كن راضيا.. وإيَّاك والتباهي
الهدف المراد توصيله: التوعية بأن من رضي فله الرضا ومن سخط فله السخط، والتحذير من التفاخر والتباهي.
الخطبة الثانية: خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد،
فقد خلق الله تعالى الإنسان وجعل قلبه بين
داعيَين: داعٍ يدعوه إلى الرضا والقناعة، فيحيا مطمئن النفس، ساكن الفؤاد، مستشعرًا
فضل الله عليه في السراء والضراء، وداعٍ يدعوه إلى التفاخر والتباهي، فيظل أسير المقارنات،
مشغولًا بما عند الناس، متطلعًا إلى ما في أيديهم.
وإذا كانت المباهاة تُورث الكبر، وتُفسد العلاقات، وتزرع الحسد والبغضاء بين الخلق، فإن الرضا يملأ القلب سكينةً وطمأنينةً، ويجعل صاحبه غنيًّا وإن قلَّت ذات يده، سعيدًا وإن اشتدت عليه المحن، ومن هنا جاءت نصوص الشرع تحذر من الفخر والخيلاء، وتغرس في النفوس قيمة الرضا، وإليك بيان ذلك:
المباهاة.. حقيقتها وتحذير الشرع منها
المباهاة في أصل معناها هي المفاخرة وإظهار
ما عند الإنسان من مال أو جاه أو علم أو نسب أو غير ذلك بقصد التعاظم على الناس واستجلاب
إعجابهم، وقد بيَّن أهل اللغة أن المباهاة هي المفاخرة، كما جاء في تفسير غريب الحديث:
"المباهاة: المفاخرة".
ومن تأمل حقيقة المباهاة وجد أنها قائمة على الاغترار بأمور خارجة عن ذات الإنسان؛ فالمال ليس من صنعه، والجمال هبة من الله، والنسب فضل لم يختره المرء لنفسه. ولذلك قال الراغب الأصفهاني: "الفخر هو المباهاة بالأشياء الخارجة عن الإنسان"، ثم بيَّن أن العاقل يعلم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، وأن المباهي بها إنما يفتخر بشيء سريع الزوال، لا يلبث أن يفارقه أو يفارق هو الدنيا كلها، فقال: "فمن نظر بعين عقله وانحسر عنه قناع جهله علم أن أعراض الدنيا عارية مستردة، لا يؤمن في كل ساعة أن تسترجع، فالمباهي بها مباهاة بغير ثراه، ومتبجح بما في يد سواه، كالفاخرة بحِدْج ربَّتها (وهي الأَمَة تتباهى بهودج سيدتها لمجرد وجودها فيه معها)، بل هو أدون من ذلك، فقد قال بعض الحكماء لمن يفتخر بثرائه: إن افتخرت بفرسك فالحسن والفراهة له دونك، وإن افتخرت بثيابك وآلاتك فالجمال لهما دونك، وإن افتخرت بآبائك فالفضل فيهم لا فيك، ولو تكلمت هذه الأشياء لقالت: هذه محاسننا فما لك من الحسن" [الذريعة الى مكارم الشريعة].
وقد نبَّه الإمام الحارث المحاسبي إلى أن
المباهاة ثمرةٌ من ثمار الفضول والتوسع فيما لا يحتاج إليه الإنسان، فقال: "وفضول
اللِّباس يخرج إلى المباهاة والخيلاء" [رسالة المسترشدين]، فكلما ازداد تعلق القلب
بالمظاهر الخارجية ازداد خطر الوقوع في التفاخر والتعالي على الناس.
ومع هذا فلم تكن المباهاة مقصورة على الأموال
والثروات، بل تتسلل إلى مختلف شؤون الحياة؛ فقد تكون بالملبس والمركب والمسكن، وقد
تكون بالعلم والعبادة والقراءة، بل قد تقع حتى في الأعمال الصالحة إذا قصد بها صاحبها
ثناء الناس ومدحهم، ولذلك كان السلف الصالح شديدي الخوف من هذه الآفة؛ إذ قال الخليفة
الراشد عمر بن عبد العزيز رحمه الله: "إِنَّهُ لَيَمْنَعُنِي مِنْ كَثِيرٍ مِنَ
الْكَلَامِ مَخَافَةُ الْمُبَاهَاةِ" [الزهد والرقائق لابن المبارك]، فكان يراقب
قلبه ويخشى أن يتطرق إليه حب الظهور والتعاظم على الخلق.
ولهذا عد العلماء أخطر صور المباهاة ما يكون في الطاعات والقربات، حين يتحول العمل الصالح إلى وسيلة لطلب الجاه والمنزلة بين الناس، وقد أشار الماتريدي إلى هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ یُرِیدُ ٱلۡحَیَوٰةَ ٱلدُّنۡیَا وَزِینَتَهَا نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ [هود: ١٥]، فقال: "قَالَ بَعْضُهُم: الآية في أهل الإيمان الذين عملوا الصالحات مراءاة للخلق يقول: ﴿نُوَفِّ إِلَیۡهِمۡ أَعۡمَٰلَهُمۡ فِیهَا وَهُمۡ فِیهَا لَا یُبۡخَسُونَ﴾ من الذكر فيها والشرف، وما طلبوا بأعمالهم في الدنيا من المباهاة وغيره، آتاهم اللَّه في الدنيا جزاء لتلك الأعمال التي عملوها وبطل ما صنعوا وباطل ما كانوا يعملون؛ لأنهم عملوا لغير اللَّه، فلا يجزون في الآخرة بأعمالهم تلك، وإلى هذا يذهب ابن عَبَّاسٍ" [تأويلات أهل السنة].
ومن أجل تحقيق هذا المعنى عقد العلماء أبوابًا
خاصة في التحذير من المباهاة بالعلم والقرآن؛ لأن العلم شرفه في العمل به والإخلاص
لله فيه، لا في اتخاذه وسيلة للرياسة والافتخار، وقد ورد الوعيد الشديد فيمن تعلم القرآن
وعلَّمه وقرأه طلبًا للمفاخرة والتعاظم على الناس، لا ابتغاء وجه الله تعالى.
