فقه الهجرة إلى الله تعالى.
الهجرة النبوية المباركة دروس وعبر ومعالم
منهجية
️الحمد لله الذي أتمّ نعمته على عباده بأن
بعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة، وجعل سيرته
العطرة منهاجًا للحياة، ومشكاةً للهداية، وصراطًا مستقيمًا لمن استمسك به.
والصلاة والسلام الأتمان الأكملان على سيدنا
محمد، الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور، وهداهم إلى صراط العزيز الحميد، وعلى
آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، الذين نصروا الله ورسوله، وآزروه وعزّروه،
وبذلوا المهج والأموال في سبيل إعلاء كلمة الله، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
إن الحديث عن هجرة النبي -صلى الله عليه
وسلم- ليس حديثًا عن حادثة تاريخية مضت وانقضت، بل هو حديث عن معالم متجددة، ودروس
حية، ومنهجية متكاملة في بناء الأمم وإقامة الحضارات.
إنها اللحظة الفارقة في تاريخ الإسلام،
التي تحولت فيها الدعوة من طور الاستضعاف والابتلاء إلى طور التمكين والبناء، ومن مرحلة
الدعوة الفردية المحاصَرة إلى مرحلة الدولة والمجتمع والأمة.
ونحن إذ نقف على أعتاب عام هجري جديد، فإننا
لا نقف وقفة احتفال شكلي، ولا نكتفي باستعادة الذكرى بصورة عاطفية مجردة، بل نستلهم
العبر، ونستخلص الدروس، ونستنبط المناهج، ونسأل أنفسنا: أين نحن من الهجرة؟ هل هاجرنا
كما هاجر الأولون؟ هل انتقلنا بقلوبنا وأعمالنا كما انتقلوا بأبدانهم وأوطانهم؟
هذا ما سنحاول استجلاءه في هذه المحاضرة .
ويأتي حديثنا في العناصر التالية.
العنصر الأول: الهجرة ضرورة وجودية لبناء
الأمة
تمهيد: السنن الإلهية في قيام الأمم
من السنن الإلهية الثابتة التي لا تتبدل
ولا تتحول: أن الله -سبحانه وتعالى- يجري أمور خلقه وفق أسباب ومقدمات، لا وفق كرامات
ومعجزات منقطعة عن سنن الحياة.
وإن بناء الأمم وإقامة الحضارات لا يتم
بمجرد وجود الحق، بل لا بد من عوامل التمكين وأسباب النهوض وشروط القيام. قال الله
-تعالى-: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ﴾
[الرعد: 11].
لقد مكث النبي -صلى الله عليه وسلم- ثلاث
عشرة سنة في مكة المكرمة، يدعو إلى التوحيد الخالص، وإلى نبذ الأوثان والأصنام، وإلى
مكارم الأخلاق، فاستجاب له الصفوة من الناس، ولكن البيئة المكية ظلت عصية على قبول
هذا الدين، بل إنها تمادت في عدوانها، واشتدت في إيذائها، حتى بلغ الحال بالنبي -صلى
الله عليه وسلم- وأصحابه مبلغًا لا تطيقه النفوس إلا بصبر عظيم.
ولنتأمل قول ربنا -تبارك وتعالى- وهو يعزي
نبيه ويثبته: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةٗ مِّن قَرۡيَتِكَ ٱلَّتِيٓ
أَخۡرَجَتۡكَ أَهۡلَكۡنَٰهُمۡ فَلَا نَاصِرَ لَهُمۡ﴾ [محمد: 13]. لقد جعل الله هذا
الوعد نازلًا في طريق الهجرة -على ما ذكره علماء التفسير- ليكون بردًا وسلامًا على
قلب النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو يغادر وطنه وأرضه التي ولد فيها ونشأ بين جنباتها.
الطور المكي: الصبر والتربية والبناء العقدي
إن هذه السنوات الطوال في مكة لم تكن هباءً
منثورًا، ولا عمرًا ضائعًا، بل كانت طورًا تأسيسيًا عميقًا، تم خلاله:
· بناء العقيدة الصافية: تنزيل القرآن المكي
الذي يركز على الإيمان بالله واليوم الآخر، وعلى قصص الأنبياء، وعلى تثبيت القلوب.
· تربية الجيل المؤمن: إنشاء نواة صلبة من
المؤمنين الصادقين الذين صهرتهم المحن، وصفّتهم الابتلاءات.
· ترسيخ القيم الخلقية: الصبر، والصدق، والثبات،
والتوكل، والإيثار.
لقد كان الصحابة -رضوان الله عليهم- يتلقون
الوحي غضًا طريًا، فيمتزج بالإيمان في قلوبهم، ويصير جزءًا من كيانهم النفيس، ولذلك
لما حانت ساعة الهجرة، كانوا مستعدين لتلبية النداء، وتقديم التضحيات الجسام.
ضرورة الانتقال: من الاستضعاف إلى التمكين
لما اكتملت التربية، واشتد الأذى، وبلغت
الدعوة طورًا تحتاج فيه إلى أرض جديدة تنبت فيها وتؤتي أكلها؛ أذن الله لنبيه بالهجرة.
ولم تكن الهجرة خيارًا من خيارات، بل كانت
قدرًا محتومًا، وخطة إلهية محكمة لانتقال الدعوة من الطور المكي إلى الطور المدني،
حيث تقام الدولة، وتسن الشرائع، وتنظم العلاقات.
ولنا أن نقف هنا وقفة لطيفة مع قول النبي
-صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر -رضي الله عنه- حين استأذنه في الهجرة وقال له:
"أَقِمْ"، ثم قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إِنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ".
قالته عائشة -رضي الله عنها-: «اسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- أَبُو
بَكْرٍ فِي الْخُرُوجِ حِينَ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْأَذَى، فَقَالَ لَهُ: أَقِمْ، فَقَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَطْمَعُ أَنْ يُؤْذَنَ لَكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى
الله عليه وسلم- يَقُولُ: "إِنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ" قَالَتْ: فَانْتَظَرَهُ
أَبُو بَكْرٍ، فَأَتَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- ذَاتَ يَوْمٍ ظُهْرًا
فَنَادَاهُ، فَقَالَ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا
هُمَا ابْنَتَايَ» <رواه البخاري>.
