سلامة الصدر وأثرها على السلم المجتمعي
الحمد لله الذي جعل المؤمنين إخوة، وألف
بين قلوبهم، ونزع ما في صدورهم من غل، الحمد لله الذي شرح صدور المؤمنين للإسلام، وجعلهم
أمة واحدة، وهداهم لصفاء القلوب وسلامة الصدور. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى
يوم الدين.
أما بعد، أيها المؤمنون عباد الله، أوصيكم
ونفسي بتقوى الله، فهي وصيته للأولين والآخرين، ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [النساء: 131].
القصة الافتتاحية من حياة الصحابة
أيها الإخوة المؤمنون، أبدأ خطبتي هذه بقصة
عظيمة من سيرة خير القرون، قصة تبرز معنى سلامة الصدر بأجلى صورها، إنها قصة الصديق
الأكبر أبي بكر رضي الله عنه مع ابن خالته مسطح بن أثاثة.
كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه ينفق على
مسطح بن أثاثة لأنه كان فقيرًا من فقراء المهاجرين، وكان أبو بكر ذا فضل وسعة. فلما
وقعت حادثة الإفك، وتكلم مسطح في حق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها مع من تكلموا،
بلغ ذلك أبا بكر فغضب وأقسم ألا ينفق على مسطح مرة أخرى.
وهنا نزل قول الله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ
أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ
وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ
أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [النور: 22].
فلما سمع أبو بكر هذه الآية، قال:
"بلى، أحب أن يغفر الله لي وأن يعفو عني"، فرد النفقة على مسطح ورغم ما كان
منه.
تأملوا يا عباد الله! هذا هو الصديق، سيد
هذه الأمة، يعفو عمن آذى ابنته وتكلم في عرضها، ليس لضعف، بل لسلامة صدر، وطهارة قلب،
ورغبة في مغفرة الله. هذه هي سلامة الصدر التي ترفع صاحبها إلى أعلى الدرجات.
عناصر الخطبة
أيها الإخوة المؤمنون، حديثنا اليوم عن
سلامة الصدر وأثرها على السلم المجتمعي، وسنتناوله في العناصر التالية:
أولاً: تعريف سلامة الصدر وحقيقتها.
ثانياً: فضل سلامة الصدر ومكانتها في الإسلام.
ثالثاً: سلامة الصدر سبب لقبول الأعمال
ونيل الجنة.
رابعاً: أثر سلامة الصدر على السلم المجتمعي.
خامساً: وسائل تحصيل سلامة الصدر.
أولاً: تعريف سلامة الصدر وحقيقتها
أيها المؤمنون، سلامة الصدر تعني طهارة
القلب ونقاء السريرة، وسلامته من كل غل وغش، وحسد وحقد، وبغضاء وشحناء، وكراهية وسوء
ظن بالمسلمين. قال ابن القيم رحمه الله: "القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل
والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة، فسلم من كل آفة تبعده من الله".
وهي صفة عظيمة لا يقوى عليها إلا الرجال،
وهي من أعظم الخصال وأشرف الخلال. يقول الحسن البصري رحمه الله: "سلامة الصدر
نعمة من أعظم النعم، بها تُدرك الدرجات".
والله تعالى قد جعل النجاة يوم القيامة
مرتبطة بهذه الصفة، فقال: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ
أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88-89].
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أحرص
الناس على سلامة قلبه، فكان يقول في صلاته: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ
فِي الْأَمْرِ وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَأَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ
عِبَادَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا، وَلِسَانًا صَادِقًا".
ثانياً: فضل سلامة الصدر ومكانتها في الإسلام
أيها الإخوة، إن فضل سلامة الصدر عظيم،
ومكانتها في الإسلام رفيعة، وقد حثنا القرآن والسنة على التحلي بها.
من القرآن الكريم
1. قال الله تعالى واصفاً المؤمنين من الأنصار:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ
إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ
عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: 9]. فهذا وصفهم بأنهم لا
يجدون في صدورهم حسداً ولا غلاً مما أوتي المهاجرون.
2. وقال تعالى عن المؤمنين الذين جاؤوا من
بعدهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ
آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [الحشر: 10]. فهم يتضرعون إلى الله أن
يطهر قلوبهم من الحقد على المؤمنين.
3. وقال الله ممتناً على نبيه بتأليف القلوب:
﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ
بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: 63].
من السنة النبوية
1. عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:
قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: "كُلُّ مَخْمُومِ الْقَلْبِ،
صَدُوقِ اللِّسَانِ". قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال:
"هُوَ التَّقِيُّ النَّقِيُّ، لَا إِثْمَ فِيهِ وَلَا بَغْيَ وَلَا غِلَّ وَلَا
حَسَدَ" رواه ابن ماجه بسند صحيح.
2. عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا
وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إِخْوَانًا، وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ
فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ" رواه البخاري.
3. عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لَا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي
عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ"
رواه الترمذي.
4. عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى أَجْسَادِكُمْ وَلَا
إِلَى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ" رواه
مسلم.
5. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
"تَعْرَضُ الْأَعْمَالُ كُلَّ يَوْمِ اثْنَيْنِ وَخَمِيسٍ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا،
إِلَّا امْرَءً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ فَيَقُولُ: أَنْظِرُوا
هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا".
ثالثاً: سلامة الصدر سبب لقبول الأعمال ونيل الجنة
أيها الإخوة، إن سلامة الصدر من أعظم أسباب
قبول الأعمال، ومن أسباب دخول الجنة.
سلامة الصدر وقبول الأعمال
إن من يحمل في قلبه حقداً أو حسداً أو غلاً
على أخيه المسلم، فإن أعماله قد لا تُقبل، كما في الحديث السابق حيث توقف الغفران حتى
يصطلح المتشاحنان. قال ابن رجب رحمه الله: "أفضل الأعمال: سلامة الصدر من أنواع
الشحناء كلها".
سلامة الصدر ودخول الجنة
1. أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم عن أول
زمرة تدخل الجنة بأنهم "لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ، قُلُوبُهُمْ
عَلَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ" رواه البخاري.
2. وصف الله أهل الجنة فقال: ﴿وَنَزَعْنَا
مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر:
47]. وقال: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾
[الأعراف: 43].
قصة الرجل من أهل الجنة
روى أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنا
جلوساً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "يَطْلُعُ عَلَيْكُمُ الْآنَ رَجُلٌ
مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" فطلع رجل من الأنصار. تكرر ذلك ثلاث مرات. فتبعه عبد
الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما ليعرف سره، فبات عنده ثلاث ليال، فلم يره يقوم
من الليل كثيراً، ولم يسمعه إلا خيراً. فلما سأله عن سبب ذلك، قال الرجل: "مَا
هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ
غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ". فقال
عبد الله: "هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ".
رابعاً: أثر سلامة الصدر على السلم المجتمعي
أيها الإخوة المؤمنون، إن لسلامة الصدر
أثراً عظيماً على السلم المجتمعي، فهي أساس الألفة والمحبة، وبها تنتظم المجتمعات وتزول
الخلافات.
سلامة الصدر تؤلف بين القلوب
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ
اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ
بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: 103]. فهذه النعمة العظيمة - تأليف القلوب - لا
تتحقق إلا بسلامة الصدر.
سلامة الصدر تمنع التقاطع والتدابر
فإذا سلم الصدر من الأحقاد، قل في الناس
الحسد، وانتفى عنهم التباغض، وكثرت بينهم المواساة والتواصل. قال الإمام القرطبي رحمه
الله: "ائتلاف قلوب المؤمنين من أسباب النصر".
موقفان من السيرة النبوية في أهمية سلامة
الصدر
الموقف الأول: في غزوة الأحزاب، حين أحكم
الأعداء قبضتهم على المدينة، وكان الموقف عصيباً، خرج النبي صلى الله عليه وسلم وبطنه
معصوب، وهو متطلق الوجه، فضرب الصخرة وقال: "بسم الله" ثم قال: "الله
أكبر، أعطيت مفاتيح الشام"، ثم قال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس"،
ثم قال: "الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن". أيعجبكم يا عباد الله هذا التفاؤل
وهذا الصدر المنشرح في أشد الأوقات؟
الموقف الثاني: عندما مر شاس بن قيس اليهودي
على نفر من الصحابة من الأوس والخزرج، فأمر فتى يهودياً أن يذكرهم بيوم بعاث، فتفاخر
القوم حتى تواثب رجلان وتخاصما. فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج مغضباً يعرف
الغضب في وجهه، حتى جاءهم فقال: "الله الله يا معشر المسلمين: أَبِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ
وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ
أَعْنَاقَ بَعْضٍ" فبكى القوم واصطلحوا.
أيها الإخوة، أليس عجيباً أن يخرج النبي
صلى الله عليه وسلم راضياً متبسماً في شدة الخندق، ويغضب كل هذا الغضب لمجرد تواثب
بين حيين من المسلمين؟ إنه الدرس النبوي البليغ: إذا كانت القلوب سليمة والصف واحداً،
فليعصف الباطل، فإن البناء متين. أما إذا اختلفت القلوب وذهب صفاؤها، فهذا نذير الشر
وأول البلاء.
سلامة الصدر في حياة السلف
كان الصحابة رضوان الله عليهم يلتمسون إزالة
أي شيء يحصل في صدر الأخ على أخيه. قال إياس بن معاوية بن قرة رحمه الله: "كان
أفضلهم عندهم أسلمهم صدوراً وأقلهم غيبة".
