recent
أخبار عاجلة

دروس وعبر من الهجرة النبوية

 دروس وعبر من  الهجرة النبوية


الحمد لله رب العالمين .  وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له  وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. القائل :" إنَّ هذا الخيرَ خزائنٌ ، ولتلك الخزائنِ مَفاتيحٌ ، فطوبى لعبدٍ جعله اللهُ عزَّ وجلَّ مِفتاحًا للخيرِ ، مِغلاقًا للشرِّ ، وويلٌ لعبدٍ جعله اللهُ مِفتاحًا للشرِّ ، مِغلاقًا للخير"(ابن ماجه  وأبو يعلى والطبراني).

اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد أيها المسلمون

يقول الله تعالى في محكم آياته :"إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ "(التوبة/).

وقال عز وجل :"الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا الله}

إنَّ أحداث الْهِجرة النبويَّة تضمَّنَت العديد من الدُّروس والعِبَر، ونقتصر منها على الآتي :

  التضحية والفداء:

فهذا رسولُ الله – صلى الله عليه وسلَّم – يضطرُّ إلى مغادرة بلده الذي وُلِد فيه وترعرع، وترك أقرباءه وعشيرته، فقال وهو يغادرها بِنَبْرة من الحزنِ: " وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ وَلَوْلاَ أَنِّى أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ "(الترمذي).

 وهذه أمُّ سلمة – وهي أوَّل امرأة مهاجِرة في الإسلام تقول:"لَمَّا أجْمَع أبو سلمة الخروج إلى المدينة، حَملَنِي وحَمل معي ابنَه سلمة، ثم خرج يقود بعيره هو فلمَّا رآه رجالُ بني المغيرة بن مَخْزوم، قاموا إليه فقالوا: هذه نفْسُك غلبْتَنا عليها، أرأيتَ صاحبتنا هذه، علامَ نترُكك تسير بها في البلاد؟ فأَخذوني وسلبوا ابني منى واخذه أهل ابيه واخذنى أهلى وفرقوا بينى وبين زوجي وبينى وبين ابنى فانطلق زوجي حتَّى لحق بالمدينة”، فمكثَتْ سنة كاملة تبكي، حتَّى أشفقوا من حالِها، فخلَّوْا سبيلها، ورَدُّوا عليها ابنها، فجمع الله شَمْلَها بزوجها في المدينة

 وهذا صُهَيب الرُّومي، لَمَّا أراد الهجرة، قال له كُفَّار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالُك عندنا، وبلَغْتَ الذي بلغت، ثم تريد أن تَخْرج بِمالك ونفسك؟ والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب: “أرأيتم إنْ جعلْتُ لكم مالي، أتخلُّون سبيلي؟” قالوا: نعم، قال: “فإنِّي قد جعلتُ لكم مالي”، فبلغ ذلك رسولَ الله – صلى الله عليه وسلَّم – فقال: "رَبِح صهيب"،

 الأمل وعدم اليأس : 

فلقد مكثَ النبِيُّ – صلى الله عليه وسلَّم – في مكة مدَّةً من الزَّمن، يدعو قومه إلى الهدى، ، ففي سنن الترمذي بسند صحيح عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- يَعْرِضُ نَفْسَهُ بِالْمَوْقِفِ فَقَالَ:" أَلاَ رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلاَمَ رَبِّى". فرفضَتْ خَمْسَ عشرةَ قبيلةً دعوتَه، حتى فتح الله له صدور الأنصار، فكانت بيعة العقبة الأولى والثَّانية، وكانت سفارة مصعب بن عمير إلى المدينة، الذي هيَّأ التُّربة الصالحة لاستمرار الدَّعوة، وتكوين الدَّولة في المدينة النبويَّة، فكانت الهجرة تتويجًا لِعَمَل دؤوب، وصَبْر شديد، وحركة لا تعرف الكلل أو الملل.

