recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي الشيخ ثروت سويف

  سلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي  

 



 سلامة الصدر وجمال الجوهر وأثرها على السلم المجتمعي

 فاصفح الصفح الجميل

 احذروا منابر اليأس

 

الحمد لله الحي الباقي... الذي أضاء نوره الآفاق... ورزق المؤمنين حسن الأخلاق...

نحمده تبارك وتعالى ونستعينه ونعوذ بنور وجهه الكريم من ظلمات الشك والشرك والشقاق...

وأشهد أن لا إله إلا الله القوى الرزاق الذي أنعم علينا بنور الإسلام وشرح صدورنا ويسر أمورنا وقضى حوائجنا فلله الحمد وله الشكر وله الحكم العدل يوم يكشف عن ساق ....

وأشهد أن سيدنا محمداً عبدهورسوله المتمم لمكارم الأخلاق... الذي قال: فيما روى أبو داود عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يُبَلِّغْني أحدٌ منكم عن أصحابي شيئًا؛ فإنِّي أُحِبُّ أنْ أخرُجَ إليكم وأنا سَليمُ الصَّدْرِ )

فهو الذي أسلم لربه وأناب وسلمه الله من درن الجاهلية فكان المصطفى المختار أحسن الخلق سيرة وأنقاهم سريرة علي الإطلاق

 اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان الي يوم التلاق.

أما بعد

فإن من مقاصد الشريعة الإسلامية : تربية الناس على سلامة الصدر مخبرًا والعفو والصفح مظهرًا، والرقي بنفس المسلم عبر مدارج الجمال الخُلُقي لتبلغ أسمى منازله

قال الإمام: الشَّوكاني: (وأما سَلَامة الصَّدر، فالمراد به: عدم الحقد والغل والبغضاء ).

وقال ابن تيمية: ( فالقلب السَّليم المحمود، هو الذي يريد الخير لا الشَّر، وكمال ذلك بأن يعرف الخير والشَّر، فأمَّا من لا يعرف الشَّر، فذاك نقص فيه لا يُمدح به ) الفتاوى الكبرى.

أولاً: جمال الجوهر وسلامة الصدر وأثرها في السلم المجتمعي.

أيها الأحبة الكرام : إن سلامة الصدر ان يكون المؤمن طاهر النفس، نقى، تقى القلب، رقيق المشاعر رقراق العواطف، فالمؤمن ينام على فراشه آخر الليل – يشهد الله فى عليائه - أنه لا يحمل ذرة حقد، أوغل، أو حسد لمسلم على وجه الأرض البتة ، والنبى يقول كما فى الصحيحين من حديث أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لاَ تَبَاغَضُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ»

إن الحقد والحسد من أخطر أمراض القلوب والعياذ بالله، فيرى الأخ أخاه فى نعمة، فيحقد عليه ويحسده، ونسي هذا الجاهل ابتداءً أنه لم يرض عن الله الذى قسم الأرزاق، فليتق الله وليعد إلى الله سبحانه وتعالى، وليسأل الله الذى وهب وأعطى أن يهبه ويعطيه من فضله، وعظيم عطائه، ويردد مع هؤلاء الصادقين ( رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلاً لِلَّذِينَ ءَامَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ [ الحشر: 10 ].

وانظر الي قلوب الأنصار فقد قال الله فيهم: وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [ الحشر: 9 ].

الجنة لأهل سلامة الصدر.

فيا عباد الله : اتقوا الله تعالى وتوبوا إليه واعلموا سلامة الصدر من صفات اهل الجنة قال تعالي (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43) الاعراف

روى ابن ماجة عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، قَالَ: قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ النَّاسِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ، صَدُوقِ اللِّسَانِ» ، قَالُوا: صَدُوقُ اللِّسَانِ، نَعْرِفُهُ، فَمَا مَخْمُومُ الْقَلْبِ؟ قَالَ: «هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ، وَلَا بَغْيَ، وَلَا غِلَّ، وَلَا حَسَدَ»

إمام المرسلين وسلامة القلب:

في حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت : ((يا رسولَ اللهِ! هل أتى عليك يومٌ كان أشدَّ من يومِ أُحُدٍ؟ فقال ( لقد لقيتُ من قومِك. وكان أشدَّ ما لقِيتُ منهم يومَ العقبةِ. إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ يا ليلِ بنِ عبدِ كلالٍ. فلم يُجِبْني إلى ما أردتُ. فانطلقتُ وأنا مهمومٌ على وجهي. فلم أَستَفِقْ إلا بقرنِ الثعالبِ. فرفعتُ رأسي فإذا أنا بسحابةٍ قد أظلَّتْني. فنظرتُ فإذا فيها جبريلٌ. فناداني. فقال: إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ قد سمع قولَ قومِك لك وما رَدُّوا عليكَ. وقد بعث إليك ملَكَ الجبالِ لتأمرَه بما شئتَ فيهم. قال: فناداني ملكُ الجبالِ وسلَّم عليَّ. ثم قال: يا محمدُ! إنَّ اللهَ قد سمِع قولَ قومِك لكَ. وأنا ملَكُ الجبالِ. وقد بعثَني ربُّك إليك لتأمرَني بأمرِك. فما شئتَ؟ إن شئتَ أن أُطبقَ عليهم الأخشبَينِ ). فقال له رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ( بل أرجو أن يخرجَ اللهُ من أصلابِهم من يعبدُ اللهَ وحدَه، لا يشركُ به شيئًا ). البخاري ومسلم

أي قلب يحتمل كل هذا؟

أين نفس أعظم من هذه؟

أي رجل يقاسي مثل هذا؟

إنه القدوة صلى الله عليه وسلم، يسجل من الصحراء منهج الخيرية لجميع البشر من غاب ومن حضر، ويسجل قوة الهدف وسلامة المبادئ لمن حاد وعبث وفسد وأفسد، يعطي لكل حقود وحسود درساً عبودياً يحاسب عليه عندما يلقى ربه بقلب عفن ملئ بأوثان الجاهلية والعقائد الفلسفية والأخلاق الرذيلة.

وفى مسند أحمد بسند جيد عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ، قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ ذَلِكَ، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى. فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا، فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى، فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ: إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ أَنَسٌ: وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ، فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَكَبَّرَ، حَتَّى يَقُومَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ إِلَّا خَيْرًا، فَلَمَّا مَضَتِ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْقِرَ عَمَلَهُ، قُلْتُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي  لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ، وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَارٍ: «يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ» فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ، فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ، فَأَقْتَدِيَ بِهِ، فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ، فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ. قَالَ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي، فَقَالَ: مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ، غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا، وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ، وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ

إن سلامة الصدر من الغل والحسد بلغت بهذا الرجل أن يشهد له رسول الله بالجنة، وهو فى الدنيا.. يا لها من كرامة.

ان الإسلام يحارب الأحقاد، ويرتقي بالمجتمع المؤمن إلى حد مستوى رفيع من الاخوة المتبادلة والمعاملة العادلة، فإنه من دلائل الصغار وخسة الطبع أن يرسب الغل في أعماق النفس، ثم يدفع صاحبه إلى إيذاء الآخرين والإفساد فيما بينهم بشتى ألوان الإفساد، فقد روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشِرَارِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى، إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «فَإِنَّ شِرَارَكُمُ الَّذِي يَنْزِلُ وَحْدَهُ، وَيَجْلِدُ عَبْدَهُ، وَيَمْنَعُ رِفْدَهُ» ، قَالَ: «أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مَنْ يُبْغِضُ النَّاسَ وَيُبْغِضُونَهُ» ، قَالَ: «أَوَ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى إِنْ شِئْتَ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «الَّذِينَ لَا يَقْبَلُونَ عَثْرَةً، وَلَا يَقْبَلُونَ مَعْذِرَةً، وَلَا يَغْفِرُونَ ذَنْبًا» ، قَالَ: «أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ؟» قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «مَنْ لَا يُرْجَى خَيْرُهُ، وَلَا يُؤْمَنُ شَرُّهُ» رواه الطبراني

إنها أطوار الحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته وقد أحس الناس به من قديم حتى في جاهليتهم حين قال عنه عنترة :

