هل خرج من أصلابهم من يعبد الله لايشرك به شيئاً؟
بل أرجوأن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ،لا يشرِكُ بِهِ شيئًا
عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها :" أنَّها قالتْ لرسولِ اللَّهِ - صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ - : هل أتَى عليكَ يومٌ كانَ أشدَّ مِن يومِ أحدٍ ؟ فقالَ : لقد لقيتُ مِن قومِكِ ، وَكانَ أشدَّ ما لقيتُ منهُم يومَ العقبةِ إذ عرضتُ نفسي على ابنِ عبدِ ياليلَ بنِ عبدِ كلالٍ ، فلَم يجبْني إلى ما أردتُ ، فانطلقتُ وأَنا مَهْمومٌ علَى وجهي ، فلَم أستفِقْ إلَّا وأَنا بقرنِ الثَّعالبِ ، فرفعتُ رأسي ، فإذا بسحابةٍ قد أظلَّتني ، فنظرتُ فإذا فيها جبريلُ عليهِ السَّلامُ ، فَناداني فقالَ : يا محمَّدُ ، إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ ، قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ ، وما ردُّوا عليكَ ، وقد بعثَ اللَّهُ ملَكَ الجبالِ لتأمرَهُ بما شئتَ فيهِم قالَ : فَناداني ملَكُ الجبالِ : فسلَّمَ عليَّ ، ثمَّ قالَ : يا محمَّدُ : إنَّ اللَّهَ عزَّ وجلَّ قد سمِعَ قولَ قومِكَ لَكَ ، وأَنا ملَكُ الجبالِ ، وقد بعثَني ربُّكَ إليكَ لتأمرَني أمرَكَ ، وبما شئتَ ، إن شئتَ أن أُطْبِقَ عليهِمُ الأخشبَينِ فعلتُ ، فقالَ لَهُ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ : بل أرجو أن يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصلابِهِم مَن يعبدُ اللَّهَ ، لا يشرِكُ بِهِ شيئًا"(البخاري،ومسلم باختلاف يسير).
لقدْ أُوذِيَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ وابتُلِيَ في سَبيلِ هذا الدِّينِ أشَدَّ البَلاءِ؛ فقدْ رُمِيَ بالحِجارةِ، وأُدْمِيَ كَعْبُه، وشُجَّ رأسُه، ومع ذلك صَبَر وأشفَقَ على من فَعَلوا ذلك وعفَا عنهم؛ فإنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ كما قال اللهُ تعالَى عنه:"وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ"(الأنبياء: 107) .
وفي هذا الحديثِ تُخبِرُ عائشةُ رَضيَ اللهُ
عنها أنَّها سألَتِ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: هلْ مَرَّ عليه وقْتٌ وزَمانٌ
كانتْ صُعوبتُه أشَدَّ عليه مِن يَومِ أُحُدٍ؟ التي وَقَعَت بيْن كُفَّارِ مكَّةَ وبيْن
المسلمينَ في السَّنةِ الثَّالثةِ مِن الهِجرةِ، حيث هُزِمَ المسلِمون، وجُرِحَ النَّبيُّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وكاد المشرِكون أنْ يَصِلوا إليه، فأخْبَرَها النَّبيُّ
صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه لَقيَ مِن قُريشٍ الكثيرَ مِن الأذَى أشدَّ ممَّا لاقاهُ
يومَ أُحدٍ، وكان أشَدَّ ما لاقاهُ منهم يومَ العَقبةِ، قيل: المرادُ بالعَقبةِ جَمرةُ
العقبةِ التي بمِنًى، وقيل: مَكانٌ مخصوصٌ في الطَّائفِ، ولعلَّ هذا أَولى؛ وكان ذلك
في شوَّالٍ في سَنَةِ عَشْرٍ مِن المَبعَثِ، بعْدَ مَوتِ أبي طالبٍ وخَديجةَ رَضيَ
اللهُ تعالَى عنها، حيث عَرَضَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ الإسلامَ على كِنانةَ
بنِ عبْدِ يَالِيلَ بنِ عبدِ كُلَالٍ -وكان مِن أكابرِ أهلِ الطَّائفِ مِن ثَقيفٍ-
فعَرَضَ عليه أنْ يَقبَلَ الدَّعوةَ ويَدخُلَ فيها، وأنْ يُؤوِيَه ويَحمِيَه حتَّى
يُبلِّغَ رِسالةَ اللهِ، وقيل: تَوجَّهَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى ثَلاثةِ
زُعماءَ مِن ثَقيفٍ، وهمْ سادَتُهم؛ وهم: عبْدُ يَالِيلَ، وحَبيبٌ، ومَسعودٌ بَنو عمْرٍو،
فلم يَستجِبْ له أحدٌ إلى ما طَلَبَه حينئذٍ مِن الدُّخولِ في الإسلامِ أو إعطائِه
العهْدَ والأمانَ، بلْ وَجَدَ ما لمْ يَتصوَّرْه مِن الجُحودِ، والإنكارِ، والاستهزاءِ،
والصَّدِّ عن سَبيلِ اللهِ، وَزادوا على ذلك أنَّهم آذَوه وسَلَّطوا عليه صِغارَهم
وسُفهاءَهم، فرَمَوه بالحجارةِ حتَّى سالَ الدَّمُ مِن قَدَمَيه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
فخرَجَ مِن الطَّائفِ عائدًا إلى مكَّةَ، فذهَبَ حَيرانَ هائمًا لا يَدري أينَ يَتوجَّهُ
مِن شِدَّةِ ذلك الغمِّ، وصُعوبةِ ذلك الهمِّ، فلم يُفِقْ ممَّا كان فيه مِن الغمِّ
والهمِّ، حتَّى بَلَغ قَرْنَ الثَّعالبِ، والقَرنُ: الجبلُ الصَّغيرُ، وقَرْنُ الثَّعالبِ:
جَبلٌ بيْن مكَّةَ والطَّائفِ، وسُمِّيَ بذلك لأنَّ الثَّعالبَ كانت تَأوي إليه بعْدَ
أنْ تَأكُلَ مِن لُحومِ الأضاحي والهَدْيِ، وهو يُجاوِرُ مَوضعَ قَرْنِ المنازلِ مِن
الجَنوبِ الشَّرقيِّ، ويُعرَفُ اليومَ بالمنحوتِ، وهو أقرَبُ إلى مَوضعِ السَّيلِ الكبيرِ
منه إلى قَريةِ السَّيلِ الصَّغيرِ، وقيل: إنَّه كان في مِنًى، وهو العرقُ الَّذي كان
مُلاصِقًا لمَسجدِ البَيعةِ مِن جَنوبِها الشَّرقيِّ، ممَّا يَلي جَمْرةَ العَقَبةِ،
وقد تمَّت إزالتُه لأسبابِ التَّوسعةِ، ويُطلَقُ عليه اليومَ رَبْوةَ مِنًى، ويمُرُّ
على طَرَفِه الغربيِّ الشَّارعُ القادمُ مِن جِسرِ الملِكِ عبْدِ العزيزِ.