ذم المباهاة
جاء الشرع الشريف بذم المباهاة والتحذير
منها في نصوص كثيرة؛ لأنها تناقض حقيقة العبودية لله تعالى، وتفسد الإخلاص، وتورث الكبر
والعجب، ومن أوضح ما ورد في ذلك قوله تعالى: ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر:
١]، وقد فسر الإمام الطبري الآية بقوله: "ألهاكم أيها الناس المباهاة بكثرة المال
والعدد عن طاعة ربكم وعما ينجيكم من سخطه عليكم" [جامع البيان]، وقال الزمخشري:
"والتَّكاثُرُ التبارى في الكثرة والتباهي بها، وأن يقول هؤلاء: نحن أكثر"
[الكشاف]، فالتكاثر المذموم هو الانشغال بالتفاخر والتباهي به والتعاظم على الخلق بسببه.
قال الله تعالى عن صاحب الجنتين: ﴿وَكَانَ
لَهُۥ ثَمَرࣱ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ یُحَاوِرُهُۥۤ
أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالࣰا وَأَعَزُّ نَفَرࣰا﴾ [الكهف: ٣٤].
قال الدكتور محمد سيد طنطاوي: "أي:
فقال صاحب الجنتين لصاحبه المؤمن الشاكر: أنا أكثر منك مالا وأعز منك عشيرة وحشما وأعوانا،
وهذا شأن المطموسين المغرورين، تزيدهم شهوات الدنيا وزينتها بطرا وفسادا في الأرض،
وما أصدق قول قتادة رحمه الله: "تلك – والله - أمنية الفاجر: كثرة المال، وعزة
النفر" [التفسير الوسيط].
قال تعالى على لسان لقمان لابنه وهو يعظه:
﴿وَلَا تُصَعِّرۡ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّ ٱللَّهَ
لَا یُحِبُّ كُلَّ مُخۡتَالࣲ فَخُورࣲ﴾ [لقمان: ١٨].
"ولا تستكبر على الناس، بل ألِن جانبك لهم،
وأقبِل عليهم متواضعًا، ولا تُوَلِّهم شِقَّ وجهك وصفحته كما يفعله المتكبِّرون إعجابًا
بأنفسهم؛ لأن الله لا يحب كل مختال فخور، وأصل الصَّعَر: داءٌ يَعتري البعير فيلوى
منه عنقه، ويُستعار للكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا وبطرًا كما يمشي المختالون المتكبرون؛
لأن الله ـ لا يُحبُّ كل مختال فخور، والمختال: المتكبّر، وهو مأخوذ من الخيلاء وهو
التَّبَختر في المشي كِبرًا، والفخور: كثير الفخر، وهو المباهاة، ويدخل في ذلك تعداد
الشخص ما أعطاه لغيره...". [التفسير الوسيط- مجمع البحوث].
وقال تعالى: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا
خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرࣲ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبࣰا وَقَبَاۤئِلَ لِتَعَارَفُوۤا۟ۚ إِنَّ
أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِیمٌ خَبِیرࣱ﴾ [الحجرات: ١٣]، وقال تعالى: ﴿ٱعۡلَمُوۤا۟
أَنَّمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَا لَعِبࣱ وَلَهۡوࣱ وَزِینَةࣱ وَتَفَاخُرُۢ بَیۡنَكُمۡ وَتَكَاثُرࣱ فِی ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِۖ كَمَثَلِ
غَیۡثٍ أَعۡجَبَ ٱلۡكُفَّارَ نَبَاتُهُۥ ثُمَّ یَهِیجُ فَتَرَىٰهُ مُصۡفَرࣰّا ثُمَّ یَكُونُ حُطَٰمࣰاۖ وَفِی ٱلۡءَاخِرَةِ عَذَابࣱ شَدِیدࣱ وَمَغۡفِرَةࣱ مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣱۚ وَمَا ٱلۡحَیَوٰةُ ٱلدُّنۡیَاۤ إِلَّا
مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]
ولقد حذر النبي ﷺ من صور المباهاة الاجتماعية التي تدفع الناس إلى التكلف والتنافس المذموم، فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما: "نَهى النَّبيُّ ﷺ عَنْ طَعامِ المُباهاةِ، وَطعامِ المُتَباريَيْنِ"، [التاريخ الكبير للبخاري] أي: ما يصنعه الناس لا طلبًا للأجر أو الإكرام، وإنما للمفاخرة وإظهار السعة والتغلب على الآخرين في مظاهر الإنفاق.
ليس هذا فحسب بل إن التفاخر أو المباهاة
تجعل الإنسان يرى نفسه أفضل من غيره: بماله، أو نسبه، أو علمه، أو منصبه، وربما بطاعته،
أو عبادته، أو التزامه، فيقع في آفةٍ أخطر وهي الكبر، وقد قال النبي ﷺ فيما رواه سيدنا عَبْد اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ
رضي الله عنه: «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ
مِنْ كِبْرٍ»، قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا
وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ: «ِإنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ
بطر الحق وغمط الناس» [رواه مسلم].
قال حجة الإسلام الغزالي: "وإنما صار
حجابًا دون الجنة؛ لأنه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلها وتلك الأخلاق هي أبواب
الجنة، والكبر وعزة النفس يغلق تلك الأبواب كلها؛ لأنه لا يقدر على أن يحب للمؤمنين
ما يحب لنفسه وفيه شيء من العز، ولا يقدرُ على التَّواضُعِ وَهُوَ رَأسُ أَخلاق المتقين
وفيه العز، ولا يقدر على ترك الحقد وفيه العز، ولا يقدر أن يدوم على الصدق وفيه العز،
ولا يقدر على ترك الغضب وفيه العز، ولا يقدر على كظم الغيظ وفيه العز، ولا يقدر على
ترك الحسد وفيه العز، ولا يقدر على النصح اللطيف وفيه العز، ولا يقدر على قبول النصح
وفيه العز، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم وفيه العز، ولا معنى للتطويل
فما من خُلق ذميمٍ إلا وصاحب العز والكبر مضطرٌ إليه ليحفظ عزه وما من خلقٍ محمودٍ
إلا وهو عاجزٌ عنه خوفًا من أن يفوته عِزه فمن هذا لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال
حبة منه" [إحياء علوم الدين].
