مقارنة
بين بلطجة الجاهليةالأولي قبل الهجرةوالجاهلية الثانية
النصوص الشرعية الواردة في البلطجة
صورمن البلطجة والاضهادقبل الهجرة
كيف عالج الرسول هذه الممارسات وقتها
البلطجة المجتمعية وحوادث العنف اليومي؟
بلطجة الجاهلية الثانية أشد وأشرس من بلطجة الجاهلية الأولي
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين أمابعد فياعباد الله
يقول الله تعالى:"وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ"(الأنفال/30﴾.
عباد الله :" هذه الأية تلخص لنا مدي البلطجة التي كانت تمارس ضد رسول الله صلي الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين فترة ماقبل الهجرة .
ويمكن تلخيص المعاني العميقة لهذه الآية في النقاط التالية:
سبب النزول نزلت هذه الآية في "دار الندوة" عندما اجتمع سادة قريش للتآمر على النبي ﷺ. وطرحوا ثلاثة خيارات للتخلص منه، وهي التي وردت في الآية:
ليثبتوك: أي يقيدوك بالحديد ويحبسوك.
أو يقتلوك: بأن يجتمع من كل قبيلة رجل فيضربوه ضربة رجل واحد، ليتفرق دمه بين القبائل ولا يستطيع بنو هاشم المطالبة بالثأر.
أو يخرجوك: أي ينفوك ويطردوك من مكة.
يُذكّر الله تعالى نبيه ﷺ بكيد المشركين، وكيف خططوا للقضاء عليه. وفي مقابل مكرهم السري، دبّر الله له ونجّاه من خططهم، مما مهّد له طريق الهجرة الناجحة إلى المدينة المنورة لتأسيس دولة الإسلام.
جريمة الحرابة: يُعد البلطجي الذي يقطع الطريق، أو يُرهب الناس، أو يستعرض القوة محارباً لله ورسوله. وقد توعدهم القرآن الكريم بأشد العقوبات في قوله تعالى:"إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ"(المائدة: 33).
حرمة ترويع المسلم: نهى النبي صلي الله عليه وسلم عن أي فعل يُخيف المُسلم ولو على سبيل المزاح، ففي الحديث: "لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا"(أبوداود).
فما بالك بمن يُرهب الناس ويستعرض القوة؟حماية الأموال والأعراض: البلطجة وسيلة لأكل أموال الناس بالباطل وانتهاك الحقوق، والإسلام يصون الدماء والأموال والأعراض، حيث قال النبي صلي الله عليه وسلم في حجة الوداع:"إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ"(البخاري ومسلم).
وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أشار إلى أخيه بحديدة فإن الملائكة تلعنه حتى يدعه وإن كان أخاه لأبيه وأمه"(مسلم).
قال النووي: فِيهِ تَأْكِيد حُرْمَة الْمُسْلِم , وَالنَّهْي الشَّدِيد عَنْ تَرْوِيعه وَتَخْوِيفه وَالتَّعَرُّض لَهُ بِمَا قَدْ يُؤْذِيه. وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمّه. مُبَالَغَة فِي إِيضَاح عُمُوم النَّهْي فِي كُلّ أَحَد, سَوَاء مَنْ يُتَّهَم فِيهِ, وَمَنْ لَا يُتَّهَم, وَسَوَاء كَانَ هَذَا هَزْلًا وَلَعِبًا, أَمْ لَا، لِأَنَّ تَرْوِيع الْمُسْلِم حَرَام بِكُلِّ حَال. اهـ.
وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثنا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يسيرون مع النبي صلى الله عليه وسلم، فنام رجل منهم فانطلق بعضهم إلى حبل معه فأخذه ففزع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يحل لمسلم أن يروع مسلما"(أبو داود وأحمد، وصححه ).
وقال أيضا صلى الله عليه وسلم: لا يأخذ أحدكم عصا أخيه لاعبا أو جادا، فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه"(الترمذي وحسنه، وأبو داود وأحمد، وبوب عليه الترمذي: باب ما جاء لا يحل لمسلم أن يروع مسلما).
