فقه الهجرة إلى الله تعالى
الهجرة النبوية المباركة
الْمُهَاجِر مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ
عَنْهُ
هجر ظاهرة الغش في الإمتحانات
الحمد لله رب العالمين . اللهم لك الحمد
على نعمة الإسلام والايمان .ولك الحمد أن جعلتنا من أمة محمد عليه الصلاة والسلام.
وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له . وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. اللهم صل
وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
أما بعد أيها المسلمون
يقول الله تعالى في محكم آياته : ﴿ إِلَّا
تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ
إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا
فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ
كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ
عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾ (التوبة: 40)
.
من أهم الأحداث في تاريخ الأمة الإسلامية
حدث الهجرة النبوية المباركة ، ولأهمية الهجرة النبوية المباركة و مكانتها بين الأحداث
الإسلامية أرخ المسلمون بالهجرة كمعلمٍ بارز في تاريخ الدعوة .
كانتِ العرَبُ قبْلَ الإسْلامِ تَستعمِلُ
التَّقْويمَ القَمَريَّ، ويُؤَرِّخونَ بأبرَزِ الأحْداثِ، كعامِ الفِيلِ ونَحوِه، ولَمَّا
هاجَرَ المُسلِمونَ إلى المَدينةِ، كانوا يُطلِقونَ على كلِّ سَنةٍ مِن السَّنَواتِ
اسمًا خاصًّا بها حَسْبَما يقَعُ فيها مِن أحْداثٍ، وظلَّ الأمرُ هكذا حتَّى جاءت خِلافةُ
عُمَرَ بنِ الخطَّابِ رَضيَ اللهُ عنه، فاتَّخَذَ مِن هِجرةِ رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّمَ بِدايةً للتَّاريخِ الإسْلاميِّ.
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال
( ما عَدُّوا مِن مَبْعَثِ النبيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ ولَا مِن وفَاتِهِ، ما
عَدُّوا إلَّا مِن مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ) .
صحيح البخاري
فأول من أرخ بالهجرة هو عمر بن الخطاب رضي
الله عنه في سنة سبع عشرة للهجرة، أرسل عمر
إلى أبي موسى يسأله عن أمر حدث في شعبان فقال عن أي شعبان يسأل عمر ؟!!
فكتب أبو موسى إلى عمر: إنه يأتينا منك
كتب ليس لها تاريخ.
فجمع عمر الناس يستشيرهم ، فقال بعضهم:
أرّخ بالمبعث، وبعضهم قال أرّخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل، فأرخوا
بها.
الهجرة سنة في الأنبياء عليهم السلام .
هاجر سيدنا إبراهيم قال الله تعالى :﴿ فآمن
له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم﴾ ، وقال تعالى: ﴿ وقال إني ذاهب
إلى ربي سيهدين﴾.فخرج من بلد إلى بلد إلى أن استقر به المقام في فلسطين وفي المدينة
التي دفن فيها وسميت باسمه عليه الصلاة والسلام مدينة الخليل إبراهيم عليه السلام .
وهاجر سيدنا موسى عليه السلام، ولكن كانت
هجرته قبل البعثة حينما خرج من مصر بعد أن قتل ذلك القبطي خطأ قال الله تعالى
: ﴿ فخرج منها خائفاً يترقب قال رب نجني من
القوم الظالمين﴾ .
وهاجر سيدنا -ﷺ-
علم -ﷺ- : بانه مهاجر منذ اول يوم نزل عليه ،
عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي -ﷺ - قال: " رأيتُ في المنام أني أُهاجر
من مكَّة إلى أرضٍ بها نخلٌ، فذهب وَهْلي إلى أنها اليمامة أو هجر، فإذا هي المدينة
يَثْرب
" .
وعن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت :
" . . . . فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-
لِلْمُسْلِمِينَ : إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لابَتَيْنِ
وَهُمَا الْحَرَّتَانِ ، فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ الْمَدِينَةِ ،
ورحلة الهجرة مليئة بالدروس والمعدات من
أهمها
:
تمام اليقين في نصر الله ووعده:
فقد ينظر البعض منا إلي حال أمتنا اليوم،
وما أحاط بها من الانهزام والتراجع والخذلان، وتكالب الأمم عليها من كل جانب، فيشك
في وعد الله ونصره، فالباطل مهما فشا وانتشر فهو إلى زوال، تعلمنا ذلك من حبيبنا محمد-ﷺ - ومن هجرته، فقد كان -ﷺ - في أشد المواقف وأصعبها يتذكر وعد الله
له بالنصرة والتأييد ففي الحديث عَنْ أَنَسٍ
-رضي الله عنه- ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ -رضي الله عنه- ، قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ
-ﷺ-
وَأَنَا فِي الْغَارِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا
فَقَالَ مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا " ( أخرجه
البخاري(3653)..
