كَفَى بِالْحسدِ عَدْلًا أَنْ
قَتَلَ صَاحِبَهُ
الحمد لله رب العالمين الذي قسّم بين عباده المعاش، وفاوت بينهم في الأرزاق لحكمة يعلمها ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون.
وأشهد أن لاإله إلا الله وحده لاشريك له وأشهدأن سيدنا ونبينا محمداًعبده ورسوله القائل :": العين حق، ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين"(مسلم) .وفي رواية أخري :"العين تدخل الرجل القبر، وتدخل الجمل القدر"(أبونعيم). اللهم صلاة وسلاماً عليك ياسيدي يارسول الله وعلي آلك وصحبك أجمعين أما بعد فياعباد الله:"
قال الله تعالي:" أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ
اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ
وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا"(النساء/54).
عباد الله :" الحسد داءٌ عضال يعمي البصيرة ويحرق صاحبه بنيران الغل والحقد قبل أن يضر المحسود. وهو خصلة شرٍّ يقتص فيها الحاسد من نفسه.
وهذا كله لا يخرج عن كونه قدراً من الله تعالى، والواجب أن يدفع القدر بالقدر، فالعين قدر، وذكر الله ودعاؤه قدر كذلك.
وقد أمرنا الله جل وعلا أن نستعيذ به من
شر حاسد إذا حسد، فأرشدنا إلى أن ندفع شر حسد الحاسد بالاستعاذة بالله سبحانه وتعالى.
وسنقف اليوم مع سؤال كيف أن الحسد "أعدل" الأشياء؛ إذ يبدأ بصاحبه فيقتله؟.
الحسد داءٌ يقتل صاحبه قبل المحسود
أما بعد، عباد الله: إن من أخطر الأمراض التي تفتك بالأمم وتفسد القلوب وتورث العداوات؛ مرضٌ خفيّ، وداءٌ وبيل، ذلكم هو "الحسد". الحسد الذي هو تمني زوال النعمة عن صاحبها، والاعتراض على حكمة الله في العطاء والقَدَر.
أيها المسلمون:لقد حذرنا الله عز وجل من شر الحاسد إذا حسد، فقال في محكم التنزيل: "وَمِن شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ"(الفلق: 5).
والحسد ليس هو الحقد؛ فكلاهما من أمراض القلوب، لكن بينهما فرقاً واضحاً في المعنى والغاية.
إليك الفرق ببساطة:الحسد: هو أن تتمنى زوال
النعمة التي يمتلكها شخص آخر (سواء انتقلت إليك أو زالت عنه).
الحقد: هو إضمار الكراهية والغل الشديد تجاه شخص ما في القلب، مع التربص له وتمني الانتقام منه. فإن الحقد هو الغل الشديد ، وأما الحسد فهو تمنى زوال النعمة عن الغير.
علاقة الاثنين ببعضهما:غالباً ما يكون الحقد هو السبب أو البذرة التي يولد منها الحسد، فالحاقد يكره غيره بطبيعته، وهذه الكراهية تدفعه لتمني زوال النعم عنه.
فالحسد ليس مجرد شعور عابر، بل هو اعتراض على قسمة الله.
التحذير من الحسد والرضا بقضاء الله
عباد الله:"
عباد الله: دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ: الْحَسَدُ، وَالْبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، لَا أَقُولُ تَحْلِقُ الشَّعَرَ وَلَكِنْ تَحْلِقُ الدِّينَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا، وَلَا تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَفَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِمَا يُثَبِّتُ ذَاكُمْ لَكُمْ: أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ1، هكذا قال صلى الله عليه وسلم
. عباد الله: إن الحسد داء عضال، وإذا استفحل في أمة أهلكها كما كان في الأمم من قبلنا، فكان عليهم سماً زعافًا أهلك الأخضر واليابس منهم حين حلق دينهم من قلوبهم.