لا يَحمِلُ الحِقدَ مَن تَعلو بِهِ الرُتَبُ       وَلا يَنالُ العُلا مَن طَبعُهُ الغَضَبُ

إِنَّ الأَفاعي وَإِن لانَت مَلامِسُها           عِندَ التَقَلُّبِ في أَنيابِها العَطَبُ

فهذه أطوار للحقد عندما تتضاعف علته وتفتضح سوأته، ولا عجب فمن قديم أحس الناس حتى في جاهليتهم: أن الحقد صفة الطبقات الدنيا من الخلق وأن ذوي المروءات يتنزهون عنها

لذلك أيها المسلمون : حرم الله تعالى الحسد علي لسان نبيه والحديث رواه البيهقي في شعب الايمان عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: " إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ فَإِنَّ الْحَسَدَ يَأْكُلُ الْحَسَنَاتِ كَمَا تَأْكُلُ النَّارُ الْحَطَبَ " وحرم الغل والحقد، وحرم الغيبة والنميمة، وحرم البذاءة والجفاء روي الإمام أحمد في مسنده عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ , وَلَمْ يَدْخُلْ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ ، فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ ، وَمَنْ يَتَّبِعْ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ " .

أيها الإخوة لقد أمر الله بالإيثار والتعاون، وحث على المحبة وتقديم الخير وإشاعته في المجتمع ليكون ذلك شفاء للصدور: يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون .

ألا فاتقوا الله رحمكم الله؛ فمن أراد الثواب الجزيل الذكر الجميل وراحة القلب فليحلم على الجاهل، وليعفو عن المعتدي وليقبل الصلح قال الله ( فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [الشورى:4].

ثانياً : فاصفح الصفح الجميل

عباد الله ان غاية الناس دخول الجنة وقد يظنُّ الظانُّ أنهم حين يدخلون الجنةَ فلن يكونوا من خيارِ أهلِها وذلك ليُسْرِ عملهم. ولكن الحقيقةَ أنهم يتربعون على عرشِ الأفضليةِ بين الناس بشهادةِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم.

وقد ذكرنا الحديث الذي قيل فيه لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليْهِ وسلَّمَ: أيُّ الناسِ أفضلُ؟

فقال: (كلُّ مخمومِ القلبِ صدوقِ اللسانِ)

قالوا: صدوقُ اللسانِ نعرفُه فما مخمومُ القلبِ؟

قال: (هو التقيُّ النقيُّ لا إثمَ فيه ولا بغيَ ولا غِلَّ ولا حسدَ).

لقد حَثَّ القرآن الكريم على التحلِّي بخُلُق الصفح، ورتَّب عليه أجمل العواقب في الدنيا والآخرة، ثم إنه طلب من المؤمنين أن يأخذوا أنفسهم بالمجاهدة والدربة والتربية، ليرتقوا بها عبر منازل هذا الخُلُق، حتى تبلغ منزلة "الصفح الجميل"، قال الله تعالى مخاطبًا نبيَّه الكريم صلى الله عليه وسلم، وأمته تبعًا له: ﴿ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ * إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ﴾ [الحجر: 85، 86].

ومعنى الصفح الجميل : هو الذي لا عتاب معه ولا يصحبه تأنيب، ولا توبيخ، ولا تثريب، ولا تذكير المسيء بإساءته؛ فإن العتاب والتأنيب والتثريب، كل ذلك يذهب بجمال الصفح وكماله.

إن العَفوُ هُوَ: تَركُ المُؤَاخَذَةِ بِالذَّنبِ، وَالصَّفحُ هُوَ: إِزَالَةُ أَثَرِهِ مِنَ النَّفسِ؛ ولقد أمر الله نبيه بهذا الخلق، فقال: ﴿ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [المائدة: 13].