 حسن الصحبة: ، قال النبِيُّ – صلى الله عليه وسلَّم -لأبي بكر : ((على رِسْلِك؛ فإنِّي أرجو أن يُؤْذَن لي))، فقال أبو بكر: “وهل ترجو ذلك بأبِي أنت؟” قال: ((نعم))، فحَبَسَ أبو بكر نفْسَه على رسول الله – صلى الله عليه وسلَّم – لِيَصحبه، فانتظر أربعة أشهر يعلف راحلتَيْن كانتا عنده، حتَّى أذن الله بالهجرة، فلما أخبَره النبِيُّ – صلى الله عليه وسلَّم – لَم يُصدِّق أنْ يكون صاحِبَ رسول الله – صلى الله عليه وسلَّم – حتَّى قال: “الصحبةَ بأبي أنت يا رسول الله؟” قال رسول الله – صلى الله عليه وسلَّم -: ((نعم))، قالت عائشة – رضي الله عنها -: “فو الله ما شعرت قطُّ قبل ذلك اليوم أنَّ أحدًا يبكي من الفرح، حتَّى رأيتُ أبا بكر يبكي يومئذٍ”؛. وعندما خرجا معًا، كان أبو بكر يتقدَّم النبِيَّ – صلى الله عليه وسلَّم – في ترَصُّد الأمكنة؛ حتَّى لا يصيبه أذًى، فسأله النبي – صلى الله عليه وسلَّم – قائلاً: ((يا أبا بكر، لو كان شيء، أحببتَ أن يكون بك دوني؟))، فقال أبو بكر: “والذي بعثك بالحقِّ، ما كانَتْ لتكون من مُلِمَّة إلاَّ أن تكون بي دونَك”، فلما انتهَيا إلى الغار، قال أبو بكر: “مكانك يا رسول الله، حتَّى أستَبْرِئ لك الغار”؛ رواه الحاكم في “المستدرك”، وقال الذَّهبي: صحيح مُرسل

 التخطيط : فإن الهجرة تعلِّمنا كيف يؤدِّي التخطيطُ الجيِّد فالصَّدِيق رفيق الطريق، والراحلة تُعْلَف وتُجهَّز قبل أربعة أشهر وبِسرِّية تامَّة، وعليُّ بن أبي طالب يُكَلَّف بالنوم في فراش النبِيِّ – صلى الله عليه وسلَّم – تَمويهًا على المشركين وتخذيلاً لَهم، وهو دور الفتيان الأقوياء.

 وأمَّا دور النِّساء، فيمثِّله قولُ عائشة – رضي الله عنها – متحدِّثة عن نفسها وأختها أسماء: “فجهَّزْناهما أَحَثَّ الجَهازِ” أسرعه، والجَهاز: ما يُحتاج إليه في السَّفر، “وصنَعْنا لهما سُفْرة” الزَّاد الذي يُصْنع للمسافر “في جِراب” وعاء يُحْفَظ فيه الزاد ونَحْوه، “فقطعَتْ أسماءُ بنت أبي بكر قطعةً من نِطاقها، فربطَتْ به على فَمِ الجراب، فبذلك سُمِّيَت ذات النطاقين”؛ البخاري.

  وأمَّا دور الأطفال، فيمثِّله عبدالله بن أبي بكر، قالت عائشة – رضي الله عنها -: “ثُم لَحِقَ رسول الله – صلى الله عليه وسلَّم – وأبو بكر في غارٍ في جبل ثَوْر، فكَمُنَا” اختفَيا “فيه ثلاثَ ليالٍ، يبيت عندهما عبدالله بن أبي بكر، وهو غلامٌ، شابٌّ، ثقفٌ” حاذق فطن، “لَقِنٌ” سريع الفهم، “فيدلج من عندهما بِسَحَر” قُبَيل الفجر، “فيصبح مع قريش بِمكَّة كبائتٍ، فلا يَسْمع أمرًا يُكتادان به إلاَّ وعاه، حتَّى يأتيَهما بِخَبَرِ ذلك حين يختلط الظَّلام” تشتد ظلمة الليل؛ البخاري. ومِن كمال التخطيط، كان الراعي عامِرُ بن فهيرة يسلك بقطيعه طريق الغار؛ لِيُزيل أثرهم وعبدالله بن أريقط دليلاً عارفًا بالطريق برغم كونِه مشركًا، ما دام مؤتَمنًا، متقِنًا لعمله؛ ولذلك أرشدَهم – بِمهارته – إلى اتِّخاذ طريق غير الطريق المعهودة

  الثبات على الموقف، فقد ذهب عتبة بن ربيعة للنبِيِّ – صلى الله عليه وسلَّم -: “يا ابن أخي، إن كنت تريد مالاً، جَمَعْنا لك من أموالنا حتَّى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفًا، سوَّدْناك علينا حتَّى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد مُلكًا، ملَّكْناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رَئِيًّا تراه” مَسًّا من الجن “لا تستطيع ردَّه عن نفسك، طلَبْنا لك الطِّبَّ، وبذَلْنا فيه أموالنا حتَّى نبرئك منه”؛ حسَّنَه في “صحيح السيرة النبوية” .فثبت النبي صلى الله عليه وسلم أمام هذه الإغراءات وأتم رسالة ربه