وقد عقد الحافظ المنذري في كتاب الترغيب
والترهيب بابا في الترهيب من ترويع المسلم، ومن الإشارة إليه بسلاح ونحوه جادا أو مازحا
وذكر فيه عدة أحاديث أخرى.
صورمن البلطجة والاضهادقبل الهجرة
فقد شهدت فترة ما قبل الهجرة في مكة أبشع صور البلطجة، والاضطهاد، والإرهاب النفسي والجسدي الذي مارسه سادة قريش ضد النبي صلي الله عليه وسلم والمستضعفين من أصحابه.
لم تكن مجرد خلاف فكري، بل حملة منظمة لسحق الدعوة.
برزت هذه الممارسات في عدة أشكال رئيسية:
حصار شامل ومقاطعة: فرضت قريش حصاراً اقتصادياً واجتماعياً خانقاً في "شعب أبي طالب" استمر نحو 3 سنوات، مُنع فيه البيع والشراء والزواج والمخالطة مع بني هاشم وبني المطلب، حتى أكلوا أوراق الشجر من شدة الجوع.التعذيب الجسدي: تفنن المشركون في تعذيب المسلمين من العبيد والفقراء.
الإرهاب النفسي وحرب الشائعات: اتهموا النبي صلي الله عليه وسلم بالسحر والجنون والكذب، وكانوا يشوشون على الناس بصخب شديد كلما قرأ القرآن لمنع وصوله إلى القلوب.
الاعتداء المباشر على النبي صلي الله عليه وسلم: تعرض النبي صلي الله عليه وسلم لمحاولات خنق وإيذاء جسدي ولفظي متكرر، حتى إن عمه أبا لهب وزوجته كانا يضعان الشوك في طريقه والأذى أمام بيته.
كيف عذّبت قريش النبي صلي الله عليه وسلم وأصحابه في بداية الإسلام
قال ابن إسحاق: "حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس قال: سمعت ربيعة بن عباد الديلي يقول: " إني لمع أبي (رجلٌ شابٌّ) أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبع القبائل، وراءه رجل أحول، وضيء الوجه ذو جَمَّة، يقف رسول الله صلى الله عليه وسلم على القبيلة فيقول: "يا بني فلان. إني رسول الله إليكم آمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً،وأن تصدقوني وتمنعوني حتى أنفِّذ عن الله ما بعثني به " وإذا فرغ من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان. هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزّى وحلفاءكم من الجن من بني مالك بن أقمس، إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه. فقلت لأبي: من هذا؟ قال: عمه أبو لهب.(أحمد والطبراني بهذا اللفظ).
فهذا نموذج من نماذج كيد وبلطجة عم الرسول أبي لهب للدعوة وللرسول صلى الله عليه وسلم ، وكانت زوجته أم جميل في عونه في هذه الحملة الدائبة الظالمة."وهي أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان".
ولقد اتخذ أبو لهب موقفه هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم منذ اليوم الأول للدعوة.. أخرج البخاري- بإسناده- عن ابن عباس، أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج إلى البطحاء، فصعد الجبل فنادى: "يا صباحاه" فاجتمعت إليه قريش، فقال: أرأيتم إن حدثتكم أن العدو مصبحكم أو ممسيكم؟ أكنتم مصدقي؟ قالوا: نعم. قال:" فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد". فقال أبو لهب. ألهذا جمعتنا؟ تباً لك.فانزل الله "تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ"(صحيح) إلخ.وفي روايةٍ، فقام ينفض يديه وهو يقول: تبا لك سائرَ اليوم! ألهذا جمعتنا؟! فأنزل الله السورة.
بعض المحن والصعوبات التي واجهها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ...
1- اتهموه بالجنون : وفي ذلك نزل قول الله تعالى :"وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ"(الحجر/6).