تأمل -رحمك الله- كيف كان النبي -صلى الله
عليه وسلم- يرجو الإذن بالهجرة، ولم يتعجل الأمر، بل انتظر الوحي والأمر الإلهي، ففي
هذا درس عظيم في أن حركة الداعية والمصلح يجب أن تكون منضبطة بالأمر الشرعي، لا منطلقة
بمجرد الاجتهاد الشخصي والرأي المحض.
العنصر الثاني: الهجرة قدر وتدبير – قراءة
في منهجية الحدث
التآمر القرشي وتدبير السماء
حين رأت قريش أن دعوة الإسلام تنتشر، وأن
الأنصار قد بايعوا النبي -صلى الله عليه وسلم- في العقبة، وعزموا على حمايته ونصرته،
جن جنونها، وخشيت أن يخرج زمام الأمور من أيديها، فعقدت اجتماعها المشؤوم في دار الندوة.
وقد صور لنا ابن عباس -رضي الله عنهما-
هذا المشهد تصويرًا دقيقًا يجسد لنا مبلغ الحقد الذي امتلأت به صدورهم، ومدى الخبث
الذي انطوت عليه نفوسهم، حتى كان الشيطان حاضرًا في صورتهم ومؤتمرهم: «عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
-رضي الله عنهما- أَنَّ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَشْرَافِ كُلِّ قَبِيلَةٍ، اجْتَمَعُوا
لِيَدْخُلُوا دَارَ النَّدْوَةِ، فَاعْتَرَضَهُمْ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ،
فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: شَيْخٌ مِنْ نَجْدٍ، سَمِعْتُ أَنَّكُمُ
اجْتَمَعْتُمْ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَحْضُرَكُمْ وَلَنْ يُعْدِمَكُمْ رَأْيِي وَنُصْحِي.
قَالُوا: أَجَلْ، ادْخُلْ فَدَخَلَ مَعَهُمْ فَقَالَ: انْظُرُوا فِي شَأْنِ هَذَا الرَّجُلِ،
وَاللَّهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يُوَاثِبَكُمْ فِي أَمْرِكُمْ بِأَمْرِهِ...» إلى آخر
الحديث بطوله المشهور <تفسير ابن كثير>.
ثم دار الحوار بينهم، وطُرحت الآراء:
رأي الحبس والوثاق: ورفضه إبليس خشية أن
يخرج ويجتمع عليه أصحابه.
رأي النفي والإخراج: ورفضه إبليس أيضًا
لما في منطقه من جاذبية وتأثير.
حتى استقر الأمر على الرأي الخبيث الذي
طرحه أبو جهل لعنه الله: أن يأخذوا من كل قبيلة شابًا قويًا، ويعطوه سيفًا صارمًا،
فيضربوا محمدًا ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل، فلا يستطيع بنو هاشم حرب قريش
كلها، فيرضوا بالدية.
وهنا كان التدبير الإلهي حاضرًا، قال -تعالى-
مخبرًا عن مكرهم ومقابلة السماء لهم: ﴿وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ
أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ
ٱلۡمَٰكِرِينَ﴾ [الأنفال: 30].
فانظر -يا عبد الله- كيف قابل الله مكرهم
بمكره، وتدبيرهم بتدبيره، وكيف أنهم اجتمعوا على أمر وأجمعوه، ولكن الله -سبحانه- أعمى
أبصارهم وأضل سعيهم، وخرج النبي -صلى الله عليه وسلم- من بينهم لم يروه، وجعل على رؤوسهم
التراب، وقرأ قوله -تعالى-: ﴿وَجَعَلۡنَا مِنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ سَدّٗا وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ
سَدّٗا فَأَغۡشَيۡنَٰهُمۡ فَهُمۡ لَا يُبۡصِرُونَ﴾ [يس: 9].
وهذا كله يؤكد حقيقة عقدية أصولية: أن الأسباب
لا تعمل بذاتها، وأن القوة المادية مهما بلغت فهي لا تغني شيئًا إن لم يأذن الله، وأن
الله -عز وجل- يدافع عن الذين آمنوا.
التخطيط البشري والتوكل على الله: منهج
متوازن
من أعظم الدروس التي نستخلصها من الهجرة:
الجمع بين إحكام الخطة والأخذ بالأسباب من جهة، وصدق التوكل على الله وتفويض الأمر
إليه من جهة أخرى.
لقد وضع النبي -صلى الله عليه وسلم- خطة
محكمة متقنة، لم يدع فيها للصدفة ثقب إبرة، فمن مظاهر ذلك:
· الخروج في وقت غير معتاد: فلم يخرج في وضح
النهار، ولا في أول الليل، بل في جوف الليل وظلمته.
الخروج من طريق غير متوقع: فالمدينة شمال
مكة، ولكنه اتجه جنوبًا إلى غار ثور على طريق اليمن، تمويهًا على المطاردين.
اختيار الرفيق المناسب: وهو أبو بكر الصديق
-رضي الله عنه- الذي كان معروفًا بالوفاء والتضحية وحسن الصحبة.
تجهيز الراحلتين: وإعدادهما إعدادًا جيدًا
لتحمّل مشاق الطريق.
الاستعانة بدليل خبير: وهو عبد الله بن
أريقط، وكان مشركًا، فعرف الطرق الخفية والمسالك الوعرة التي لا يهتدي إليها المطاردون.
تمويه الأخبار والتموين: عن طريق عبد الله
بن أبي بكر الذي كان يأتي بالأخبار ليلًا، وعامر بن فهيرة الذي كان يرعى الغنم نهارًا
ويعود بها ليلًا ليمحو آثار الأقدام.
· المكث في الغار ثلاثة أيام: حتى تخف حدة
البحث، وتفتر همة المطاردين.
كل هذه الإجراءات تدل على الأخذ بالأسباب
وإحكام التدبير، وهو من صميم المنهج الإسلامي. قال الله -تعالى- آمرًا نبيّه والمؤمنين
بالأخذ بالحذر: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ﴾ [النساء:
71]. وفي قصة يوسف -عليه السلام- حين قال: ﴿فَذَرُوهُ فِي سُنۢبُلِهِۦٓ إِلَّا قَلِيلٗا
مِّمَّا تَأۡكُلُونَ﴾ [يوسف: 47] ليحفظ الحبوب من السوس؛ إشارة إلى ضرورة تعاهد الأسباب.
في غار ثور: تجسيد المعية الإلهية
بعد هذا التخطيط المحكم، جاءت المعية الإلهية
والرعاية الربانية لتتمم ما نقص، وتسد ما عجز، وتكلأ النبي وصاحبه بعينها التي لا تنام.