ومن هنا جاء توجيه النبي ﷺ إلى الزهد في مظاهر الدنيا وعدم الاغترار
بها؛ إذ قال ﷺ: «إِنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا
يَرْفَعَ شَيْئًا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا وَضَعَهُ» [رواه البخاري]، قال ابن بطال في
شرحه للحديث: "فنبّه بذلك أمته ﷺ على ترك المباهاة والفخر بمتاع الدنيا،
وأن ما كان عند الله في منزلة الضعة، فحق على كل ذي عقل الزهد فيه وقلة المنافسة في
طلبه، وترك الترفع والغبطة بنيله، لأن المتاع به قليل والحساب عليه طويل" [شرح
صحيح البخاري].
كما بين ﷺ أن من يباهي بأعمال الآخرة أهل الدنيا
فهم وقود النار، لأنه تجرد من الإخلاص الذي هو شرطه، فأخرج المستغفريّ في "فضائل
القرآن" باب ما يكره للقارئ من المباهاة بالقرآن والتعمق في إقامة حروفه والتنطع
وما جاء في ذلك، عن أم الفضل عن رسول الله ﷺ قال: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ
يَتَعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمُونَهُ وَيَقْرَؤُونَهُ فَيَقُولُونَ: قَدْ عَلِمْنَا
وَقَرَأْنَا فَهَلْ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنَّا فَهَلْ فِيهِمْ مِنْ خَيْرٍ؟» قَالُوا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أُولَئِكَ؟ قَالَ: «أُولَئِكَ مِنْكُمْ وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ
النَّارِ».
مفهوم الرضا وحقيقته وأهميته
يُعَدُّ الرضا من أجلِّ المقامات الإيمانية
وأرفع المنازل الروحية التي يتنافس إليها السالكون إلى الله تعالى؛ إذ هو ثمرة المعرفة
بالله، وعلامة حسن الظن به، ودليل امتلاء القلب باليقين والتسليم، وقد عظَّم أهل العلم
والتربية هذا المقام حتى وصفوه بأنه باب السعادة في الدنيا والآخرة، ومفتاح الطمأنينة
التي لا تنالها القلوب المضطربة بأحوال الدنيا وتقلباتها.
وقد عبَّر أهل السلوك عن عظيم شأن الرضا بقولهم: «الرضا باب الله الأعظم»، أي أنه من أعظم الأبواب الموصلة إلى القرب من الله تعالى، فمن وُفِّق للرضا فقد فاز بحظ وافر من السكينة والأنس بالله، ونال من ألطافه ما لا يناله كثير من الناس، ولذلك قال عبد الواحد بن زيد: «الرضا باب الله الأعظم وجنة الدنيا»، لأن صاحبه يعيش في راحة قلبية دائمة، لا تزعزعه الحوادث، ولا تذهب بسكينته تقلبات الزمان.
والرضا في حقيقته ليس مجرد احتمال الأقدار أو الصبر عليها، بل هو مرتبة أرفع من ذلك، تقوم على استقبال ما يجري به قضاء الله تعالى بالطمأنينة والانشراح، مع الثقة الكاملة بحكمته وعدله ورحمته، ولهذا قيل: هو استقبال الأحكام بالفرح، وقيل: هو سكون القلب تحت مجاري الأقدار، وقيل: هو سرور القلب عند مرارة القضاء، لأن المؤمن يعلم أن اختيار الله له خير من اختياره لنفسه.
وقد أشار الإمام القشيري إلى العلاقة الوثيقة
بين رضا العبد عن ربه ورضا الله عن عبده، مستشهدًا بقوله تعالى: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ
وَرَضُوا۟ عَنۡهُۚ﴾، فمتى امتلأ القلب رضا بالله، وبأمره، وبقسمته، كان ذلك من أمارات
عناية الله بصاحبه وقبوله له. ولهذا قيل: إن العبد إذا وجد قلبه ساكنًا إلى تدبير الله،
مطمئنًا إلى قضائه، غير معترض على حكمه، كان ذلك من أعظم دلائل الخير والفضل.
ولأهمية هذا المقام أوحى الله تعالى إلى
نبيه موسى عليه السلام حين سأله عن العمل الذي ينال به رضا ربه، فأخبره ـ أن رضاه متحقق
في رضا العبد بقضائه وقدره، قال القشيري: "وقيل: قَالَ مُوسَى عليه السلام:
"إلهي دلني عَلَى عمل إِذَا عملته رضيت بِهِ عنى" فَقَالَ: "إنك لا
تطيق ذَلِكَ"، فخرَّ مُوسَى عليه السلام ساجدًا متضرعًا فأوحى اللَّه تَعَالَى
إِلَيْهِ: "يا ابْن عمران إِن رضاي فِي رضاك بقضائي" [الرسالة القشيرية]؛
إذ لا يجتمع السخط على الأقدار مع كمال العبودية لله تعالى، فكلما ازداد العبد تسليمًا
لما اختاره الله له، ازداد قربًا من مولاه ونال من رضوانه بقدر ما قام بقلبه من الرضا
والتفويض.
ومن هنا لخَّص بعض العارفين طريق التزكية
والسلوك (التصوف) في كلمتين جامعتين فقالوا: "التصوف الرضا بالقسمة والسخاء بالنعمة"
[حلية الأولياء لأبي نعيم]؛ لأن المؤمن ينظر إلى ما قسمه الله له بعين القبول والامتنان،
فلا يحسد غيره على ما أوتي، ولا يتطلع إلى ما في أيدي الناس تطلع الساخطين، بل يرى
أن لكل إنسان نصيبه الذي اختاره الله له بحكمته.
والرضا يثمر في النفس آثارًا جليلة؛ فهو يورث السكينة عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والقناعة عند قلة الحظوظ الدنيوية، كما يطهِّر القلب من الحسد والاعتراض والتسخط، وإذا استقر الرضا في القلب انطفأت فيه نوازع الكبر والمباهاة؛ لأن الراضي يعلم أن ما عنده من نعم إنما هو فضل من الله تعالى لا استحقاق له فيه، فلا يتعالى بها على الناس ولا يتفاخر بها بينهم، بل يشهد فيها منة المنعم ـ.
ولهذا كان أهل الرضا من أبعد الناس عن السخط والاعتراض، وأقربهم إلى الطمأنينة والثبات. وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم، وقد عبَّر أبو عثمان الحيري عن هذا المعنى بقوله: «منذ أربعين سنة ما أقامني الله عز وجل في حال فكرهته، وما نقلني إلى غيره فسخطته» [الرسالة القشيرية]، وهي كلمة تجسد كمال التسليم لله تعالى، والرضا بما يختاره لعباده في جميع أحوالهم.
