً:

سخطاً على الله،

وحسداً للخلق،

وضيقاً في الصدر.

أما النظر إلى مَن هو دونك، فيورثك: حمداً لله، وسلامةً للصدر، وطمأنينةً في العيش.

​وعندما يمتلئ القلب بهذا الرضا ، وتتحرر النفس من أسر مديح البشر والتفاخر أمامهم، تلتفت بكليتها إلى خالقها ومولاها، وتلهج بلسان المحب :

​فَلَيْتَكَ تَحْلُو وَالحَيَاةُ مَرِيرَةٌ ... وَلَيْتَكَ تَرْضَى وَالأَنَامُ غِضَابُ

وَلَيْتَ الَّذِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَامِرٌ ... وَبَيْنِي وَبَيْنَ العَالَمِينَ خَرَابُ

إِذَا صَحَّ مِنْكَ الوِدُّ فَالْكُلُّ هَيِّنٌ ... وَكُلُّ الَّذِي فَوْقَ التُّرَابِ تُرَابُ

أي: يا رب، إذا وجدتُ حلاوة القرب منك فلن تضرني مرارة الدنيا، وإذا نلتُ رضاك فلن يحزنني غضب الناس. وإذا كانت صلتي بك عامرة بالإيمان والطاعة فلن أشغل قلبي كثيرًا بمدح الخلق أو ذمهم.

ثم تأتي الخاتمة المدهشة: "إذا صح منك الود فالكل هين"؛ فإذا رضي الله عنك هانت المصائب، وخفت الهموم، وصغرت الدنيا كلها في عينك.

لماذا؟

لأن كل الذي فوق التراب تراب ؛ المال تراب، والقصور تراب، والمناصب تراب، والأجساد نفسها ستعود إلى التراب، فلا يبقى إلا العمل الصالح، ولا يبقى إلا ما كان لله.

​بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

 الخطبة الثانية 

 طوفان السوشيال ميديا.. وضياع الأسرة

​الحمد لله وكفى، وصلاةً وسلاماً على عباده الذين اصطفى، وبعد...

  أيها المسلمون:

​إذا كان "التباهي" مرضاً، فإنَّ مستنقعه الأكبر اليوم هو "إدمان السوشيال ميديا"؛ ذلك الطوفان الذي سرق العقول، وهدم البيوت، وحوّل الأسر إلى أجسادٍ متجاورة في الغرف، لكنها مغتربة في عالم افتراضي وهمي!

​  عباد الله... إنَّ لهذا الإدمان أثراً مدمراً يتلخص في حقيقتين:

 ​الأولى: هتك ستر البيوت وصناعة الحسد:

لقد ذاب حياء البيوت على عتبات هذه الشاشات، فأصبح المرء يستعرض طعامه، وشرابه، وتفاصيل حياته مع أهله ونسي هؤلاء أن النعم إذا عُرِضَتْ حُسِدَتْ، وأن العيون جائعة.

اسمع إلى التحذير النبوي الشديد حيث قال كما ورد في صحيح مسلم من حديث عبدالله بن عباس رضي الله عنهما : " العَينُ حَقٌّ، ولو كانَ شيءٌ سابَقَ القدَرَ سَبَقَتْه العَينُ "

 ​الثانية: المقارنات الظالمة التي تقتل المودة:

حين يَدخل الزوج وتَدخل الزوجة عالم "المشاهير" الزائف، تبدأ المقارنة القاتلة؛ فيزهد الزوج في زوجته، وتَسخط الزوجة على عيشتها! فتموت المودة وتخرب البيوت؛ لأنهم قارنوا واقعهم الحقيقي بـ "تمثيلٍ" افتراضي مدفوع الأجر!

​  أيها المسلمون...

إن هذه المنصات لم تسرق أوقاتنا فقط، بل سرقت منا تربية أولادنا وأنس حياتنا، ولأجل هذا صرخ فينا القرآن محذراً من هذه الغفلة المهلكة، فقال سبحانه في سورة التكاثر:

​﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ * حَتَّىٰ زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ﴾

​أي شغلكم التفاخر بكثرة المال والولد والمظاهر، وانشغلتم بجمع الدنيا والتسابق عليها ، حتى جاء الموت فجأة، فانتهى هذا السباق كله، ودخل الجميع القبور سواءً بلا مال ولا جاه.

 أيها الحبيب الكريم:

إذا خرجت من المسجد اليوم فلا تقل: ليس عندي شيء.

بل قل: عندي عينان تبصران ، وعندي أذنان تسمعان ، وعندي قلب ينبض ، وعندي أهل يؤنسونني.

وعندي رب كريم لم يقطع عني فضله طرفة عين ...


​اللهم طهر قلوبنا من الرياء والتباهي، وارزقنا غنى النفس والقناعة. اللهم احفظ بيوتنا من التفكك والضياع، واصرف عن أهلينا وأولادنا فتن الشاشات والمظاهر، واملأ بيوتنا بالمودة والستر.

اللهم صلِّ وسلّم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وأقم الصلاة.

google-playkhamsatmostaqltradent