إحياء سنة التكبير
التكبير في عشر ذي الحجة شعيرة عظيمة وسنة مؤكدة، تعظيماً لله وشكراً لنعمه. وهو من "الأيام المعلومات" التي أمر الله بذكر اسمه فيها. يُعد التكبير فيها من أحب الأعمال الصالحة وأزكاها، ويُحيي قلب المسلم ويزيده قرباً من ربه، اقتداءً بسنة النبي ﷺ وهدي الصحابة.
وقد ورد ذكر الأيام المعلومات في قول الله
تعالى في سورة الحج: {وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ} (الحج:
28)، وفسّرها عبد الله بن عباس رضي الله عنهما بأنها الأيام العشر الأولى من شهر ذي
الحجة، وفسَّر الأيام المعدودات الواردة في قول الله تعالى في سورة البقرة: {وَاذْكُرُوا
اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ} (البقرة: 203) بأنها أيام التشريق - الحادي عشر
والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة -، وكان العمل الأساسي الذي طلبه الله عز
وجل من عباده في هذه الأيام - المعلومات والمعدودات - هو الذِّكْر.
وفي تطبيق عملي لهذا التفسير يذكر الإمام البخاري بصيغة معلقة: أن الصحابيين الجليلين عبد الله بن عمر وأبا هريرة رضي الله عنهما كانا يخرجان إلى السوق فيُكَبِّران، وَيُكَبِّرُ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِمَا، فاختارا التكبير تحديدًا ليَحُثَّا الناس عليه في هذه الأيام الفاضلة، ولم يفعلا ذلك إلا لعلمهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك.
فصار التكبير سُنَّة نبوية مهمَّة في العشر
الأولى من ذي الحجة، وإن كان ذِكْر الله بشكل عامٍّ أمرًا مطلوبًا في هذا التوقيت لعموم
الآيات التي ذكرناها، وقد وردت رواية صحيحة تُوَسِّع دائرة أنواع الذكر في الأيام العشر؛
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَا
مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ وَلاَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعَمَلُ فِيهِنَّ مِنْ
هَذِهِ الأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ
وَالتَّحْمِيدِ) رواه أحمد بإسناد صحيح.
أنواع التكبير وأوقاته:"
ينقسم التكبير في هذه الأيام المباركة إلى قسمين رئيسيين:
التكبير المطلق: سُنة في كل الأوقات طوال أيام العشر، ويبدأ من دخول شهر ذي الحجة (غروب شمس آخر يوم من ذي القعدة) ويستمر حتى نهاية أيام التشريق (غروب شمس اليوم الثالث عشر).
التكبير المقيد: يبدأ من فجر يوم عرفة وحتى عصر آخر أيام التشريق. ويكون دبر الصلوات المفروضة، حيث يبدأ المسلم بالاستغفار والتسبيح ثم يكبّر.
لأيَّامِ عيدِـالأضحى أحكامٌ خاصَّةٌ تَتَعَلَّقُ بها، ومِن أبرَزِ تلك الأحكامِ :
التَّكبيرُ في أيَّامِ التَّشريقِ، وهيَ اليَومُ الحاديَ عَشَرَ، والثَّاني عَشَرَ، والثَّالِثَ عَشَرَ مِن شَهرِ ذي الحِجَّةِ ، وقد جاءَ عن جَماعةٍ مِنَ الصَّحابةِ رَضِيَ اللهُ عنهم بَيانُ كَيف يَكونُ التَّكبيرُ؛ فجاءَ عن ابنِ مَسعودٍ رَضِيَ اللهُ عنه أنَّه كان يُكَبِّرُ أيَّامَ التَّشريقِ، فيَقولُ: اللهُ أكبَرُ اللَّهُ أكبَرُ، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، واللَّهُ أكبَرُ اللَّهُ أكبَرُ، وللَّهِ الحَمدُ، أي : يَجعَلُ التَّكبيرَ مَرَّتَينِ ثُمَّ التَّهليلَ بَعدَه، ثُمَّ يُكَبِّرُ مَرَّتَينِ ثُمَّ يَختِمُ بالتَّحميدِ ، ويَكونُ هذا التَّكبيرُ عَقِبَ الصَّلواتِ المَفروضةِ مِن فجرِ يَومِ عَرَفةَ حتَّى نِهايةِ أيَّامِ التَّشريقِ ، وجاءَت صيَغٌ أُخرى للتَّكبيرِ مَحَلُّها كُتُبُ الفِقهِ .
وفي الحَديثِ بَيانُ صِفةٍ مِن صِفاتِ التَّكبيرِ أيَّامَ التَّشريقِ .
