من فقه الهجرة
الهجرة النبوية،وضرورة تصحيح المفاهيم الخاطئة حولها
الهجرة تحول تاريخي في تاريخ الدعوة الإسلامية.
بعض المفاهيم الخاطئة حول الهجرة .
الهجرة إلى الله كيف تكون؟
وبعض نماذجها .
هجرة الفواحش والمنكرات
هجرة الغش والكذب والفساد
هجرة البطالة والكسل .
الحمد لله رب العالمين، ناصرِ المستضعفين
إذا ما التجأوا إليه، الحمد لله مؤيدِ مَنْ تمسك بدينه وحرص عليه، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير، سبحانه سبحانه
يفعل ما يشاء بقدرته، ويحكم ما يريد بعزته، ولا منازع له في جبروته، ولا شريك له في
سلطانه، وأشهد أن سيدنا ونبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد عبده ورسوله، إمام المتقين، وسيد
الأولين والآخرين، وقائد الغرّ المحجّلين، صلاة وسلاما عليك يا سيدى يا رسول الله،
وعلى آلك، وأصحابك، وأتباعك، وأحبابك، إلى يوم الدين، وبعد أيها الأحبة الكرام:
(1) ((الهجرة النبوية تحولٌ تاريخي في طريق الدعوة
الإسلامية)):
كل عام وأنتم بخير فقد أظلنا عام هجري جديد،
أسأل الله (عزّ وجلّ) أن يلهمنا فيه السداد والرشاد، وأن يصلح فيه أمور البلاد والعباد،
وأن يجعله سخاء رخاء علينا وعلى سائر بلاد المسلمين اللهم آمين.
ومن اللائق بنا ونحن نجدد الاحتفاء والاحتفال
بذكرى هجرة نبينا (صلى الله عليه وسلم)، أن نعيش مع صفحات منها مذكرين بأهم أحداثها،
مصححين للمفاهيم الخاطئة حولها، فلكل مقام مقال، فأقول وبالله التوفيق:
هجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته
معلمٌ بارزٌ في تاريخ الدعوة الإسلامية، وتحولٌ جوهريٌ في مسارها، وبعثٌ جديد في حياتها،
وتغييرٌ كليٌ في أسلوبها؛ فلم تكن الهجرة حدثًا عابرًا في تاريخ الدعوة الإسلامية نحتفل
به كل عام وحسب، ولم تكن الهجرة حدثًا شخصيًا يرتبط بحياة النبي (صلى الله عليه وسلم)
فقط، بل كانت الهجرة حدًا فاصلًا بين عهدين من عهود الدعوة الإسلامية:
كانت حدًا فاصلًا بين عهد الضعف، والذلة،
والاستكانة، ذلك العهد المتمثل في الفترة المكية، وبين عهد القوة، والعزة، والكرامة،
عهد بناء الدولة القوية الفتية، ذلك العهد المتمثل في الفترة المدنية
فبالهجرة أصبح النبي (صلى الله عليه وسلم)،
وأصحابه، وأنصاره أغلبيةً على أرض المدينة بعد أن كانوا في مكة أقلية، بالهجرة أصبح
للمسلمين دولة، وأرض، ووطن بعد أن كانوا مشتتين بين مكة والحبشة، بالهجرة أصبح للإسلام
سيفٌ ودرعٌ، جيشٌ وقوةٌ تدفع وترد عن أتباعه، والمتمسكين به بعد أن كانوا مستضعفين في الأرض، بالهجرة تبدل الجوع والحصار
الاقتصادي إلى نماء ورخاء، بالهجرة تبدّل خوف النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته أمنًا،
وصدق الله إذ يقول ممتنا على النبي (صلى الله عليه وسلم)، ومذكرا له بكل هذا: {وَاذْكُرُوا
إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ
النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ}[الأنفال:26].
(2) ((بعض المفاهيم الخاطئة حول الهجرة)):
أيها الأخوة الأحباب: إن هجرة النبي (صلى
الله عليه وسلم) وصحابته لم تكن فرارًا ولا هربًا من الإيذاء والاضطهاد، ولم تكن بحثًا
عن مكان ينعمُ فيه النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته بالراحة والهدوء.