 التوكل على الله: 

من دروس الهجرة المباركة شدة التوكل على الله: يقول تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ ﴾ قال ابن عباس: “لَرادُّك إلى مكَّة كما أخرجَك منها”. فمَنِ الذي منع المشركين من أن يَعْثروا على النبِيِّ – صلى الله عليه وسلَّم – وصاحبه، وقد وقَفوا على شفير الغار، حتَّى قال أبو بكر: “لو أنَّ أحدهم نظر تَحْت قدمَيْه لأبصرنا”؟ إنه الله؛ ولذلك كان جواب الرسول – صلى الله عليه وسلَّم -: ((ما ظَنُّك يا أبا بكر باثْنَيْن اللهُ ثالثُهما؟))؛ وحسن التوكل على الله تعالى، يعني صدق اعتماد القلب على الله في دفع المضار وجاب المنافع، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي إلا الله ولا يمنع إلا الله ولا يضر ولا ينفع سواه, قال تعالى: (وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) , عَنْ خَبَّابِ بْنِ الأَرَتِّ ، قَالَ: ( شَكَوْنَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم ، وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ ، فِي ظِلِّ الْكَعْبَةِ ، فَقُلْنَا : أَلاَ تَسْتَنْصِرُ لَنَا ، أَلاَ تَدْعُو لَنَا ، فَقَالَ : قَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ يُؤْخَذُ الرَّجُلُ ، فَيُحْفَرُ لَهُ فِي الأَرْضِ ، فَيُجْعَلُ فِيهَا ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ ، فَيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ ، وَيُمَشَّطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ ، مَا دُونَ لَحْمِهِ وَعَظْمِهِ ، فَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ ، وَاللهِ ، لَيَتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ ، حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللهَ ، وَالذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ ) . أخرجه البخاري

.. تعالوا لنعيش هذه الدقائق مع رسول الله وحكمته في المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار

  ماذا فعل رسول عند وصوله المدينة؟

ج لقد أعلن الرسول صلى الله عليه وسلم نظام المؤاخاة في العام الأول من الهجرة في دار أنس بن مالك، فآخى بين كلِّ مهاجري وأنصاري اثنين اثنين، فشَمِلَت المؤاخاةُ تسعين رجلًا: (45 من المهاجرين، ومثلهم من الأنصار) ولا ننسي ابدا مواقف اليهود الذين فروا قديما إلي المدينة من وطأة الرومان الساحقة، بعد أن تآمر اليهود على السيد المسيح عليه السلام وأسسوا فيها المستعمرات الحصينة وأثروا فيها ثراءً عظيماً على حساب العرب الممزقين المفككين وكانت هناك حروب طاحنة بين الأوس والخزرج

  الوفاق بين الأوس والخزرج:

لقد أنهكت الحرب الأهلية التي استمرت قرابة مئة وعشرين سنة * أبناء العمومة من الأوس والخزرج في يثرب، وكان لليهود دور كبير في إذكائها ومصلحة في استمرارها للقضاء على هذين البيتين الكبيرين من أهل يثرب لكي يخلو الميدان لهم للسيطرة على المدينة فانحاز بعض اليهود للأوس وبعضهم الآخر للخزرج، يمدّونهم بالسلاح ويقرضونهم المال ويحرّضونهم على الاقتتال، حتى كان يوم "بُعاث" الذي قُتل فيه من زعماء الفريقين ورجالهم مقتلة كبيرة.. فتطلّع العقلاء من أهل يثرب إلى من يصلح ذات بينهم ، وكان اللقاء برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في موسم الحجّ عند العقبة بمني - مع ستة نفر من شباب يثرب الطامحين للإصلاح والتغيير، كلّهم من الخزرج، فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن، فسمعوا قوله بحماس وأنصتوا له باطمئنان وقال بعضهم لبعض "تعلمون والله يا قوم إنّه للنبيّ الذي توّعدكم به يهود فلا يسبقنّكم إليه، فأسرعوا إلى إجابة دعوته وأسلموا

