وَصِيَّةُ المَيِّتِ وَأَحْكَامُ الوَصِيَّةِ
فَاكْتُبْ وَصِيَّتَكَ. قَبْلَ أَنْ يُكْتَبَ أَجَلُكَ
أَوَّلًا: حُكْمُ الوَصِيَّةِ وَدَلِيلُهَا
الوَصِيَّةُ *مُسْتَحَبَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ*
لِمَنْ لَهُ مَالٌ، وَقَدْ تَجِبُ لِمَنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ حَقٌّ لَمْ يُوَثِّقْهُ.
*الدَّلِيلُ:* قَالَ تَعَالَى: `{كُتِبَ
عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ
وَالأَقْرَبِينَ بِالمَعْرُوفِ}` [البَقَرَةِ: 180].
وَقَالَ ﷺ: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ
يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» [البُخَارِيُّ:
2738، مُسْلِمٌ: 1627].
*قَالَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ:*
"مَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَخَّرَ فِي الوَصِيَّةِ،
وَيُبَادِرَ إِلَيْهَا، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يَفْجَؤُهُ المَوْتُ".
ثَانِيًا: شُرُوطُ الوَصِيَّةِ وَقَدْرُهَا
المُوصَى لَهُ:"لَا تَجُوزُ الوَصِيَّةُ لِوَارِثٍ. قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي
حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ"(التِّرْمِذِيُّ).
2.
*المِقْدَارُ:* *الثُّلُثُ فَمَا دُونَ* هُوَ الأَفْضَلُ. جَاءَ سَعْدُ
بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ: أُوصِي بِمَالِي كُلِّهِ؟ قَالَ:
«لَا». قَالَ: فَالشَّطْرُ؟ قَالَ: «لَا». قَالَ: فَالثُّلُثُ؟ قَالَ: «الثُّلُثُ،
وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ، إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ
تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» [البُخَارِيُّ: 1295].
المَحَلُّ:* يَكُونُ فِي البِرِّ وَالطَّاعَةِ، كَالصَّدَقَةِ عَلَى الفُقَرَاءِ،
أَوْ بِنَاءِ مَسْجِدٍ، أَوْ كَفَالَةِ يَتِيمٍ.
ثَالِثًا: قِصَّةٌ مِنْ سِيرَةِ السَّلَفِ*
عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ* لَمَّا طُعِنَ، أَوْصَى فَقَالَ: "إِنِّي أُوصِي الخَلِيفَةَ مِنْ بَعْدِي
بِالمُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ خَيْرًا... وَأُوصِي الأُمَرَاءَ أَنْ يَتَّقُوا اللَّهَ
فِي رَعِيَّتِهِمْ".
اللَّطِيفَةُ:* لَمْ يُوصِ بِمَالٍ، بَلْ
أَوْصَى بِأُمَّةٍ. فَالوَصِيَّةُ الحَقِيقِيَّةُ لَيْسَتْ دَرَاهِمَ، بَلْ مَبَادِئَ
تَعِيشُ بَعْدَكَ.
رَابِعًا: رَقِيقَةُ القَلْبِ*
يَا صَاحِبَ القَلْبِ... لَا تَقُلْ:
"أَنَا صَغِيرٌ عَلَى الوَصِيَّةِ". كَمْ مِنْ شَابٍّ بَاتَ وَلَمْ يُصْبِحْ؟
اكْتُبِ الآنَ: مَنْ لَهُ عِنْدَكَ دَيْنٌ؟
مَنْ ظَلَمْتَهُ؟ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ يُنْفَقَ مِنْ مَالِكَ بَعْدَكَ؟
فَرُبَّ كَلِمَةٍ فِي وَصِيَّتِكَ تُنْقِذُكَ
فِي قَبْرِكَ.