بل كانت الهجرة بحثًا عن مكان جديد يستطيع
النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبلغ فيه رسالة ربّه، ولذا رأينا النبي (صلى الله عليه
وسلم) يعرض نفسه على القبائل في مواسم الحج قبل الهجرة، فعن جابر بن عبد الله (رضي
الله عنهما) قال: (مكث رسول الله (صلى الله عليه وسلم) بمكة عشر سنين، يتبع الناس في
منازلهم بعكاظ ومجنة، وفي المواسم بمنى، يقول: (مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي
حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي، وَلَهُ الْجَنَّةُ؟). حتى إن الرجل ليخرج من اليمن،
أو من مصر (مضر)، فيأتيه قومه، فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، ويمشي بين رجالهم،
وهم يشيرون إليه بالأصابع...)(مسند أحمد).
كانت الهجرة بحثًا عن مكانٍ جديدٍ يستطيع
النبي (صلى الله عليه وسلم) أن يبني فيه الدولة القوية الفتية المرهوبة من جانب أعدائها،
ولذا تأخر تشريع الجهاد والدفاع عن الحرمات إلى بعد الهجرة، قال تعالى: {أُذِنَ لِلَّذِينَ
يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ* الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ
وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ
وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ
مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ}[الحج:40،39].
كما أن الهجرة من مكة إلى المدينة لم تكن
برغبة من النبي (صلى الله عليه وسلم) ولا من صحابته، فمن منا معاشر البشر يحب أن يترك
أهله، وولدهن وماله، ووطنه الذي ولد وتربى وعاش على أرضه، واستظل بسمائه؟.
ولذا وقف النبي (صلى الله عليه وسلم) ليلة
خروجه من مكة على الحَزْوَرَةِ، ونظر لمكة نظرة المحبِّ المفارق لحبيبه وقال: (وَاللَّهِ
إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا
أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ)(رواه الترمذي)، وها هو سيدنا ورقة بن نوفل
(رضي الله عنه) يقول للنبي (صلى الله عليه وسلم): (يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا، لَيْتَنِي
أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ). فيتساءل النبي (صلى الله عليه وسلم) متعجبا:
(أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ). فيرد سيدنا ورقة (رضي الله عنه) قائلا: (نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ
رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِمَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ
أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا)(متفق عليه).
وقد أشار القرآن الكريم في العديد من آياته
إلى أن الهجرة لم تكن برغبة من النبي (صلى الله عليه وسلم) و لا من صحابته، فالحق تبارك
وتعالى يقول: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي
سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ
جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ
عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}[آل عمران:195]، وقال تعالى: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ
الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}[الحشر:8]،
وانظروا إلى دقة التعبير القرآني فقد قال الحق تبارك وتعالى: {أُخْرِجُوا}، ولم يقل:
(خرجوا)، فالهجرة كانت إخراجًا بفعل فاعل، ولم تكن خروجًا برغبة من النبي (صلى الله
عليه وسلم) و لا من صحابته، فهم أخرجوا ولم يخرجوا.
ولم تكن الهجرة فرارًا ولا هربًا ولا بحثًا
عن الراحة والهدوء، بل على العكس هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته فازدادت
المهمة صعوبة، وازداد الحمل ثقلا، وتنوعت المسئوليات، هاجر النبي (صلى الله عليه وسلم)
إلى المدينة وأخذ على عاتقه إرساء دعائم الدولة الإسلامية، التي جاءت كالتالي:
فقد قام (صلى الله عليه وسلم) أولا ببناء
المسجد النبوي ليقوي صلة المسلمين بربهم، وآخى بين المسلمين ليوحد الصف المسلم، ويوطد
العلاقة بين أفراده، ووضع دستور المدينة (معاهدة الدفاع المشترك عنها) بينه كحاكم للمسلمين
وبين جميع طوائف المدينة، ثم أخذ يبلغ رسالة ربه وينشر الإسلام في ربوع الجزيرة العربية،
وأخذ يجاهد في سبيل الله حتى أنه قبل وفاته خرج في تسع وعشرين غزوة، هذا أحبتي في الله
هو الفهم الصحيح لهجرة النبي (صلى الله عليه وسلم) وصحابته.
