recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة المسلم الحق من سلم الناس من لسانه ويده؟الشيخ/عبدالناصربليح

 


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

من هو المسلم الحقيقي ؟

هو من استسلم لله تعالى ظاهرًا وباطنًا، متبعًا أوامر الإسلام عقيدةً وعملاً، وينعكس إيمانه على أخلاقه ومعاملاته، حيث قال النبي : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده". لا يقتصر إسلامه على الطقوس فحسب، بل يمتد ليكون صالحًا ومصلحًا في مجتمعه، متجنبًا الخيانة ومطبقًا لتعاليم الدين في حياته اليومية.أهم صفات المسلم الحقيقي كما تبين المصادر:

العقيدة الصحيحة: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإيمان بكل ما جاء به النبي .سلامة اللسان واليد: كفّ الشر عن الناس، فلا يؤذيهم بقول أو فعل.

الامتثال والعمل: إقامة أركان الإسلام (صلاة، صيام، زكاة) والانقياد لأوامر الله واجتناب نواهيه.

حسن الخلق والتعامل: معاملة الناس بمكارم الأخلاق، وبر الوالدين، وتقديم الخير.

الولاء والمواقف: التمسك بالحق وعدم نصرة أعداء الأمة، والصدق في القول والعمل.باختصار، المسلم الحقيقي هو الذي يجمع بين العبادة الصحيحة، والأخلاق الحسنة، والمعاملة الطيبة، ليؤثر إيجابيًا في نفسه ومجتمعه. 

فإن الإسلام هو إسلام القلب والوجه لله تعالى، والاستسلام لأحكام الشريعة والانقياد لأوامره سبحانه، قال الأزهري: فالإسلام: إظهار الخضوع والقبول لما أتى به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفي قصة إبراهيم وإسماعيل على نبينا وعليهما الصلاة والسلام، قال تعالى: فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ  وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ  قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ "(الصافات:103: 105)،

 قال الحافظ ابن كثير: أسلما، يعني: استسلما وانقادا، إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل طاعة لله ولأبيه، قاله مجاهد وعكرمة وقتادة والسدي وابن إسحاق وغيرهم. انتهى. ومعنى: وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ أي: أكبه على وجهه، فلا يشاهده عند ذبحه فيكون أهون عليه، وقال سبحانه وتعالى مادحاً إبراهيم عليه السلام:"إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ "(البقرة:131)،

قال الحافظ ابن كثير: أي أمره الله بالإخلاص والاستسلام والانقياد، فأجاب إلى ذلك شرعاً وقدراً.  

فالمسلم الحقيقي المستقيم على أمر الله، فيعبد الله وحده ولا يشرك به شيئاً، قال تعالى على لسان نبيه: قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ* لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ {الأنعام:162-163}، والمسلم الحقيقي ينقاد لله، فيمتثل أمره ويجتنب نهيه، ولا يقدم عقله وهواه على ما بلغه من شرع ربه، قال تعالى: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا {النساء:65}.

قال الحافظ ابن كثير: وقوله: فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ : يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع الأمور، فما حكم به فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال: لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا. أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة. انتهى.

هذا، وإن من أراد السلامة في دينه والنجاة في الآخرة، فعليه أن ينهج نهج أهل السنة والجماعة، وأن يقتفي أثر السلف الصالحين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فإنهم الفرقة الناجية، وهم الطائفة المنصورة، وهم الوسط بين سائر فرق الإسلام، فنسأل الله -عزَّ وجلَّ- أن يهدي قلبك، ويشرح صدرك، وينور بصيرتك، ويأخذ بناصيتك للبر والتقوى، ويوفقنا وإياك لحياة السعداء، وموت الشهداء، ومرافقة الأنبياء في جنات ونهر، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

وعن  عبدالله بن عمرو عن رسول الله صلي الله عليه وسلم:" المُسلِمُ مَن سَلِمَ المُسلِمونَ مِن لسانِه ويَدِه، والمُهاجِرُ مَن هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنه"(البخاري ومسلم).