ولنقف مع المشهد العظيم الذي يصوره لنا
الصادق المصدوق أبو بكر -رضي الله عنه-: «نَظَرْتُ إِلَى أَقْدَامِ الْمُشْرِكِينَ
عَلَى رُؤوسِنَا، وَنَحْنُ فِي الْغَارِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَنَّ
أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدَمَيْهِ، أَبْصَرَنَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ؟ فَقَالَ:
"يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا؟"»
<رواه مسلم>.
ما أروعها من كلمة! وما أجلها من معية!
إنها ليست معية إخبار فحسب، بل هي معية نصرة وتأييد وحفظ وكلاءة.
وهنا نتذكر أيضًا لطيفة من لطائف الإيمان،
وفريدة من فرائد المحبة، حين روي أن أبا بكر -رضي الله عنه- دخل الغار وسد الجحور والفتحات،
فلُدغت رجله من الجحر، فتصبر ولم يتحرك؛ مخافة إزعاج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
من نومه، لكن دموعه غلبت فسقطت على وجه النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستيقظ، وأخبره
أنه لُدغ، فتفل النبي -عليه الصلاة والسلام- على رجله فبرأت في الحال.
ثم كانت معجزة نسج العنكبوت على باب الغار،
لتكون آية للمشركين، ودليلًا على أن هذا الدين محفوظ بحفظ الله.
حتى وان كان الحديث ضعيفا.
وقد قال الله -تعالى- مصورًا ذلك المشهد
كله، ومخلدًا هذا الثناء العاطر على الصديق: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ
إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ
يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ
عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ
ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:
40].
تأمل قوله: ﴿ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ﴾، وقوله:
﴿لِصَٰحِبِهِۦ﴾، وقوله: ﴿فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ﴾، كل ذلك تشريف وتكريم
للصديق -رضي الله عنه-، وتأكيد على عظم الصحبة وفضلها.
في الطريق: آيات وعبر
- ثم خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه
من الغار بعد ثلاث ليال، وسارا في الطريق، وتبعهما سراقة بن مالك يريد الجائزة التي
جعلتها قريش لمن يعيد محمدًا، وهي مائة ناقة. فلحق بهما، فدعا عليه النبي -صلى الله
عليه وسلم-، فارتطمت قوائم فرسه في الأرض حتى بلغت بطنه. فيقول سراقة: فعلمت أنهما
قد دُعي عليّ، فطلبت الأمان، ودعا له النبي -صلى الله عليه وسلم- فنجا.
وانظر إلى عظيم خلق النبي -صلى الله عليه
وسلم- وعظيم رجائه في ربه، وهو في هذه الحال الشديدة، والمطاردة المحكمة، يسأله سراقة
أن يكتب له كتاب أمن، فيأمر عامر بن فهيرة أن يكتب له ذلك، بل ويبشره بسواري كسرى!
فيقول سراقة بعد ذلك: إنه رأى سواري كسرى في يدي عمر بن الخطاب بعد فتح فارس، فحمد
الله الذي حقق له وعد رسوله.
ثم يقول أبو بكر -رضي الله عنه-: «ارْتَحَلْنَا
بَعْدَمَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ: وَنَحْنُ
فِي جَلَدٍ مِنْ الْأَرْضِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُتِينَا؟ فَقَالَ: لَا تَحْزَنْ
إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا، فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَارْتَطَمَتْ
فَرَسُهُ إِلَى بَطْنِهَا أُرَى، فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا
عَلَيَّ فَادْعُوَا لِي، فَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّلَبَ، فَدَعَا
اللَّهَ فَنَجَا فَرَجَعَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا
هَاهُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَى لَنَا» <رواه البخاري>.
إنها سلسلة من الآيات والمعجزات، تؤكد أن
الله -عز وجل- يتولى الصالحين، وأن من سار في ركاب الله حفظه وسدده وكلأه بعين عنايته.
العنصر الثالث: الهجرة دروس وعبر – منهج
حياة متجدد
الدرس الأول: الصبر على الأذى واليقين بنصر
الله
لقد كانت الهجرة تجسيدًا عمليًا لقيمة الصبر
والثبات على المبدأ، وعدم الاستعجال في جني الثمار، مع كمال اليقين بأن العاقبة للمتقين،
وأن الغد المشرق آت لا محالة.
تأمل -يا رعاك الله- كيف أن النبي -صلى
الله عليه وسلم- صبر ثلاثة عشر عامًا في مكة، يلقى فيها صنوف الأذى، ويُطرد من مجالس
القوم، ويُلقى على ظهره سلا الجزور وهو ساجد، ويُحاصر في الشعب ثلاث سنين، ويُؤذى أصحابه
أيما إيذاء، ومع ذلك كله لم ييأس، ولم يقنط، ولم يفقد الأمل، بل كان يمضي في طريقه
ثابت الجنان، راسخ الإيمان.
ولقد نزلت الآيات تثبته وتصبّره، ومنها
قوله -تعالى-: ﴿وَلَقَدۡ سَبَقَتۡ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا ٱلۡمُرۡسَلِينَ ١٧١ إِنَّهُمۡ
لَهُمُ ٱلۡمَنصُورُونَ ١٧٢ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ﴾ [الصافات:
171-173].
وقوله -عز وجل-: ﴿وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا
مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا
مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ﴾ [الروم:
47].
وقوله -جل شأنه-: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا
وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَيَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ
٥١ يَوۡمَ لَا يَنفَعُ ٱلظَّٰلِمِينَ مَعۡذِرَتُهُمۡۖ وَلَهُمُ ٱللَّعۡنَةُ وَلَهُمۡ
سُوٓءُ ٱلدَّارِ﴾ [غافر: 51-52].
هذه الآيات كانت تتلى في مكة، وكان النبي
-صلى الله عليه وسلم- يسمعها، ويثق بوعد الله، وينتظر الفرج. ثم جاء الفرج في صورة
خروج من مكة ليلًا، وفي صورة هجرة إلى المدينة. لقد كان الخروج من مكة في ظاهره هزيمة
وفرارًا، ولكنه في حقيقته نصر مبين، وتمكين عظيم، وانتقال إلى مرحلة جديدة من مراحل
بناء الدولة.
