فقه الهجرة إلى الله تعالى
الهدف المراد توصيله: التوعية بأن الهجرة إلى الله تعالى متحقَّقة بهجر القلب والجوارح لكل ما يبغضه الله، إلى ما يحبه سبحانه ويرضاه.
الخطبة الثانية: التحذير من الغش في الامتحانات.
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فإن الهجرة النبوية مدرسة متجددة، ومنهج حياة، ومشروع بناء للأفراد والأمم، فما كانت الهجرة مجرد انتقالٍ جغرافيٍّ من مكة إلى المدينة فحسب، بل كانت انتقالًا من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، ومن ضيق الاضطهاد إلى سعة الدعوة.
وقد بلغت الهجرة من عظم شأنها أن جعلها الصحابة رضي الله عنهم مبدأً للتاريخ الإسلامي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ لأنها تمثل نقطة التحول الكبرى في مسيرة الأمة الإسلامية.
مفهوم الهجرة في الإسلام
الهجرة في أصل اللغة تعني الترك والمفارقة، فيُقال: هجر الشيءَ إذا تركه، وهاجر إلى الشيء إذا انتقل إليه تاركًا ما سواه، غير أن هذا المفهوم في التصور الإسلامي اكتسب أبعادًا أعمق وأشمل، فأصبحت الهجرة عنوانًا للتضحية من أجل العقيدة، ومظهرًا من مظاهر الانقياد لله تعالى وطلب مرضاته.
وقد بيَّن شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر رحمه الله حقيقة هذا المفهوم فقال: "الهجرة: الترك، والهجرة إلى الشيء: الانتقال إليه عن غيره، وفي الشرع: ترك ما نهى الله عنه"، ثم أوضح أن الهجرة في تاريخ الإسلام وقعت على وجهين:
أولهما: الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن؛ كما وقع في هجرتي الصحابة إلى الحبشة، ثم في الهجرة المباركة من مكة إلى المدينة.
وثانيهما: الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان، وذلك بعد أن استقر النبي ﷺ بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين.
وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال إلى المدينة، إلى أن فُتحت مكة فانقطع الاختصاص، وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيًا" [فتح الباري].
وقد قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: سُئل رسول الله ﷺ عن الهجرة فقال: «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» [رواه مسلم].
فظن بعض الناس أن هذا الحديث يعني انقطاع الهجرة بكل معانيها، وأن بابها قد أُغلق إلى الأبد، غير أن العلماء بيَّنوا أن المنقطع إنما هو الهجرة الخاصة من مكة إلى المدينة بعد فتح مكة، إذ صارت دار إسلام وأمن، أما الهجرة بمعناها الإيماني العام فلم تزل باقية، ولن تنقطع حتى تقوم الساعة.
الهجرة الباقية
فإن انقطعت الهجرة بفتح مكة، فإن الهجرة الحقيقية باقية لا تنقطع، قال أهل العلم: انقطعت هجرة الأبدان، وبقيت هجرة القلوب والأرواح؛ فما أحوجَ الناسَ في كل عصر إلى هذه الهجرة المتجددة؛ هجرةٍ من الذنوب إلى التوبة، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الهوى إلى الاستقامة، وقد فتح القرآن الكريم هذا الأفق الرحب لكل مؤمن حين نادى البشرية بقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ [الذاريات: ٥٠]، قال الطبري: "فاهْربُوا أيُّها الناسُ من عقابِ اللَّهِ إلى رحمتِه بالإيمانِ به، واتِّباعِ أمْرِه، والعملِ بطاعتِه" [جامع البيان].
وقد قال الإمام القشيري: "لا تصحّ الهجرة إلى الله إلّا بالتبرّي- بالكمال- بالقلب عن غير الله، والهجرة بالنّفس يسيرة بالإضافة إلى الهجرة بالقلب، وهي هجرة الخواص، وهي الخروج عن أوطان التفرقة إلى ساحات الجمع، والجمع بين التعريج في أوطان التفرقة والكون في مشاهد الجمع متناف" [لطائف الإشارات للقشيري].
وهي على قسمين: هجرة حسية، وهجرة معنوية.
فالحسية هي هجرة العبد من وطن تكثر فيه الغفلة والعوائق عن الله تعالى، أو الإذاية فيفزع إلى وطن يجد فيه اليقظة وقلة العوائق.
والهجرة المعنوية: هي هجرة القلب من وطن المعصية إلى وطن التوبة، ومن وطن الغفلة إلى وطن اليقظة، ومن وطن الحرص إلى وطن الزهد والقناعة، ومن وطن الحظوظ والشهوات إلى وطن العفة والحرية، ومن وطن الشواغل إلى وطن التفرغ، ومن وطن رؤية الحس إلى رؤية المعاني، وهذه نهاية الهجرة" [البحر المديد لابن عجيبة].