وها هو النبي صلى الله عليه وسلم يقوم في أصحابه محذراً ومنذراً من داء هو آفة الأمم، وقد صرح صلى الله عليه وسلم أنه ينافي كمال الإيمان كما جاء عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي النَّارِ: مُسْلِمٌ قَتَلَ كَافِرًا ثُمَّ سَدَّدَ وَقَارَبَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي جَوْفِ مُؤْمِنٍ: غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَفَيْحُ جَهَنَّمَ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ: الْإِيمَانُ، وَالْحَسَدُ . وهذا تقبيح للحسد، وبيان أنه لا ينبغي للمؤمن أن يحسد فإنه ليس من شأنه ذلك، فمعنى لا يجتمعان هاهنا أنه ليس من شأن المؤمن أن يجمعهما، ويحتمل أن المراد بالإيمان كماله3، وقد قال رجل للحسن: هل يحسد المؤمن؟ قال: “ما أنساك بني يعقوب؟ نعم، ولكن غَمِّه في صدرك؛ فإنه لا يضرك ما لم تعْدُ به يد، ولا لسان” .
لقد وصف نبينا صلى الله عليه وسلم الحسد بأنه آفةٌ مهلكةٌ للأخلاق، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :"إياكم والحسد؛ فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"
وعن جابر:"- الحسدُ يأكلُ الحسناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحطبَ والصَّدقةُ تُطفئُ الخطيئةَ كما يُطفئُ الماءُ النَّارَ والصَّلاةُ نورُ المؤمنِ والصِّيامُ جُنَّةٌ من النَّارِ"(ابن عساكر وابن ماجه).
وروى عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا، ولا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"(البخاري ومسلم).
وروى عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب"(أبو دواد في سننه).
وقال الحسن رحمه الله: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد نفَس دائم، وحزن لازم وعبرة لا تنفد.
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "لا تعادوا نعم الله، قيل له: ومن يعادي نعم الله؟ قال:" الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله".
عواقب الحسد وخيمة:"
عباد الله :" وعواقب الحسد وخيمة فاليهود حسدوا النبي صلى الله عليه وسلم، فكفروا وهم يعلمون فضلوا وأضلوا، وانظر إلى سوء عاقبة الحسد،
قيل الحسد أول ذنب عُصي الله به في السماء،حين حسد إبليسُ آدمَ عليه السلام، وأول ذنب عصي الله به في الأرض، حين حسد قابيل أخاه هابيل، فكانت الجريمة النكراء.
كما هو الذنب الذي به حسد أخوة يوسف وحدث منهم ماحدث
ولكن، هل سألنا أنفسنا: لماذا قيل عن الحسد إنه "أعدل خصال الشر"؟
يُروى عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه أنه قال: "ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسدَ قبل أن يصل إلى المحسود".
نعم يا عباد الله، إن الحاسد محترق القلب، يعيش في كمدٍ دائم، وهمٍّ لا ينقطع، وغمٍّ يلازمه، لأنه يرى نعم الله على الآخرين، فيأكل الحقد قلبه. هو يتألم ويتعذب، بينما المحسود يرفل في نعم الله، ينام قرير العين والحاسد في لظى الحسرة يتقلب! بل إن الحاسد ليعاقب بخمس عقوبات قبل أن يصل حسده للمحسود:
غَمٌّ لا ينقطع، ومصيبةٌ لا يُؤجر عليها، ومذمةٌ لا يُحمد عليها، وسخطُ الله عليه، وإغلاقُ باب التوفيق عنه.
.يا من ابتُلي بشيء من هذا الداء، كيف ترضى أن تكون مطيةً لإبليس يركبك كيف يشاء؟ كيف ترضى أن تعترض على الله في ملكه وهو الذي يعطي من يشاء بغير حساب؟
حسَد قتَل صاحبَه
فأيُّ إيمان يَعْمُر القلبَ بعدُ، وقد تملَّك الحسَدُ قلوبَ هؤلاء، واستحوذتِ الغَيْرة والأنانية وحُبُّ الظهور على قلب هؤلاءقابيل (ابن آدم عليه السلام): النموذج الأبرز منذ بدء الخليقة. بدأ الأمر بحسده لأخيه هابيل على تقبل قربانه، وتطور إلى حقد دفين قاده لأول جريمة قتل في تاريخ البشرية. انتهى به الحال بالخسران والندم.