وهذا يعلمنا أن النصر لا يأتي دائمًا بالصورة
التي نتخيلها، وأن الابتلاء قد يكون هو الطريق إلى التمكين، وأن الضيق قد يكون هو بوابة
الفرج. ﴿فَإِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرًا ٥ إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا﴾ [الشرح:
5-6].
الدرس الثاني: التوكل على الله مع الأخذ
بالأسباب
مر بنا كيف أن النبي -صلى الله عليه وسلم-
جمع في هجرته بين إحكام الخطة والأخذ بالأسباب، وبين التوكل على الله وتفويض الأمر
إليه.
وهذا الميزان الدقيق هو الذي ينبغي أن يقوم
عليه منهج المسلم في حياته كلها. فلا هو بالمتواكل الذي يترك الأخذ بالأسباب، ويتعلل
بالتوكل، فيعطل سنن الله في كونه، ويخالف أوامر الشارع الحكيم. ولا هو بالمغتر بالأسباب
الظاهرة، فينسى مسببها، ويغفل عن ربه، ويثق في حوله وقوته، فيهلك ويضل.
لقد قال الله -تعالى- لنبيه -صلى الله عليه
وسلم- وهو في الصلاة وفي حال الحرب: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمۡ فَأَقَمۡتَ لَهُمُ ٱلصَّلَوٰةَ
فَلۡتَقُمۡ طَآئِفَةٞ مِّنۡهُم مَّعَكَ وَلۡيَأۡخُذُوٓاْ أَسۡلِحَتَهُمۡۖ﴾ [النساء:
102]. فحتى في أسمى حالات العبادة والاتصال بالله، يجب ألا يغفل المسلم عن عدوه، ولا
يترك سلاحه، بل يأخذ حذره كاملًا.
وهذا هو المنهج القرآني المتوازن، الذي
ينبغي أن تسير عليه الأمة في كل مرافق حياتها.
الدرس الثالث: التضحية والبذل في سبيل الدين
ما أعظم التضحيات التي قدمها المهاجرون
الأوائل في سبيل هذا الدين! لقد تركوا ديارهم وأموالهم وأهليهم، وخرجوا لا يملكون إلا
إيمانهم بالله ورجاءهم فيه، تاركين وراءهم كل شيء، مقبلين على مستقبل مجهول، لا يدرون
ماذا يخبئ لهم القدر.
ولقد ضرب الصحابة أروع الأمثلة في التضحية
والفداء، فها هو صهيب الرومي -رضي الله عنه- حين أراد الهجرة، لحقه المشركون يريدون
منعه، فقال لهم: أنا رجل كبير، إن كنت معكم فلن أضركم، وإن كنت مع محمد فلن أنفعكم،
فدعوني وشأني. قالوا: لا، جئتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك، وبلغت فينا ما بلغت، ثم
تريد أن تذهب بمالك ونفسك! قال: أرأيتم إن تركت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم.
فدلّهم على ماله، وقدم المدينة، فلما رآه النبي -صلى الله عليه وسلم- قال له: «رَبِحَ
الْبَيْعُ أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ الْبَيْعُ»، وأنزل الله فيه: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن
يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾
[البقرة: 207].
فهذه هي الروح التي ينبغي أن تتحلى بها
الأمة: روح البذل والعطاء، وعدم التعلق بزخارف الدنيا، والتضحية بالغالي والنفيس في
سبيل إعلاء كلمة الله.
الدرس الرابع: مكانة الصحبة وأهمية اختيار
الرفيق
لقد اختار النبي -صلى الله عليه وسلم- أبا
بكر -رضي الله عنه- ليكون رفيقه في هذه الرحلة المباركة، فدل ذلك على عظم مكانة الصديق،
ورفعة منزلته، وأنه أحب الناس إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأولاهم بصحبته
في الشدائد والملمات.
يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّهُ
لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَمَنَّ عَلَيَّ فِي نَفْسِهِ وَمَالِهِ مِنْ أَبِي بَكْرِ
بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا مِنَ النَّاسِ خَلِيلًا لَاتَّخَذْتُ
أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا، وَلَكِنْ خُلَّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ» <رواه البخاري>.
وفي هذا درس عظيم للأمة في أهمية الصحبة
الصالحة، وضرورة اختيار الرفيق الذي يعين على الطاعة، ويذكر بالله، ويقف إلى جانب صاحبه
في السراء والضراء.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خَيْرُ
الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ» <صححه العلماء >.
فيا أيها المسلم، انظر من تصاحب، ومن تجالس،
ومن ترافق، فإن الصاحب ساحب كما قالوا، والمرء على دين خليله، فلينظر أحدكم من يخالل.
المبحث الرابع: الهجرة مفهوم ممتد – هجرة
القلوب والأبدان
الهجرة الحقيقية: هجرة القلوب إلى الله
لقد بين لنا الإمام ابن القيم -رحمه الله-
معنى عظيمًا من معاني الهجرة، فقال في الرسالة التبوكية: «الهجرة هجرتان: هجرة بالجسم
من بلد إلى بلد، وهذه أحكامها معلومة... والهجرة الثانية: هجرة بالقلب إلى الله ورسوله...
وهذه الهجرة هي الهجرة الحقيقية، وهي الأصل، وهجرة الجسد تابعة لها».
فالهجرة الحقيقية هي هجرة القلوب، هجرة
النفوس من معاصي الله إلى طاعته، ومن حب الدنيا إلى حب الآخرة، ومن التعلق بالخلق إلى
التعلق بالخالق، ومن الشهوات إلى الطاعات، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن الظلمات إلى النور.
ولقد عبر الخليل إبراهيم -عليه السلام-
عن هذا المعنى أبلغ تعبير حين قال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ
ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ﴾ [العنكبوت: 26].
إنها هجرة إلى الله، لا مجرد هجرة من بلد
إلى بلد. إنها هجرة القلوب التي تسبق هجرة الأبدان، والتي هي الأصل الذي تبنى عليه
الهجرة المكانية.
فأين نحن من هذه الهجرة؟ هل هاجرت قلوبنا
حقًا؟ هل اشتغلت بذكر الله وطاعته؟ هل تركت المعاصي والشهوات؟ هل أقبلت على ربها بصدق
وإخلاص؟
يقول ابن القيم أيضًا: «ولا عجب؛ فالخليل
لا يسمى خليلًا حتى تتخلل المحبة في روحه وقلبه، فلا يبقى موضع لغير المحبوب».