ومن هنا يتبين أن الهجرة هي انتقال من حال إلى حال، ولهذا وسَّع النبي ﷺ مفهومها لتشمل هجرة المعاصي والآثام، فقال: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [رواه البخاري]. فالهجرة الحقيقية تبدأ من القلب قبل أن تكون بالأقدام، وهي رحلة متجددة يسعى فيها المؤمن إلى مفارقة أسباب البعد عن الله، والانتقال إلى ميادين الطاعة والقرب والرضوان.
وبذلك تظل الهجرة قيمةً إيمانيةً خالدة،
لا تنحصر في حدث تاريخي مضى، بل تمتد آثارها ومعانيها إلى كل زمان ومكان، ما دام في
الناس من يجاهد نفسه ليهاجر من الظلمات إلى النور، ومن الغفلة إلى اليقظة، ومن المعصية
إلى الطاعة.
بعد ثلاثة عشر عامًا من الدعوة في مكة، تحمل خلالها النبي ﷺ وأصحابه ألوان الأذى والاضطهاد، أذن الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، فكانت انتقالًا مدروسًا نحو مرحلة جديدة من تبليغ الرسالة، وقد حفظت لنا كتب السيرة مشاهد خالدة من هذا الحدث العظيم؛ فمنها: خروج النبي ﷺ مع صاحبه أبي بكر رضي الله عنه، واختباؤهما في غار ثور، حتى وصل المشركون إلى باب الغار، عندها قال أبو بكر رضي الله عنه: "لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا"، فقال النبي ﷺ: «يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا». [متفق عليه].
قال النووي: "فِيهِ بَيَانُ عَظِيمِ تَوَكُّلِ النَّبِيِّ ﷺ حَتَّى فِي هَذَا الْمَقَامِ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ رضي الله عنه وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ مَنَاقِبِهِ، وَالْفَضِيلَةُ مِنْ أَوْجُهٍ، مِنْهَا هَذَا اللَّفْظُ، وَمِنْهَا بَذْلُهُ نَفْسَهُ وَمُفَارَقَتُهُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَرِيَاسَتَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ وَمُلَازَمَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَمُعَادَاةِ النَّاسِ فِيهِ، وَمِنْهَا جَعْلُهُ نَفْسَهُ وِقَايَةً عَنْهُ وَغَيْرِ ذَلِكَ" [المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج]
وقد خلد القرآن هذا الموقف العظيم بقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ [التوبة: ٤٠]، ومن هنا أصبحت الهجرة نقطة التحول التي انتقل بها الإسلام من مرحلة البلاغ الفردي إلى مرحلة بناء الدولة والأمة والحضارة.
ومن تأمل آثار الهجرة أدرك أنها لم تغيِّر حياة المسلمين في ذلك العصر فحسب، بل غيَّرت وجه التاريخ كله؛ إذ انطلقت منها حضارةٌ عظيمة نشرت التوحيد والعلم والعدل والقيم الإنسانية في أرجاء الأرض، وأخرجت أممًا وشعوبًا من ظلمات الوثنية والجهل إلى نور الإيمان والمعرفة.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يجعل المسلمون الهجرة النبوية مبدأً لتقويمهم التاريخي في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب؛ لأن الهجرة لم تكن مجرد انتقال من مكان إلى مكان، وإنما كانت ميلاد أمة، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ الدعوة الإسلامية، وفصلًا فاصلًا بين عهد الاستضعاف وعهد التمكين.
الهجرة وبناء العقيدة والإيمان
من أعظم الدروس التي تقدمها الهجرة ترسيخ معنى اليقين بالله تعالى، فالنبي ﷺ، وقد أحاطت به الأخطار من كل جانب، لم يفقد لحظة واحدة ثقته بربه، بل كان قلبه ممتلئًا بالسكينة والطمأنينة.
لقد علمتنا الهجرة أن المؤمن قد تضيق به الأسباب، ولكن لا تضيق به رحمة الله.
وعلمتنا أن النصر يبدأ من الثبات على المبدأ، لا من كثرة العدد والعدة، قال تعالى: ﴿وَمَن یَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥۤۚ﴾ [الطلاق: ٣]، قال القرطبي: "أي من فوض إليه أمره كفاه ما أهمه، وقيل: أي من اتقى الله وجانب المعاصي وتوكل عليه، فله فيما يعطيه في الآخرة من ثوابه كفاية" [الجامع لأحكام القرآن].
وعلمتنا أيضا الحفاظ على الأوطان: قال العلامة الدكتور البوطي: "لقد كانت -أي الهجرة- بحسب الظاهر تركًا للوطن وتضييعًا له، ولكنها كانت في واقع الأمر حفاظًا عليه وضمانة له، ورُبَّ مظهرٍ من مظاهر الحفاظ على الشيء يبدو في صورة الترك له والإعراض عنه، فقد عاد بعد بضع سنوات من هجرته هذه- بفضل الدين الذي أقام صرحه ودولته- إلى وطنه الذي أُخرِج منه، عزيزَ الجانب منيع القوة، دون أن يستطيع أحد من أولئك الذين تربصوا به ولاحقوه بقصد القتل أن يدنوَ إليه بأي سوء" [فقه السيرة].