وفي هذا المكانِ رَفَع صلَّى اللهُ عليه
وسلَّمَ رَأسَه إلى السَّماءِ، فإذا هو بسَحابةٍ قد أظلَّتْه على غَيرِ العادةِ، فنَظَر
فإذا في السَّحابةِ جِبريلُ عليه السَّلامُ، وهو المَلَكُ الموكَّلُ بالوحْيِ، فناداهُ
فقال: إنَّ اللهَ قدْ سَمِع قَولَ قَومِك وما رَدُّوا عليك، وهمْ كفَّارُ قُريشٍ وغيرِهم
مِن أهلِ الطَّائفِ وثَقيفٍ، وكان كُفَّارُ قُريشٍ مَنَعوا حِمايتَه بعْدَ مَوتِ عمِّه
أبي طالبٍ، وكانوا إذا قام إلى الصَّلاةِ آذَوه أشدَّ الأذى، ولذلك فإنَّ اللهَ تعالَى
قدْ بَعَث إليك مَلَكَ الجِبالِ ليَأمُرَه بما شاءَ فيهم، فناداهُ مَلَكُ الجِبالِ
فسَلَّم عليه، ثمَّ قال: يا محمَّدُ، ذلك فيما شئتَ، أي: ذلك كما قال جِبريلُ، أو كما
سمِعتَ منه، فإذا أردتَ أنْ أَقْلِبَ عليهم الأَخْشَبَيْنِ لَفَعلْتُ، والأَخْشَبُ
كلُّ جَبلٍ غَليظٍ، والأَخشبانِ هما جَبلانِ يُضافانِ إلى مكَّةَ مرَّةً، وإلى مِنًى
أُخرى، وهما واحدٌ، وقيل: الأخشبانِ: الجَبَلانِ المُطْبقانِ بمكَّةَ، وهما أبو قُبَيْسٍ،
والآخَر قُعَيْقِعَانَ؛ جَبلٌ بمكَّة وجْهُه إلى أبي قُبَيْسٍ، أو الجَبَل الأحمرُ
الَّذي يُشرِفُ على قُعَيقِعانَ، وهنا تَجلَّت رَحمةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
فأخبَرَ مَلَكَ الجبالِ أنَّه لا يُريدُ ذلك العذابَ لقَومِه وإنِ استحَقُّوا لكُفْرِهم،
بلْ إنَّه يَرْجو أنْ يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِهم مَن يَعبُدُ اللهَ وحْدَه، فيُوحِّدُه
مُنفرِدًا، أو يُطيعُه مُخلِصًا لا يُشرِكُ به شَيئًا.
وقدْ كان ما رَجاهُ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ،
حيث دخَلَت مكَّةُ والطَّائفُ في دِينِ اللهِ سُبحانَه، وحسُنَ إسلامُهم، وكان منهم
مُسلِمون مُوحِّدون باللهِ، وقادةٌ عُظَماءُ وَسَّعوا رُقعةَ الدَّولةِ الإسلاميَّةِ.
وفي الحديثِ: عَفوُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ
عليه وسلَّمَ وحِلمُه، وعدَمُ عَجلتِه بالدُّعاءِ على أُمَّتِه.
وفيه: أنَّ اللهَ سُبحانَه يُواسي أولياءَهُ
بما يَربِطُ على قُلوبِهم.
وفيه: حِرصُ عائشةَ رَضيَ اللهُ عنها، وشِدَّةُ
رَغبتِها في طَلَبِ العلمِ.
وفيه: إثباتُ صِفةِ السَّمعِ للهِ تعالَى؛
على الوجْهِ الَّذي يَليقُ به سُبحانَه؛ مِن غَيرِ تَعطيلٍ، ولا تَشبيهٍ، ولا تَمثيلٍ.
هل خرج من أصلابهم من يعبد الله لايشرك به شيئاً؟
نعم، لقد استجاب الله دعاء نبيه محمد صلي الله عليه وسلم ، وخرج من أصلاب أولئك المشركين والمعاندين جيل عظيم من الصحابة والتابعين الذين حملوا راية الإسلام، فصدق رجاؤه صلي الله عليه وسلم.
في الحديث الشريف (قصة أهل الطائف)، عندما عرض ملك الجبال على النبي صلي الله عليه وسلم أن يُطبق عليهم "الأخشَبَين" (جبلين عظيمين بمكة) عقاباً له على ما لاقاه من تكذيب، أجابه صلي الله عليه وسلم: "بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا".