لقد حكى لنا التاريخ حال النبي-ﷺ - وأصحابه قديمًا كم كانوا مضطهدين وكم
كانوا جياعًا وكم أوذوا وكم كانوا قلة مقارنة بأعدائهم، ولكنهم صدقوا الله عز وجل وأخذوا
بأسباب النصر وتخلصوا من حظوظ أنفسهم فاستحقوا النصر والتمكين من الله لهم، {وَمَا
النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126]
فأبشروا بوعد الله ونصره فإن الله عز وجل
تكفل بنصرة دينه وعباده المؤمنين فقال سبحانه: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ
آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ} [غافر: 51]
ولا يكون النصر إلا بالإيمان بالله والصبر
على قضائه والثبات في أمره قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ
وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ
وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ
مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214]
فكونوا واثقين في وعد الله، ولا يتسرب اليأس
إلى قلوبكم، قال النبي -ﷺ -لعبد الله بن عباس -رضي الله عنه- ، حيث
قال له: " يَا غُلامُ، أَوْ يَا غُلَيِّمُ، أَلا أُعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ
اللهُ بِهِنَّ؟ " فَقُلْتُ: بَلَى. فَقَالَ -ﷺ - " احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ
اللهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ،
وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللهِ، قَدْ
جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا
أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ،
وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا
عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ
النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ
يُسْرًا "(أخرجه أحمد(2804)، والترمذي(2516).
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده عَنْ أَسْلَمَ،
أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ -رضي الله عنه- حُصِرَ
بِالشَّامِ، وَنَالَ مِنْهُ الْعَدُوُّ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب -رضي الله عنه- ، يَقُولُ:
" مَهْمَا يَنْزِلْ بِأَمْرِكَ شِدَّةٌ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ بَعْدَهَا فَرَجًا،
وَإِنَّهُ لَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ،وَإِنَّهُ يَقُولُ: {اصْبِرُوا وَصَابِرُوا
وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[آل عمران: 200](أخرجه مالك
في الموطأ
).
(٢) - إخوة الإيمان: إننا فى حاجه ماسة إلى تحقيق
معاني الهجرة إلي الله تعالي ورسوله -ﷺ - وذلك بفعل الطاعات و ترك المنكرات ،
هجرة من الشر و الرذيلة إلى الخير و الفضيلة ، هجرة من الفرقة إلى الوحدة ، هجرة من
السلبية إلى الإيجابية لتغيير الواقع المؤلم الذى تعيشه الأمة.
قال الإمام العز بن عبد السلام: الهجرة
هجرتان: هجرة الأوطان، وهجرة الإثم و العدوان، و أفضلها هجرة الإثم و العدوان؛ لما
فيها من إرضاء للرحمن و إرغام النفس و الشيطان.
و قال الإمام ابن القيم: الهجرة فرض عين
على كل أحد في كل وقت ، و أنه لا انفكاك لأحد من وجوبها ، و هي مطلوب الله و مراده
من عباده ، إذ الهجرة هجرتان : هجرة بالجسم من بلد إلى بلد، والهجرة الثانية: الهجرة
بالقلب إلى الله تعالى و رسوله صلى الله عليه وسلم ، و هذه الهجرة الحقيقية ،
وهى الأصل و هجرة الجسد تابعة لها ، و هي
هجرة تتضمن ( من ) و ( إلى ) فيهاجر بقلبه من محبة غير الله إلى محبته ، و من عبودية
غيره إلى عبوديته ، و من خوف غيره و رجائه و التوكل عليه إلى خوف الله و رجائه و التوكل
عليه ، و من دعاء غيره و سؤاله و الخضوع له و الذل و الاستكانة له إلى دعائه و سؤاله
و الخضوع له و الذل و الاستكانة له.
فأول مراحل الهجرة ترك المعاصي، والبُعْد
عن مواطن الشبهات، ولن ينصر الدين رجل غرق في شهواته، والمعروف أن ترك المعاصي مقدم
على فعل فضائل الأعمال، والإنسان قد يُعذر في ترك قيام أو صيام نفل أو صدقة تطوع، لكنه
لا يُعذر في فعل معصية.
وذلك كما قال الرسول -ﷺ - : “إِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ
وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ” رواه البخاري ومسلم
عن أبي هريرة
وعرَّف الرسول -ﷺ - المهاجر الحقيقي بتعريف عميق من جوامع
كلمه -ﷺ- فقال فيما رواه أحمد عن عبد الله بن عمرو
رضي الله عنهما: “إِنَّ الْمُهَاجِرَ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ“.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي
ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات، من كلِّ الذنوب والخطايا والسيئات، فاستغفروه وتوبوا
إليه إنَّه هو الغفور الرحيم
.