الهجرة وبناء المجتمع المتماسك
من أعظم ثمار الهجرة أنها أسست مجتمعًا جديدًا قائمًا على الإيمان والأخوة، فقد آخى النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار، "آخى بينهم على الحق والمواساة، وعلى أن يتوارثوا بينهم بعد الممات، بحيث يكون أثر الأخوة الإسلامية في ذلك أقوى من أثر قرابة الرحم، فجعل جعفر بن أبي طالب ومعاذ بن جبل أخوين، وجعل حمزة بن عبد المطلب وزيد بن حارثة أخوين، وجعل أبا بكر الصديق رضي الله عنه وخارجة بن زهير أخوين، وعمر بن الخطاب وعِتْبان بن مالك أخوين" [فقه السيرة].
ولضمان نجاح هذه الأخوة لا بد وأن يكون الرابط الذي يجعهم يخضع له الجميع، فجعل النبي ﷺ "أساس الأخوة التي جمع عليها أفئدة أصحابه، العقيدة الإسلامية التي جاءهم بها من عند الله تعالى والتي تضع الناس كلهم في مصاف العبودية الخالصة لله تعالى دون الاعتبار لأي فارق إلا فارق التقوى والعمل الصالح، إذ ليس من المتوقع أن يسود الإخاء والتعاون والإيثار بين أناس شتتتهم العقائد والأفكار المختلفة فأصبح كل منهم ملكا لأنانيته وأثرته وأهوائه [فقه السيرة]، فانتقل الناس من روابط الدم والقبيلة إلى رابطة العقيدة والإيمان، وكانت المدينة أول نموذج عملي للمجتمع الذي يجمع بين العدل والرحمة والتكافل والتعاون.
ومن هنا فقد أثنى الله على المهاجرين والأنصار في غير موضع من كتابه، وما ذلك إلا لصدقهم مع الله واستجابتهم لرسول الله ﷺ بقوله: ﴿لِلۡفُقَرَاۤءِ ٱلۡمُهَٰجِرِینَ ٱلَّذِینَ أُخۡرِجُوا۟ مِن دِیَٰرِهِمۡ وَأَمۡوَٰلِهِمۡ یَبۡتَغُونَ فَضۡلࣰا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنࣰا وَیَنصُرُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۤۚ أُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ٨ وَٱلَّذِینَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِیمَٰنَ مِن قَبۡلِهِمۡ یُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَیۡهِمۡ وَلَا یَجِدُونَ فِی صُدُورِهِمۡ حَاجَةࣰ مِّمَّاۤ أُوتُوا۟ وَیُؤۡثِرُونَ عَلَىٰۤ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةࣱۚ وَمَن یُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُو۟لَٰۤئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: ٨، ٩].
إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى استلهام هذا المعنى؛ فالأخوة الصادقة قادرة على رأب الصدوع، وجمع القلوب، وإعادة بناء المجتمعات على أساس من المحبة والتراحم.
الهجرة في حياة الأنبياء والأولياء
إن منهج الأنبياء والصالحين إذا وجدوا من يعيقهم عن طريق الوصول إلى الله تعالى شرعوا في الأخذ بالأسباب وانتقلوا إلى بلاد الله تعالى الواسعة؛ قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: ﴿فَءَامَنَ لَهُۥ لُوطࣱۘ وَقَالَ إِنِّی مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّیۤۖ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، قال العلامة ابن عاشور: "أي: أعلن أنه مهاجر ديار قومه وذلك لأن الله أمره بمفارقة ديار أهل الكفر، وهذه أول هجرة لأجل الدين ولذلك جعلها هجرة إلى ربه، والمهاجرة: مفاعلة من الهجر، وهو: ترك شيء كان ملازمًا له، والمفاعلة للمبالغة أو لأن الذي يهجر قومه يكونون هم قد هجروه أيضًا" [التحرير والتنوير].
وقال تعالى عنه أيضًا: ﴿وَقَالَ إِنِّی ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّی سَیَهۡدِینِ﴾ [الصافات: ٩٩] قال الزمخشري: "أراد بذهابه إلى ربه: مهاجرته إلى حيث أمره بالمهاجرة إليه من أرض الشام، كما قال: إني مهاجر إلى ربى ﴿سَيَهْدِينِ﴾، سيرشدني إلى ما فيه صلاحي في ديني ويعصمني ويوفقني" [الكشاف].
قال النجم الغَزِّي: "فالهجرة من شأن الأنبياء عليهم السلام، ولذلك قال ﷺ: «لَوْلا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرأً مِنَ الأَنْصارِ، وَلَوْ أَنَّ النَاسَ أَخَذُوْا وادِياً وَشِعْباً، وَسَلَكَتِ الأَنْصارُ وادِيًا وَشِعْبًا، لَسَلَكْتُ وادِيَ الأَنْصارِ وَشِعْبَهُمْ» [رواه الشيخان].