فضائل الرضا
أكثر القرآن الكريم من وصف الرضا في مواضع
عديدة، وما ذلك إلا لمكانته وأهميته وفضله، وقد ساق الفيروز آبادي عددا من هذه الآيات
في مختلف المواضع بعد أن بين مفهوم الرضا فقال: "ورِضا العبدِ عن الله تعالى أَلَّا
يكره ما يجرى به قضاؤُه، ورضا الله تعالى عن العبد أَن يراه مؤتمرًا لأَمره منتهيًا
عن نهيه... ولما كان أَعظم الرضا رضا اللهِ تعالى خُصّ لفظ الرِّضوان فى القرآن بما
كان من الله تعالى.
وقوله: ﴿إِذَا تَرَٰضَوۡا۟ بَیۡنَهُم بِٱلۡمَعۡرُوفِۗ﴾
أَي أَظهر كلُّ واحد منهم الرِّضا بصاحبه ورضيه، قال تعالى: ﴿وَإِن تَشۡكُرُوا۟ یَرۡضَهُ
لَكُمۡۗ﴾، وقال: ﴿إِلَّا مَنِ ٱرۡتَضَىٰ مِن رَّسُولࣲ﴾، وقال: ﴿مِنۢ بَعۡدِ أَن یَأۡذَنَ ٱللَّهُ
لِمَن یَشَاۤءُ وَیَرۡضَىٰۤ﴾، وقال: ﴿وَلَیُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِینَهُمُ ٱلَّذِی ٱرۡتَضَىٰ
لَهُمۡ﴾ۡ وقال: ﴿وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِیࣰّا﴾، وقال: ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِۦ مَرۡضِیࣰّا﴾، وقال: ﴿وَعَجِلۡتُ إِلَیۡكَ رَبِّ لِتَرۡضَىٰ﴾،
وقال: ﴿لَّقَدۡ رَضِیَ ٱللَّهُ عَنِ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ﴾، وقال لنبيِّه: ﴿لَعَلَّكَ تَرۡضَىٰ﴾،
وقال: ﴿وَیَرۡضَیۡنَ بِمَاۤ ءَاتَیۡتَهُنَّ كُلُّهُنَّۚ﴾ وقال: ﴿وَلَسَوۡفَ یُعۡطِیكَ
رَبُّكَ فَتَرۡضَىٰۤ﴾، وقال: ﴿لِّسَعۡیِهَا رَاضِیَةࣱ﴾، وقال: ﴿فَهُوَ فِی عِیشَةࣲ رَّاضِیَةࣲ﴾ أَي مرضيّة، وقال: ﴿ٱرۡجِعِیۤ إِلَىٰ رَبِّكِ
رَاضِیَةࣰ مَّرۡضِیَّةࣰ﴾، وقال: ﴿رَّضِیَ ٱللَّهُ عَنۡهُمۡ وَرَضُوا۟
عَنۡهُۚ﴾، واعلم أَنَّ العلماء قد أَجمعوا على أَنَّ الرِّضا مستَحبٌّ مؤَكد استحبابُه.
واختلفوا في وجوبه على قولين. والأَكثر على تأَكُّد استحبابه، فإِنه لم يرد الأَمر
به كما ورد في الصبر» [بصائر ذوي التمييز].
ومن جملة ما يميز الرضا أنه خُلق الأنبياء، قال النجم الغزي: "ومن أخلاق الأنبياء عليهم السلام: الرضا بقضاء الله تعالى، قال الله تعالى حكاية عن زكريا عليه السلام: ﴿فَهَبۡ لِی مِن لَّدُنكَ وَلِیࣰّا ٥ یَرِثُنِی وَیَرِثُ مِنۡ ءَالِ یَعۡقُوبَۖ وَٱجۡعَلۡهُ رَبِّ رَضِیࣰّا﴾، وهو فعيل بمعنى فاعل؛ أي: راضيًا، أو بمعنى مفعول؛ أي: مرضيًّا، ولا يكون مرضيا حتى يكون مؤمنًا صالحًا، وكمال ذلك بالرضا.
وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «أَوْحَىْ اللهُ إِلَىْ مُوْسَى عليه السلام: مُوْسَى إِنَّكَ لَنْ تتقرَّبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنَ الرِّضَا بِقَضَائِي، وَلَمْ تَعْمَلْ عَمَلاً أَحْبَطَ لِحَسَنَاتِكَ مِنَ الكِبْرِيَاءِ...» [حسن التَّنبُّه].
ونقل السمرقندي عن بعض الفقهاء قولهم: "وَيَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يَكُونَ رَاضِيًا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ، فَإِنَّ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ مِنْ أَخْلَاقِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحِينَ" [تنبيه الغافلين].
من رضي فله الرضا
لا تخلو الحياة من الابتلاءات؛ فهي ميدان
تتعاقب فيه الأفراح والأحزان، وتتردد فيه النفس بين ما تحب وما تكره، وبين ما تتمنى
وما يُقدِّره الله لها، وفي ظل هذه المتغيرات يبقى الرضا أعظم زادٍ يحمله المؤمن، وأوثق
سفينةٍ تعبر به أمواج المحن والشدائد، فعن أنس بن مالك عن النبيِّ ﷺ، قال: «إنَّ عِظَمَ الجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ
البَلاءِ، فإن اللهَ إذا أحَبَّ قَوْمًا ابْتلاهُمْ، فَمنْ رَضِيَ فَلهُ الرِّضَا،
وَمَنْ سَخِطَ فَلهُ السَّخَطُ» [رواه الترمذي].
قال السندي: "قوله: «فَمنْ رَضِيَ
فَلهُ الرِّضَا» أي: رضا الله تعالى عنه، جزاء لرضاه أو فله جزاء رضاه، وكذا قوله:
«فَلهُ السَّخَطُ»، ثم الظاهر أنه تفصيل لمطلق المبتلين لا لمن أحبهم فابتلاهم؛ إذ
الظاهر أنه تعالى يوفقهم للرضا فلا يسخط منهم أحد" [حاشية السندي على سنن ابن
ماجه].
