recent
أخبار عاجلة

عض قلبي ولا تعض رغيفي ..إن قلبي على الرغيف ضعيف

 عض قلبي ولا تعض رغيفي ..إن قلبي على الرغيف ضعيف




عض قلبي ولا تعض رغيفي.. إن قلبي على الرغيف ضعيف

هو أحد أشهر الأمثال الشعبية المصرية، ويُضرب للدلالة على أن المساس بـ "قوت اليوم" أو "مصدر الرزق" هو الخط الأحمر الذي لا يمكن التسامح فيه.

إليك معناه العميق في لمحة:

المعنى المجازي: يعني تقبُّل الأذى الجسدي أو العاطفي الشخصي (عض القلب)، في سبيل الحفاظ على لقمة العيش والأمان المادي (الرغيف).

أولوية البقاء: يختصر صراع الإنسان البسيط في تفضيل الأمان الاقتصادي على أي كرامة أو وجع عاطفي، لأن "الجوع كافر" وقوت العيال هو أساس الاستقرار.

الرمزية الثقافية:"الرغيف" هنا لا يمثل الخبز فقط، بل يرمز إلى كل وظيفة أو مصدر دخل أو مورد مالي يعتمد عليه الإنسان في حياته

كل مصري تربي علي المثل القائل "عض قلبي ولا تعض رغيفي"

وأصبح هذا المثل السلبي مبدأ لكل مصري في حياته، ومنهجًا يسير عليه، ومعناه أن المواطن المصري البسيط يستطيع أن يتسامح أو يتساهل في سلب حق من حقوقه، ويستطيع أيضًا أن ينسي أي اعتداء يقع عليه، حتي لو وقع هذا الاعتداء علي أهم جزء في جسده ألا وهو القلب!!

فيمكن أن يتحمل ويسامح، أما رغيف العيش فهو الخط الأحمر الوحيد في حياته، الذي لم ولن يتسامح أو يتساهل إذا اقترب منه أيا من كان!!

أدي تمسك المواطن بهذا المثل السلبي المأثور في حياته إلي الإطاحة بكل ما يملكه إلي الهاوية، والدخول بأحلامه إلي المحظور، وتجاوز به كل ألوان الخطوط وأدي به إلي المساس بما كان يحافظ عليه طيلة حياته ألا يمس..

فمثلاً إذا طرحت عليه تعديلات دستورية لا يقبلها عقله فإنه لا يمانع طالما أنها بعيدة عن أكل عيشه، وإذا مرت عليه تجاوزات في انتخابات نيابية أو محلية تمثله فلا توجد لديه مشكلة طالما أنها بعيدة عن رغيف العيش، وإذا سمع أو رأي فسادًا هنا أو هناك فكأنه لم ير ولم يسمع مادام أنه بعيد عن رغيفه!!..


الجوع ياسادة .. فارس بلا جواد
قالوا عنه ( الجوع كافر)
واكدت بعض الأبحاث بأن الجوع يسبب الغضب عن طريق خلايا عصبية في الدماغ تنشطها حالة الجوع؛مما يؤدي إلى تغيُّر سلبي في المزاج والحالة النفسية.
والمثل يهدد ويتوعد من يقترب من القوت أو الرزق الذي يمثلهم الرغيف ويؤكد أن وجع القلب بما فيه من ألمووهن أهون عليه من المساس بالقوت.
ودار حوار في فيلم جري.الوحوش بين محمود عبد العزيز وحسين الشربيني يقول:
-‏ نسيت لما كنت بتقول إن القرش مفتاح الهنا وعض قلبي ولا تعض رغيفي!!
- كنت غبي وجزمة قديمة لكن دلوقتي فهمت وعرفت
- عرفت إيه ؟
- عرفت ان الفلوس ممكن تشتري الأكل لكن ما تقدرش تشتري النفس اللي تأكل تقدر تشتري الدواء لكن ما تقدرش تشتري الصحة تشتري السرير لكن ما تقدرش تشتري النوم
لماذا الخبز إذن؟

قال مواطن مجهول يوماً "عُض قلبي ولا تعض رغيفي"، معلناً عن استعداده للتعرض لخيبة أمل في علاقة عاطفية، عوضاً عن التعرض لضيق العيش أو الجوع، مكتفياً بكلمة "رغيف" الخبز لتصف كل ما يرمز لحاله المادي.

هو الخبز إذاً.. كفافنا اليومي من الزاد والصلاة لنحفظ قسطنا الضروري منه لنظل أحياء، وبخير.

ولكن لماذا يكون الخبز دوماً، مهما تبدّلت وتغيرت لغات ومواقع الطالبين؟

حينما يُهزم شخص في نزاع أياً ما كان كنهه، وتضيق به الأرض، يحن للخُبز.. لكسرة الدقيق المطهو القادرة على استجلاب شعور الأمن وحفظ القلب على صاحبه.