واصبِر بغَيرِ تَسَخُّطٍ وشَكَايَةٍ *** واصفَح بِغَيرِ عِتَابِ مَن هُوَ جَانِ

وقد ساق القرآن الكريم نموذجًا عمليًّا تطبيقيًّا لهذا الخُلُق الجميل، من خلال عرضه لقصة نبي الله يوسف عليه السلام، حيث نطالع مظهرًا من مظاهر الجمال الذي عُرِف به هذا النبي الكريم، وهو- إضافة إلى جمال الخَلْق- جمال الخُلُق، ومنه: الصفح الجميل. وذلك في صفحه وعفوه عن إخوته بلا تثريب ولا عتاب لمَّا أقروا بين يديه بخطئهم في حقِّه، وأظهروا الندم، وطلبوا العفو والصفح ﴿ قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ * قَالُوا أَإِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ * قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ ﴾ [يوسف: 89 – 91]

 فعفا عنهم وصفح صفحًا جميلًا؛ إذ لم يعتب ولم يوبِّخ ولم يثرِّب؛ بل ﴿ قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]

قال الشيخ السعدي: "أي: لا أثرِّبُ عليكم ولا ألومُكم ﴿ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ فسمح لهم سماحًا تامًّا من غير تعيير لهم على ذكر الذنب السابق، ودعا لهم بالمغفرة والرحمة، وهذا نهاية الإحسان الذي لا يتأتَّى إلا من خواصِّ الخَلْق، وخيار المصطفين".

ولله در القائل

كُنْ قَابِلَ الْعفو ، وَاغْفِرْ زَلَّةَ النَّاسِ     وَلَا تُطِعْ يَا لَبِيباً أَمْرَ وَسْوَاسِ

فَاللهُ يَكْرَهُ جَبَّاراً يُشَارِكُهُ                وَيَكْرَهُ اللهُ عَبْداً قَلْبُهُ قَاسِي

هَلَّا تَذَكَّرْتَ يَوْماً، أَنْتَ مُدْرِكُهُ             يَوْمَ الْوَدَاعِ شَدِيدَ الْبَطْشِ وَالْبَاسِ.              

وَيَوْمَ يَضْعوكَ فِي الْقَبْرِ الْمُخِيفِ       وَقَدْ رَدُّوا التُّرَابَ بِأَيْدِيهِمْ وَبِالْفَاسِ

وَيَوْمَ يَبْعَثُنَا، وَالْأَرْضُ هَائِجَةٌ         وَالشَّمْسُ مُحْرِقَةٌ، تَدْنُو مِنَ الرَّاسِ

يَفِرُّ كُلُّ امْرِئٍ مِنْ غَيْرِهِ فَرَقاً            هَلْ أَنْتَ ذَاكِرُ هَذَا الْيَوْمِ أَمْ نَاسِي؟!

سَيُرْسِلُ اللهُ أَمْلَاكاً مُنَادِيَةً.             هَيَّا تَعَالَوْا لِرَبٍّ مُطْعِمٍ كَاسِي. 

هَيَّا تَعَالَوْا إِلَى فَوْزٍ وَمَغْفِرَةٍ         هَيَّا تَعَالَوْا إِلى بِشْرٍ وَإِينَاسِ

أَيْنَ الذِينَ عَلَى الرَّحْمَنِ أَجْرُهُمُ       فَلَا يَقُومُ سِوَى الْعَافِي عَنِ النَّاسِ

وإن الله عفو غفور يحب العفو

وإن منازل العفو ثلاث قال الله سُبحَانَهُ وَتَعَالَى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [آل عمران:134] فهي ثلاث منازل للأولياء.

المنزلة الأولى: منزلة الكظم: أن تكظم غيظك عن الناس لكنك قد تحمل في قلبك عليهم غلاً وحسداً وحقداً، وهذه منزلة لا بأس بها.

المنزلة الثانية: منزلة أن تعفو عنهم، فلا تعاتبهم ولا تؤذيهم، وهذه منزلة ثانية أحسن.

والمنزلة الثالثة: والله يحب المحسنين، أن تعفو عنهم ولا تؤذيهم ولا تحمل عليهم، وتنفعهم وتهدي لهم.

دخل رجل على عمر بن عبد العزيز، فذكر له عن رجل شيئًا، فقال له عمر: إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبًا فأنت من أهل هذه الآية {إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات 6]،

وإن كنت صادقًا فأنت من أهل هذه الآية [ هماز مشاء بنميم ]، وإن شئت عفونا عنك. فقال: العفو يا أمير المؤمنين، لا أعود إليه أبدًا.

