recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة فقه الهجرة إلى الله تعالى من هو المهاجر؟ الشيخ عبدالناصربليح

 فقه الهجرة إلى الله تعالى 



                                              من هوالمهاجر؟
وماهي أقسام الهجرة ؟
وماهي أفضل الهجرة ؟
كيف نوظف معنى الهجرة في واقعنا المعاصر؟
وهل الهجرة تحتاج إلي نية صادقة؟

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أما بعد

فقد روى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال :"المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسانِه ويَدِه، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنه"(البخاري ومسلم).

 ورد الحديث بألفاظ متقاربة ومخرّجة في كتب الصحاح والمسانيد، ومنها ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"المُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ"

 وتكرر هذا اللفظ في رواية فضالة بن عبيد رضي الله عنه: “المُسلمُ من سَلِمَ المُسلمونَ من لِسانِه ويَدِه، والمُؤمن من أَمِنَه الناسُ على دِمائهم وأَموالهم، والمُجاهد من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمُهاجر من هجَر الخَطايا والذنوب".

وعن فضالة قال صلي الله عليه وسلم:"ألَا أُخْبِرُكُم مَنِ المُسلِمُ؟ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لِسانِه ويَدِه، والمُؤمِنُ مَن أمِنَه الناسُ على أمْوالِهِم وأنْفُسِهم، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ الخَطايا والذُّنوبَ، والمُجاهِدُ مَن جاهَدَ نَفْسَه في طاعةِ اللهِ"(الترمذي وأحمد واللفظ له).

هجران المعاصي: المقصود بـ "هجر الخطايا" هو تركها، والابتعاد عنها، والتوبة النصوح منها، وعدم العودة إليها.الابتعاد عن المحرمات: المهاجر الحقيقي هو الذي يترك كل ما حرّمه الله عز وجل، سواء كان من المحرمات الظاهرة أو الباطنة.مفاهيم مرتبطة: يوضح الحديث منظومة متكاملة؛ فالمسلم الحق هو من يكفّ أذاه عن الناس (قولاً وفعلاً)، والمجاهد الحقيقي هو من يحارب أهواء نفسه الأمورة بالسوء ليطويها في طاعة الله.

هذا الحديثُ مِن جَوامعِ كَلِمِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفيه يُرشِدُنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى التَّحَلِّي بالآدابِ والأخْلاقِ الإسلاميَّةِ، الَّتي تَزيدُ الأُلفةَ والموَدَّةَ بيْن المُسلِمينَ. ومعْناه: أنَّ المسلِمَ الكامِلَ الجامعَ لخِصالِ الإسلامِ: هو مَن لم يُؤْذِ مُسلِمًا بقَولٍ ولا فِعلٍ، وخصَّ اللِّسانَ واليدَ؛ لكَثرةِ أخطائِهما وأضرارِهما؛ فإنَّ مُعظَمَ الشُّرورِ تَصدُرُ عنهما؛ فاللِّسانُ يَكذِبُ، ويَغتابُ، ويسُبُّ، ويَشهَدُ بالزُّورِ، واليدُ تَضرِبُ، وتَقتُلُ، وتَسرِقُ، إلى غيرِ ذلك، وقدَّم اللِّسانَ؛ لأنَّ الإيذاءَ به أكثرُ وأسهلُ، وأشدُّ نِكايةً، ويعُمُّ الأحياءَ والأمواتَ جميعًا. 

وبيَّن أنَّ المُهاجرَ الكاملَ هو مَن هجَرَ ما نهى اللهُ عنه؛ فالمُهاجرُ الممدوحُ هو الَّذي جمَعَ إلى هِجرانِ وَطَنِه وعَشيرتِه هِجرانَ ما حرَّم اللهُ تعالَى عليه؛ فمُجرَّدُ هِجرةِ بلَدِ الشِّركِ مع الإصرارِ على المعاصي ليست بهِجرةٍ تامَّةٍ كاملةٍ؛ فالمُهاجرُ بحقٍّ هو الَّذي لم يَقِفْ عند الهجرةِ الظَّاهرةِ، مِن تَرْكِ دارِ الحربِ إلى دار الأمنِ، بل هُو مَن هجَرَ كلَّ ما نَهَى اللهُ عنه. 