من عقود كان الخُبز آخر قشة تقصم ظهور الفقراء. وكان الزناد الذي يُنذِر ما أن يُمَسّ، على طوفان هادر، قد يخنع ويتقبل قومه شتى أشكال الظُلم، إلا أن يُنتهك حقه في لقمة منه.

قبل أكثر من ١٠ آلاف عام كانت أصول الخبز التاريخية. هذا التركيب المعقدة والسهل في آن، من الحبوب الناتجة عن الزراعة -حرفة الإنسان الأولى- والتي لا تستطيع معدة الإنسان هضمها على حالها الأصلي.

وقبل ذات القدر من السنين، أو أقل قليلاً، تحول هذا المنتوج الغذائي الأول لقيمة روحية ودينية ومعنوية. فقدّم الإنسان الخبز كقرابين للآلهة، وأكرم الناس ضيوفهم بكعك للتو فارق التنّور دلالة على قدرهم عند آل البيت.

في الشرق، يُسمى الخُبز عَيشاً، لأن الحياة بدونه لا تستقيم. وصار العزيز على القلب هو من نتناول معه "عيش وملح"، ومن تقطعت به السُبل وفَقَد رزقه، قد "انقطع عيشه"، ومن نُذكّره بقيمة علاقتنا به نؤكد له أننا قطعنا معه خبزاً، وبالتالي لا يُمكن أن نُخيّب أملهم فينا.

وعلاقة الخبز بالحياة على درجة من المتانة والعُمق جعلت الشعوب البدائية تنسج منها أساطير خرافية، كتشبيه العجين برحم المرأة الحامل الذي يكبر شيئاً فشيئاً إلى أن ينضج فيقدم الحياة. 

بينما اعتبرت الشعوب الحضارية الحديثة، في وعي جماعي ضمني في ربيعها أن "العيش" مكمل "للحرية"، من أجل "العَيش بكرامة".

ولأن الخُبز حياة، أو نحو ذلك، سيطر الحُكام على شعوبهم من خلاله قبل أي شيء.

بدورها أيضاً أمَهَلت الشعوب حُكّامها بقدر توافره في متناول كدّهم.

 فكان رغيف الخبز الأبيض الهش أمارة على الرفاهية والدلال. بينما كان الداكن منه نصيباً للأفقر حظاً والأقوى سعة على احتمال ظروف المعيشة، حتى ساد الظن بأن أمعاء الفقراء فقط ما يحتمل هضمه. وكان برهاناً على القوة، والاستعداد لمُكابدة الحياة الواقعية.

"يا رغيفنا، يا أب الّلقمة الطّيّبة، لولاك ما طابت المائدة، 

يا خبزنا اليوميّ الكريم، كُن إنساناً أكثر من الإنسان، 

وتكرّم على من حرمهم الدّهرُ من لُقمتك، وعلى من اشتاقوا كثيراً إلى طلعتِك وإطلالتِك".

 يقول رياض معلوف، واضعاً الخبز بمثابة المُخلّص، بمثابة الجائزة التي تُكلل سُبلَ الساعين للوجود بكرامة.

ولكن بتوافر الخبز، هل تهنأ وتُلبّى مساعي البشر للثراء والنمو؟

هل الكفاف منه..  كافٍ؟

بالرغيف -منذ الرواية الأقدم وحتى الآن وعلى الأرجح غدا أيضاً- يُتحَكَّم في المصائر والرقاب. فمن امتلك القمحة ساد بطنه.

في الأدب والعلوم الإنسانية، كان للُّقمة قيمتها فقط عندما يكون الإنسان جائعاً. بخلاف الخبز، إلام نجوع أيضاً؟

 إن اقتصر الخبز على ذاته فقط، ضاع كما ضاعت قبله حقوق، وتجرأ عليه من تجرأوا على الأنفُس التي تبتغيه.

قد يكون البداية فحسب، وما إن يُلبّى، تئزّ أمعاؤنا بعده للُقمة العلم/الفهم/القرار والاختيار والتجربة.

"ليس بالخبز وحده يعيش المرء"، يقول "لوركا". "إن جُعت وخرجت معوزاً للشارع لن أطلب رغيف خبز، وإنما سأطلب نصف رغيف وكتاباً.. على الجميع أن ينعموا بثمار العقل البشري لأنه في حال العكس سيتحولون لآلات في خدمة الدولة، وعبيد في تنظيم اجتماعي مختلّ".

بالرغيف، نعيش جميعنا قابضي كفّينا صلاةً لدوام الكفاف منه، سواء محظوظ اختار خبزه أبيض بضاً، أو معوز اضطُر لرغيفٍ أكثر دكَنَاً من مستقبله. 

لكن من يلتحف برغيف حافٍ، لا يغمسه في قرار يملكه، تضرَّمَت روحه جوعاً للحياة.


google-playkhamsatmostaqltradent