ومن أبرز من خرجوا من أصلاب كفار قريش وثقيف:
علي بن أبي طالب: أسلم وهو صبي، وكان أبوه "أبو طالب" يتزعم بني هاشم ومات على الكفر.
جعفربن أبي طالب:
أبو بكر الصديق: أسلم متأخرًا عن بعض الصحابة في بداية الدعوة، وكان أبوه "أبو قحافة" مشركًا ثم أسلم لاحقًا يوم فتح مكة.
عثمان بن عفان: أسلم بدعوة من أبي بكر، وكان والده "عفان بن أبي العاص" قد مات في الجاهلية على الشرك.
أسامة بن زيد: وُلِد لأبوين في الإسلام، لكن أباه زيد بن حارثة رضي الله عنه كان مولى وكان في الجاهلية يعبد الأصنام قبل البعثة.
عكرمة بن أبي جهل: أسلم يوم فتح مكة، وكان من أبطال الإسلام وقادته المجاهدين. وهو ابن أشد أعداء الإسلام. وكان أبوه "أبو جهل" عدو الإسلام اللدود ورأس المشركين.
خالد بن الوليد: قائد معركة اليرموك وسيف الله المسلول، وهو ابن الوليد بن المغيرة الذي كان من أشد المعاندين للإسلام.
أبو حذيفة بن عتبة: من السابقين الأولين للإسلام، وهو ابن عتبة بن ربيعة الذي قُتل كافراً يوم بدر.
سعد بن أبي وقاص: أسلم مبكراً وكان من العشرة المبشرين بالجنة وخال النبي صلي الله عليه وسلم بينما كان عمه من المعاندين.
مصعب بن عمير: أول سفير في الإسلام، أسلم في بداية الدعوة وتحمل في سبيلها الكثير.كان مصعب بن عمير (رضي الله عنه) فتى مكة المُدلل، نشأ في ثراء فاحش بفضل أبويه اللذين أحباه وأغدقا عليه المال والنعيم. بعد إسلامه، قاطعه أبواه وحرمته أمه من ثروتها ليرتد عن دينه، لكنه ضرب أروع الأمثلة في التضحية حين فضّل الإسلام على الترف.إليك أبرز التفاصيل حول والديّه وقصته معهما:الأب (عمير بن هاشم): كان ثرياً وينتمي إلى بني عبد الدار من قريش. أحب مصعب حباً شديداً وكان يوفّر له كل سبل الراحة والترف.الأم (خناس بنت مالك): كانت امرأة ذات شخصية قوية وثرية جداً. كانت شديدة التعلق بمصعب، ولما علمت بإسلامه في دار الأرقم بن أبي الأرقم، حاولت ثنيه بشتى الطرق، فضربته وحبسته في المنزل. وعندما أصر على دينه، قامت بطرده من البيت وحرمته من كل أموالها قائلة: "اذهب لشأنك، لم أعد لك أماً".
عمرو بن العاص: والده العاص بن وائل السهمي الصحابي والقائد العسكري عمرو بن العاص هو بالفعل ابن العاص بن وائل السهمي، وهو أحد سادة قريش وأشراف بني سهم في الجاهلية. كان من أشد المعاندين للإسلام في بداياته، وقد نزلت فيه الآيات الكريمة في سورة الكوثر "إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ".
الأم: والدة عمرو بن العاص هي "النابغة" واسمها سلمى بنت حرملة، وكانت من سبايا العرب.
إسلامه: أسلم عمرو بن العاص في العام الثامن للهجرة (قبل فتح مكة)، وصحّبه الرسول صلي الله عليه وسلم وقال في حقه: "أسلم الناس وآمن عمرو بن العاص".
ومن هؤلاء الصحابة أيضاً:
وغيرهم الكثير ممن
أسلموا في ما بعد، ودخلوا في دين الله أفواجاً، فكانت تلك الذرية الصالحة ثمرة الرحمة
النبوية.