هذا الحديثُ مِن جَوامعِ كَلِمِه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وفيه يُرشِدُنا النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ إلى التَّحَلِّي بالآدابِ والأخْلاقِ الإسلاميَّةِ، الَّتي تَزيدُ الأُلفةَ والموَدَّةَ بيْن المُسلِمينَ. ومعْناه: أنَّ المسلِمَ الكامِلَ الجامعَ لخِصالِ الإسلامِ: هو مَن لم يُؤْذِ مُسلِمًا بقَولٍ ولا فِعلٍ، وخصَّ اللِّسانَ واليدَ؛ لكَثرةِ أخطائِهما وأضرارِهما؛ فإنَّ مُعظَمَ الشُّرورِ تَصدُرُ عنهما؛ فاللِّسانُ يَكذِبُ، ويَغتابُ، ويسُبُّ، ويَشهَدُ بالزُّورِ، واليدُ تَضرِبُ، وتَقتُلُ، وتَسرِقُ، إلى غيرِ ذلك، وقدَّم اللِّسانَ؛ لأنَّ الإيذاءَ به أكثرُ وأسهلُ، وأشدُّ نِكايةً، ويعُمُّ الأحياءَ والأمواتَ جميعًا. وبيَّن أنَّ المُهاجرَ الكاملَ هو مَن هجَرَ ما نهى اللهُ عنه؛ فالمُهاجرُ الممدوحُ هو الَّذي جمَعَ إلى هِجرانِ وَطَنِه وعَشيرتِه هِجرانَ ما حرَّم اللهُ تعالَى عليه؛ فمُجرَّدُ هِجرةِ بلَدِ الشِّركِ مع الإصرارِ على المعاصي ليست بهِجرةٍ تامَّةٍ كاملةٍ؛ فالمُهاجرُ بحقٍّ هو الَّذي لم يَقِفْ عند الهجرةِ الظَّاهرةِ، مِن تَرْكِ دارِ الحربِ إلى دار الأمنِ، بل هُو مَن هجَرَ كلَّ ما نَهَى اللهُ عنه. وفي الحديثِ: الحثُّ على تَركِ أذَى المسلِمين بكلِّ ما يُؤذِي. وفيه: أنَّ الظَّواهرَ لا يَعبَأُ اللهُ تعالَى بها إذا لم تُؤيِّدْها الأعمالُ الدَّالَّةُ على صِدقِها

الشرح التفصيلي للحديث:

المسلم من سلم المسلمون من لسانه: أي كف لسانـه عن الغيبة، النميمة، الشتم، والتحريش بين الناس.

ويده: كف يده عن الضرب، الجرح، أخذ المال بغير حق، وأي اعتداء.

المهاجر من هجر ما نهى الله عنه: الهجرة الحقيقية ليست مجرد انتقال جغرافي، بل هي هجرة القلب والعمل عن المحرمات.

المعنى المقصود: لا يعني الحديث أن من يؤذي الناس كافر، بل يعني نفي "كمال الإيمان" عن مؤذي المسلمين.

 المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.

حديث شريف يضع معياراً هاماً لكمال الإسلام وتمامه، فليس المراد به نفي أصل الإسلام عمن آذى، بل بيان أن المسلم الكامل هو الذي يلتزم بسلامة إخوانه المسلمين.

فاللسان يشمل كل أنواع الأذى القولي، كالغيبة، والنميمة، والشتم، والقذف، واللعن وغير ذلك من الإيذاءات اللفظية.

واليد تشمل كل أنواع الأذى الفعلي، كالضرب، والقتل، وأخذ المال بغير حق، وغيرها من الاعتداءات بواسطة اليد.

فالمسلم الحقيقي هو من يحافظ على حقوق الآخرين وكرامتهم، ويكفّ جوارحه عن إيذائهم.

وقد خُصّ اللسان واليد بالذكر لأنهما أكثر ما يصدر عنه الشر والأذى بين الناس.

ديننا الحنيف يدعونا للتحلي بفضائل الأخلاق والتخلي عن رذائلها، ويحثنا على حفظ اللسان واليد وباقي الجوارح واستعمالها في الخير، وإبعادها عن الشر والأذى طاعة لله ورسوله.

حفظ اللسان: عدم نشر الإشاعات، تجنب الغيبة في المجالس، وقول الكلمة الطيبة.

كف اليد: تجنب الاعتداء الجسدي، احترام ممتلكات الآخرين، وعدم الغش أو السرقة.


الحديث يبرز أن الإسلام ليس مجرد طقوس، بل هو سلوك يومي قائم على سلامة الآخرين من أذى المرء..