العفو من شيم الكرام

وهذا سيدنا علية بن يزيد وكان من الباكين الذين جاءوا الي النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك فَاسْتَحْمَلُوا رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَكَانُوا أَهْلَ حَاجَةٍ فَقَالَ: ((لا أَجِدُ مَا أُحَمِّلُكُمْ عَلَيْهِ)) . فَتَوَلَوُا يَبْكُونَ وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حُزْناً أَلا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ.

وَقَامَ عُلَيَّةُ بنُ يَزِيد فَصَلَّى مِنْ اللَّيْلِ وَبَكَى وَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ وَرَغَبَّتْ فِيهِ ثُمَّ لَمَ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَّوَى بِهِ مَعَ رَسُولِكَ وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِكَ مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ ثُمَّ أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ فَقَالَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم: ((أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلَةِ)) ؟ فَلَمْ يَقُمْ إِلَيْهِ أَحَدٌ قَالَ: ((أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ فَلْيَقُمْ)) . فَقَامَ إِلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((أَبْشِرْ فَوَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ ‌كُتِبَتْ ‌فِي ‌الزَّكَاةِ ‌الْمُتَقَبَّلَةِ)) . فَفِي هَذَا مُعْجِزَةٌ مِنْ مُعْجِزَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وَذَلِكَ بِإِخْبَارِهِ الْمُتَصَدِّق) الجامع الصحيح للسنن والمسانيد

وسبَ أحدُهم أعرابياً ، وقالَ له ، يا أعرابيُ ، هأنذا ، أسبُك وأشتُمك ، فقال الأعرابيُ ، يا هذا ، لا تُغرق فيَّ سباً ، ودعْ للصُلحِ موضعاً ، فإني أبيتُ مشاتمةَ الرجالِ صغيراً ، فلن أفعلَها كبيراً ، وإني لا أُكافيُ من عصي اللهَ فيَّ ، بأكثرَ من أن أُطيعَ اللهَ فيه

والعفو: كفّ الضّرر مع القدرة عليه، وكلّ من استحقّ عقوبة فتركها فهذا التّرك عفو .

 والكاظم غيظه مع قدرته على إنفاذه موعود على لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بخير جزيل، عَنْ مُعَاذٍ، بن أنس الجهني أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " ‌مَنْ ‌كَظَمَ ‌غَيْظًا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ، دَعَاهُ اللهُ تبارك وتعالى عَلَى رُؤُوسِ الْخَلَائِقِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ مِنْ أَيِّ الْحُورِ شَاءَ ") رواه الترمذي(2021)

والعفو عن الزلات والهنات والمظلمات ليس ضعفاً ولا نقصاناً، بل هو رفعة لصاحبها وعزاً . 

روي الإمام أحمد عَن أَبِي هُرَيرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنهُ عَن رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «مَا نَقَصَت صَدَقَةٌ مِن مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبدًا بِعَفوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ اللهُ» مسلم

عَن عَبدِاللَّهِ بنِ عَمرِو عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ وَهُوَ عَلَى المِنبَرِ: «ارحَمُوا تُرحَمُوا، وَاغفِرُوا يَغفِرِ اللَّهُ لَكُم، وَيلٌ لِأَقمَاعِ القَولِ، وَيلٌ لِلمُصِرِّينَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُم يَعلَمُونَ». رواه أحمد في مسنده

وروى الحاكم في مستدركه وعن عبادة بن الصامت عن أبي بن كعب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من سره أن يشرف له البنيان وترفع له الدرجات فليعف عمن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه).

وروى من طريق الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كان يوم القيامة نادى مناد يقول: أين العافون عن الناس؟ هلموا إلى ربكم وخذوا أجركم، وحق على كل امرئ مسلم إذا عفا أن يدخل الجنة) يارب نسأله ذلك.

ورُوِيَ عَن أَبِي بَكرٍ رَضِيَ اللهُ عَنهُ أَنهُ قَالَ: بَلَغَنَا أَن اللهَ تعالى يَأمُرُ مُنَادِيًا يَومَ القِيَامَةِ، فَيُنَادِي: مَن كَانَ لَهُ عِندَ اللهِ شَيءٌ فَليَقُم، فَيَقُومُ أَهلُ العَفوِ، فَيُكَافِئُهُمُ اللهُ بِمَا كَانَ من عَفوِهِم عن الناسِ[إحياء علوم الدين].