ولقد هاجر سيدنا محمد ﷺ، وأمر أصحابه بالهجرة، وهاجر قبله أبوه إبراهيم عليه السلام، وقال: ﴿إِنِّی مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّیۤۖ﴾ [العنكبوت: ٢٦]، وقال: ﴿وَأَعۡتَزِلُكُمۡ وَمَا تَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَأَدۡعُوا۟ رَبِّی عَسَىٰۤ أَلَّاۤ أَكُونَ بِدُعَاۤءِ رَبِّی شَقِیࣰّا﴾ [مريم: ٤٨]، وهاجر معه ابن أخيه لوط عليهما السلام، وهاجر موسى عليه السلام من مصر إلى مَدْين، وهذه سنة الأنبياء والصالحين، ولو شاءوا لدعَوا على أهل الشرك فهلَكوا، أو سلِموا هم من أذاهم، ولم يهاجروا من أوطانهم، ولكنهم فعلوا ذلك تشريعًا لأتباعهم...." [حسن التنبه].
ولقد وسَّع أهل التربية والسلوك هذا المفهوم ليشمل هجرة القلب من كل ما يقطعه عن الله تعالى ويشغله عن السير إليه، فكم من إنسان يقيم في بلدٍ آمنٍ على دينه، لكنه محاطٌ بعوائق وعادات ومشاغل تستنزف وقته، وتشتت فكره، وتحول بينه وبين حضور قلبه مع ربه، قال ابن عجيبة: "والمريد إذا لم يجد قلبه في محل لكثرة عوائده وشواغله، بحيث يشوش عليه قلبه، فلينتقل إلى بلد تقل فيها العلائق والشواغل..." [البحر المديد].
الهجرة إلى الله تعالى باقية إلى يوم القيامة
إن الهجرة إلى الله تعالى واجبة على الدوام، وقد قال سيدنا سهل التُّستَري: "الهجرة فرض إلى يوم القيامة: من الجهل إلى العلم، ومن النسيان إلى الذكر، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن الإصرار إلى التوبة" [حلية الأولياء لأبي نعيم].
وعن الفضل بن موسى، قال: "كان الفضيل بن عياض شاطرًا يقطع الطريق... وكان سبب توبته أنه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو ﴿أَلَمۡ یَأۡنِ لِلَّذِینَ ءَامَنُوۤا۟ أَن تَخۡشَعَ قُلُوبُهُمۡ لِذِكۡرِ ٱللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦]، فلما سمعها قال: بلى يا رب قد آن، فرجع فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابلة، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا، قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ههنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام" [سير أعلام النبلاء].
فهاجر الفضيل بن عياض من خرابات المعاصي إلى جوار البيت الحرام، حتى لُقّب بعابد الحرمين.
وقال سهل رحمه الله تعالى: "علامةُ الحب: إيثارُه على نفسك، وليس كل من عَمِل بطاعة الله عز وجل صار حبيبًا، وإنما الحبيب من اجتنب المناهي" [إحياء علوم الدين للغزالي].
المهاجر عند الله تعالى من هجر ما نهى الله
تعالى عنه
إن الهجرة الحقيقية هي حركة الروح من مستنقع الذنوب إلى آفاق الطاعات، ورحيل القلب من ضيق المعصية إلى سعة المغفرة، مصداقًا لقول سيدنا ومولانا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسانِهِ ويَدِهِ، والمُهاجِرُ مَنْ هَجَرَ ما نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» [رواه البخاري].
قال شيخ الإسلام ابن حجر: "وهذه الهجرة ضربان: ظاهرة وباطنة؛ فالباطنة: ترك ما تدعو إليه النفس الأمارة بالسوء والشيطان، والظاهرة: الفرار بالدين من الفتن؛ وكأن المهاجرين خوطبوا بذلك؛ لئلا يتكلوا على مجرد التحول من دارهم حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قيل بعد انقطاع الهجرة لما فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك بل حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نهى الله عنه، فأعلمهم أن من هجر ما نهى الله عنه كان هو المهاجر الكامل، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام" [فتح الباري].
وعن عمرو بن عَبسة، قال: جاءَ رجلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله، ما الإسلامُ؟ قال: «أنْ تُسْلِمَ قلبَكَ للهِ، وأنْ يسلمَ المسلمونَ مِنْ لِسَانِكَ ويَدكَ»، قال: فأي الإسلام أفضلُ؟ قال: «الإيمان». قال: وما الإيمان؟ قال: «أنْ تُؤْمِنَ باللهِ، وملائكته، وكُتبهِ، ورُسلِه، والبعثِ بعدَ الموتِ». قال فأيُّ الإيمانِ أفضلُ؟ قال: «الهِجْرَةُ». قال: فما الهجرةُ؟ قال: «أن تَهجُر السُّوءَ»، قال: فأيُّ الهِجْرةِ أفضلُ؟ قال: «الجهاد» [رواه أحمد].