وقال المظهري: "«فَمنْ رَضِيَ فَلهُ
الرِّضَا»؛ أي: فَمَنْ رضيَ بالبلاء وصبرَ عليه، يحصل له رضا الله تعالى، «وَمَنْ سَخِطَ»،
أي: ومَنْ كَرِهَ البلاءَ وجزع، ولم يرضَ بحكم الله، يحصل له سخط الله وغضبه، والسخط
من العبد يتعلق بالقلب.
فكم من رجل له أنين مِنْ شدَّةِ المرض،
وفي قلبه الرضا والتسليم بأمر الله، فلا تَقُلْ عَمَّنْ سمعته يئن: إنه غير صابر؛ لأن
الرضا والسخط محلهما القلب، وأنت لا تطلع على قلب أحد" [المفاتيح في شرح المصابيح].
وقال ابن رجب الحنبلي: "وممَّا يدعو المؤمن إلى الرِّضا بالقضاء تحقيقُ إيمانه بمعنى قول النبيّ ﷺ: «لَا يَقْضِي اللَّهُ لِلْمُؤْمِنِ قَضَاءً إِلَّا كَانَ خَيْرًا لَهُ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ»، وجاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ، فسأله أن يُوصيه وصيَّةً جامعةً موجَزةً، فقال: «لَا تَتَّهِمِ اللهَ فِي قَضَائِه»، قال أبو الدرداء: "إنَّ الله إذا قضى قضاءً أحبَّ أن يُرضى به، وقال ابن مسعود: "إن الله بقسطه وعدله جعلَ الرَّوحَ والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشكِّ والسخط"؛ فالرَّاضي لا يتمنَّى غيرَ ما هو عليه من شدَّةٍ ورخاء كذا رُوِيَ عَنْ عمر وابنِ مسعود وغيرهما، وقال عمر بن عبد العزيز: أصبحت ومالي سرورٌ إلا في مواضع القضاء والقدر.
فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشُه كلُّه
في نعيم وسرور، قال الله تعالى: ﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ﴾ [النحل: ٩٧] قال بعض السلف: الحياة الطيبة:
هي الرضا والقناعة، وقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدُّنيا ومستراح
العابدين، فمن وصل إلى هذه الدرجة، كان عيشُه كلُّه في نعيم وسرور، قال الله تعالى:
﴿مَنۡ عَمِلَ صَٰلِحࣰا مِّن ذَكَرٍ أَوۡ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤۡمِنࣱ فَلَنُحۡیِیَنَّهُۥ حَیَوٰةࣰ طَیِّبَةࣰۖ﴾ [النحل: ٩٧] قال بعض السلف: الحياة الطيبة:
هي الرضا والقناعة، وقال عبد الواحد بن زيد: الرضا باب الله الأعظم وجنة الدُّنيا ومستراح
العابدين.
وأهل الرضا تارةً يلاحظون حكمة المبتلِي وخيرته لعبده في البلاء، وأنَّه غيرُ متَّهم في قضائه، وتارةً يُلاحظون ثوابَ الرِّضا بالقضاء، فيُنسيهم ألم المقضي به، وتارةً يُلاحظون عظمةَ المبتلِي وجلالَه وكمالَه، فيستغرقون في مشاهدة ذلك، حتَّى لا يشعرون بالألم، وهذا يصلُ إليه خواصُّ أهل المعرفة والمحبَّةِ، حتَّى ربَّما تلذَّذوا بما أصابهم لملاحظتهم صدوره عن حبيبهم، كما قال بعضهم: أوجدهم في عذابه عُذوبة، وسئل بعض التابعين عن حاله في مرضه، فقال: أحبُّه إليه أحبُّه إليَّ. وسئل السريّ: هل يجد المحبُّ ألم البلاء؟ فقال: لا. وقال بعضهم:
عذابُه فيكَ عَذْبُ *** وبُعْدُهُ فيكَ قُرْبُ
وأَنْتَ عِندي كرُوحي *** بل أَنْتَ مِنها أَحَبُّ
حسْبي مِنَ الحُبِّ *** أنِّي لِمَا تُحِبُّ أُحِبُّ
[جامع العلوم والحكم].
بين شكر النعمة واستعراضها
من أخطر مظاهر المباهاة في عصرنا أن يحوِّل
الإنسان بيته وأهله وما أنعم الله عليه به إلى مادةٍ للاستعراض والتفاخر على وسائل
التواصل الاجتماعي، فيعرض تفاصيل نعمه ومظاهر رفاهيته طلبًا للإعجاب أو المنافسة أو
لفت الأنظار، والمؤمن مأمور بأن يشكر نعمة الله تعالى ويعترف بفضله، لا أن يجعل تلك
النعم وسيلةً للمفاخرة بين الخلق أو إثارة الحسد في القلوب.
إن النعمة أمانةٌ بين يدي صاحبها، تستوجب
الشكر والتواضع وحسن الاستعمال، لا التباهي والتعالي. ومن ظن أن ما أوتيه من مال أو
مسكن أو أهل أو جاه إنما هو مجال للمفاخرة، فقد غفل عن أن هذه النعم كلها مسؤولية سيسأل
عنها بين يدي الله ـ يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسۡءَلُنَّ یَوۡمَئِذٍ
عَنِ ٱلنَّعِیمِ﴾ [التكاثر: ٨].
فليحذر المسلم أن تتحول منصات التواصل إلى
ساحات للتفاخر والتكاثر، وليجعل نشره لما يرضي الله تعالى وينفع الناس، مستشعرًا أن
دوام النعمة يكون بالشكر والتواضع، لا بالمباهاة والاستعراض.
وخذ من قصة قارون العبرة: أمام هذه الزينة
الفخمة التي خرج فيها قارون، انقسم الناس إلى فريقين، فريق استهوته هذه الزينة، وتمنى
أن يكون له مثلها كما أخبر عنهم القرآن الكريم: ﴿قَالَ ٱلَّذِینَ یُرِیدُونَ ٱلۡحَیَوٰةَ
ٱلدُّنۡیَا یَٰلَیۡتَ لَنَا مِثۡلَ مَاۤ أُوتِیَ قَٰرُونُ إِنَّهُۥ لَذُو حَظٍّ عَظِیمࣲ﴾ࣲ [القصص: ٧٩]، وفريق ثان هم أصحاب المبادئ،
والعقل الراجح: ﴿وَقَالَ ٱلَّذِینَ أُوتُوا۟ ٱلۡعِلۡمَ وَیۡلَكُمۡ ثَوَابُ ٱللَّهِ
خَیۡرࣱ لِّمَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحࣰاۚ وَلَا یُلَقَّىٰهَاۤ إِلَّا ٱلصَّٰبِرُونَ﴾
[القصص: ٨٠].