وفي الحديثِ: الحثُّ على تَركِ أذَى المسلِمين بكلِّ ما يُؤذِي. 

وفيه: أنَّ الظَّواهرَ لا يَعبَأُ اللهُ تعالَى بها إذا لم تُؤيِّدْها الأعمالُ الدَّالَّةُ على صِدقِها.

 

المسلم الحقيقي :"

الذي تظهر عليه آثار الإسلام وشعائره وأماراته، هو الذي يكف أذى لسانه ويده عن المسلمين، فلا يصل إلى المسلمين منه إلا الخير والمعروف.

وفي واقع المسلمين اليوم قد تجد الرجل محافظاً على أداء الصلاة في وقتها، وقد تجده يؤدى حق الله في ماله فيدفع الزكاة المفروضة، وقد يزيد عليها معاوناً للناس يسعى في قضاء حوائجهم، وقد تجده من حجاج بيت الله الحرام ومن عُمّاره، ولكن مع هذا الخير كله قد تجده لا يحكم لسانه ولا يملك زمامه، فينفلت منه لسانه فيقع في أعراض الناس ويمزق لحومهم!! فلا يستطيع أن يملك لسانه عن السب والشتم واللعن.

والنبي صلى الله عليه وسلم يقول:" ليسَ المؤمِنُ بالطعانِ ، ولَا اللعانَ ، ولا الفاحِشَ ، ولا البذيءَ"(الترمذي والطبراني). 

وقد تجد الرجل مع ما فيه من الخير والصلاح لا يملك لسانه عن الغيبة والنميمة، ولا يملكه عن شهادة الزور وقول الزور، وقد لا يكلف لسانه عن همز الناس ولمزهم، فيجره لسانه ويوقعه في كثير من الأخطاء والبلايا، فمثل هذا النوع من الناس قد فقد صفة من أبرز وأهم صفات المسلم الحقيقي.

وهناك نوع آخر من المسلمين يختلف عن النوع السابق فقد تجده يحكم لسانه ويقل به الكلام، ولكنه يؤذى المسلمين بيده، فيضرب بيده أبدان المسلمين، اعتدى على أموالهم فيسرقهم، أو يسلبهم حقوقهم أو يظلمهم فهذا أيضاً قد فقد إمارة من الإمارات الظاهرة التي تدل على إسلام المرء وعلى إيمانه.

وعلى هذا فلا يكتمل إسلام عبد حتى يحب المسلمين ويترك إيذاءهم بلسانه، ويترك إيذاءهم بيده ولا يتم إسلام عبد وإيمانه حتى يشغل لسانه في الأعمال التي يكون فيها نفع له في الدنيا والآخرة، فيُعمل لسانه في تلاوة كتاب الله وفي ذكره سبحانه وتعالى، ويُعمل بلسانه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر العلم النافع أو تقديم النصيحة والمشورة المفيدة النافعة وغير ذلك من المصالح التي تعود بالنفع العاجل على المرء وعلى إخوانه المسلمين.

ولو تحقق أن كف المسلم لسانه عن إيذاء الناس وكف يده كذلك عن إيذاء الناس فلا يكسب بيده شراً وإنما يُعملها في الخير والنفع، ولو تحقق هذا لصار المسلم آمناً في سفره وفي إقامته وفي بيته وخارج بيته ولصار مجتمع المسلمين مجتمعاً فاضلاً على ما يحب الله ورسوله.

والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه

وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"

 معناه أن الهجرة المطلوبة من كل مسلم هي ترك وهجر المعاصي والسيئات التي نهى الله عنها ونهى عنها رسوله صلى الله عليه وسلم.

أقسام الهجرة:

المهاجر من هجر ما نهى الله عنه " .

أقسام الهجرة: الهجرة تكون للمكان. وتكون للحال أو  للعمل، وتكون للعامل،  

والهجرة تطلق على معان ثلاث :

الأول :هجرة المكان، 

والثاني: هجرة الحال.

والثالث هجرة العامل .