وحضرت الوفاة أبا دجانة الأنصاري رضي الله
عنه، وكان وجهه يتهلل، فقيل له في ذلك، فقال: "مَا مِنْ عَمَلٍ شَيْءٌ أَوْثَقَ
عِنْدِي مِنِ اثْنَتَيْنِ: كُنْتُ لَا أَتَكَلَّمُ فِيمَا لَا يَعْنِينِي، وَالْأُخْرَى
فَكَانَ قَلْبِي لِلْمُسْلِمِينَ سَلِيمًا".
وعن الشعبي رحمه الله قال: رأى علي بن أبي
طالب رضي الله عنه طلحة بن عبيد الله في وادٍ ملقى بعد وقعة الجمل، فنزل فمسح التراب
عن وجه طلحة، وقال: "عَزِيزٌ عَلَيَّ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْ أَرَاكَ مُجَنْدَلًا
فِي الْأَوْدِيَةِ تَحْتَ نُجُومِ السَّمَاءِ". هذا هو علي بن أبي طالب، مع خصمه
في المعركة، يظهر له هذا الحب وهذا الأسى، إنها سلامة الصدر.
خامساً: وسائل تحصيل سلامة الصدر
أيها الإخوة، كيف نصل إلى هذه المنزلة العالية؟
كيف نطهر صدورنا ونصفو قلوبنا؟ إليكم بعض الوسائل:
أولاً: الإكثار من الدعاء
كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو:
"اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ قَلْبًا سَلِيمًا". وكان يقول في دعائه:
"وَاهْدِ قَلْبِي، وَسَدِّدْ لِسَانِي، وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِي".
وقال ابن عباس رضي الله عنهما: كان النبي
صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا".
ثانياً: دوام ذكر الله
قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ
الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. فذكر الله يطهر القلوب ويسكنها.
ثالثاً: العفو والتسامح وترك العتاب
قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا
أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: 22].
رابعاً: الإحسان والصدقة
فالصدقة تطفئ غضب الرب، وتطهر النفس وتزكيها.
خامساً: مجاهدة النفس
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا
لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]. وسلامة الصدر تحتاج إلى مجاهدة وصبر.
سادساً: حسن الظن بالمسلمين وتحميل الكلام
على أحسن المحامل
قال الحسن البصري رحمه الله: "سلامة
الصدر طهارته من حسن الظن بالناس وحمل الكلام على أحسن المحامل".
سابعاً: تذكر فضل سلامة الصدر وثوابها
فمن سلم صدره، طهر قلبه عن الإرادات الفاسدة
والظنون السيئة، عف لسانه عن الغيبة والنميمة.
خاتمة الخطبة
أيها الإخوة المؤمنون، إن سلامة الصدر ليست
ضعفاً ولا بلاهة، إنها قوة وعزة، إنها صفة الأقوياء الذين يملكون أنفسهم عند الغضب،
ويعفون عند المقدرة، ويصفحون عند الإساءة.
تأملوا في نبيكم صلى الله عليه وسلم حين
أدموا وجهه وشجوا رأسه وكسروا رباعيته يوم أحد، فكان يمسح الدم عن وجهه ويقول:
"اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".
وتأملوا في يوسف عليه السلام حين قال لإخوته
بعد ما فعلوا به: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ
أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: 92].
أيها الإخوة، أليس جمال الحياة أن تقول
لأخيك كلما صافحته: رب اغفر لي ولأخي هذا، ثم تضمر في قلبك له كل خير؟
اسألوا أنفسكم: كيف يكون حال مجتمع تسوده
هذه الأخلاق؟ كيف يكون حال أمة تتصافى قلوب أبنائها، وتسلم صدورهم؟ إنه المجتمع الذي
كتب الله له العزة والنصر والتمكين.
فيا عباد الله، طهروا قلوبكم، وصفوا صدوركم،
وأحبوا لإخوانكم ما تحبون لأنفسكم، وتذكروا أن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم،
وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
الدعاء
اللهم إنا نسألك قلوباً سليمة، وصدوراً
نقية، وألسنة صادقة.
اللهم اغسل حوباتنا، وطهر قلوبنا، وارزقنا
سلامة الصدر على عبادك المؤمنين.
اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا،
واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى النور.
اللهم اجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون
أحسنه، اللهم اجعلنا ممن ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس،
والله يحب المحسنين.
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك، وحب كل عمل
يقربنا إلى حبك.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا،
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة
زيادة لنا في كل خير، والموت راحة لنا من كل شر.
اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين، وأدخلنا
برحمتك في عبادك الصالحين.
ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان،
ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا، ربنا إنك رؤوف رحيم.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.