اجعل بغيتك الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا
من أعظم ما يورث الرضا ويطهر القلب من آفة
المباهاة أن يجعل المسلم الآخرة أكبر همِّه، وغاية سعيه، وميدان تنافسه. فكلما تعلقت
النفس بالدار الآخرة صغرت في عينها زخارف الدنيا، وخفَّ تعلقها بالمظاهر والمفاخرة،
وأصبحت تنظر إلى النعم على أنها وسائل للشكر والطاعة، لا أدوات للتعالي والتفاخر، عَنْ
أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ كَانَتِ الآخِرَةُ هَمَّهُ جَعَلَ
اللَّهُ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ وَجَمَعَ لَهُ شَمْلَهُ، وَأَتَتْهُ الدُّنْيَا وَهِيَ
رَاغِمَةٌ، وَمَنْ كَانَتِ الدُّنْيَا هَمَّهُ جَعَلَ اللَّهُ فَقْرَهُ بَيْنَ عَيْنَيْهِ،
وَفَرَّقَ عَلَيْهِ شَمْلَهُ، وَلَمْ يَأْتِهِ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا قُدِّرَ
لَهُ» [رواه الترمذي وابن ماجه].
وقال عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ رضي الله عنه:
"مَا أَبْعَدَ هَدْيَكُمْ مِنْ هَدْيِ نَبِيِّكُمْ ﷺ، أَمَّا هُوَ فَكَانَ أَزْهَدَ النَّاسِ
فِي الدُّنْيَا، وَأَنْتُمْ أَرْغَبُ النَّاسِ فِيهَا" [رواه أحمد في "المسند"].
وقال الإمام الغزالي: "كان محمد بن
واسع يبل الخبز اليابس بالماء، ويأكله، ويقول: من قنع بهذا لم يحتج إلى أحد"
[إحياء علوم الدين].
والدعاء وسؤال الله تعالى النعم مشروع؛
فهذا زكريا عليه السلام يدخل على مريم عليها السلام المِحراب، فيجد عندها رزقًا ﴿كُلَّمَا
دَخَلَ عَلَیۡهَا زَكَرِیَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقࣰاۖ قَالَ یَٰمَرۡیَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ
قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ یَرۡزُقُ مَن یَشَاۤءُ بِغَیۡرِ حِسَابٍ﴾
[آل عمران: ٣٧].
قال الربيع بن أنس: «إنه كان لا يدخل أحد
سوى زكريا، فكان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف» [جامع البيان].
فاستجاب الله له: ﴿فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰۤئِكَةُ
وَهُوَ قَاۤئِمࣱ یُصَلِّی فِی ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ
یُبَشِّرُكَ بِیَحۡیَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةࣲ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَیِّدࣰا وَحَصُورࣰا وَنَبِیࣰّا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِینَ﴾ [آل عمران: ٣٩].
وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا اللَّهَ
وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، فَإِنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا
وَإِنْ أَبْطَأَ عَنْهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، خُذُوا مَا
حَلَّ، وَدَعُوا مَا حَرُمَ» [رواه ابن ماجه].
اللهم ارزقنا قلوبًا راضية، ونفوسًا مطمئنة،
وأخلاقًا متواضعة، واجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، اللهم أصلح أحوالنا، واهد
شبابنا، واجمع قلوبنا على الحق، واصرف عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم طهّر قلوبنا
من الكبر والرياء، واملأها رضا ويقينًا، واجعلنا من عبادك الشاكرين القانعين، واحفظ
مصر بحفظك الجميل آمين.
۞۞۞
الخطبة الثانية
خطر إدمان السوشيال ميديا وأثره على الأسرة
تُعَدُّ خدمة الإنترنت من أبرز منجزات العصر
الحديث؛ فقد غدت محورًا رئيسًا في حياة الأفراد والمجتمعات، يتداول الناس الحديث عنها
في مجالسهم، لما لها من أثر بالغ في مختلف جوانب الحياة، وهي في حقيقتها وسيلة ذات
وجهين؛ يمكن أن تكون بابًا واسعًا للخير والعلم والمعرفة والتواصل النافع، كما قد تتحول
إلى أداة للشر والانحراف إذا أسيء استخدامها، شأنها في ذلك شأن كثير من النعم والمصالح
العامة التي تتحدد آثارها بحسب مقاصد المستخدمين وطرائق توظيفهم لها.
وقد أسهمت بعض وسائل التواصل الحديثة، ولا
سيما تلك التي تفتقر إلى الضوابط الأخلاقية والقيمية، في إحداث تغيرات ملحوظة في البنية
القيمية للمجتمعات، فأضعفت في بعض الأحيان معاني التضامن الأسري، وأثرت في قيم الاحترام
المتبادل بين الأفراد، كما ساهمت في طمس الفوارق بين الحلال والحرام، وتشويش معايير
القبول والرفض، بل ومحاولة تطبيع بعض السلوكيات المخالفة للفطرة والقيم المستقرة.
كما تشير دراسات تربوية ونفسية إلى أن الإفراط
في الجلوس أمام أجهزة الحاسوب والتصفح المستمر لشبكة الإنترنت، خصوصًا لدى الأطفال
والشباب، قد يترك آثارًا سلبية على تكوين الشخصية؛ إذ يُضعف روح المبادرة، ويعزز الميل
إلى العزلة والانطواء، وينمّي الاعتمادية والسلبية، مما ينعكس على مستوى الهمة والإنتاجية
والقدرة على المثابرة وتحمل المسؤولية.
إفراط غير طبيعي في التعامل مع الانترنت
لقد بلغ استخدام الإنترنت فقط بين المجتمع
المصري وخاصة الشباب إلى العام ٢٠٢٠م قرابة خمسين مليون فرد، بحسب التقرير الصادر عن
وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، ولا شك أن العدد في ازدياد مستمر.