 وكما جاء في صحيح البخاري أنهم لمّا قدموا المدينة آخى رسول الله بين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالاً، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان فانظر أعجبهما إليك فسمّها لي، أطلّقها، فإذا انقضت عدّتها فتزوّجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلّوه على سوق بني قينقاع، فما عاد إلا ومعه فضل من أقط (جبن) وسمن، ثمّ جاء يوماً وبه أثر صفرة (أي طيب)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: مهيم (كلمة يمانية معناها: ما هذا)؟ قال: تزوجت. قال: كم سقت إليها؟ قال: نواة من ذهب. فقال له - صلى الله عليه وسلم -: "أولِم ولو بشاة". وفي صحيح البخاري أيضاً: "قالت الأنصار للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا، فقالوا: فتكفونا المؤونة، ونشرككم في الثمرة فقالوا سمعنا واطعنا

 وبالإسلام ذابت العصبيات وتناسى الناس ما بينهم من ثارات الجاهلية، وأصبحوا كالجسد الواحد، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه مثلا رائعا للأخوة الصادقة الخالصة، فتراهم سعداءَ فَرِحينَ، وبإخوانهم ولذلك زكاهم الله في غير موضع من كتابه فقال:مُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بينهم وقال: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ

ايها المسلمون:: فتعجّب اليهود واغتاظوا. يُروى أنّ (شاس بن قيس) اليهودي مرّ على نفر من الأنصار من الأوس والخزرج في مجلس لهم يتحدّثون، فغاظه ما رأى من إلفتهم وصلاح ذات بينهم بعد الذي كان بينهم في الجاهلية من العداوة، فقال: ما لنا معهم إذا اجتمعوا من قرار!!، ثمّ أمر شاباً من اليهود ان يجلس إليهم ويذكّرهم يوم (بُعاث) وينشدهم بعض ما قيل فيه من الأشعار، ففعل، فتنازع القوم عند ذلك وتفاخروا وتغاضبوا، وقالوا: السلاح السلاح، وأشعل اليهود الخلاف بين الأوس والخزرج وقام شاب من الخزرج وسَلَّ سيفَه، وقام آخر من الأوس، فتواعدوا خارج المدينة، وتَهيئوا للقتال، فسمع رسول الله بخبرهم، فخرج من بيته وهو يقول: ((حسبي الله، لا إله إلا هو، عليه توكلت وهو ربُّ العرش العظيم))، ويقال: إنه خرج حافيًا بلا نعلين، حتى وقف بين الصفين، وقال بأعلى صوته : ((يا معشر المسلمين، الله الله، أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به، وقطع به عنكم أمرَ الجاهلية، واستنقذكم به من الكفر، وألَّفَ بين قلوبكم؟!)) . فلما سمع الصحابة ذلك عرفوا أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضًا، ثم انصرفوا مع رسول الله سامعين مطيعين، قد أطفأ الله عنهم كيد عدوهم، وأنزل الله تعالى قوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ أي: كيف تقتاتلون وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه

عباد الله:: ـ

 و ان ثمرة التآخي في الله لعظيمة ويكفي أن المتآخين في الله في ظل الله تعالى:

روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي الْيَوْمَ؟ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلِّي)

وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: (قَالَ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ( إِنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ لَأُنَاسًا مَا هُمْ بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِمَكَانِهِمْ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ تُخْبِرُنَا مَنْ هُمْ قَالَ هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِرُوحِ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ أَرْحَامٍ بَيْنَهُمْ وَلَا أَمْوَالٍ يَتَعَاطَوْنَهَا فَوَاللَّهِ إِنَّ وُجُوهَهُمْ لَنُورٌ وَإِنَّهُمْ عَلَى نُورٍ لَا يَخَافُونَ إِذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إِذَا حَزِنَ النَّاسُ وَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾

وفي الحديث القدسي: ((يقول الله عز وجل: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِيَّ، وَالْمُتَجَالِسِينَ فِيَّ، وَالْمُتَزَاوِرِينَ فِيَّ، وَالْمُتَبَاذِلِينَ فِيَّ)) رواه الإمام أحمد عن معاذ. وعن معاذ بن جبل قال: سمعت رسول اللَّه يقول: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ)) رواه الترمذي

الاخوة في الله:

هي منحة قدسية وإشراقه ربانية ونعمة إلهية يقذفها الله عز وجل في قلوب المخلصين من عباده الأصفياء من أوليائه والأتقياء من خلقه، قال تعالى: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ﴾

ايها الموحدون بالله

هكذا لابد ان تكون الامة يدا واحده وكلمتها واحده وعلي قلب رجل واحد .حتي نقف في وجه اي عدو .من غير ضعف او مذلة

 

google-playkhamsatmostaqltradent