والهجرة أحبتي في الله يعتقد الكثير منا
أنها انتقال من مكان إلى مكان وحسب، وهذا ـ مع كونه فهمًا قاصرًا لمفهوم الهجرة، ولا
يتأتى ولا يتسنى لنا اليوم؛ لأن هذه الهجرة انتهت بفتح مكة، وعزة الإسلام وأهله، فعن
ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لاَ هِجْرَةَ
بَعْدَ الفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ...)(متفق عليه).
فالهجرة كما تكون مادية حسية بالانتقال
من دار الكفر إلى دار الإسلام، فهي أيضا هجرة معنوية إلى الله (عزّ وجلّ) بمجاهدة الشيطان،
والنفس وشهواتها، وأهوائها كما أشار النبي (صلى الله عليه وسلم) بقوله: (وَلَكِنْ جِهَادٌ
وَنِيَّةٌ).
عباد الله أقول قولي هذا، وأستغفر الله
العليّ العظيم لي ولكم، فادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، فالتائب من الذنب..
(الخطبة الثانية)
((الهجرة إلى الله كيف تكون؟ وبعض نماذجها))
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين،
ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن
سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلّ عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد:
أخوة الإيمان والإسلام: فقد رأينا المكانة
التاريخية لحادثة الهجرة النبوية الشريفة للنبي (صلى الله عليه وسلم)، وصحابته، وصححنا
بعض المفاهيم الخاطئة حولها، ورأينا أنها اليوم جهادٌ ونيةٌ، وليست انتقالًا من مكان
إلى مكان، وأنها اليوم هجرة معنوية، وليست حسية، ومن هنا أقول:
نحن اليوم في أمسّ الحاجة إلى هجرة معنوية
روحية من أعماق النفس والروح بدون أن نترك أوطاننا وبلداننا، نحتاج إلى هجرة للذنوب
والمعاصي، والفواحش والمنكرات بوجه عام، خوفا من الله (عزّ وجلّ)، وحياء من جلاله وكماله،
حينئذ يكون الواحد منا مهاجرًا عظيمًا، وإن لم يتحرك خطوة واحدة، وقد أشار نبينا (صلى
الله عليه وسلم) إلى ذلك، فعن عبد الله بن عمرو (رضي الله عنهما)، أن النبي (صلى الله
عليه وسلم) قال: (الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُؤْمِنُ
مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ)(رواه النسائي)، وعن عبد
الله بن حبشي الخثعمي (رضي الله عنه)، أن النبي (صلى الله عليه وسلم) سئل: أي الأعمال
أفضل؟. قال: (طُولُ الْقِيَامِ). قيل: فأي الصدقة أفضل؟. قال: (جَهْدُ الْمُقِلِّ).
قيل: فأي الهجرة أفضل؟. قال: (مَنْ هَجَرَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ...)(رواه أبو
داود).
كما أننا في حاجة إلى هجرة الغش، والاحتكار،
والكذب المنتشر في عالم التجارة اليوم، إلى الصدق في البيع والشراء، والتخفيف عن كاهل
الناس في كلِّ شيء، فقد نهانا نبينا (صلى الله عليه وسلم) عن هذه الرذائل، وحثنا على
التخفيف على الناس، فعن أبي هريرة أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مرّ على صبرة
طعام فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: (مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟).