إخوة يوسف عليه السلام: أعمى الحقد قلوبهم بسبب محبة أبيهم ليوسف، فحاولوا قتله ثم ألقوه في البئر. كانت النتيجة أنهم عاشوا سنوات طويلة في عذاب الذنب والندم والحاجة، قبل أن يغفر لهم أخوهم في النهاية.
فالحسَد آفةٌ حذَّر منها نبيُّنا - صلى الله عليه وسلَّم – وأقرَّ وجودَها وحدَّث عنها؛ إذ إنها أول طريق الفشَل، يَهوي بها صاحبُها إلى التَّهلُكة، فيُحبَط عملُه، ويُرَدُّ في وجهه، وإن بعضَ الداعيات للإسلام يَلْمَسْنَ هذا الواقع، ويَصْطدمْنَ به، ويُعَانِينَه.
فواللهِ، خاسرٌ خاسرٌ مَن أفنَى روحَه ونفسَه وجسَده لِخدمة دِين الله، ثم أَحبَط عملَه بيده، ولم يُخلِص نيَّته، ولم يُحسِن لِدعوتِه وإخوانِه، ولم يمتلك الحكمةَ والحُبَّ لِيُقَرِّب غيرَهُ لأشرف مهنة في الأرض؛ بل هاجمَه وصَدَّه، واستحكَم بحداثة عهدِهِ في الدعوة؛ لأنَّ الشيطان قد زيَّن له عملَه، فساءتْ أعمالُه وأقواله، وأعمَى الشيطانُ عينيه عن إحقاق الحق وإزهاق الباطل، ولا يخفى ما قد يُسيء هذا الإنسانُ للجماعة المسلمة بأسْرها، ويُفقِدها بعضَ الطاقات المهمَّة والمهتمَّة.
إذا تحقَّق ذلك، فقد قتَل الحسَدُ صاحبَه.
فليُخاطِب كلُّنا نفسَه بهذه الآفة الخطيرة؛ لِنُطهِّر قلوبَنا منها.
عصَمَنا اللهُ مِن الحسَد وحُبِّ الأنا
وأهلِه، وثبَّتنا على التضحية والبذل والوفاء.
فالحاسد لا يقف حسده عند نعمة معينة، ولن يرضى عنك الحاسد إلا إذا رأى زوال تلك النعمة عنك؛ قال معاوية –رضي الله عنه-: "كل الناس أرضيه إلا الحاسد، نعمة لا يرضيه إلا زوالها".
فهل رأيت عدوًا يعادي من غير ذنب؟! إنه الحاسد، عادى المحسود من غير ذنب إلا رؤية النعمة عليه.
قال علي –رضي الله عنه-:
"الحاسد مغتاظ على من لا ذنب عليه". وقال بعضهم: "الحاسد إذا رأى نعمة
بهت، وإذا رأى عثرة شمت".
كل العداوات قد تُرجى إمالتها
إلا عداوة
من عاداك من حسد
والحاسد في هم دائم، وحزن لازم، مغموم مهموم،
مخذول موزور، يهدأ الناس ولا يهدأ، وينامون ولا ينام، يفكر ويقدر، ويخطط ويدبِّر، تزعجه
نعمة الله على غيره، ويغيظه فضله لسواه، يغتم لسرور الناس، ويبكي لفرحهم، ويتألم لسعادتهم.
مغتاظ على مَن لا ذنب له، بخيل بما لا يملكه،
لا ينال من المجالس إلا مَذَمَّةً وذُلاً، ولا ينال من الملائكة إلا لعنة وبغضا، ولا
ينال من الخلق إلا خزياً وغَمَّاً، ولا ينال عند الموت إلا شدة وهولاً، ولا ينال عند
الموقف إلا فضيحة ونكالا، إنه ظالم أشبه بالمظلوم!.
قيل لبعضهم: ما بال الحسود أشد غمًّا؟!
قال: "لأنه أخذ بنصيبه من غموم الدنيا، ويضاف إلى غمه بسرور الناس"،
وقال الأحنف بن قيس: "لا راحة للحسود"،
وقال بعض الحكماء: "الحسد جرحٌ لا
يبرأ، وحَسْبُ الحسود ما يلقى".