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ الْهِجْرَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «أَنْ تَهْجُرَ مَا كَرِهَ رَبُّكَ عَزَّ وَجَلَّ». [رواه النسائي].
قال المناوي: "أي: ليس المهاجر حقيقةً من هاجر من بلاد الكفر؛ بل من هجر نفسه، وأكرهها على الطاعة وحملها تجنب المنهي؛ لأن النفس أشد عداوة من الكافر لقربها وملازمتها وحرصها على منع الخير؛ فالمجاهد الحقيقي من جاهد نفسه واتبع سنة نبيه ﷺ، واقتفى طريقه في أقواله وأفعاله على اختلاف أحواله، بحيث لا يكون له حركة ولا سكون إلا على السنة، وهذه الهجرة العليا لثبوت فضلها على الدوام" [فيض القدير شرح الجامع الصغير].
وعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «الْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ» [رواه ابن ماجه].
قال المُلّا الهروي القاري: (أي: ترك الصغائر والكبائر، وقيل: الذنب أعم من الخطيئة؛ لأنه يكون عن عمد بخلاف الخطيئة؛ لأن الحكمة من الهجرة التمكن من الطاعة بلا مانع، والتبرؤ عن صحبة الأشرار المؤثرة في اكتساب الخطايا، فالهجرة التحرز عنها، فالمهاجر الحقيقي هو المتجانب عنها) [مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح].
وعَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ، أُمِّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْصِنِي. قَالَ: «اهْجُرِي الْمَعَاصِي، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْهِجْرَةِ، وحافِظِي عَلَى الْفَرَائِضِ، فَإِنَّهَا أَفْضَلُ الْجِهَادِ، وَأَكْثِري ذَكَرَ اللَّهِ، فَإِنَّكِ لَا تَأْتِينَ اللَّهَ بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَثْرَةِ ذِكْرِهِ» [رواه الطبراني].
الصبر على العبادة عوض عن الهجرة
قال الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين: "إن فضل الهجرة عظيم؛ فهي خروج من المال والأهل والوطن ابتغاء مرضاة الله، وهي تمسُّك بالدين أمام الوعيد والتعذيب ومحاربة الأعداء الأشداء، ثم هي جهاد في سبيل الله، وتعريض للنفس أن تستشهد في سبيل الله، فهل هناك ما يعدلها في الأجر؟
فالهجرة إلى الله تعالى معناها: أن تترك كل ما يُبعدك عن الله إلى كل ما يقربك من الله، الهجرة إلى الله ليست انتقال جسد من مكان إلى مكان، بل انتقال قلب من حال إلى حال، الهجرة إلى الله أن يكون الله أحبَّ إليك من شهواتك، وأعظمَ عندك من هوى نفسك؛ أن تهجر الذنب إلى التوبة وتهجر القسوة إلى الرحمة، وتهجر الرياء إلى الإخلاص، وتهجر التكبر إلى الانكسار وتهجر الخمول والكسل إلى النشاط والعمل، وتهجر الاعتماد على نفسك إلى الاعتماد على الله، وتهجر الجهل لتستضيء بنور العلم، ﴿فَفِرُّوۤا۟ إِلَى ٱللَّهِۖ إِنِّی لَكُم مِّنۡهُ نَذِیرࣱ مُّبِینࣱ﴾ [الذاريات: ٥٠]، وَإِن عرف الْأَمر الَّذِي يهرب مِنْهُ فَإِنَّهُ يَأْمَن خوف لقَوْله تَعَالَى: ﴿فَفَرَرۡتُ مِنكُمۡ لَمَّا خِفۡتُكُمۡ فَوَهَبَ لِی رَبِّی حُكۡمࣰا﴾ [الشعراء: ٢١].
وكل مَا يهرب الْإِنْسَان مِنْهُ مِمَّا لَا يعاين طلبه فَهُوَ ظفر للمطلوب (وَمن رأى) أَنه يستخفي من النَّاس وَلَا يستخفي من الله فَإِنَّهُ يبارز الله بِالْمَعَاصِي لقَوْله تَعَالَى: ﴿یَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱلنَّاسِ وَلَا یَسۡتَخۡفُونَ مِنَ ٱللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمۡ﴾ [النساء: ١٠٨] [الإشارات في علم العبارات خليل بن شاهين].
وعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «الْعِبَادَةُ فِي الْفِتْنَةِ كَالْهِجْرَةِ إِلَيَّ» [رواه أحمد].
قال الإمام النووي: "المراد بالهرج هنا الفتنة واختلاط أمور الناس، وسبب كثرة فضل العبادة فيه أن الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها ولا يتفرغ لها إلا أفراد" [المنهاج].
وقال الإمام ابن رجب: "وسبب ذلك أن الناس في زمن الفتن يتبعون أهواءهم ولا يرجعون إلى دين فيكون حالهم شبيهًا بحال الجاهلية، فإذا انفرد من بينهم من يتمسك بدينه، ويعبد ربه، ويتبع مراضيه، ويجتنب مساخطه كان بمنزلة من هاجر من بين أهل الجاهلية إلى رسول الله ﷺ مؤمنًا به متبعًا لأوامره مجتنبًا لنواهيه" [لطائف المعارف].