ولا شك أنه لو كان استخدامنا المتزايد هذا
في النافع المفيد لكان خيرا، ولكن الواقع ليس كذلك، فهناك من يتابع أفكارًا منحرفة،
تتنوع ما بين تطرف ديني ولاديني، وما بين علاقات محرمة بين الشباب والفتيات، وما بين
مواقع إباحية تفسد العقول والقلوب، وهناك –وهم الأقل- من يهتم بمتابعة المواقع الإخبارية
والعلمية والدعوية والاجتماعية النافعة، فنحن أمام ظاهرة مجتمعية خطيرة إن لم نحسن
استخدامها أفسدَت حياتنا، ولعل ما نراه من تأثير كبير لها على العلاقة الأسرية على
مستوى العائلة الكبيرة أو حتى الأسرة الصغيرة، خير شاهد على ذلك.
مخاطر وسائل التواصل الاجتماعي على الأسرة
أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا
يتجزأ من الحياة اليومية، غير أن الإفراط في استخدامها أو سوء توظيفها قد يؤدي إلى
آثار سلبية تمس استقرار الأسرة وتماسكها، ومن أبرز هذه المخاطر:
ضعف التواصل الأسري المباشر: إذ ينشغل كل
فرد بجهازه وشبكة علاقاته الخاصة، فتقل الحوارات العائلية وتضعف الروابط الوجدانية
بين أفراد الأسرة.
إهدار الوقت وضياع المسؤوليات: فالساعات
الطويلة التي تُقضى في التصفح والمتابعة قد تكون على حساب الواجبات الأسرية والتربوية
والاجتماعية.
العزلة والانطواء الاجتماعي: حيث يفضِّل
بعض الأفراد التواصل الافتراضي على العلاقات الواقعية، مما يؤدي إلى ضعف المهارات الاجتماعية
والشعور بالوحدة.
التأثير السلبي على تربية الأبناء: بسبب
تعرضهم لمحتويات غير مناسبة لأعمارهم أو للقيم الأسرية المعتبرة، مما قد يسبب اضطرابًا
في المفاهيم والسلوكيات.
نشر ثقافة المقارنات والتفاخر: فالمتابعة
المستمرة لما يعرضه الآخرون من مظاهر الرفاهية والنجاح قد يولد الشعور بعدم الرضا والحسد
والتنافس غير المحمود.
اختراق الخصوصية الأسرية: من خلال نشر الصور
والأخبار والتفاصيل الشخصية دون ضوابط، مما قد يعرض الأسرة لمشكلات اجتماعية وأمنية.
اشتعال الخلافات الزوجية: نتيجة الانشغال
المفرط بالهاتف، أو سوء استخدام المنصات الرقمية، أو انعدام الثقة بسبب بعض الممارسات
الإلكترونية.
التأثر بالأفكار والسلوكيات المنحرفة: إذ
تحمل بعض المنصات محتويات تخالف القيم الدينية والأخلاقية، وتسعى إلى تطبيع بعض السلوكيات
غير المقبولة.
التأثر بالشائعات والمعلومات المضللة: مما
قد يؤثر في الوعي الأسري ويؤدي إلى اتخاذ مواقف أو قرارات مبنية على معلومات غير صحيحة.
الأضرار النفسية والصحية: كالتوتر والقلق
واضطرابات النوم وضعف التركيز، وهي آثار تنعكس بدورها على العلاقات الأسرية وجودة الحياة
داخل المنزل.
إضعاف الرقابة الأسرية: حيث يصعب على بعض
الآباء والأمهات متابعة ما يتعرض له الأبناء من محتويات وعلاقات عبر الفضاء الرقمي.
تراجع قيم الاحترام والحياء والمسؤولية:
بسبب الاعتياد على بعض أنماط الخطاب والسلوك المنتشرة في العالم الافتراضي، والتي قد
لا تنسجم مع أخلاق الأسرة المسلمة.
الآثار السلبية لسوء استخدام الإنترنت على
استقرار الأسرة
إن من أخطر الآثار السلبية لسوء استخدام
الإنترنت ما ينعكس على الحياة الزوجية من اضطرابات ومشكلات قد تهدد استقرار الأسرة
وتماسكها، فبعض الممارسات المحرمة عبر الشبكة، كالمحادثات الخاصة المشبوهة، أو إقامة
العلاقات العاطفية غير المشروعة، أو متابعة المحتويات الإباحية، تؤدي إلى زعزعة الثقة
بين الزوجين وإثارة الشكوك والريبة، مما يفتح أبواب الخلاف والنزاع داخل البيت.
وتُعَدُّ مشاهدة المواقع الإباحية من أكثر
الأسباب التي تُحدث خللًا في العلاقة الزوجية؛ إذ تُكوِّن لدى بعض الأشخاص تصورات غير
واقعية عن الحياة الزوجية، وتضعف الرضا بالطرف الآخر، وتؤدي إلى الفتور العاطفي والنفور
بين الزوجين، فضلًا عما تتركه من آثار نفسية وأخلاقية خطيرة. ولذلك فإن الحفاظ على
استقرار الأسرة يقتضي غض البصر، وصيانة النفس عن المحرمات، واستثمار وسائل التقنية
فيما ينفع، حتى تبقى العلاقة الزوجية قائمة على المودة والرحمة والثقة المتبادلة.
حفظ الغيب أساس الثقة بين الزوجين في مواجهة
مخاطر الإنترنت
من القيم العظيمة التي أرساها الإسلام لحماية
الحياة الزوجية واستقرارها قيمة حفظ الغيب، وهي أن يحفظ كلٌّ من الزوجين الآخر في غيبته،
فيصون عرضه وسمعته وخصوصيته، ويؤدي حقوقه بعيدًا عن أعين الناس. وقد أثنى الله تعالى
على الزوجات الصالحات بقوله: ﴿فَٱلصَّٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتࣱ لِّلۡغَیۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ﴾ [النساء:
٣٤]، أي حافظات لحقوق أزواجهن وأنفسهن في حال غيبة الأزواج كما في حال حضورهم.