لقد أشقى الحاسد نفسه بشقاء دائم؛ لأنه
شغل نفسه بالنظر إلى غيره، فرؤيته للنعمة على الخلق نقمة عليه، فلو يفكر في نفسه لحظة
لرأى أنه في شقاء طويل.
أَيَا حَاسِدًا لِي عَلَى نِعْمَتِي أَتَدْرِي
عَلَى مَنْ أَسَأْتَ الأَدَبْ
أَسَأْتَ عَلَى اللهِ فِي حُكْمِهِ لأَنَّكَ
لَمْ تَرْضَ لِي مَا وَهَبْ
فَأَخْزَاكَ رَبِّي بِأَنْ زَادَنِي وَسَدَّ
عَلَيْكَ وُجُوهَ الطَّلَبْ
عباد الله واسرد لكم هذه القصة فيها من
العظة والعبرة
قال بكر بن عبد الله: كان رجل يغشى بعض
الملوك فيقوم بحذاء الملك، فيقول: أحسن إلى المحسن بإحسانه، فإن المسيء ستكفيه إساءته،
فحسده رجل على ذلك المقام والكلام، فسعى به إلى الملك، فقال: إن هذا الذي يقوم بحذائك
ويقول ما يقول زعم أن الملك أبخر! فقال له الملك: وكيف يصح ذلك عندي؟ قال: تدعوه إليك،
فإنه إذا دنا منك وضع يده على أنفه، لئلا يشم ريح البخر، فقال له: انصرف حتى أنظر.
فخرج من عند الملك فدعا الرجل إلى منزله،
فأطعمه طعاماً فيه ثوم، فخرج الرجل من عنده، وقام بحذاء الملك على عادته، فقال: أحسن
إلى المحسن بإحسانه فإن المسيء ستكفيه إساءته، فقال له الملك: ادن مني، فدنا، فوضع
يده على فيه مخافة أن يشم الملك منه رائحة الثوم، فقال الملك في نفسه: ما أرى فلاناً
إلا صدق!.
قال: وكان الملك لا يكتب بخطه إلا بجائزة
أو صلة، فكتب له كتاباً بخطه إلى عامل من عماله: إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه واسلخه
واحش جلده تبناً، وابعث به إلي، فأخذ الكتاب وخرج، فلقيه الرجل الذي سعى به فقال: ما
هذا الكتاب؟ قال خطَّ الملك لي بصلة، فقال هبه لي فقال: هو لك، فأخذه ومضى به إلى العامل.
وقال العامل له: في كتابك أن أذبحك وأسلخك،
قال: إن الكتاب ليس هو لي، فاللهَ اللهَ
في أمري حتى تراجع الملك! فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه وسلخه وحشا جلده تبناً،
وبعث به، ثم عاد الرجل إلى الملك كعادته، وقال مثل قوله، فعجب الملك وقال: ما فعل الكتاب؟
فقال: لقِيَنِي فلان فاستوهبه مني فوهبتُه له، قال له الملك: إنه ذكر لي أنك تزعم أني
أبخر، قال: ما قلت ذلك قال: فلم وضعت يدك على فيك؟ قال: لأنه أطعمني طعاماً فيه ثوم
فكرهت أن تشمه، قال صدقت، ارجع إلى مكانك، فقد كفى المسيء إساءته.
اصبِر على كيدِ الحَسو
دِ فــإن صـبْرَكَ
قاتِلُهْ
كالنار تأكُلُ بعــضها
إن لـم تجد ما
تأكله
قال بعضهم: قاتَلَ الله الحسد، ما أعدله! بدأ بصاحبه فقتله!
وقال الآخر: الحسد داء مُنْصِفٌ يفعل في الحاسد أكثر من فعله بالمحسود.
وقال معاوية -رضي الله عنه-: ليس في خصال الشر أعدل من الحسد، يقتل الحاسدَ قبل أن يصل إلى المحسود.
وقال الآخَر: يصل إلى الحاسد
خمسُ عقوبات قبل أن يصل حسده إلى المحسود: غم لا ينقطع، ومصيبة لا يؤجر عليها، ومذمة
لا يحمد عليها، وسخط الله عليه، ويغلق عنه باب التوفيق.