وقال نبيُّنا فيما رواه عن       الرحمن في علم الغيوبِ

محالٌ أن ينال العفو من لا    يمنُّ به على أهل الذُّنوبِ

وسطر السلف الصالح من مواقف العفو والصفح أعظم الصور الرائعة التي حفظها الدهر، يَقُولُ الحَسَنُ بن علي رَضِيَ اللهُ عَنهُما: لَو أَنَّ رَجُلَاً شَتَمَنِي فِي أُذُنِي هَذِهِ، وَاعتَذَرَ إلَيَّ فِي أُذُنِي الأُخرَى، لَقَبِلتُ عُذرَهُ

ويروى عن عمر بن عبد العزيز أنه خرج رضي عنه وهو خليفة للمسلمين في وسط الليل، يريد أن يصلي في مسجد بني أمية الجامع في دمشق، وكان يخرج وحده في الليل يتفقد أمور الناس، وربما صلى في المسجد، وربما زار المقبرة، وكان هو الخليفة الوحيد في تلك الفترة خليفة المسلمين رضي الله عنه من المغرب إلى نهر السند شرقاً، [[فلما خرج ودخل المسجد في الظلام وطأ برجله أحد النوام، فقال: من هذا الحمار الذي وطأني؟ فقال عمر بن عبد العزيز: أنا عمر بن عبد العزيز ولست بحمار، ثم صلى رضي الله عنه، وانصرف]].

فيقول العلماء: "إنها من حسناته الفريدة التي يرى أنها قليلة لا يلتفت إليها بل هي من أعظم الحسنات؛ لأن أهل السلطان يغضبون على أي شيء، وأما هذا فرضي الله عنه، ما غضب" ولذلك يقولون: إنه من سلالة عمر رضي عنه وهم دائماً من أشد الناس في الحق، لكنهم من أعظم الناس عفواً عما يصلهم، أو ما يخص ذوات أنفسهم رضي الله عنهم.

ومن ثمار سلامة الصدر أن يتحول القلب إلى منبعٍ للخير العام، فيفرح بما ينفع المسلمين وإن لم يكن له فيه حظٌّ خاص أو مصلحة شخصية، وهذا ما جسَّده عبد الله بن عباس رضي الله عنهما حينما شَتَمَه رَجُلٌ فقال له: "إِنَّكَ ‌لَتَشْتُمُنِي ‌وَفِيَّ ‌ثَلَاثُ خِصَالٍ، إِنِّي لَآتِي عَلَى الْآيَةِ مِنْ كِتَابِ اللهِ -عز وجل- فأود أَنَّ النَّاسَ عَلِمُوا مِنْهَا مِثْلَ الَّذِي أَعْلَمُ، وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْحَاكِمِ مِنْ حُكَّامِ الْمُسْلِمِينَ يَقْضِي بالعدل ويحكم بالقسط فأفرح به وأدعو إليه، وَلَعَلِّي لَا أُقَاضِي إِلَيْهِ وَلَا أُحَاكِمُ أَبَدًا وَإِنِّي لَأَسْمَعُ بِالْغَيْثِ يُصِيبُ الْأَرْضَ مِنْ أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ فَأَفْرَحُ بِهِ وَمَا لِي بِهَا مِنْ سَائِمَةٍ أَبَدًا" [رواه البيهقي].

فإذا طهرت القلوب من الحسد والغل، وامتلأت بالنصيحة والمحبة، صارت أقرب إلى الله تعالى، وأعظم أثرًا في إصلاح الخلق، وكان صاحبها من أهل القلوب المخمومة التي أثنى عليها النبي ، وجعلها عنوانًا لأفضل الناس وأكرمهم عند الله

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم رب العرش العظيم لي ولكم

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده

واشهد أن لا إله إلا الله وحده واشهد أن محمداً نبيه وعبده اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه

أما بعد

فهناك نوع من الناس يبثون روح اليأس في الناس وهؤلاء يشكِّلون أحد عناصر الفساد والهلاك؛ إذ هم معاول هدم للهمم، وزرّاعون لليأس