فالهجرة المكانية: هي الانتقال من دار الكفر التي يغلب الكفر على أهلها وعلى أحكامها وعلى حكامها، ولا يستطيع الإنسان فيها أن يقيم شعائر دينه، ولا يأمن فيها على دينه ونفسه وعرضه، فينتقل من هذا المكان ومن هذه الدار إلى دار أخرى انتفى فيها هذه المثالب، ويستطيع أن يقيم فيها المسلم آمناً على دينه ونفسه وعرضه، فيستطيع أن يقيم فيها دينه دون خوف أو تهديد، وهذا النوع من الهجرة هو ما حصل من النبي صلى الله عليه وسلم ومن المسلمين عندما انتقلوا من مكة المكرمة إلى المدينة النبوية، حيث كان الكفر وقتها غالب على أهل مكة وكانوا يؤذون المسلمين ويضيقون عليهم في أمور دينهم.

وهذه الهجرة هي التي عناها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ” لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من مغربها “، ذلك لأن الناس لا يزال منهم قسمان: قسم من أهل الخير والصلاح، وقسم من أهل الشر والضلال والفساد، فإن غلب أهل الخير على أهل الشر والفساد في عهد من العهود أو في مكان من الأماكن فهذا هو المراد وذلك هو المطلوب، وفي مثل هذا المجتمع الذي يقوى فيه أهل الخير والصلاح يستطيع الإنسان المسلم أن يقيم دينه ويعبد ربه ويأمن على نفسه وعرضه، وتسمى هذه الدار: “دار إسلام وإيمان”.

وفي بعض العهود والأوقات والأماكن قد يضعف أهل الإسلام والإيمان، وتضعف شوكة أهل الصلاح، ويقوى عليهم أهل الشر والفساد، فعلى المسلم أن يبحث عن مكان وبيئة أصلح من هذه، فيهاجر إليها ويترك هذا المكان الذي تسلط فيه أهل الكفر والضلال وقويت شوكتهم فيه، وتسمى هذه الدار: “دار كفر”.

 فأصل الهجرة هجران الشر ومباعدته ; لطلب الخير ، ومحبته ، والرغبة فيه .

والهجرة عند الإطلاق في كتاب السنة إنما تنصرف إلى هجران بلد الشرك إلى دار الإسلام ; رغبة في تعلم الإسلام والعمل به . وإذا كان كذلك فأصل الهجرة أن يهجر ما نهاه الله عنه من المعاصي ، فيدخل في ذلك هجران بلد الشرك رغبة في دار الإسلام ، وإلا فمجرد هجرة بلد الشرك مع الإصرار على المعاصي ليس بهجرة تامة كاملة ، بل الهجرة التامة الكاملة هجران ما نهى الله عنه ، ومن جملة ذلك هجران بلد الشرك مع القدرة عليه..

 وعن عائشة رضي الله عنها سُئِلَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم عَنِ الهِجرةِ، فقال:"لا هِجرةَ بَعدَ الفَتحِ، ولَكِن جِهادٌ ونيَّةٌ، وإذا استُنفِرتُم فانفِروا"(مسلم).

كانتِ الهِجرةُ مِن مَكَّةَ إلى المدينةِ واجبةً على المؤمنينَ في بِدايةِ الإسلامِ؛ نُصرةً للإسلامِ، وحِمايةً للمسلمين، فَهاجَرَ النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وهاجَرَ أصحابُه رِضوانُ الله عليهم. ثمَّ قال صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:"وإذا استُنفِرْتُم فانفِروا"، أي: إذا دَعاكم الإمامُ إلى غَزوٍ لِقتالِ الكفَّارِ، فأَجِيبوه واخْرُجوا معه..

قوله: "ولكن جهاد ونية"، قال الطيبي، وغيره: هذا الاستدراك يقتضي مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان إلى المدينة، انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة، كالفرار من دار الكفر، والخروج في طلب العلم، والفرار بالدِّين من الفتن، والنية في جميع ذلك. اهـ

هجرة المكان: فأن ينتقل الإنسان من مكان تكثر فيه المعاصي، ويكثر فيه الفسوق، وربما يكون بلد كفر إلي بلد لا يوجد فيه ذلك.

فلا يجوز للإنسان أن يسافر إلي بلد الكفر إلا بشروط ثلاثة:

الشرط الأول: أن يكون عنده علم يدفع به الشبهات

الشرط الثاني: أن يكون عنده دين يحميه من الشهوات؛ لأن الإنسان يدفع به الشبهات. الذي ليس عنده دين إذا ذهب إلي بلاد الكفر انغمس؛ لأنه يجد زهرة الدنيا، هناك شهوات، من خمر، وزني، ولوط. كل إجرام موجود في بلاد الكفر.