كما قد رواه البيهقي ، عن الحاكم ، عن الأصم ، حدثنا محمد بن إسحاق الصغاني ، حدثنا يوسف بن بهلول ، حدثنا عبد الله بن إدريس ، حدثنا محمد بن إسحاق ، عمن حدثه ، عن عروة بن الزبير ، عن عبد الله بن جعفر ، قال : لما مات أبو طالب ، عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم سفيه من سفهاء قريش ، فألقى عليه ترابا ، فرجع إلى بيته ، فأتت امرأة من بناته تمسح عن وجهه التراب وتبكي ، فجعل يقول : " أي بنية ، لا تبكين فإن الله مانع أباك " . ويقول ما بين ذلك : " ما نالت قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب ". (وقد رواه زياد البكائي ، عن محمد بن إسحاق ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه مرسلا).
ومن الصورالشهيرة للبلطجة قبل الهجرة :
رحلة الطائف. ذهب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الطائف يطلب النصرة، فقوبل بالصدّ والبلطجة، لكنه بقي متفائلاً، ودعا الله قائلاً: “إن لم يكن بك غضب علي فلاأبالي"...
البلطجة علي الصحابة رضوان الله عليهم
ولقدتعرض الصحابة رضوان الله عليهم للبلطجة والأذي فهذا
بلال بن رباح: كان أمية بن خلف يضعه على رمال مكة الملتهبة ويضع صخرة عظيمة على صدره ليرده عن الإسلام.
وعمار بن ياسر وأسرته: عُذِّبوا بالنار والضرب، وشهد عمار مقتل والديه سمية بنت خياط (أول شهيدة في الإسلام) وزوجها ياسر بطعنات من أبي جهل.
سمية بنت خياط،:" أول شهيدة استشهدت فى الإسلام، من مشاهير الصحابيات، كانت أَمَةًً لأبى حذيفة بن المغيرة المخزومى، وكان ياسر بن عامر حليفًا لأبى حذيفة بن المغيرة المخزومى، فزوجه بها فولدت له عمارا، فأعتقه أبو حذيفة، وظل ياسر وابنه عمار مع أبى حذيفة إلى أن مات، فلما جاء الإسلام أسلم ياسر وأخوه عبدالله وسمية وعمار، وهم من السابقين الأولين فى الإسلام، وممن بذلوا أرواحهم لإعلاء كلمة الله عز وجل،
وكانت سمية بنت خياط من المبايعات الصابرات الخيرات اللاتى احتملن الأذى فى سبيل الله، كما كانت من الأوائل الذين دخلوا فى الدين الإسلامى، وسابع سبعة ممن اعتنقوا الإسلام بمكة بعد الرسول وأبى بكر الصديق وبلال وصهيب وخباب وعمار ابنها.
ولم يكن هناك من يدافع عنهم فذاقوا أصناف العذاب، وألبسوا دروع الحديد، وصهروا تحت لهيب الشمس الحارقة؛ من أجل اتخاذهم الإسلام، وصبروا على الأذى والحرمان الذى لاقوه من قومهم، فقد ملأ قلوبهم بنور الله- عزوجل- فعن عمار أن مشركى بنى خزامة عذبوه عذابًا شديدًا فاضطر عمار لإخفاء إيمانه عن المشركين وإظهار الكفر وقد أنزلت آية فى شأن عمار فى قوله عز وجل: «من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان». وعندما أتى رسول الله قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله! ما تُركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير!.قال: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئنًا بالإيمان. قال: فإن عادوا لك فعد لهم. نالت سمية الشهادة بعد أن طعنها أبو جهل بحربة بيده فى قلبها فماتت على إثرها فى السنة السادسة بعد البعثة، السابعة قبل الهجرة. وكانت سمية حين استشهدت عجوزًا ضعيفة، متمسكة بالدين الإسلامى، ثابتة عليه لا يزحزحها عنه أحد، وكان إيمانها الراسخ فى قلبها هو مصدر ثباتها وصبرها على احتمال الأذى الذى لاقته على أيدى المشركين.
عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ: حَدَّثَنِى رِجَالٌ مِنْ آلِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّ سُمَيَّةَ أُمَّ عَمَّارٍ عَذَّبَهَا هَذَا الْحَيُّ مِنْ بَنِى الْمُغِيرَةِ بن عبدالله بن عمر بن مخزوم عَلَى الإِسْلامِ، وَهِيَ تَأْبَى غَيْرَهُ، حَتَّى قَتَلُوهَا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يمَرَّ بِعَمَّارٍ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ بِالأَبْطَحِ فِى رَمْضَاءِ مَكَّةَ، فَيَقُولُ: صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ موعدكم الجنة، وروى أنّه مرّة واحدة فقط انهالت دموعها، وظنّ جلّادها أنها تبكى ألمًا وقهرًا، لكنّها كانت تبكى على ابنها عمّار الذى كان يُعذّب أمامها، وكانت تُردّد له: «إيّاك والكفر يا عمار» حتى استُشهدت - رضى الله عنها - على يد أبو جهل عندما سمعها تردد «أَحَد، أحد، الله أكبر»، ورفضت الكفر، فطعنها فى قلبها، وكانت بذلك أول من استشهد من النساء فى الإسلام، ثم لحقت بها عائلتها.
واجه النبي ﷺ أذى وبلطجة المشركين بالصبر والثبات، والاعتماد على الله، والدعوة بالحكمة، مع التسامح والعفو، حيث اتبع أساليب متنوعة لحماية دعوته وأصحابه.
الصبر والثبات: كان
ﷺ يحث أصحابه على التحمل،
وضرب المثل الأعلى في الصبر على تكذيبهم، واتهامهم له بالسحر والجنون، دون أن يثنيه
ذلك عن دعوته.
التوكل والدعاء: كان
يستمد قوته من الله تعالى، ويطمئن أصحابه بنصره، فكان يلجأ إلى الدعاء للمشركين بالهداية
بدلاً من الدعاء عليهم.
العفو والإحسان: تميز
بأعلى درجات الحلم، حيث لم ينتقم لنفسه قط في أمر شخصي. وكثيراً ما كان عفوه سبباً
في إسلام أشد أعدائه.
بناء الأمة (دار الأرقم):
اتخذ منهجية تربوية وسرية في بداية الدعوة لحماية المؤمنين الجدد، وتوعيتهم في دار
الأرقم بن أبي الأرقم لتجاوز مرحلة الاستضعاف.
البحث عن بيئة حاضنة:
عندما اشتد الإيذاء، وجه المسلمين للهجرة إلى الحبشة بحثاً عن الأمان، وخرج بنفسه إلى
الطائف لنشر الدعوة، ثم مهد للهجرة إلى المدينة المنورة لتأسيس الدولة.
الدفاع المدروس: بعد تأسيس الدولة الإسلامية في المدينة، واجه المشركين بالاستعداد العسكري والدفاع عن النفس لحماية الدين والمسلمين، وهو ما توّجه في النهاية بفتح مكة والعفو العام عن أهلها.
لماذا لم يقاتل المسلمون
المشركين قبل الهجرة؟
الحكمة الرابعة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: تجنب الفتنة الخطيرة التي ستحدث في مكة وتؤدي إلى سمعة سيئة بالإسلام، وإلى الفتنة العظيمة، ولم يكن في أرض مكة حكومة مركزية تقوم بتعذيب الناس، بل تكفل كل زعيم بأتباعه، تكفل الوالد بولده، وشيخ القبيلة بأفراد قبيلته، والسيد بعبده، فمثلاً: مصعب بن عمير عذبته أمه، وعثمان بن عفان ..