وعَنْ سيدنا مُعَاوِيَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا» [رواه أبو داود].
وعن عُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، أَخِي بَنِي مَازِنِ بْنِ صَعْصَعَةَ وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّ نَبِيَّ اللهِ ﷺ قَالَ: «إِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ، الْمُتَمَسِّكُ فِيهِنَّ يَوْمَئِذٍ بِمِثْلِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَهُ كَأَجْرِ خَمْسِينَ مِنْكُمْ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَوَ منْهُمْ؟ قَالَ: «بَلْ مِنْكُمْ»، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَوَمِنْهُمْ؟ قَالَ: «لَا، بَلْ مِنْكُمْ» ثَلَاثُ مَرَّاتٍ أَوْ أَرْبَعًا" [رواه الطبراني].
من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه
إن الهجرة تمثل ميزانًا عادلًا، فكل من هاجر فرارًا إلى الله بدينه، سيخلف الله عليه خيرًا مما ترك أو فقد؛ فعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: "مَا تَرَكَ عَبْدٌ شَيْئًا لَا يَتْرُكُهُ إِلَّا لِلَّهِ إِلَّا آتَاهُ اللَّهُ مِمَّا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، وَلَا تَهَاوَنَ عَبْدٌ أَوْ أَخَذَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَصْلُحُ لَهُ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ بِمَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" [الزهد والرقائق لابن المبارك].
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَدْهَمَ أَنَّهُ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ شَيْئًا لِلَّهِ عَوَّضَهُ اللَّهُ أَمْثَالَهُ؛ أَلَا تَرَى إلَى سُلَيْمَانَ كَيْفَ أَتْلَفَ الْخَيْلَ فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ فَعَوَّضَهُ اللَّهُ مِنْهَا الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ، غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ". [أحكام القرآن لابن العربي].
قَالَ ابْنُ هِشَامٍ: وذُكر لِي عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النهْدي أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ صُهيبًا حَيْنَ أَرَادَ الْهِجْرَةَ قَالَ لَهُ كُفَّارُ قُرَيْشٍ: أَتَيْتنَا صُعلوكًا حَقِيرًا، فَكَثُرَ مالُك عِنْدَنَا، وبلغتَ الَّذِي بلغتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ ونفسِك، وَاَللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ؛ فَقَالَ لَهُمْ صُهَيْب: أَرَأَيْتُمْ إنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: فَإِنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي. قَالَ: فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: «رَبِحَ صُهَيْبٌ رَبِحَ صُهَيْبٌ» ونزلت فيه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن یَشۡرِی نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَاۤءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۗ﴾ [السيرة النبوية لابن هشام].
كيف نوظف معنى الهجرة في واقعنا المعاصر؟
الهجرة النبوية ذكرى تاريخية تُروى، ورسالة عملية تُعاش، ومن أهم صور توظيفها اليوم:
أولًا: الهجرة من المعصية إلى الطاعة، فالمسلم مطالب في كل يوم أن يهجر ما يغضب الله إلى ما يرضيه، يهجر الكذب إلى الصدق، والغش إلى الأمانة، والتقصير إلى الإحسان، وقد قال النبي ﷺ: «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوء» [رواه أحمد].
ثانيًا: الهجرة من السلبية إلى الإيجابية، فالهجرة تعلمنا ألا نستسلم للواقع الفاسد، بل نسعى إلى إصلاحه، فكما غيَّر النبي ﷺ واقع الجزيرة العربية، يستطيع كل مسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه.
ثالثًا: الهجرة من الفرقة إلى الوحدة، فمن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم أن تهاجر من الخصومات والصراعات إلى التآلف والتعاون، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
رابعًا: الهجرة من العادات السيئة إلى القيم الرفيعة، فكم من الناس يعيشون أسرى لعادات استهلاكية أو سلوكية أو فكرية تُضعف دينهم وأخلاقهم، والهجرة الحقيقية أن ينتقل الإنسان من هذه القيود إلى فضاء القيم الربانية.
خامسًا: الهجرة إلى معالي الأمور، فالمؤمن لا يرضى بالدون، بل يهاجر دائمًا إلى الأكمل والأفضل، يهاجر بعلمه إلى مزيد من التعلم، وبعبادته إلى مزيد من الإخلاص، وبأخلاقه إلى مزيد من الكمال.
هذه بعض منارات حقيقة هجرتنا لله ولرسوله في زماننا هذا، وبها نسلك طريق السابقين، وعسى أن ننتظم في سربهم، ونكون ممن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، آمين.