هجرة الذنوب والمعاصي
وفي الحديث الصحيح يقول النبي -صلى الله
عليه وسلم-: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ
مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» <رواه البخاري>.
فهذا تعريف نبوي كريم يوسع مفهوم الهجرة،
ويجعلها منهج حياة مستمر، وليس مجرد حدث تاريخي مضى. فالمهاجر الحقيقي هو من هجر المعاصي
والذنوب، وهجر ما نهى الله عنه، وهجر كل ما يباعد عن الله -عز وجل-.
ولنتأمل قول ربنا -عز وجل- في كتابه الكريم:
﴿وَٱلرُّجۡزَ فَٱهۡجُرۡ﴾ [المدثر: 5]، وقوله: ﴿وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ﴾
[النساء: 34]، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ
عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦ﴾ [الأنعام: 68]. كلها معانٍ للهجر
والترك والإعراض عن الباطل وأهله.
الهجرة في زمن الفتن
وفي حديث آخر يؤكد النبي -صلى الله عليه
وسلم- أن العبادة في زمن الفتن والهرج لها منزلة عظيمة، فيقول: «الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ
كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ» <رواه مسلم>.
قال العلماء: الهرج هو القتل والفتن واختلاط
الأمور. ففي هذا الزمان الذي تكثر فيه الفتن، وتشيع فيه الجهالة، وتنتشر فيه الآثام،
ويصبح المعروف منكرًا والمنكر معروفًا؛ تكون العبادة والثبات على الدين بمثابة الهجرة
إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-.
فأي فضل هذا، وأي شرف هذا؟! إنه نداء للأمة
في زمن الفتن أن تثبت على دينها، وتستمسك بعروة الله الوثقى، فإن الأجر مضاعف، والثواب
جزيل.
وهذا ما أشار إليه الشيخ محمد الغزالي
-رحمه الله- في خطبته حين قال: «عندما تكثر الفتن، وتشيع الجهالة، وتنتشر الآثام، وتغلب
الرذيلة، ويصبح فيها العفاف مستغربًا لغلبة التهتك... فعندما يكون الأمر كذلك فإن تشبث
المسلم بدينه، وتركه هذه الأعمال كلها، واختياره لله ولما عنده، واعتصامه بالإسلام،
كل هذا يعطيه ثواب الهجرة».
العنصر الخامس: الهجرة بناء دولة وأسس مجتمع
أول الأعمال: بناء المسجد
كان أول عمل قام به النبي -صلى الله عليه
وسلم- حين وصل إلى المدينة المنورة هو بناء المسجد النبوي الشريف. وهذا يدل دلالة واضحة
على أن المسجد هو حجر الزاوية في بناء المجتمع المسلم، وهو المركز الذي تنطلق منه جميع
الأنشطة التربوية والاجتماعية والسياسية.
فالمسجد:
· يوحد الصفوف: فالكل يقف فيه صفًا واحدًا،
لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين أبيض وأسود.
· يزكي النفوس: ففيه تقام الصلوات، وتتلى
الآيات، وتلقى الخطب والمواعظ.
· يربي الأجيال: ففيه يتعلم الناشئة دينهم،
ويتربون على معاني الإيمان والتقوى.
· تنطلق منه الجيوش: وفيه تعقد الألوية، وتدار
شؤون الحرب والسلم.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم- حاثًا
على بناء المساجد: «مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ كَمِفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى
اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ»
وقال -عليه الصلاة والسلام- أيضًا: «إِذَا
رَأَيْتُمُ الرَّجُلَ يَعْتَادُ الْمَسَاجِدَ فَاشْهَدُوا لَهُ بِالْإِيمَانِ»
<رواه الترمذي>.
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار
ثم جاء العمل العظيم الثاني الذي قام به
النبي -صلى الله عليه وسلم-: وهو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار. لقد كانت المؤاخاة
رباطًا فريدًا في تاريخ البشرية، لم تعرف له الإنسانية نظيرًا.
لقد فتح الأنصار قلوبهم وديارهم وأموالهم
لإخوانهم المهاجرين، وشاركوهم كل شيء، وآثروهم على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة. قال الله
-تعالى- في مدحهم والثناء عليهم: ﴿وَٱلَّذِينَ تَبَوَّءُو ٱلدَّارَ وَٱلۡإِيمَٰنَ مِن
قَبۡلِهِمۡ يُحِبُّونَ مَنۡ هَاجَرَ إِلَيۡهِمۡ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمۡ حَاجَةٗ
مِّمَّآ أُوتُواْ وَيُؤۡثِرُونَ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ وَلَوۡ كَانَ بِهِمۡ خَصَاصَةٞۚ
وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
لقد سطر الأنصار أروع أمثلة التضحية والكرم
والإيثار، حتى إن أحدهم ليعرض على أخيه المهاجر أن يشاطره ماله، وأن ينزل له عن إحدى
زوجتيه. تلك هي الأخوة الصادقة التي أرادها الإسلام، والتي جمعت بين القلوب قبل أن
تجمع بين الأبدان.
تنظيم العلاقات وكتابة الوثيقة
ومن أوائل ما قام به النبي -صلى الله عليه
وسلم- في المدينة: كتابة صحيفة أو وثيقة تنظم العلاقات بين جميع فئات المجتمع المدني،
من مهاجرين وأنصار ويهود. وقد ضمنت هذه الوثيقة:
حق العبادة والتدين لكل فئة.
التعاون على البر والتقوى.
الدفاع المشترك عن المدينة.
نصرة المظلوم وأخذ الحق من الظالم.
أن لكل فئة دينها ومالها ومواليها.
لقد كانت هذه الوثيقة دستورًا متقدمًا في
مجال تنظيم العلاقات الاجتماعية والسياسية، ودليلًا على أن الإسلام دين الدولة والمجتمع،
وليس مجرد عبادات فردية لا صلة لها بتنظيم الحياة.
ومن مبادئها أنه: «للمسلمين دينهم، ولليهود
دينهم، ومواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم واعتدى».
الاهتمام بأفراد المجتمع
- اهتم النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته
بجميع أفراد المجتمع، على اختلاف مستوياتهم ومنازلهم. فاهتم بالفقراء والمساكين، وجعل
لهم حقًا معلومًا في أموال الأغنياء. واهتم باليتامى، وأوصى بهم خيرًا. واهتم بالأرامل،
وجعل الساعي عليهن كالمجاهد في سبيل الله. واهتم بالجيران، وأكد على حقوقهم حتى ظن
الصحابة أنه سيورثهم.