ماما كما ذكرت، كان العهد المكي مليئاً بالابتلاءات؛ حيث كان كل زعيم قبيلة أو سيد يعذب أتباعه وأقرباءه لإجبارهم على التراجع.اكتملت الأمثلة البارزة على ذلك في اضطهاد قريش للمسلمين من ذويهم على النحو التالي:مصعب بن عمير: عذبته أمه (خناس بنت مالك)، حيث حبسته في غرفة مظلمة، ومنعت عنه الطعام والشراب حتى تغير حاله وجلده، وذلك بعد أن كان فتى مكة المُنعّم.عثمان بن عفان: عذبه عمه (الحكم بن أبي العاص)، حيث كان يلفه في حصير ويوقد تحته النار لإجباره على ترك الإسلام، ولكنه ثبت عليه.خباب بن الأرت: عذبته سيدته (أم أنمار بنت سباع) عن طريق الكي بالنار، إلى جانب أشكال أخرى من التعذيب القاسي الذي ناله المستضعفون في مكة.لمعرفة المزيد حول سيرة وتفاصيل صبر هؤلاء الصحابة، يمكنك الاطلاع على مقالات تفصيلية متاحة في موقع إسلام ويب عن سيرتهم.إذا كنت ترغب في التعمق أكثر، هل تود أن:أسرد لك تفاصيل تعذيب صحابي آخر مثل بلال بن رباح أو عمار بن ياسر؟أذكر لك كيف هاجروا وتركوا أموالهم وديارهم في سبيل دينهم؟
الحكمة الإلهية من عدم القتال في العهد المكي
قد يقول قائل: لماذا أمر الله عز وجل المسلمين بالكف عن القتال في مكة؟ ولماذا تحملوا الألم دون رد أو تغيير؟ يقول ربنا سبحانه وتعالى:"وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ"(الأنعام:١٠٦).
الحكمة الكاملة من وراء ذلك المنع لا يستطيع البشر أن يتوصلوا إليها، لكننا سنبحث فيما نعتقد أنه السبب أو الحكمة، حتى نتعلم كيفية العمل في الظروف المشابهة.
الحكمة الأولى من كف المسلمين عن القتال: التربية على نوع جديد من الصبر، لن يتعلمه المسلمون إلا في مثل ذلك الوضع.
الصبر أنواع كثيرة، والعربي بصفة عامة صبور، يصبر على الجوع، والحر، والفقر، وطول السفر، والآلام، والحروب، إلا أنه لا يصبر على تحمل الظلم، فله طبيعة ثائرة لا ترضى بالضيم والجور، يثور ولو ضاعت حياته، لكن الآن أصبحت لدى المؤمنين أبعاداً أخرى أعمق من متطلبات الفرد، وأصبح من أهداف المؤمن أن يقيم أمة ودولة ومجتمعاً، ولا يستقيم للفرد أن ينظر إلى مصلحته الشخصية، بل يجب أن ينظر إلى مصلحة المجموع، وربنا سبحانه وتعالى يأمرهم ألا ينظروا إلى حظ نفوسهم، ولكن لصالح الأمة والجماعة، لأنه لا يمكن لأمة أن تقوم وأفرادها يقدمون مصالحهم الشخصية على مصالحها، فيتحتم عليهم الكف عن القتال، حتى يتربى المسلمون على هذا النوع الجديد من الصبر.
الحكمة الثانية: التربية على الطاعة لقيادة هذه الأمة الناشئة؛ لأن الاختبار الحقيقي للطاعة هو أن تطيع دون جدل ولا ضجر ولا اعتراض، في أمر لا تهواه نفسك في غير معصية للخالق سبحانه وتعالى، هذا هو المقياس الحقيقي للطاعة، كما حصل من خباب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فـ خباب رأى أن استعجال النصر مصلحة في ذلك الوقت، فذهب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منه ذلك، فأوضح له رسول الله صلى الله عليه وسلم الأمر، وبين له ضرورة الصبر.
حينها سمع وأطاع وكف اليد وقبل الأمر، وتعلم شيئاً في منتهى الأهمية للجماعة وهو الطاعة لولي الأمر، لا جماعة بغير إمرة، ولا إمرة بغير طاعة، ومن غير هذا الجو من التعذيب والأمر بالصبر عليه لن يتعلم المسلمون الطاعة في مشوار حياتهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم وبعده.