الدَّرْسُ 22: غُسْلُ المَيِّتِ وَتَكْفِينُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ*
"آخِرُ كَرَامَةٍ لِلْمُسْلِمِ عَلَى يَدِ
إِخْوَانِهِ"*
أَوَّلًا: الأَدِلَّةُ وَالحِكْمَةُ
غُسْلُ المَيِّتِ *فَرْضُ كِفَايَةٍ . إِذَا
قَامَ بِهِ البَعْضُ سَقَطَ عَنِ البَاقِينَ.
الدَّلِيلُ: لَمَّا مَاتَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ
ﷺ قَالَ لِلنِّسَاءِ: «اغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا،
أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ... وَاجْعَلْنَ فِي
الآخِرَةِ كَافُورًا» [البُخَارِيُّ: 1253].
*الحِكْمَةُ:* تَطْهِيرٌ لِلبَدَنِ، وَإِكْرَامٌ
لِآخِرِ عَهْدِهِ بِالدُّنْيَا، وَتَذْكِيرٌ لِلأَحْيَاءِ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَى
مَا صَارَ إِلَيْهِ.
ثَانِيًا: صِفَةُ الغُسْلِ بِاخْتِصَارٍ
1. السِّتْرُ:* يُسْتَرُ جَسَدُ المَيِّتِ وَلَا يُكْشَفُ إِلَّا مَوْضِعُ
الغُسْلِ.
2. التَّنْظِيفُ:* يَبْدَأُ بِالمَضْمَضَةِ وَالاسْتِنْشَاقِ بِخِرْقَةٍ
مُبَلَّلَةٍ، ثُمَّ غَسْلُ مَوَاضِعِ الوُضُوءِ.
3. العَدُ: وِتْرًا، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، مَعَ مَاءٍ وَسِدْرٍ.
4. الكَفَنُ:* لِلرَّجُلِ 3 أَثْوَابٍ بِيضٍ، وَلِلْمَرْأَةِ 5 أَثْوَابٍ.
قَالَ ﷺ: «الْبَسُوا مِنْ ثِيَابِكُمُ البَيَاضَ
فَإِنَّهَا مِنْ خَيْرِ ثِيَابِكُمْ، وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ» [أَبُو دَاوُدَ:
3878].
ثَالِثًا: الصَّلَاةُ عَلَى المَيِّتِ*
هِيَ دُعَاءٌ لَا رُكُوعَ فِيهَا وَلَا
سُجُودَ.
أَرْكَانُهَا:" النِّيَّةُ، 4 تَكْبِيرَاتٍ،
الفَاتِحَةُ، الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ، التَّسْلِيمَةُ.
*الدُّعَاءُ المَأْثُورُ:* «اللَّهُمَّ اغْفِرْ
لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا، وَصَغِيرِنَا وَكَبِيرِنَا، وَذَكَرِنَا
وَأُنْثَانَا» [التِّرْمِذِيُّ: 1024].
رَابِعًا: قِصَّةٌ مِنْ سِيرَةِ التَّابِعِينَ*
مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ رَحِمَهُ اللَّهُ كَانَ إِذَا غَسَّلَ مَيِّتًا بَكَى بُكَاءً شَدِيدًا. فَسُئِلَ: لِمَ؟ قَالَ:
"أَتَذَكَّرُ نَفْسِي مَكَانَهُ... كَيْفَ سَأُغَسَّلُ أَنَا غَدًا؟".
اللَّطِيفَةُ: مَنْ حَضَرَ تَغْسِيلَ المَيِّتِ
بِقَلْبِهِ، هَانَ عَلَيْهِ المَوْتُ.
خَاتِمَةُ الدَّرْسَيْنِ*
هَذَانِ البَابَانِ هُمَا *"آخِرُ
حُقُوقِ الحَيِّ عَلَى المَيِّتِ، وَأَوَّلُ حُقُوقِ المَيِّتِ عَلَى الحَيِّ"*.
مَنْ أَحْسَنَ وَصِيَّتَهُ، أَحْسَنَ اللَّهُ
خَاتِمَتَهُ. وَمَنْ شَهِدَ تَغْسِيلَ مَيِّتٍ وَاتَّعَظَ، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيرَاطًا
مِنَ الأَجْرِ.