إن الحاسد يتألم ولا يزال في كَمَد
دَعِ الحَسُودَ وَمَا يَلْقَاهُ مِنْ كَمَدِهْ
كَفَاكَ مِنْهُ لَهِيبُ النَّارِ فِي جَسَدِهْ
إِنْ لُمْتَ ذَا حَسَدٍ نَفَّسْتَ كُرْبَتَهُ
وَإِنْ سَكَتَّ فَقَدْ عَذَّبْتَهُ
وقال بعض الحكماء: يكفيك من الحاسد أنه
يغتمُّ في وقت سرورك.
وقيل في منثور الحِكَم: عقوبة الحاسد من
نفسه.
وقال الأصمعي: قلت لأعرابي: ما أطول عمرك! قال: تركت الحسد فبقيت.
التاريخ مليء بنماذج لأشخاص دمرهم الحقد وأهلكهم الحسد؛ حيث قادتهم هذه المشاعر إلى ارتكاب أفعال مدمرة انتهت بهلاكهم نفسياً أو اجتماعياً، أو حتى جسدياً.
إليك أبرز النماذج التاريخية والدينية التي كانت ضحية لهذه الآفات:النماذج الدينية
الخطبة الثانية
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد
لازلنانواصل الحديث حول :" كفي بالحسد عدلاًأن قتل صاحبه "
حقاص الحاسد يقتل نفسه قبل أن يقتل من حسدهم
يقول الإمام علي بن أبي طالب: "لا يغار
إلا الناقص، ولا يحسد إلا الفاشل، ولا يكره إلا الحاقد".
وقال حكيم:
"لا يحمل الحقد من تعلو به الرتب
ولا
ينال العلا من طبعه الغضب".
لا شك أن الحقد خلق سيء وصفة خبيثة ومذمّة
لكل حامل له ، وهو فوق ذلك كله نار تأكل في كل متصف به حتى تأتي عليه وتحوله إلى خراب
، وقديما قالوا: كل الناس يهنأ ويستريح إلا الحاقد الحاسد فكلما منّ الله تعالى على
عبد من عباده بنعمة ازدادت نار صدره اشتعالا وازداد كربا على كربه.
وهناك صنف من الناس دون العالمين تراهم
يختصون بهذا الخلق الذميم وهم كما تقول الحكمة لا بد وأن يكونوا من سفلة الناس وأرازلهم
ممن يحملون نفوسا ضعيفة وهمما متدنية وقلوبا لا إيمان فيها ، روى البيهقي في سننه عن
رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يجتمع في جوف عبد الإيمان والحسد".
فالإيمان لا بد وأن يتسرب من هذا الجوف كما يتسرب الماء من الإناء المثقوب.
ونحن كمسلمين ربانا رسولنا صلى الله عليه
وسلم على سلامة الصدر وحب الخير للناس جميعا حتى أننا تعلمنا منه شكر الله على ما أنعم
به علينا وعلى غيرنا وكان ممن حفظنا عنه صلى الله عليه وسلم قوله كما في سنن أبي داود:
"اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك ، فلك الحمد
ولك الشكر".
وهكذا ، أما من يحملون الأحقاد فهم غالبا
ما يكونون كما تذكر الحكمة من وضعاء الناس وسفلتهم وممن انحطت رتبهم ، وإذا حققت في
هذا القول ثم أنزلته على واقع الناس وجدت أن من يتصفون بالحقد من بينهم هم أؤلئك الذين
خاب مسعاهم في تلك الحياة إما لأنهم كانوا يحملون أحلاما لم تؤهلهم إمكاناتهم لتحقيقها
أو يرون أنفسهم أقل من غيرهم في المواهب أو يشعرون بنقص ليس بالضرورة أن يكون موجودا
بقدر ما هو مستقر في قاع نفوسهم. وهذا وغيره لدناءة الرتب وفقر النفوس.