أخي الكريم: أسعد ما في هذه الدنيا وألذ ما فيها أن يمتلئ القلب بالإيمان، ويرطب اللسان بالذكر وتلاوة القرآن، وتخضع بالطاعة الجوارح والأركان.

 والمسلم يُطلَق على معانٍ كثيرة: منها المستسلِم، المستسلِم لغيره يقال له: مسلم، ومنه على أحد التفسيرين قوله تعالى: ﴿ قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا ﴾ [الحجرات: 14]؛ أي قولوا: استسلَمْنا، ولم نُقاتِلكم، والقول الثاني في الآية: إن المراد بالإسلام الإسلام لله عزَّ وجلَّ، وهو الصحيح.

أخي الكريم: تعال لنقف مع آيات الغفور الرحمن، آيات تهز المشاعر، وتحرك الوجدان، آيات تحيي القلوب، وتنير الأبصار، يقول الله تعالى: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى  وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى  قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً  قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى"(طـه:123-126).

 ويقول -عزَّ وجلَّ:" أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ"(الزمر:22).

 ويقول عزَّ وجلَّ:" فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ "(الأنعام:125).

وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا يجمع لمن قدم عليه يريد الإسلام بين ذكر حق الله وحق العباد ، كما في " مسند الإمام أحمد " عن عمرو بن عبسة قال : قال رجل : يا رسول الله ، ما الإسلام ؟ قال :"أن تسلم قلبك لله ، وأن يسلم المسلمون من لسانك ويدك "(أحمد).

وفيه - أيضا - عن بهز بن حكيم ، عن أبيه ، عن جده أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليسلم ، فقال له : أسألك بوجه الله ! بم بعثك الله ربنا إلينا ؟ قال : " بالإسلام " . قال : قلت : وما آية الإسلام ؟ قال : " أن تقول : أسلمت وجهي لله وتخليت ، وتقيم الصلاة ، وتؤتي الزكاة . وكل مسلم على مسلم محرم " . وذكر الحديث ، وقال فيه : قلت : يا رسول الله ، هذا ديننا ؟ قال : " هذا دينكم "(النسائي بمعناه) .

والمعني الثاني: يُطلَق الإسلام على الأصول الخمسة التي بيَّنها النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل حين سأله عن الإسلام، فقال: ((أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت)).

ويطلَق الإسلام على السلامة، يعني أن يَسلَمَ الناسُ من شر الإنسان، فيقال: أسلَمَ، بمعنى دخل في السَّلْم؛ أي: المسالمة للناس، بحيث لا يؤذي الناس، ومنه هذا الحديث: ((المسلم من سَلِم المسلمون من لسانه ويده)).

(سَلِم المسلمون من لسانه) فلا يسُبُّهم، ولا يلعنهم، ولا يغتابهم، ولا ينمُّ بينهم، ولا يسعى بينهم بأيِّ نوع من أنواع الشر والفساد، فهو قد كَفَّ لسانَه، وكفُّ اللسانِ من أشد ما يكون على الإنسان، وهو من الأمور التي تصعُب على المرء، وربما يستسهل إطلاق لسانه.

ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: ((أفلا أخبرك بمِلاكِ ذلك كلِّه؟))، قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: ((كُفَّ عليك هذا))، قلت: يا رسول الله، وإنَّا لَمؤاخَذونَ بما نَتكلَّمُ به؟! يعني هل نؤاخَذ بالكلام؟ فقال: ((ثكلتك أمُّك يا معاذ! وهل يكُبُّ الناسَ في النار على وجوههم - أو قال: على مناخرهم - إلا حصائدُ ألسنتهم؟)).

فاللسان من أشدِّ الجوارح خطرًا على الإنسان؛ ولهذا إذا أصبح الإنسان فإن الجوارح: اليدين والرِّجلين والعينين، كل الجوارح تُكَفِّرُ اللسانَ، وكذلك أيضًا الفَرْجُ؛ لأن الفرج فيه شهوة النكاح، واللسان فيه شهوة الكلام، وقلَّ مَن سَلِم من هاتين الشهوتين.

فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه؛ أي: كَفَّ عنهم؛ لا يذكُرُهم إلا بخير، ولا يسُبُّ، ولا يغتاب، ولا ينم، ولا يحرِّش بين الناس، فهو رجلٌ مسالم، إذا سَمِع السوء حَفِظ لسانه، وليس كما يفعل بعض الناس - والعياذ بالله - إذا سمع السوء في أخيه المسلم طار به فرحًا، وطار به في البلاد نشرًا - والعياذ بالله - فإن هذا ليس بمسلم

الثاني: من سلم المسلمون من يده؛ فلا يعتدي عليهم بالضرب، أو الجرح، أو أخذ المال، أو ما أشبه ذلك، قد كَفَّ يده لا يأخذ إلا ما يستحقُّه شرعًا، ولا يعتدي على أحد، فإذا اجتمع للإنسان سلامةُ الناس من يده ومن لسانه، فهذا هو المسلم.

وعُلِم من هذا الحديث أن مَن لم يَسلَمِ الناسُ من لسانه أو يده، فليس بمسلم، فمن كان ليس لهم همٌّ إلا القيل والقال في عباد الله، وأكل لحومهم وأعراضهم، فهذا ليس بمسلم، وكذلك من كان ليس لهم همٌّ إلا الاعتداء على الناس بالضرب، وأخذ المال، وغير ذلك مما يتعلق باليد، فإنه ليس بمسلم.

هكذا أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، وليس إخبار النبي صلى الله عليه وسلم لمجرد أن نَعلَم به فقط، بل لنَعلَمَ به ونَعمَل به، وإلا فما الفائدة من كلام لا يُعمَل به؟! إذًا فاحرص إن كنت تريد الإسلام حقًّا على أن يسلم الناس من لسانك ويدك، حتى تكون مسلمًا حقًّا

أسال الله تعالى أن يكُفَّنا ويكُفَّ عنا، ويعافينا ويعفو عنا، إنه جواد كريم.


وهذا واجب من واجبات الإسلام، وجاء الأمر على أن المسلم يجب أن يسلم المسلمون من لسانه مبيَّناً في آيات كثيرة، قال تعالى: (... وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ ...)، «سورة الحجرات: الآية 12»، وقال: (لَّا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً)، «سورة النساء: الآية 148». وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع: «ألا أخبركم بالمؤمن، المؤمن من أمنه الناس على أموالهم وأنفسهم والمسلم من سلم الناس من لسانه ويده والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله والمهاجر من هجر الخطايا والذنوب»، وخص اللسان بالذكر لأنه المعبر عما في النفس. فأكثر الذنوب من اللسان قال صلى الله عليه وسلم: «أن العبد ليتكلم بالكلمة من رضوان الله لا يلقي لها بالا يرفع الله بها درجات وإن العبد ليتكلم الكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في نار جهنم»، وقال تعالى: (مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، «سورة ق: الآية 18»، وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «ثكلتك أمك يا معاذ وهل يكب الناس على وجوههم أو قال مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم».

المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده

من الأحاديث الجامعة التي تبين جانبا من حقوق المسلمين بعضهم على البعض، وتؤسس مبدأ التآخي والذي يعد خصلة من خصال الإيمان، إن لم يكن دلالة على كمال الإيمان، جاء في الصحيحين من حديث عبدالله بن عمرو رضي الله عنه، قال: أن النبي صليقال: ‌المسلم ‌من ‌سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه.

وتكرر هذا اللفظ في رواية فضالة بن عبيد رضي الله عنه: “المُسلمُ من سَلِمَ المُسلمونَ من لِسانِه ويَدِه، والمُؤمن من أَمِنَه الناسُ على دِمائهم وأَموالهم، والمُجاهد من جاهد نفسَه في طاعة الله، والمُهاجر من هجَر الخَطايا والذنوب".

واشتمل هذا الحديث الشريف على معان تربوية وإيمانية كبيرة إلى جانب تأصيله للمسائل الفقهية يجب التنبه لها وهذا يظهر لنا خلال بيان معاني الحديث.

قوله: (‌المسلم ‌من ‌سلم المسلمون من لسانه ويده) يريد أن المسلم الممدوح هو من كان هذا صفته، وليس ذلك على معنى أن من لم يسلم الناس من لسانه ويده ممن قد دخل في عقد الإسلام فليس بمسلم، وكان بفعله المنبئ عنه خارجا من الملة..