الخطبة الثَّانية :
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ
لا نبيَّ بعده ، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى
يوم الدين
.
أما بعد ، إخوة الإيمان :
(٣)- من السلبيات التي ينبغي علينا أن نهجرها ، ظاهرة الغش في الإمتحانات فهي من الظواهر الخطيرة
التي انتشرت في مجتمعاتنا ، والتي يترتب عليها مخاطر وأضرار كثيرة .
لقد فشي في المدارس بجميع مراحلها ظاهرة
الغش في الإمتحانات ، ولا شك أن هذا منكر عظيم والسكوت عنه أشنع، ولربما كان الدافع
لهم رحمة الطالب كما يزعم بعضهم، أو من أجل القرب من الطالب والحظوة عنده لأسباب الله
يعلمها، أو من أجل الطمع المادي، وربما تعلل المدير بأنه يحب أن يرفع سمعة المدرسة
ولبئس ما قصدوا، وأيًا كان الدافع فلا شك أن هذا منكر عظيم؛ خاصة أنه من مرب للأجيال
وقدوة في المجتمع.
قالت اللجنة الدائمة: "إملاء المراقبين
الأجوبة على الطلاب في الاختبار من الغش والخيانة، وفيه مفسدة للأخلاق ومضرة للأمة
في نهضتها الثقافية، وهبوط في مستوى التعليم وضعف في تحمل المسؤولية والقيام بواجبها،
وذلك حرام كسائر أنواع الغش".
الغش دمار للمجتمعات، وهو من جملة الخيانات،
وباب عظيم من أبواب المحرمات، فإنه من أعظم الفساد وأخطره، وينتج عنه أجيال فاشلة،
وأيدٍ عاطلة، ونفوس متكاسلة متواكلة، وعقول جامدة خامدة خائبة.
ولنقف هذه الوقفات مع هذه الظاهرة في نقاط :
أولاً: الغش محرم؛ فقد جاء في الصحيح عَنْ
أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: "مَنْ حَمَلَ
عَلَيْنَا السِّلاَحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا".
ثانيًا: أنه إعانة على الحرام، فبما أن
الغش حرام لما سبق فالمتغاضي والراضي والفاعل كلهم مشتركون، فتمكين الطالب من الغش
هو من الإعانة على الحرام.
ثالثًا: أنه خيانة للأمانات، وهذه علامة
من علامات النفاق؛ فقد جاء في الصحيح: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلاَثٌ: إِذَا حَدَّثَ
كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وقد جمع هذا الفعل
عدد من الخيانات؛ فمن ذلك أنه خيانة لولي الأمر، فولي الأمر استأمن المعلم على التعليم،
وجعل لذلك ضوابط، وجعل الامتحان هو العلامة الدالة على استحقاق الطالب تجاوز المرحلة،
فتمكين الطالب من الغش أو زيادة درجات لا يستحقها الطالب من خيانة هذه الأمانة، وهو
خيانة للطالب؛ حيث يركن إلى الغش ويترك الجد والاجتهاد، وخيانة لوالديْ الطالب، وخيانة
للمجتمع؛ حيث إن هؤلاء الذين نجحوا بالغش يتولون المناصب من تعليم وإدارة وغيرها وهم
ليسوا أكفاء
.
رابعًا: أنه ينتج عنه تربية معوجة بعيدة
عن مراقبة الله، فإذا كان المعلم يتهاون في ذلك فسيكون الغش عند الطلاب أمرًا لا حرج
فيه، ويتربى الطلاب على ذلك.
خامسًا: ينتج عن التهاون بالغش -من المعلمين-
الازدواجية في التعليم، فما يدرسه في المناهج شيء، وما يراه من المعلم شيء آخر.
سادسًا: تضييع للعدل وإشاعة للظلم في نتائج
الطلاب، فكيف يسوَّى بين المجتهد المثابر والمهمل، فكلهم في نهاية العام ناجح، بل ربما
حصل الغاشّ على مستوى أعلى من المجتهد، ولا شك أن هذا ظلم، وفي الصحيح عَنِ النَّبِيِّ
-صلى الله عليه وسلم- أنه قَالَ: "الظُّلْمُ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَة"،
وفي الحديث القدسي: "يَا عبادي: إني حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نفسي وَجَعَلْتُهُ
بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فَلاَ تَظَالَمُوا...".
سابعًا: السقوط من أعين الطلاب، وهذا مشاهد،
ولو كان الطلاب يميلون إلى المعلم الغشاش، إلا أنهم يرونه ساقط المروءة عندهم .
ثامنًا: استغلال بعض المعلمين للطالب من
هذا الباب (الغش)، وهذا -وإن كان نادرًا- إلا أنه وارد.