الخطبة الثانية
الغش في الامتحانات
إن الغِش في الامتحانات من أكثر السُّلوكيات السَّلبية انتشارًا في البيئات التَّعليمية على اختلاف مراحلها، وتكمن خطورة هذا السُّلوك في كونه لا يقتصر على مجرد تجاوز اختبارات دراسية، بل يؤسس لمنظومة فكريَّة مشوَّهة تقوم على الخِداع، وانتهاك الأمانة، وتفريغ التَّعليم من جوهره، مما يؤدِّي إلى إضعاف البنية الأخلاقيَّة والمعرفيَّة للمجتمع.
حُرمة الغِشِّ بجميع صُورِه وأشكاله
جاء الإسلام بكل خلق حسن يصون المجتمع عن المضارِّ والأخطار، ومن ذلك: "تحريم الغش بكافة صوره"، فهو خُلُقٌ ذميمٌ، وجريمةٌ منكَرةٌ؛ لأن فيه تضييعًا للأمانة والحقوق، وتجاوزًا للثوابت والحقائق؛ ولذا لم يكن من صفات أهل الإيمان؛ فعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «مَن غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» [رواه مسلم].
والمراد بقوله: «لَيْسَ مِنِّي»: الإخبار أن الغش ليس من أخلاق أهل الإيمان، فإن صفتَهم التَّناصح في الدِّين، قال العلامة الطِّيبي: "لم يرد نفيه عن الإِسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين" [فيض القدير].
ومفهوم الغِشِّ واسعٌ، فهو ليس مقصورًا على البَيعِ والشِّراء فحسب، بل هو أعمُّ وأشمل من ذلك، وفي هذا يقول الأستاذ الدكتور موسى شاهين لاشين: "وليس الغش قاصرًا على البيع والشراء، فإنه كذلك يكون في الزواج...، كما يكون في الامتحان بإبراز الجاهل في صورة العالم أمامَ المصحِّحين وبإبراز المفلسين والمهملين في صورة الأذكياء المجدِّين، كما يكون الغش في الوظائف العامَّة، والأعمال الخاصَّة، وفي كل المعاملات بإخفاء القُبح، وإبراز الحُسن غير الحقيقي على سبيل التَّغرير والخداع، وإنَّما قرَن الغش بالبيع والشراء؛ لأنه أكثر ما يكون فيه" [فتح المنعم].
الغش في الامتحانات من أعظم الجرائم الأخلاقية
المعصية المتعدِّية أعظمُ عقوبةً وخطرًا
من المعصية القاصرةِ، والغشِّ في الامتحانات يتعدَّي ضرره للغير حيث يُضْعِفُ مستوى
التَّعليم، ويُفقِد الشَّهادات مصداقيَّتها، ويُخرِّج للمجتمع جهلة يحملون شهادة زور،
ومن ثمَّ يؤثِّر سلبًا على أداء الخريجين مستقبلًا في كافة مجالات الحياة؛ بل ينافسون
الفضلاء المجدين، الذين أسهروا ليلهم، وقطعوا أيَّامهم في طلب العلم مما يضيِّع فرصَهم،
وبالتَّالي تتعطَّل مصالحُ الأوطان.
إن "الغش في الامتحان" فيه إلحاق للأذى بالبشرية، قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِینَ یُؤۡذُونَ ٱلۡمُؤۡمِنِینَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ بِغَیۡرِ مَا ٱكۡتَسَبُوا۟ فَقَدِ ٱحۡتَمَلُوا۟ بُهۡتَٰنࣰا وَإِثۡمࣰا مُّبِینࣰا﴾ [الأحزاب: ٥٨].
يقول العلامة محمد بن عَلَّان الصديقي: "ومن أشدِّ الإِيذاء "الغش"؛ لِمَا فيه من تزيين غير المصلحة، والخديعة لِمَا فيها من إيصال الشر إليه من غير علمه" [دليل الفالحين].
وتتنوع صور الغشِّ بين الطُّرق التَّقليدية؛ مثل: تبادُل الأوراق والنقل المباشر، والوسائل الرقمية، كاستخدام الهواتف الذكية، وسماعات البلوتوث، وتطبيقات المحادثة، كما قد يتخِذ الغش شكل تواطؤ من بعض القائمين على الامتحانات، أو تسريب الأسئلة مقابل المال أو النفوذ، وهو ما يشكِّل جريمة أخلاقيَّة وتعليميَّة ومجتمعيَّة مزدوجة.
لا تظنّ أنَّك ستُفلح في حياتك أو ستنجحُ
بالغشِّ
إنَّ الله تعالى لا يُضيع أجرَ من أحسن عملًا، وإذا عملت عملًا مبناه على الغش فاعلم أنَّك تأكل حرامًا، أخذت بهذا العمل حق غيرك وجهده، قال ابن حجر الهيتمي: "وَالْأَحَادِيثُ فِي الْغِشِّ وَالتَّحْذِيرِ مِنْهُ كَثِيرَةٌ ... فَمَنْ تَأَمَّلَهَا وَوَفَّقَهُ اللَّهُ لِفَهْمِهَا، وَالْعَمَلِ بِهَا انْكَفَّ عَنْ الْغِشِّ، وَعَلِمَ عَظِيمَ قُبْحِهِ، وَخَطَرِهِ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا بُدَّ وَأَنْ يَمْحَقَ مَا حَصَّلَهُ الْغَاشُونَ بِغِشِّهِمْ" [الزواجر].