قال -تعالى- في بيان صفات البر وأهله:
﴿وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ
وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾
[البقرة: 177].
وقال -عز وجل- آمرًا بالإحسان إلى هذه الفئات
كلها: ﴿وَٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ
إِحۡسَٰنٗا وَبِذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱلۡجَارِ ذِي ٱلۡقُرۡبَىٰ
وَٱلۡجَارِ ٱلۡجُنُبِ وَٱلصَّاحِبِ بِٱلۡجَنۢبِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتۡ
أَيۡمَٰنُكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخۡتَالٗا فَخُورًا﴾ [النساء:
36].
إفشاء السلام وإطعام الطعام وصلة الأرحام
- لما وصل النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة،
كان من أوائل ما نطق به من جوامع الكلم: «أَيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السَّلَامَ،
وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ
نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ» <رواه الترمذي وابن ماجه>.
ففي هذا الحديث الشريف أربع خصال جامعة،
هي مفاتيح الخير والبركة في المجتمع المسلم:
إفشاء السلام: فهو مفتاح القلوب، وسبب المحبة
والألفة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تُؤْمِنُوا،
وَلَنْ تُؤْمِنُوا حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ
تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ» <رواه مسلم>.
صلة الأرحام: وهي سبب في البركة في العمر
والرزق، ورمز للتكافل العائلي، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ الْوَاصِلُ
بِالْمُكَافِئِ، وَلَكِنِ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا»
<رواه البخاري>.
إطعام الطعام: وهو من أفضل خصال البر، وقد
قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانَ وَجَارُهُ
جَائِعٌ إِلَى جَنْبِهِ»
الصلاة بالليل والناس نيام: وهي العبادة
الخفية التي لا يدخلها رياء، والتي يصف الله أصحابها بقوله: ﴿تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ
عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ
١٦ فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا
كَانُواْ يَعۡمَلُونَ﴾ [السجدة: 16-17].
العنصر السادس: من لطائف الهجرة ومواقفها
المؤثرة
حب الوطن: فطرة إنسانية وشعور نبيل
على الرغم من أن النبي -صلى الله عليه وسلم-
أُخرج من مكة مكرهًا، وأُوذي فيها أيما إيذاء، إلا أنه حين وقف على أطرافها مودعًا،
فاضت نفسه الشريفة بحب هذه الأرض، وتلك البقاع التي ولد فيها، وترعرع بين جنباتها،
وعاش فيها ثلاثة وخمسين عامًا.
فقد قال -عليه الصلاة والسلام- مخاطبًا
مكة: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ خَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ،
وَلَوْلَا أَنَّ أَهْلَكِ أَخْرَجُونِي مَا خَرَجْتُ» <مصنف عبد الرزاق>.
وفي رواية الترمذي وصححها: «وَاللَّهِ إِنَّكِ
لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي
أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».
فتأمل هذه الكلمات النبوية الفياضة بالحب
والحنين، تجد أن حب الوطن فطرة مركوزة في النفوس، لا يتعارض مع الإيمان، بل هو من مقتضياته
إذا وجه التوجيه الصحيح.
فحب الوطن معناه: أن تسعى لإصلاحه وعمارته،
وأن تعمل على رفعته وتقدمه، وأن تدفع عنه الشرور والمفاسد، وأن تدعو إلى الخير فيه،
وأن تكون مواطنًا صالحًا نافعًا.
وقد كان هذا الشعور النبوي الكريم درسًا
عمليًا للمسلمين في كل زمان ومكان، أن يحبوا أوطانهم، وأن يعمروها، وأن يخلصوا لها،
وألا يفسدوا فيها. قال الله -تعالى-: ﴿وَلَا تُفۡسِدُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ بَعۡدَ إِصۡلَٰحِهَا﴾
[الأعراف: 56].
الدور النسائي في الهجرة
لا ينبغي أن نغفل الدور العظيم الذي قامت
به المرأة المسلمة في أحداث الهجرة، فهي شريكة في هذا الحدث العظيم، ولها فضلها وأثرها.
فهذه عائشة وأسماء -رضي الله عنهما-، ابنتا
الصديق، كانتا تقومان على خدمة النبي -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه، وتعدان الطعام والزاد،
وتخوضان المخاطر في سبيل إيصاله إلى الغار.
وهذه أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها-
حين جاء أبو جهل يسألها عن مكان النبي -صلى الله عليه وسلم-، فلطمها لطمة شديدة، فصبرت
واحتسبت، ولم تدل بمعلومة. ولما احتاجت إلى حمل الطعام والماء إلى الغار، ولم تجد حبلًا
تربط به، شقت نطاقها نصفين، فربطت الزاد بنصف، وانتطقت بالنصف الآخر، فلقبها النبي
-صلى الله عليه وسلم- بـ «ذات النطاقين».
وهذه أم سلمة -رضي الله عنها- كانت مثالًا
للثبات والصبر في طريق الهجرة، حين منعها أهلها من الهجرة، ثم أخذوا ابنها منها، فظلت
عامًا كاملًا تبكي وتتحرق شوقًا لزوجها وابنها، حتى أذن لها أهلها باللحاق بهم، فهاجرت
وحدها ومعها طفلها الرضيع.
كل هذه المواقف وغيرها تدل على عظم الدور
النسائي، وعلى علو مكانة المرأة في الإسلام، وأنها شريكة الرجل في بناء الحضارة وصناعة
التاريخ.
المبحث السابع: الهجرة ومواجهة الغزو الثقافي
الصراع بين الهوية الإسلامية والغزو الفكري
«إن الصراع بين الغزو الثقافي -صليبيا كان
أو صهيونيا- اشتد مع الإسلام وتراثه خلال هذا القرن الأخير... وإن الكلام الذي يقوله
أولئك الأفاكون للمسلمين دعاية مأجورة أخذوا ثمنها إما بالنقود الروسية أو النقود الأمريكية
أو النقود الأوربية، أو الشهوات المبذولة لهؤلاء العملاء. والمقصود الإجهاز على الإسلام
وتاريخه حتى لا يبقى له وسم ولا رسم».