إذاً: كانت الحكمة الثانية: تربية المسلمين على الطاعة المطلقة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، أو لأي قائد ما لم يأمر بمعصية لله عز وجل.
الحكمة الثالثة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: أن الدعوة السلمية في هذه البيئة كانت تعطي نتائج أفضل.
ولبيان هذا الأمر نطرح سؤالاً: هل الغرض في النهاية هو حكم مكة أم إسلام مكة؟ الغرض إسلام مكة، ولا يهم من الذي سيحكمها بعد ذلك، المهم يحكمها بكتاب ربنا سبحانه وتعالى وبسنة الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أن هذه البيئة المكية ألفت العنجهية والشرف والعلو والعزة، ولو فرضت عليها الرأي بالقوة لن تقبله، وسيحدث صراع مبكر بين المؤمنين والكافرين، وسيرفض الكافرون الدخول في هذا الدين عناداً، فهم يعاندون لضعف المسلمين، فكيف لو فرضوا عليهم الرأي بالقوة؟! إذاً: لابد للداعية أن يدرس نفسيات من يدعوه من الناس، فمنهم من يتأثر بمظاهر الرحمة في الداعية، ومنهم من يتأثر بذكاء عقله، أو بقوة بدنه، ومنهم من يتأثر بلطفه وأدبه، وهكذا خلق الله عز وجل الناس مختلفين، ولابد للداعية أن يتعامل مع كل هذه النوعيات، ويراعي ظروف المدعو، وظروف البيئة التي يعيش فيها.
الحكمة الرابعة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: تجنب الفتنة الخطيرة التي ستحدث في مكة وتؤدي إلى سمعة سيئة بالإسلام، وإلى الفتنة العظيمة، ولم يكن في أرض مكة حكومة مركزية تقوم بتعذيب الناس، بل تكفل كل زعيم بأتباعه، تكفل الوالد بولده، وشيخ القبيلة بأفراد قبيلته، والسيد بعبده، فمثلاً: مصعب بن عمير عذبته أمه، وعثمان بن عفان عذبه عمه، وخباب بن الأرت عذبته سيدته وهكذا، فلو قاتل المؤمنون دفاعاً عن أنفسهم، فإنهم سيقاتلون آباءهم وأعمامهم وقبائلهم، وفي هذا الموقف ما الذي سيقال عن الإسلام؟ إذا كان الكفار قد ادعوا أن الإسلام يفرق بين الولد ووالده، وبين الرجل وعشيرته، وبين المرء وزوجه من دون قتال، فكيف لو كان هناك قتال؟! إذاً: كانت هناك حاجة ملحة لتجنب الفتنة الكبيرة في داخل مكة، وللحفاظ على الصورة الجميلة للإسلام، وهي الصورة الواقعية لهذا الدين العظيم.
الحكمة الخامسة في كف المؤمنين عن القتال في مكة: أن الله عز وجل يعلم أن كثيراً
من أهل الكفر سينتقلون بعد ذلك من معسكر الكفر إلى معسكر الإيمان، فالدعوة ما زالت
في مهدها، ولم تأخذ الفرصة الكافية للوصول إلى قلوب الناس، وكثير منهم سيعترض في البداية
ويتشدد، ثم لا يلبث أن يتبدل الأمر في أعينهم، من هؤلاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد
وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل، فكل هؤلاء أصبحوا بعد ذلك قادة يأخذون الإسلام إلى
كل ربوع الأرض..
بلطجة الجاهلية الثانية أشد وأشرس من بلطجة الجاهلية الأولي
وكنا نخشي أن تعود عقارب الساعة للوراء إلي عصر الجاهلية الأولي ولكنها عادت بمرارة وانتكاسة وقسوة وبلي رحمة فهي تشعر الكثيرين بانتكاسات القيم والمبادئ، حيث تتوارى مكارم الأخلاق لتعود بنا المشاهد إلى الوراء نحو التعصب، التناحر، وتغليب لغة القوة والعصبية على العقل والقانون
تتعدد أشكال البلطجة والتهديد في عالمنا اليوم، سواء على المستوى الدولي من خلال سياسات الهيمنة وتجاهل القوانين، أو على المستوى المحلي والمجتمعي عبر حوادث التعدي واستعراض القوة وفرض السيطرة.