تاسعًا: أخذ الإنسان ما لا يحق له، وهو
الشهادة المترتبة على الامتحان المزيف بالغش، ويتبع ذلك أكل المال بالباطل، في حال
العمل بالشهادة، فعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه
وسلم-: "أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَيْءٍ يُقَرِّبُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ،
وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ النَّارِ، إِلا قَدْ أَمَرْتُكُمْ بِهِ، وَإِنَّهُ لَيْسَ شَيْءٌ
يُقَرِّبُكُمْ مِنَ النَّارِ، وَيُبَاعِدُكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ، إِلا قَدْ نَهَيْتُكُمْ
عَنْهُ، أَلا وَإِنَّ الرُّوحَ الأَمِينَ نَفَثَ فِي رُوعِي، أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ
تَمُوتُ حَتَّى تَسْتَوْفِيَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ، وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ،
وَلا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ رِزْقٍ أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعَاصِي اللهِ، فَإِنَّهُ
لا يُدْرَكُ مَا عِنْدَ اللهِ إِلا بِطَاعَتِهِ". قال في الفتح: صححه الحاكم.
عاشرًا: أن فيه هدمًا لروح الجد والاجتهاد
والتنافس المحمود بين الطلاب، فالطالب إذا علم أنه ناجح لا محالة، دَرَسَ أو لم يدرس،
سوف يؤثر الكسل والخمول لأن النفس داعية إلى هذا في الغالب الأعم.
_ وعلاج هذه الظاهرة الخطيرة في أمور، من
أهمها
:
- الاجتهاد في الدراسة حتى لا يحتاج الطالب
إلى الغش
.
- مراقبة الله في السر والعلن، وهذه دعوة
للجميع باستشعار مراقبة الله -جل وعلا-؛ قال سبحانه: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ
مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا
هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ
وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا
عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
- أن يقوم كل مسؤل بما عليه من واجب وأن يؤدي
أمانته ، عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي -ﷺ - قال: (أَلَا كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ
مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، فَالْأَمِيرُ الَّذِي عَلَى النَّاسِ رَاعٍ، وَهُوَ مَسْئُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ عَلَى أَهْلِ بَيْتِهِ، وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ،
وَالْمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ عَلَى بَيْتِ بَعْلِهَا وَوَلَدِهِ، وَهِيَ مَسْئُولَةٌ عَنْهُمْ،
وَالْعَبْدُ رَاعٍ عَلَى مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ، أَلَا فَكُلُّكُمْ
رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ) متفق عليه.
وخير ما نوصي به أنفسنا ،ونوصي به طلاب
العلم أن يتقوا الله -عز وجل- فتقوى الله تعالى
هي وصيته سبحانه للأولين والآخرين من خلقه، ومن اتقى الله جعل له من كل هم فرجًا ومن
كل ضيق مخرجًا، وجعل له من أمره يسرًا، وآتاه خيرًا كثيرًا.
وأفضل أسباب النجاح وأجمعها وأصلحها: أن
تعلموا علم اليقين أنه لا حول ولا قوة للعبد إلا بالله رب العالمين، فعلي طلاب العلم
أن يتوكلوا على الله -عزّ وجل- ويفوضوا الأمور كُلِها إليه، واعلموا أن الذكي لا غنى
له عن ربه، وأن الذكاء وحده ليس سببًا للنجاح فحسب، بل إرادة الله -عزّ وحل- وتوفيقه
أولًا. ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ .
إذا لم يكن عون من الله للفتى ***
فأوّل ما يجني عليه اجتهادهُ
فعلى أبنائنا وبناتنا الجد والاجتهاد، والتركيز
والتحصيل والمذاكرة، وأن يتوكلوا على الله سبحانه، وأن يدعوا الله عز وجل في تحقيق
ما يَصْبُون إليه من أمانٍ خيرة.
نسأل الله تعالى أن يوفقنا إلي ما يحبه
ويرضاه ، وأن يمن علي أولادنا بالنجاح والتوفيق ، وأن يحقق لهم آمالهم فيما يرضيه إنه
ولي ذلك والقادر عليه ، اللهم امين يارب العالمين .
هذا، واعلموا رحمكم الله أنَّ من أفضل الطَّاعات
وأشرف القُربات كثرة صلاتكم وسلامكم على خير البريَّات، صاحب المعجزات الباهرات، والآيات
البيِّنات؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم جلَّ وعلا فقال تعالى قولاً كريمًا: ﴿ إِنَّ اللَّهَ
وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ صَلُّواْ
عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيماً ﴾ [الأحزاب: 56]. اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا
محمد وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين .
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا
، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا ، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا ، واجعل
الحياة زيادةً لنا في كل خير ، والموت راحةً لنا من كل شر . ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
عذاب النار
.
اللهم أعزَّ الإسلام والمسلمين ، وأذلَّ
الشرك والمشركين ، وآخر دعوانا أن الحمد لله
يارب العالمين