<خطب محمد الغزالي>
وإنها لكلمة حق أطلقها الشيخ الغزالي -رحمه
الله- منذ عقود، ولا تزال صداها يرن في آذاننا اليوم، بل لعلها أشد وضوحًا وأكثر إلحاحًا
من أي وقت مضى.
فالأمة اليوم تواجه حربًا ضروسًا على هويتها
وقيمها ومبادئها، يراد لها أن تنسلخ من دينها، وتتخلى عن تاريخها، وتفرط في ثوابتها،
بحجة التقدم والتطور والتحضر.
مقارنة بين هجرة المسلمين وهجرة غيرهم
ولعل من أوجه العبر المقارنة بين هجرة المسلمين الأوائل، وهجرة غيرهم
من أصحاب الملل والنحل.
فالمسلمون الأوائل هاجروا فرارًا بدينهم،
وبحثًا عن بيئة صالحة لإقامة شرع الله، وهم يوحدون الله رب العالمين، ولا يشركون به
شيئًا. هاجروا متوكلين على الله، لا ظهير لهم إلا إيمانهم، ولا سند لهم إلا ربهم.
أما هجرات غيرهم، وإن بدت في ظاهرها دينية،
فهي مشوبة بالأطماع المادية والأهداف الدنيوية، مدعومة بالقوى العالمية الكبرى التي
تمهد لهم الطريق وتحمي ظهورهم.
استقبال العام الهجري: بين العبرة والعثرة
وإننا إذ نستقبل عامًا هجريًا جديدًا، فإن
الواجب على المسلمين -أفرادًا وجماعات- أن يستلهموا دروس الهجرة، وأن يحولوا هذه الذكرى
من مجرد احتفال شكلي، إلى حركة تجديدية شاملة في واقع الأمة وحياتها.
و«إذا مرت السنون على المسلمين وهم على
هذا النحو من الغفلة التي ترين عليهم فإنهم سيُذبحون، ومر الزمن لن يكون لنا بل سيكون
علينا».<الغزالى>
ويقول الحسن البصري -رحمه الله-: «ما من
يوم ينشق فجره إلا ويقول: يا ابن آدم، أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود فِيَّ بعمل
صالح فإني لا أعود إلى يوم القيامة».
فإذا كان مرور يوم له هذه الأهمية، فكيف
بمرور عام كامل؟!
ولقد قال الله -تعالى-: ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي
جَعَلَ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَ خِلۡفَةٗ لِّمَنۡ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوۡ أَرَادَ
شُكُورٗا﴾ [الفرقان: 62].
فالليل والنهار يتعاقبان ليذكرنا بمرور
العمر، ويدفعانا إلى شكر النعم، وتدارك ما فات، واستئناف العمل الصالح.
العنصر الثامن: الهجرة وأثرها في تغيير
مجرى التاريخ
الهجرة: منعطف تاريخي حاسم
لا يمكن أن ندرك عظمة حدث الهجرة إلا إذا
نظرنا إليه في سياقه التاريخي، وأدركنا كيف أنه كان منعطفًا حاسمًا في تاريخ البشرية
جمعاء، وليس في تاريخ المسلمين وحدهم.
فلولا الهجرة ما قامت دولة الإسلام، وما
انتشرت الدعوة، وما وصل إلينا هذا الدين.
لقد كانت الهجرة ميلادًا جديدًا للأمة،
وبداية عهد جديد للبشرية، خرجت فيه من ظلمات الجاهلية إلى نور الهداية، ومن عبادة العباد
إلى عبادة رب العباد، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
وقد اختار الصحابة -رضوان الله عليهم- هذا
الحدث العظيم ليكون بداية لتقويمهم وتاريخهم، إشارة إلى أهميته ومحوريته. فكانت الهجرة
مبدأ التاريخ الإسلامي، الذي أرخت به الأمة أحداثها، وسجلت به وقائعها.
كيف نستفيد من دروس الهجرة في واقعنا المعاصر؟
ولعل السؤال المحوري الذي ينبغي أن نطرحه
على أنفسنا في ختام هذا المبحث هو: كيف نستفيد من دروس الهجرة في واقعنا المعاصر؟ وكيف
نترجم هذه الدروس إلى واقع عملي ملموس؟
والجواب يمكن إجماله في النقاط التالية:
1. تجديد الإيمان في القلوب: فكل تغيير حقيقي
يبدأ من الداخل، من القلب المؤمن بالله، الموقن بنصره، المتوكل عليه حق التوكل.
2. تربية الجيل على معاني الهجرة: من تضحية
وصبر وثبات ويقين، ليخرج لنا جيل قادر على حمل الأمانة والنهوض بالأمة.
3. الجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله:
فلا تواكل ولا غرور بالأسباب، بل منهج متوازن قوامه بذل الجهد وحسن التوكل.
4. مواجهة الغزو الفكري والثقافي: بالتمسك
بالهوية الإسلامية، وبناء الذات، ونشر الوعي، والاعتزاز بالدين والتاريخ والتراث.
5. تحقيق معاني الأخوة الإسلامية: بين أبناء
الأمة، ونبذ الفرقة والخلاف، والتعاون على البر والتقوى.
6. إحياء دور المسجد: ليكون مركزًا للتربية
والتوجيه والتعبئة، ومنطلقًا للدعوة والإصلاح.
7. الهجرة من المعاصي إلى الطاعات: فالمهاجر
الحقيقي هو من هجر ما نهى الله عنه، وأقبل على الله بقلبه وقالبه.
الخاتمة .
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله
تتضاعف الحسنات، وبرحمته تقال العثرات، وتغفر السيئات. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا
محمد، خير من هاجر وجاهد وصبر، وعلى آله وأصحابه الذين نصروه وآزروه، وثبتوا على دينهم
حتى أتاهم اليقين.
أيها المسلمون الكرام:
إننا وقد طفنا معًا في رحاب هذا الحدث العظيم،
ووقفنا على بعض معانيه وأسراره ودروسه، لنخلص إلى أن الهجرة النبوية المباركة لم تكن
مجرد انتقال جغرافي من بلد إلى بلد، بل كانت منهجًا ربانيًا متكاملًا، ودرسًا عمليًا
خالدًا، ومدرسة تربوية جامعة، تفيض بالعبر والعظات، وتزخر بالدروس والمعاني، التي ينبغي
أن نستلهمها في كل زمان ومكان، وفي كل شأن من شؤون حياتنا.
فلنجعل من هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم-
نبراسًا نهتدي به، ومنهجًا نسير عليه، حتى ننال رضا ربنا، ونفوز بجنته، ونسعد في الدنيا
والآخرة.