تختلف صور "البلطجة" التي تثير قلق المجتمعات والدول ويمكن تصنيفها إلى عدة جوانب:
البلطجة بمعناها السياسي والدولي (كالهيمنة والحروب)،
البلطجة الدولية: وتتمثل في خرق المعاهدات، التدخل في شؤون الدول الأخرى، سياسات العقوبات الأحادية، واستخدام القوة العسكرية والاقتصادية لفرض الإرادات السياسية.البلطجة السياسية والدولية هي نهج استبدادي يعتمد على القوة والإكراه لفرض الهيمنة، حيث تتخلى القوى الكبرى عن قواعد القانون الدولي والمؤسسات الأممية لتلجأ إلى سياسات الابتزاز، والحروب الاستباقية، والعقوبات الأحادية، من أجل تحقيق مصالحها الذاتية وإخضاع الدول الأخرى.
البلطجة المجتمعية: وتبرز في الجرائم اليومية مثل استعراض القوة، التعدي على الممتلكات الخاصة، الترويع، والبلطجة الأسرية أو الفردية التي تواجهها الأجهزة الأمنية والقانونية بحزم.
البلطجة الرقمية: وتشمل التنمر الإلكتروني، الابتزاز، ونشر الشائعات لاغتيال الشخصيات عبر منصات التواصل الاجتماعي.
للحد من هذه الظواهر، تلجأ السلطات إلى تشديد العقوبات الجنائية وتفعيل القوانين الرادعة، بينما تتطلب البلطجة الدولية تفعيل دور المنظمات الأممية والقانون الدولي لضمان حماية الشعوب الضعيفة.
البلطجة المجتمعية وحوادث العنف اليومي؟
البلطجة والعنف اليومي هما سلوكيات تهدف إلى استعراض القوة وفرض السيطرة وترويع المواطنين. لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، لجأت السلطات إلى تغليظ العقوبات، لتصل في بعض حالات جرائم العنف والترويع إلى السجن المشدد لمدة تصل إلى 20 عاماً، مع وضع مرتكبيها تحت مراقبة الشرطة.
ترجع جذور هذه الظاهرة إلى عدة أسباب متداخلة،
أبرزها:
تراجع دور الأسرة: غياب الرقابة والتوجيه السليم للأبناء، مما قد يوقعهم فريسة لرفقاء السوء.
تأثير الإعلام والدراما: تقديم بعض الأعمال الفنية والسينمائية للبلطجي كـ"بطل شعبي"، مما يشوه وعي الشباب ويدفعهم لتقليد تلك النماذج السلبية.
المحتوى الرقمي المحرض: استغلال البعض لمنصات التواصل الاجتماعي للتباهي بأفعال العنف بهدف زيادة المشاهدات وجني الأرباح، مما دفع وزارة الداخلية لتتبع صناع هذا المحتوى وإلقاء القبض عليهم.
الضغوط الاقتصادية والاجتماعية: التحديات المعيشية وغياب فرص العمل قد تدفع البعض -خاصة من الفئات المهمشة- إلى الانحراف واستخدام العنف.
استراتيجيات المواجهة والحلول:
للقضاء على هذه الظاهرة، لا بد من تبني نهج شامل:
التطبيق الصارم للقانون: تكثيف التواجد
الأمني وتفعيل دور الشرطة المجتمعية وسرعة الفصل في القضايا لضمان تحقيق الردع.
دور الإعلام والتعليم: إعادة توجيه الرسالة
الإعلامية لتعزيز القيم الإيجابية ونبذ العنف.
التمكين الاقتصادي: خلق فرص عمل للشباب
وتحسين الظروف المعيشية للحد من دوافع الجريمة.