الشرط الثالث: أن يكون محتاجاً إلي ذلك؛ مثل أن يكون مريضاً؛ يحتاج إلي السفر إلي بلاد الكفر للاستشفاء، أو يكون محتاجاً إلي علم لا يوجد في بلد الإسلام تخصص فيه؛ فيذهب إلي هناك ويتعلم، أو يكون الإنسان محتاجاً إلي تجارة، يذهب ويتجر ويرجع.

هجرة الحال:"

وأما الهجرة الثانية أو النوع والقسم الثاني: فهو هجرة الحال، وقد فسره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه "، 

أفضل الهجرة هي ترك المعاصي 

وأفضل الهجرة كما بين رسول الله صلي الله عليه وسلم في قوله لأم أنس :" اهجري المعاصي؛ فإنها أفضلُ الهجرةِ، وحافظي على الفرائضِ؛ فإنها أفضلُ الجهادِ، وأكثري من ذكرِ اللهِ؛ فإنك لا تأتينَّ بشيءٍ أحبَّ إليه من كثرةِ ذكرِه"( ابن أبي الدنيا ((الورع)، والطبراني في الأوسط ، وابن شاهين في ((الترغيب في فضائل الأعمال) واللفظ لهم جميعا).

فالهجرة بهذا المعنى أن يهجر المسلم السيئات والمعاصي، وأن ينتقل من حال المعصية والبعد عن الله ومخالفة أمره والتجرؤ على حرماته، إلى حال آخر وهو حال الإقلاع عن المعاصي والذنوب، وحال القرب من الله والوقوف عند حدوده.

وهي هجرة العمل، وهي أن يهجر الإنسان ما نهاه الله عنه من المعاصي والفسوق كما قال النبي صلي الله عليه وسلم:"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهي الله عنه" فتهجر كل ما حرم الله

والهجرة بالمعنى الأخير، وهو ترك ما نهى الله عنه تشمل النوع السابق بالمعنى الأخير، وهو ترك ما نهى الله عنه، وبيان ذلك أن مما نهى الله أن يقيم المسلم في دار الكفر مقهوراً مغلوباً وهو قادر على ترك هذا المكان إلى غيره مما هو آمن وأصلح منه فتكون هجرته بهجران ما نهى الله عنه وهو الإقامة بين ظهراني الكفار.

هجرة العامل،

القسم الثالث: هجرة العامل، فإن العامل قد تجب هجرته أحياناً، قال أهل العلم: مثل الرجل المجاهر بالمعصية؛ الذي لا يبالي بها؛ فإنه يشرع هجره إذا كان في هجره فائدة ومصلحة.

والمصلحة والفائدة إنه إذا هجر عرف قدر نفسه، ورجع عن المعصية.

ومثال ذلك: رجل معروف بالغش بالبيع والشراء؛ فيهجره الناس، فإذا هجروه تاب من هذا ورجع وندم، ورجل ثان يتعامل بالربا، فيهجره الناس، ولا يسلمون عليه، ولا يكلمونه؛ فإذا عرف هذا خجل من نفسه وعاد إلى صواب

كيف نوظف معنى الهجرة في واقعنا المعاصر؟

الهجرة النبوية ذكرى تاريخية تُروى، ورسالة عملية تُعاش، ومن أهم صور توظيفها اليوم:

أولًا: الهجرة من المعصية إلى الطاعة، فالمسلم مطالب في كل يوم أن يهجر ما يغضب الله إلى ما يرضيه، يهجر الكذب إلى الصدق، والغش إلى الأمانة، والتقصير إلى الإحسان، وقد قال النبي : «وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السُّوء» [رواه أحمد].

ثانيًا: الهجرة من السلبية إلى الإيجابية، فالهجرة تعلمنا ألا نستسلم للواقع الفاسد، بل نسعى إلى إصلاحه، فكما غيَّر النبي واقع الجزيرة العربية، يستطيع كل مسلم أن يبدأ بإصلاح نفسه وأسرته ومجتمعه.

ثالثًا: الهجرة من الفرقة إلى الوحدة، فمن أعظم ما تحتاجه الأمة اليوم أن تهاجر من الخصومات والصراعات إلى التآلف والتعاون، قال تعالى: ﴿وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ﴾ [آل عمران: ١٠٣].