وبعد، أيها الأحبة الكرام:
لقد طفنا معًا في رحاب الحادثة العظمى،
حادثة الهجرة النبوية المباركة، ورأينا كيف أن الله -سبحانه وتعالى- أخرج منها أمة،
وأقام بها دولة، وأعز بها دينًا، وأذل بها شركًا وكفرًا. ووقفنا على دروسها اليانعة،
وعبرها الزاخرة، التي لا تنقضي على مر العصور وكر الدهور.
فالهجرة لم تكن مجرد انتقال من بلد إلى
بلد، بل كانت ميلادًا جديدًا، وانطلاقة مباركة، ونقلة نوعية في مسيرة الدعوة، من الضعف
إلى القوة، ومن الاستضعاف إلى التمكين، ومن الصبر على الأذى إلى الشهود الحضاري الذي
بهر الدنيا.
وإن الواجب علينا -ونحن نستقبل عامًا هجريًا
جديدًا- أن نقف مع أنفسنا وقفة محاسبة صادقة: هل هاجرنا بقلوبنا إلى الله؟ هل تركنا
ما نهى عنه وأقبلنا على ما يحبه ويرضاه؟ هل استمسكنا بمنهج النبي -صلى الله عليه وسلم-
في التخطيط والتوكل، في الصبر والثبات، في التضحية والبذل؟
فلنجعل من هذه الذكرى محطة تجديد وتغيير،
نراجع فيها مسيرتنا، ونصحح فيها أخطاءنا، ونستأنف فيها عهدنا مع ربنا، سائرين على درب
المهاجرين الأولين، راجين ثواب الله وحسن لقائه. والحمد لله رب العالمين.
الدعاء
نسأل الله -تعالى- أن يرزقنا حسن الاقتداء
بنبيه -صلى الله عليه وسلم-، وأن يجعلنا من المهاجرين إليه بقلوبهم، التاركين لما نهى
عنه، المقبلين على طاعته، وأن يكتب لنا ثواب الهجرة، وأن يوفقنا لما يحب ويرضى.
اللهم إنا نسألك هجرة من المعاصي إلى الطاعة،
ومن الغفلة إلى الذكر، ومن حب الدنيا إلى حب الآخرة، ومن ظلمات الجهل إلى نور العلم،
ومن الشح إلى الكرم، ومن الضيق إلى السعة، ومن العذاب إلى الرحمة.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه
أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وتجتمع
فيه كلمة المسلمين على الحق والهدى.
اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا
همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا عسرًا إلا يسرته، ولا مريضًا إلا شفيته،
ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالًا إلا هديته.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة،
وقنا عذاب النار.
اللهم يا من رحمتك وسعت كل شيء، ويا من
بيده ملكوت كل شيء، ويا من إليه يرجع كل شيء، نسألك بأسمائك الحسنى وصفاتك العلى، وباسمك
الأعظم الذي إذا دُعيت به أجبت، وإذا سُئلت به أعطيت، أن تجعلنا من المهاجرين إليك
حقًا، المهاجرين بقلوبهم إلى محبتك وطاعتك، المهاجرين بأعمالهم إلى مرضاتك وجنتك، المهاجرين
بنياتهم إلى إخلاص العبودية لك وحدك لا شريك لك.
اللهم كما هاجر نبيك محمد -صلى الله عليه
وسلم- من مكة إلى المدينة فارًا بدينه، طالبًا نصرك ورضاك، مؤثرًا ما عندك على ما عند
سواك، فاجعلنا من المهاجرين في سبيلك، المقتفين أثره، المتبعين سنته، الثابتين على
دينه.
اللهم ارزقنا هجرة صادقة من المعاصي إلى
الطاعة، ومن الذنوب إلى التوبة، ومن الغفلة إلى الذكر، ومن حب الدنيا إلى حب الآخرة،
ومن الشح إلى الجود، ومن الضيق إلى السعة، ومن الخوف إلى الأمن، ومن القنوط إلى الرجاء،
ومن الظلمات إلى النور. واجعلنا من الذين قال الله فيهم: ﴿إِلَّا مَن تَابَ وَءَامَنَ
وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَأُوْلَٰٓئِكَ يَدۡخُلُونَ ٱلۡجَنَّةَ وَلَا يُظۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا﴾
[مريم: 60].
اللهم ثبت قلوبنا على دينك، ولا تزغها بعد
إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. واجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون
أحسنه.
اللهم إنا نسألك صبرًا كصبر المهاجرين،
ويقينًا كيقين الصديق، وتوكلًا كتوكل المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وتضحية كتضحية
آل ياسر، وثباتًا كثبات بلال، وإيثارًا كإيثار الأنصار.
اللهم إنا نعوذ بك من حال المهاجرين إلا
إليك، المولين الأدبار عن طاعتك، المتثاقلين إلى الدنيا، المغرورين بالأسباب، التاركين
للتوكل، المسوّفين للتوبة، القانطين من رحمتك.
اللهم اجعل عامنا هذا عام خير وبركة ورفعة،
عام هجرة صادقة إليك، عام توبة نصوح، عام عودة إلى كتابك وسنة نبيك، عام إصلاح ذات
البين، عام اجتماع للكلمة، عام وحدة للصف، عام عزة وتمكين.
اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه
أهل طاعتك، ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وتكون فيه
كلمة المسلمين واحدة على الحق والهدى.
اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا،
وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي إليها معادنا، واجعل الحياة
زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر.
اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا
همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا عسرًا إلا يسرته، ولا مريضًا إلا شفيته،
ولا مبتلى إلا عافيته، ولا ضالًا إلا هديته، ولا غائبًا إلا رددته، ولا ميتًا إلا رحمته،
ولا ظالمًا إلا قصمته، ولا عدوانًا إلا رددته، ولا بلاءً إلا كشفته.
اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين
والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، واجمع بيننا وبينهم في دار كرامتك، في مقعد صدق
عند مليك مقتدر.
اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا ونبينا محمد،
الذي أخرجت به الناس من الظلمات إلى النور، وهديتهم به إلى صراطك المستقيم، وارزقنا
شفاعته يوم القيامة، واسقنا من حوضه شربة لا نظمأ بعدها أبدًا.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة،
وقنا عذاب النار.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين
.