قال: أصابته السماء يا رسول الله، قال: (أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ
يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي)(رواه مسلم)، وعن معمر بن أبي معمر
(رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ)(رواه
أبو داود)، وعن معقل بن يسار (رضي الله عنه) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
يقول: (مَنْ دَخَلَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَسْعَارِ الْمُسْلِمِينَ لِيُغْلِيَهُ عَلَيْهِمْ،
فَإِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُقْعِدَهُ بِعُظْمٍ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ)(مسند
أحمد)،
وعن أبي ذر (رضي الله عنه)، عن النبي (صلى
الله عليه وسلم) قال: (ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا
يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). قال: فقرأها رسول
الله (صلى الله عليه وسلم) ثلاث مرارا، قال أبو ذر (رضي الله عنه): خابوا وخسروا، من
هم يا رسول الله؟. قال: (الْمُسْبِلُ، وَالْمَنَّانُ، وَالْمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ
الْكَاذِبِ)(رواه مسلم)، وعن عائشة (رضي الله عنها)، سمعت من رسول الله (صلى الله عليه
وسلم) يقول في بيتي هذا: (اللهُمَّ، مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَشَقَّ
عَلَيْهِمْ، فَاشْقُقْ عَلَيْهِ، وَمَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ أُمَّتِي شَيْئًا فَرَفَقَ
بِهِمْ، فَارْفُقْ بِهِ)(رواه مسلم).
كما أننا في حاجة إلى الهجرة من البطالة
والكسل إلى العمل والبناء والإنتاج، فمن أهم أسباب تأخر الأمة عن ركب التقدم والحضارة
الذي كانت تتصدره يومًا ما؛ أن أغلب بلدان الأمة مستهلك غير منتج، وقليل من تلك البلدان
من يملك طموح القيادة، والإنتاج، والتقدم والبناء، وقد أرشدنا القرآن الكريم، والسنة
النبوية المطهرة إلى أهمية العمل والإنتاج والبناء وأن الله (عزّ وجلّ) مطلع على ذلك
وشاهد، وسيجازينا عليه في الدنيا والآخرة.
فالحق تبارك وتعالى يقول: {وَقُلِ اعْمَلُوا
فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ
الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[التوبة:105]،
وقال تعالى: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ
مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ
فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص:77]، وقال تعالى:
{هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا
مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ}[الملك:15].
وعن المقدام بن معدي كرب (رضي الله عنه)،
عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال: (مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ، خَيْرًا
مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ
السَّلاَمُ، كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ)(رواه البخاري)، وعن أبي هريرة (رضي
الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ
حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا، فَيُعْطِيَهُ أَوْ
يَمْنَعَهُ)(رواه البخاري)، وعن جابر بن عبد الله (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله
(صلى الله عليه وسلم): (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا إلَّا كَانَ مَا أُكِلَ
مِنْهُ لَهُ صَدَقَةً، وَمَا سُرِقَ مِنْهُ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ
مِنْهُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَمَا أَكَلَتِ الطَّيْرُ فَهُوَ لَهُ صَدَقَةٌ، وَلَا
يَرْزَؤُهُ أَحَدٌ إِلَّا كَانَ لَهُ صَدَقَةٌ)(رواه مسلم).
وعن أنس بن مالك (رضي الله عنه) قال: قال
رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ،
فَإِنْ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا يَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَفْعَلْ)(رواه أحمد)،
وعن ابن عباس (رضي الله عنهما) قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول: (مَنْ
أَمْسَى كالًّا مِنْ عَمَلِ يَدَيْهِ أَمْسَى مَغْفُورًا لَهُ)(رواه الطبراني في الأوسط).
إن الهجرة من السلبيات إلى الإيجابيات لهو
عمل العقلاء في كل زمان ومكان ، ولا يقدر عليها إلا أولوا البصائر والنهى، ندعوا المولى
(عزّ وجلّ) أن نكون منهم.
فاللهمّ أرنا الحق حقا، وارزقنا اتباعه،
وأرنا الباطل باطلا، وارزقنا اجتنابه، اللهمّ علمنا من لدنك علما نصير به عاملين، وشفّع
فينا سيّد الأنبياء والمرسلين، واكتبنا من الذاكرين، ولا تجعلنا من الغافلين ولا من
المحرومين، ومتعنا بالنظر إلى وجهك الكريم في جنات النّعيم اللهمّ آمين.
اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء،
وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على
ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء
منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.