recent
أخبار عاجلة

الحكمة من تأخر مشروعية صيام تاسوعاء

الحكمة من تأخر مشروعية صيام تاسوعاء

  

لماذا لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم بصيام يوم التاسع مع عاشوراء إلا قبل وفاته بعام مع أن خروج اليهود من المدينة كان قبل ذلك بكثير؟؟

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

 تأخر تشريع صوم "تاسوعاء" (اليوم التاسع من شهر محرم) إلى العام الأخير من حياة النبي ، ليتحقق مقصد مخالفة أهل الكتاب. 

في البداية، كان النبي يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يُؤمر فيه بشيء لتأليفهم، فكان يصوم "عاشوراء" (اليوم العاشر) اقتداءً بصيام نبي الله موسى عليه السلام شكراً لله. 

فلما استقر أمر الإسلام، واتسعت دولة الإسلام بالمدينة، وأصبح للمسلمين كيانهم المستقل، أراد النبي تمييز العبادات الإسلامية، فأعلن في أواخر حياته عزمه على صيام التاسع مع العاشر ليخالف اليهود الذين يكتفون بصيام العاشر وحده.  

وذكر الحافظ ابن حجر في الفتح، حيث قال: ولأحمد مرفوعا عن ابن عباس: صوموا عاشوراء، خالفوا اليهود، صوموا يوما قبله أو يوما بعده، وهذا كان في آخر الأمر، وقد كان صلى الله عليه وسلم يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء ولا سيما إذا كانت فيما يخالف أهل الأوثان، فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام، أحب مخالفة أهل الكتاب أيضا كما ثبت في الصحيح، فهذا من ذلك، فوافقهم أولا وقال:" نحن أحق بموسى منكم، ثم أحب مخالفتهم فأمر بأن يضاف إليه يوم قبله ويوم بعده خلافا لهم. انتهى.

وعليه، فإنه صلى الله عليه وسلم هم بصيام التاسع مع عاشوراء مخالفة لليهود حينما انتشر أمر الإسلام وكثر أتباعه، في حين أنه قبل ذلك كان يحب موافقتهم فيما ليس فيه أمر أو نهي من الله تعالى

 

ويمكن تلخيص حكمة تأخر هذا التشريع والأسباب التي أوردها العلماء في النقاط التالية:

إرساء أصول العقيدة أولاً: 

في العهد المكي وبداية الهجرة، كان التركيز منصباً على غرس أصول التوحيد والإيمان، ثم تدرج التشريع في العهد المدني ففرض الله صيام رمضان، وفي أواخر حياته شُرع صوم تاسوعاء.  

تحقيق مبدأ المخالفة:

لتأكيد الاستقلالية التامة للمسلمين في شعائرهم وعباداتهم عن اليهود والنصارى، حيث قال النبي :"لَئِنْ بَقِيتُ إلى قابِلٍ لأَصُومَنَّ التَّاسِعَ" 

الاحتياط للعبادة: 

من حكمة التشريع أيضاً الاحتياط في تحديد يوم عاشوراء، خشية حدوث خطأ في رؤية هلال شهر محرم، فيكون صيام التاسع والعاشر ضماناً لإدراك فضل اليوم الحقيقي.  

من الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك:

1. حديث ابن عباس رضي الله عنهما:

«قَدِمَ النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فرأى اليهود تصوم يوم عاشوراء، فقال: ما هذا؟ قالوا: هذا يومٌ صالح، هذا يومٌ نجَّى الله بني إسرائيل من عدوهم، فصامه موسى. قال: فأنا أحقّ بموسى منكم. فصامه، وأمر بصيامه"(البخاري   ومسلم ).

2. حديث ابن عباس أيضًا:

«ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتحرى صيام يوم فضله على غيره إلا هذا اليوم، يوم عاشوراء"(البخاري).

3. وفي رواية:

«وصيامه يُكفِّر سنة ماضية"(مسلم عن أبي قتادة).

 ثانيًا: هل استمر النبي على صيامه بعد فرض رمضان؟

نعم، لكنه لم يفرضه على الأمة، وإنما بقي مستحبًّا مؤكدًا، كما جاء في:"لما فُرض رمضان، قال النبي : من شاء صام (عاشوراء)، ومن شاء أفطر"(البخاري ، مسلم).

وهذا يدل على ارتفاع وجوبه وبقاء فضله.

  ثالثًا: هل هناك تعارض بين صيام عاشوراء والتشبه باليهود؟

النبي لما عَلِم أن اليهود يصومونه، لم يتركه بل قال:"نحن أحقّ بموسى منكم”، ثم صامه.

لكنه حرص على مخالفتهم في الصيام بعد ذلك، فقال:"لئن بقيتُ إلى قابل، لأصومنّ التاسع"(مسلم ).

ومن هنا استحب العلماء أن يُصام معه:

يوم 9 فقط (تاسوعاء) + عاشوراء

  أو عاشوراء فقط

  أو عاشوراء + يوم 11 (مخالفةً لليهود والنصارى)

 رابعًا: رأي العلماء والمذاهب

جمهور العلماء من المالكية والحنفية والشافعية والحنابلة:

يُقرون باستحباب صيام عاشوراء، واستدلوا بالأحاديث الصحيحة.

  وبعضهم كره الاقتصار عليه فقط خشية التشبه باليهود.

  ابن قدامة في المغني:

 عاشوراء يومٌ عظيم، يكفِّر ذنوب السنة الماضية بصيامه، وهذا فضل عظيم 

  النووي في شرح مسلم:"فيه استحباب صيام يوم عاشوراء، وأنه سنة لا فرض"

  خامسًا: إسقاط على الواقع المعاصر

بعض الشبهات المنتشرة اليوم على مواقع التواصل تزعم أن:" صيام عاشوراء بدعة أموية!

  أو أن الأحاديث فيه موضوعة لتغييب واقعة كربلاء.

وهذا خلط بين السياسة والتشريع:

  صيام عاشوراء سُنّة نبوية سابقة على مقتل الحسين رضي الله عنه بسنوات.

  من يربط صيام عاشوراء بمقتل الحسين، فهو خلط بين التاريخ والعبادة.

  أهل السُّنة يصومون يوم عاشوراء محبة في سنة النبي ، لا شماتة ولا سياسة.

 خلاصة الجواب:

 نعم، صيام يوم عاشوراء ثابت في الصحيحين، وهو سنة مؤكدة، مستحب بشدة، ويكفِّر ذنوب سنة ماضية.

  وأفضل أن يُصام معه يوم قبله (9 محرم)، أو بعده (11) مخالفةً لأهل الكتاب.

  وما يُروّج من تضعيف أو تشكيك لا أصل له في ميزان علم الحديث


google-playkhamsatmostaqltradent