رابعًا: الهجرة من العادات السيئة إلى القيم الرفيعة، فكم من الناس يعيشون أسرى لعادات استهلاكية أو سلوكية أو فكرية تُضعف دينهم وأخلاقهم، والهجرة الحقيقية أن ينتقل الإنسان من هذه القيود إلى فضاء القيم الربانية.

خامسًا: الهجرة إلى معالي الأمور، فالمؤمن لا يرضى بالدون، بل يهاجر دائمًا إلى الأكمل والأفضل، يهاجر بعلمه إلى مزيد من التعلم، وبعبادته إلى مزيد من الإخلاص، وبأخلاقه إلى مزيد من الكمال.

الخطبة الثانية 

الحمدلله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد 

فياعباد الله :"

وهل الهجرة تحتاج إلي نية صادقة؟

 لازانا بصدد الحديث حول فقه الهجرة 

 يقول  صلى الله عليه وسلم:"إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه"(متفق عليه).

 الأمور تبع لمقاصدها، فالذي يدعي أنه يهاجر إلى الله ورسوله وهو يريد غرضا آخر، فإنه مذموم من حيث كونه يظهر من العبادة خلاف ما يبطن، وأما من هاجر يطلب التزويج، أو يريد الهجرة إلى الله والتزويج معا ولم يبطن من القصد خلاف ما يظهر، فليس في فعله هذا مذمة، قال ابن حجر في "فتح الباري": فأما من طلبها مضمومة إلى الهجرة، فإنه يثاب على قصد الهجرة، لكن دون ثواب من أخلص، وكذا من طلب التزويج فقط، لا على صورة الهجرة لله، لأنه من الأمر المباح الذي قد يثاب فاعله إذا قصد به القربة كالإعفاف... ومن هذا تعرف أن من هاجر للزواج من امرأة ثم توفي فلا مذمة في فعله ذلك، وقد يكون مأجورا عند الله تعالى. والله أعلم.

عباد الله:"  المؤمن لا يزال بخيرٍ ما نوى الخير وعمل بالخير، وإذا علم الله منك حسن النية وصدق الإرادة يسر لك الأمر وأخذ بناصيتك إلى ما يُرضيه، وإنما يفوز بهداية التوفيق من بدأ السير على الطريق الصحيح، وحول النيات الحسنة إلى أعمالٍ صالحة.

وهذه بعض الخطوات التي تعينك على الخير:

1- التوجه إلى الله، فإن الهداية بيده سبحانه، وما عند الله لا ينال إلا بالدعاء .

2- الإخلاص لله، فإنه ما كان لله دام واتصل وما كان لغير الله انفصل وانقطع، فالذي يصلي للناس يترك الصلاة مثلاً إذا لم يشاهدوه ولم يمدحوه، ولكن الذي يصلي لله يواظب على الصلاة في المنشط وفي المكره، أمام الناس وفي خلقهم.

3- التوبة النصوح، والندم على تقصيرك السابق، والعزم على عدم العودة إلى أيام الغفلة، والاجتهاد في عمل الحسنات الماحية.

4- إبعاد الأشياء التي تشعلك عن المهمة التي خلقت لأجلها وهي عبادة الله الذي يقول: (( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ))[الذاريات:56].

5- استبدال الأصدقاء الغافلين بآخرين لله مطيعين، يذكرونك بالله إذا نسيت، ويعينونك على طاعة الله إذا ذكرت.

6- الحرص على بر والديك، وطلب الدعاء منهما.

7- طلب العلم الشرعي، ومجالسة أهل العلم، والقراءة عن سيرة السلف.

8- عدم تكليف النفس فوق طاقتها؛ لأن ذلك يجلب الملل، وهذا خطأ يقع فيه كثير من الشباب حين يكلف أحدهم نفسه بأعمال شاقة في صلاة وصيام وتلاوة، ثم يسأم ويمل ويترك مواصلة العمل.

9- تنظيم وقتك وحياتك، وضبط مواعيد الصلاة، والالتزام بورد يومي من القرآن.

10- وأخيراً: الحرص على معاونة المحتاجين وإيصال النفع للفقراء واليائسين.

نسأل الله لك التوفيق والسداد.

google-playkhamsatmostaqltradent