كذلك أفضل المسلمين من جمع إلى أداء حقوق الله فيما أوجبه عليه من فرائضه أداء حقوق المسلمين، والكف عن أعراضهم

وكذلك المهاجر الممدوح هو الذي جمع إلى هجران وطنه هجر ما حرمه الله عليه. ونفي اسم الشيء على معنى نفي الكمال عنه مستفيض في كلامهم. ألا تراهم يقولون للصانع إذا لم يكن متقنا (لعمله) محكما له: ما صنعت شيئا ولم تعمل عملا، وإنما يريدون بذلك نفي الإتقان له، لا نفي الصنعة عينها، فهو عندهم عامل بالاسم غير عامل في الإتقان.

قال المهلب: يريد المسلم المستكمل لأمور الإسلام خلاف قول المرجئة.

والمراد بهذا الحديث الحض على ترك أذى المسلمين باللسان واليد والأذى كله، ولهذا قال الحسن البصرى: الأبرار هم الذين لا يؤذون الذر والنمل.

وفي رواية البخاري، وقوله:" المهاجر من هجر ما نهى الله عنه".

قال أبو الزناد: لما انقطعت الهجرة، وفضلها حزن على فواتها من لم يدركها من أصحاب الرسول، صلي الله عليه وسلم ، فأعملهم أن المهاجر على الحقيقة من هجر ما نهى الله عنه، وقال غيره: أعلم المهاجرين أنه واجب عليهم أن يلتزموا هجر ما نهى الله عنه، ولا يتكلوا على الهجرة فقط.

ومراد النبي بهذا الحديث: أن مَنْ ترك إيذاء الناس من جميع الوجوه مع أداء الفرائض بصحيح الاعتقاد، فهو مسلم كامل، ومن لم يترك إيذاء الناس، فهو مسلم ناقص.

قوله: “والمجاهد من جاهد نفسه في طاعة الله تعالى” يعني: المجاهد ليس مَن قاتل الكفار فقط، بل المجاهدُ مَن حارب نفسه وحملها وأكرهها على طاعة الله تعالى؛ لأن نفس الرجل أشدُّ عداوةً معه من الكفار؛ لأن الكفار أعداؤه ونفسَه عدوُّه، ولكن الكفار أبعد منه ولا يتفق تلاحُقُهم وتَقَابلهم به إلا حينًا بعد حين، وأما نفسُه أبدًا تلازمه وتقاتله وتمنعُه عن الخير والطاعة، ولا شك أن القتال مع العدو الذي يلازم الرجل أهمُّ من القتال مع العدوِّ الذي هو بعيدٌ منه.

فقه هذا الحديث

ومن فقه حديث المسلم من سلم المسلوم من لسانه ويده ما يأتي:

الإيمان مراتب، بعضها فوق بعض، فليس الناقص فيها كالكامل، قال الله عز وجل:"إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا"(الأنفال: 2)، 

أي: إنما المؤمن حق الإيمان من كانت هذه صفته، ولذلك قال: {أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 4]، ومثل هذه الآية في القرآن كثير وكذلك قوله صلي الله عليه وسلم:" المسلم ‌من ‌سلم المسلمون من لسانه ويده والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم”، أي: هو المؤمن المسلم حقا.

الحث على الجود والاعتناء بنفع المسلمين والكف عما يؤذيهم بقول أو فعل مباشرة أو سبب والإمساك عن احتقارهم.

وفي الحديث الحث على تألف قلوب المسلمين واجتماع كلمتهم وتوادهم واستجلاب ما يحصل ذلك، قال القاضي رحمه الله: والالفة احدى فرائض الدين وأركان الشريعة ونظام شمل الإسلام.

واختص اللسان واليد؛ لأن أكثرَ الإيذاء والضرر يحصلُ بهذين العضوين، وإلا يمكنُ إيذاءُ الناس بالعين والرجل بأن ينظر إلى بيت أجنبي، أو يمشي إلى موضع يتأذَّى أهل ذلك الوضع من دخوله عليهم. المسلمُ الكاملُ في إسلامه من لا يؤذي أحدًا بلسانه بالشتم والغيبة والبهتان، ولا يأخذُ مالَ أحد، ولا يضربُ أحدًا بغير حق، ولا يمدُّ يده إلى امرأة ليست منكوحة ولا مملوكة له.

google-playkhamsatmostaqltradent