روي الإمام احمد في مسنده عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا سَمِعْتُمْ رَجُلًا يَقُولُ: قَدْ ‌هَلَكَ ‌النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُمْ "

يَقُولُ فهو (أهلكَهم) بفعله حيث نشر اليأس بينهم، وهو (أهلكُهم) وأشدهم هلاكاً، حيث اقترف هذا الإثم، وزها بنفسه، واغتر بحاله

ألا قاتل الله اليأس كيف يصنع بأهله وبالناس، إنه داء جديد يزرعه العاجزون عن الإصلاح بين أفراد الأمة، خدمة مجانية لأعدائها

رابعاً : احذروا منابر اليأس

إن من المنابر الإعلامية ما يزرع اليأس؛ حين تلبس لباس الطبيب لتشخيص الداء، وتطرح تفاصيل صريحة تجذب المستمع والمشاهد؛ بانتقاء أمراض في الأمة، وتسلِّط الضوء على بعض الجروح بطريقة يخرج المتابع منها بجملة من الأدواء التي تزرع اليأس أو تمهد له، والتي منها

الأول: تفريغ شحنة النقد والتوهم بمعالجة قضية واقعية؛ مما يعدّ عند كثير من الناس سبباً كافياً لعدم إثارتها مرة أخري

ثانياً: خلل واضح في انتقاء المشكلات وتشكيل أولوياتها في عقل المتابع، وتضليل فكره عن أصولها ومصادرها، وتشتيته عن مشكلاته الحقيقية

ثالثاً: نشر ثقافة الوهن وحب الدنيا، والتصالح مع الضعف، واعتبار الحل الذكي هو القدرة على التعايش مع المصالح على حساب المبادئ استجابة للضغوط المادية؛ عند بروز حاجة أو طمع في متع الحياة وما تهوى النفوس.

وعند اختيار قضية ذات أهمية فإن العلاج لا يخلو من انتقائية وتضليل، وبُعد عن مسلَّمات وحقائق مهمة ليست ضمن قناعات تلك المنابر

الا فبشروا ولا تنفروا واذكركم بقول الحبيب المصطفي فيما روي الإمام مسلم بن الحجاج عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: « كَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا بَعَثَ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي بَعْضِ أَمْرِهِ قَالَ: ‌بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا ))

قال ابن رجب رحمه الله: «من مشى في طاعة الله على التسديد والمقاربة فليبشر، فإنه يصل ويسبق الدائب المجتهد في الأعمال، فليست الفضائل بكثرة الأعمال البدنية، لكن بكونها خالصة لله عز وجل صواباً على متابعة السنة، وبكثرة معارف القلوب وأعمالها. فمن كان بالله أعلم، وبدينه وأحكامه وشرائعه، وله أخوف وأحب وأرجى؛ فهو أفضل ممن ليس كذلك وإن كان أكثر منه عملاً بالجوارح» [المحجة في سير الدلجة]

ومن أعظم التوفيق أن يكون المؤمن مباركاً أين ما حلّ وارتحل، يتقرب إلى الله بعبادة تناسب الوقت أو المكان أو الحال بقول أو فعل أو احتساب أو ترك أو دعوة أو أمر.

وأعظم التوفيق أن يموت المؤمن وقد ختم حياته بخير أعماله مسلماً لله ظاهراً وباطناً عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: " إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ ‌خَيْرًا، ‌اسْتَعْمَلَهُ " قَالُوا: وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: " يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ مَوْتِهِ » مسند احمد

ولهذا كان من دعاء يوسف عليه السلام ( تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ) (يوسف: 101)

وأرجى ما يكون ذلك إذا علق العبد قلبه بالله، واتخذ لنفسه مشروعاً إصلاحياً يتقرب به إلى الله وينفع به المسلمين، يعيش معه، فيغلب على اهتمامه، ويسيطر على تفكيره، ويسعى جاداً إلى نجاحه؛ صابراً على الطريق وإن طال، قال تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران 200)

وصلوا وسلموا على من هذه سنته وهذا هديه إذ أمركم ربكم بذلك، فقال: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

 

google-playkhamsatmostaqltradent