وفي عصر الإنترنت تزداد الحاجة إلى استحضار
هذا المعنى؛ إذ إن كثيرًا من المشكلات الزوجية تبدأ من خيانة هذا المبدأ، سواء عبر
المحادثات الخاصة المحرمة، أو إقامة العلاقات المشبوهة عبر وسائل التواصل، أو متابعة
المواقع الإباحية التي تفسد القلب وتضعف الرضا بالحياة الزوجية، فهذه الممارسات تهز
الثقة بين الزوجين، وتُضعف مشاعر المودة والرحمة، وقد تفضي إلى الشقاق والنفور والتفكك
الأسري، ومن ثم فإن حفظ الغيب اليوم لا يقتصر على السلوك في الواقع فحسب، بل يشمل أيضًا
السلوك في العالم الرقمي، بحيث يراقب المسلم ربه فيما يشاهده ويتابعه ويتواصل من خلاله،
محافظًا على أمانة الأسرة وحرمة العلاقة الزوجية.
الثوابت والقيم فوق تأثير الإعلام الرقمي
إن الإعلام الرقمي بما يملكه من سرعة انتشار
وتأثير واسع أصبح قادرًا على تشكيل كثير من الآراء والاتجاهات والسلوكيات، لكنه لا
ينبغي أن يتحول إلى مرجع يُحدِّد للناس ما هو حق وما هو باطل، أو ما هو مقبول وما هو
مرفوض. فالثوابت الدينية والقيم الأخلاقية ليست نتاجًا للموضة الفكرية أو التوجهات
الإعلامية المتغيرة، وإنما هي مبادئ راسخة تستمد قوتها من الوحي والفطرة السليمة والخبرة
الإنسانية المتراكمة؛ ومن هنا كان واجب الأسرة أن تغرس في نفوس أبنائها أن كثرة المتابعين،
أو شيوع فكرةٍ ما على المنصات الرقمية، لا يجعلها صحيحة بالضرورة، وأن معيار الحق لا
يُقاس بانتشاره، بل بموافقته للقيم والمبادئ الصحيحة.
ومن أهم صور التربية في هذا العصر أن نُنشئ
أبناءنا على الوعي النقدي الذي يمكّنهم من التعامل مع المحتوى الرقمي دون انبهار أو
تبعية، فيدركون أن وسائل الإعلام والتواصل أدواتٌ تنقل الأفكار ولا تصنع الحقيقة، وأن
المسلم يزن ما يراه ويسمعه بميزان دينه وأخلاقه وعقله، فإذا ترسخت هذه القناعة في نفوسهم
أصبحوا أكثر قدرة على مقاومة الضغوط الفكرية والسلوكية، وأشد تمسكًا بهويتهم وقيمهم،
فلا تزعزعهم حملات التأثير، ولا تجرفهم موجات التقليد، بل يبقون ثابتين على مبادئهم،
مستفيدين من التقنية دون أن يكونوا أسرى لها.
ليس كل ما يُسمع ويُشاهد يصح التحديث به
من الآفات في زماننا نقل ما يُسمع في وسائل
التواصل الاجتماعي بغير تثبت أو تحرٍّ، ورب العالمين قد أمرنا بالتثبت قبل نقل الوقائع
والأحداث فقال: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ إِن جَاۤءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإࣲ فَتَبَیَّنُوۤا۟ أَن تُصِیبُوا۟ قَوۡمَۢا
بِجَهَٰلَةࣲ فَتُصۡبِحُوا۟ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِینَ﴾
[الحجرات: ٦].
وقال رسول الله ﷺ: «كَفي بِالْمَرْءِ إِثْمًا، أَنْ يُحَدِّثَ
بِكُلِّ مَا سَمِعَ» [سنن أبي داود وصحيح ابن حبان].
فينبغي التثبت في الأقوال وعدم حكايتها
إلا بعد ثبوت صحتها، وقد رأينا علماء الأمة يتورعون عن ذكر بعض المساوئ، ولا يقولون
بجواز حكايتها وذكرها ما دامت غير صحيحة ومخالفة للمنهج والنسق العلمي المعروف، فيقول
العلماء في مواطن: "لم أستحسن حكايتها"، ويقول آخر: "لم أستجز حكايتها"،
ويقول ثالث: "ليس هذا محل حكايتها".
فمن الحكمة أن تخاطب الناس على قدر عقولهم،
وليس كل ما تسمعه تحدث الناس به، وقد قال سيدنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «مَا
أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ، إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ
فِتْنَةً» [رواه مسلم].
إجراءات عملية للحد من ظاهرة إدمان وسائل
التواصل الاجتماعي وأثرها على الأسرة
تنظيم أوقات الاستخدام: بوضع مدة زمنية
محددة لتصفح وسائل التواصل، والالتزام بها يوميًا دون تجاوز.
إغلاق الإشعارات غير الضرورية: التي تدفع
إلى التحقق المستمر من الهاتف وتشتت الانتباه عن الواجبات الأسرية.
تخصيص أوقات خالية من استخدام الهاتف داخل
المنزل: كأوقات الطعام والجلسات العائلية والزيارات الأسرية.
مراقبة مدة الاستخدام: من خلال التطبيقات
المخصصة لذلك، ومراجعة الوقت المستهلك أسبوعيًا لتقويم السلوك.
استبدال جزء من الوقت الرقمي بأنشطة واقعية:
مثل القراءة، والرياضة، والأعمال التطوعية، والهوايات النافعة.
الامتناع عن استخدام الهاتف قبل النوم وبعد
الاستيقاظ مباشرة: لما لذلك من أثر في تحسين الصحة النفسية والعلاقات الأسرية.
التحلي بالوعي النقدي تجاه ما يُنشر في
وسائل التواصل: وعدم الانسياق خلف الشائعات أو المحتويات التي تضعف القيم الأسرية والأخلاقية.
الحرص على الصحبة الرقمية الصالحة: بمتابعة
الحسابات النافعة وإلغاء متابعة الصفحات التي تضيع الوقت أو تروج للسلوكيات السلبية.
استحضار المسؤولية الشرعية والأخلاقية في
استثمار الوقت: فالمسلم مسؤول عن عمره فيما أفناه، وعن وقته في أي شيء اغتنمه.
المشاركة في الأنشطة الأسرية الجماعية:
كالرحلات والزيارات والبرامج الثقافية؛ لتقوية الروابط العائلية وتقليل الاعتماد على
التواصل الإلكتروني.
مراجع للاستزادة:
رسالة المسترشدين، للإمام المحاسبي.
الرسالة القشيرية، للإمام القشيري
إحياء علوم الدين، للإمام الغزالي.
موضوعات مختارة
سُعار الغلو وسراب القوة
الإرهاب والتطرف
سُعار الغلو وسراب القوة