ولا يتخيل أحد أن الرتب هنا المناصب أو
المال أو أي شيء من أعراض الدنيا بل المقصود بها مراتب النفوس والهمم ، وخير دليل على
هذا أن قائل الحكمة نشأ عبدا على الرغم من إنه ابن لسيد قبيلته لكن أباه قد تنكر له
ولم يعترف به إلا بعد أن استطاع أن يثبت له ولغيره أن السيادة لا تكون إلا بالهمة العالية
والنفوس الكبيرة والبعد عن قبيح القول والفعل. ذلك القائل هو عنترة بن شداد. الذي كانت
كل الأسباب المحيطة به تحمله على الحقد والحسد فأبوه قد تنكر له وعمه يأبى أن يزوجه
ابنته الي أحبها وأحبته ويسعى في قتله وأهله وقرابته يسارعون في إيذائه ويدبرون عليه
، ومع هذا كله رُزِق نفسا كبيرة ذات رتب عالية وقلبا مخموما عصماه من الحقد فأصبح سيدا
بفعاله وحمل كل الناس على محبته.
أما الشطر الثاني من الحكمة فيبين لنا أن
من كان طبعه الغضب وسرعة الانفعال والانسياق خلف نزواته فلا يمكن أن ينال العلا أبدا
أو يسود.
إن من طلب العلا والسيادة عليه أن يتحكم
في غضبه وان يكون سيدا على نفسه أولا فمن لا يسود في نفسه لا يسود في غيره ، ومن عصته
نفسه فهو بمعصية غيره أولى ومن ثَمّ قيل في الحكم: ليس لعاقل أن يطلب طاعة غيره ونفسه
ممتنعة عليه.
ولله در القائل:
أتطمع أن يطيعك قلب سعدى ** وتزعم أن قلبك
قد عصاك.
والغضب جمرة تتتقد في جوف ابن آدم يظهر
أثرها في عينيه وانتفاخ أوداجه كما أخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم ولطالما
أوصانا بعدم الغضب وبين أن القوي لا يعد قويا إلا بتحكمه في نفسه فقال: ليس القوي بالسرعة
، إنما القوي من يمسك نفسة حين الغضب. وعندما جاءه أعربي يسأله الموعظه قال له: لا
تغضب.
إن الغضوب الملول لا يمكن أن يلي أمرا أو
أن يسود أحدا حتى في بيته ، فما ساد من ساد قديما وحديثا إلا المتحكمون في غضبهم المسيطرون
على نفوسهم.
والمتابع لسير من سادوا الناس لا يدهم إلا
ممن اتصفوا بالحلم وابتعدوا عن الغضب.
ﻛﺎﻥ اﻷﺣﻨﻒ ﺭﺣﻤﻪ اﻟﻠﻪ ﺗﻌﺎﻟﻰ سيد قومه ﻛﺜﻴﺮ
اﻟﻌﻔﻮ ﻭاﻟﺤﻠﻢ ﻭﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﻣﺎ ﺁﺫاﻧﻲ ﺃﺣﺪ ﺇﻻ ﺃﺧﺬﺕ ﻓﻲ ﺃﻣﺮﻩ ﺑﺈﺣﺪﻯ
ﺑﺈﺣﺪﻯ ﺛﻼﺙ: ﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﻓﻮﻗﻲ ﻋﺮﻓﺖ ﻟﻪ ﻓﻀﻠﻪ، ﻭﺇﻥ
ﻛﺎﻥ ﻣﺜﻠﻲ ﺗﻔﻀﻠﺖ ﻋﻠﻴﻪ، ﻭﺇﻥ ﻛﺎﻥ ﺩﻭﻧﻲ ﺃﻛﺮﻣﺖ ﻧﻔﺴﻲ ﻋﻨﻪ. ﻭﻛﺎﻥ ﻣﺸﻬﻮﺭا ﺑﻴﻦ اﻟﻨﺎﺱ ﺑﺎﻟﺤﻠﻢ ﻭﺑﺬﻟﻚ
ﺳﺎﺩ ﻋﺸﻴﺮﺗﻪ، ﻭﻛﺎﻥ ﻳﻘﻮﻝ: ﻭﺟﺪﺕ اﻻﺣﺘﻤﺎﻝ ﺃﻧﺼﺮ ﻟﻲ ﻣﻦ اﻟﺮﺟﺎﻝ.
ولطالما قالت العرب: لا سؤدد مع الغضب والانتقام.
وليس من شيم الكرام التشفي والانتقام.
ومن انتقم فقد شفى غيظه وأخذ حقه فلم يجب شكره ولم يحمد في العالمين ذكره.