وكذا من يسمح بالغشِّ لطُلابنا فإنه يهمل واجباته الوظيفية، وعليه المسئوليَّة أمام الله تعالى، وفي "صحيح البخاري": «مَا مِنْ وَالٍ (مطلق الولاية) يَلِي رَعِيَّةً مِنَ المُسْلِمِينَ، فَيَمُوتُ وَهُوَ غَاشٌّ لَهُمْ، إِلَّا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ».
الغاشُّ ومساعدُه في الوِزر سواء
إنَّ هذا الفعل الدنيئ يدل على خُبث النَّفس، وظُلمة القلب، وقِلَّة الدين والمروءة، وهو صفة الذين يسعَون في الأرض فسادًا؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» [متفق عليه].
وعَنْ سَعْد بن أبي وقاص عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ» [رواه البيهقي].
وكذا من يُعين على الغشِّ، أو يتجاهل القيامَ بمسئولية منعه أو الإبلاغ عنه، هو والغاشُّ في الإثم سواء؛ لأنه مقصِّر فيما أُنيط به من عملٍ، وفعله هذا من باب التَّعاون على الإثم والعدوان المنهي عنه، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ وَلَا تَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡإِثۡمِ وَٱلۡعُدۡوَٰنِۚ﴾ [المائدة: ٢]، فضلًا عن أنَّه خائنٌ للأمانة التي ائتمنه اللهُ عليها، قال تعالى: ﴿فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضࣰا فَلۡیُؤَدِّ ٱلَّذِی ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡیَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، وقال أيضًا: ﴿یَٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَخُونُوا۟ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوۤا۟ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧].
وما من خائنٍ إلا تُمثَّل له خيانتُه وغدرتُه؛ لواءً يُعقد خلفَ ظهرِه، ثم يُرمى بخيانته في النار؛ فعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخدري، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، يُرْفَعُ لَهُ بِقَدْرِ غَدْرِهِ، أَلَا وَلَا غَادِرَ أَعْظَمُ غَدْرًا مِنْ أَمِيرِ عَامَّةٍ» [رواه مسلم].
قال الإمام النووي: "وفي هذا الحديث بيانُ غِلَظ تحريم الغدر لا سيما صاحب الولاية العامة؛ لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير، وقيل: لأنه غير مضطر إلى الغدر؛ لقدرته على الوفاء، والمشهور أن هذا الحديث وارد في ذم الغادر، وذكر القاضي عياض احتمالين، أحدهما هذا، وهو نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته وللكفار وغيرهم، وغدره للأمانة التي قلَّدها لرعيَّته، والتزام القيام بها، والمحافظة عليها، فمتى خانهم، أو ترك الشفقة عليهم، والرفق بهم فقد غدر بعهده" [المنهاج].
الغاشُّ في الامتحان يعاقِبه اللهُ بضد
قَصدِه
يُربِّي الإسلامُ الإنسانَ على الوضوح والصفاء، والجد والتَّعب، والصِّدق، ولا يُربيه على البطالة والكسل، والاعتماد على الغير في السعي، والأخذ بالأسباب، بينما الذي يغش في الامتحان يودُّ النَّجاح والتَّفوق، والوصول إلى القِمَّة على حِساب الآخرين، فهو لم يطلُب العِلم ابتغاءَ وجهِ الله؛ ولذا كان جزاؤه من جنسِ عمله، فهو محروم التوفيق، والمدَدِ والعَون، ويُبتلى بمحْقِ البركة في حياته، بل ما يتحصَّل عليه من وظيفة أو مال يُعد أكلًا للحرام، فضلًا عما ينتظره في الآخرة؛ فعن كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ طَلَبَ العِلْمَ لِيُجَارِيَ بِهِ العُلَمَاءَ، أَوْ لِيُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ، أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَيْهِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ» [رواه الترمذي وابن ماجه].
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» يَعْنِي رِيحَهَا. [رواه أبو داود].
الأضرار الفردية والمجتمعية للغش
الغِش لا يُعد مخالفة تعليميَّة فحسب، بل هو بوابة إلى ضعفِ الضَّمير، وتشويه التَّنافس الشَّريف، وغياب العدالة، وتكريس قِيم الزَّيف والأنانية، وتنعكس آثارُه على الفرد في صورة فِقْدانِ الثِّقة بالنَّفس، واعتياد الالتفاف على القانونِ، بينما يؤدي، على مستوى المجتمع، إلى إنتاج جيلٍ يحمل شهادات بلا كفاءة، ويفتقر إلى الجَدارة والنزاهة.
مراجع للاستزادة:
السيرة النبوية، لابن هشام.
فقه السيرة النبوية، للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي.
موضوعات مختارة.