ويَكونُ هذا التَّكبيرُ عَقِبَ الصَّلواتِ
المَفروضةِ مِن فجرِ يَومِ عَرَفةَ حتَّى نِهايةِ أيَّامِ التَّشريقِ
صيغ التكبير:"
لم ترد صيغة محددة ملزمة للتكبير، والأمر فيه واسع، ومن أفضل الصيغ الثابتة عن الصحابة ما يلي:
الأولى: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ
أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً)، وهذه الصيغة ثابتة عن سلمان الفارسي رضي الله
عنه، أخرجها البيهقي في السنن الكبرى وصحح الحافظ ابن حجر سندها.
الثانية: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ
أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، واللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ
أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ)، وهذه الصيغة ثابتة عن ابن مسعود رضي الله عنه، أخرجها ابن
أبي شيبة في مصنفه.
الثالثة: قول: (اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ كَبيراً، اللَّهُ أَكْبَرُ وأجَلُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، وللَّهِ الحمدُ)، وهذه الصيغة ثابتة عن ابن عباس رضي الله عنهما، أخرجها ابن أبي شيبة في مصنفه.
فلنحرص على إحياء هذه السُّنَّة المباركة،
بتطبيقها وحث الناس عليها، حتى ننال أجر الذكر والتكبير، وأجر إحياء سنة من سنن المصطفى
صلى الله عليه وسلم.
صيغة تكبيرات العيد عند أهل مصر
هذه هي الصيغة التي يكبر بها أهل مصر من قرون طويلة،
ويزيدون عليها الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فيقولون :"الله أكبر الله
أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله أكبر الله أكبر ولله الحمد ، الله أكبر كبيرًا
والحمد لله كثيرًا وسبحان الله بكرة وأصيلًا ، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر
عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له
الدين ولو كره الكافرون، اللهم صلِّ على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، وعلى أصحاب
سيدنا محمد، وعلى أنصار سيدنا محمد، وعلى أزواج سيدنا محمد، وعلى ذرية سيدنا محمد وسلم
تسليمًا كثيرًا
وهي صيغةشرعيةصحيحة وصفهاالإمام الشافعي رضي الله عنه بالحُسْن،(دارالإفتاء المصرية)
وعبدالله بن عمرأن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال :"ما مِن أيَّامٍ أَعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أَحَبَّ إلَيهِ مِنَ العملِ فيهِنَّ مِن هذِه الأَيَّامِ العَشرِ؛ فأَكثِرُوا فيهِنَّ مِنَ التَّهليلِ، والتَّكبيرِ، والتَّحميدِ"( أحمد واللفظ له، وعبد بن حميد والطحاوي في شرح مشكل الآثار).
شرح الحديث : يُرشِدُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في هذا الحَديثِ إلى فَضلِ العَمَلِ الصَّالحِ في العَشْرِ الأوائِلِ مِن ذي الحِجَّةِ؛ فيقولُ صلَّى اللهُ علَيه وسلَّم: ;ما مِن أيَّامٍ أعظَمَ عِندَ اللهِ، ولا أحَبَّ إليه من العَمَلِ فيهِنَّ، والمَعْنى: أنَّ أفضَلَ أيَّامِ السَّنةِ عِندَ اللهِ عزَّ وجلَّ، والَّتي يكونُ فيها العَمَلُ الصَّالِحُ أقرَبَ أنْ يُقبَلَ ويُزادَ في الأجْرِ، من هذه الأيَّامِ العَشْرِ يَعْني: العَشْرَ الأوائِلَ مِن ذي الحِجَّةِ ;فأكْثِروا فيهِنَّ من التَّهْليلِ، وهو قَولُ لا إلهَ إلَّا اللهُ والتَّكْبيرِ، وهو قَولُ: اللهُ أكبَرُ ;والتَّحْميدِ، وهو قَولُ: الحَمدُ للهِ، وهذا الذِّكْرُ هو الباقياتُ الصَّالِحاتُ، ويَحسُنُ عَمَلُ الطَّاعاتِ بأنْواعِها في هذه الأيَّامِ مع الذِّكْرِ والدُّعاءِ.
وفي الحَديثِ: بيانُ عِظَمِ فَضلِ العَشْرِ الأوائِلِ مِن ذي الحِجَّةِ
على غَيرِها مِن أيَّامِ السَّنةِ.
وفيه: تَفْضيلُ بَعضِ الأزْمِنةِ على بَعضٍ.
وفيه: أنَّ العَمَلَ المَفْضولَ في الوَقتِ الفاضِلِ يَلتَحِقُ بالعَمَلِ الفاضِلِ في غَيرِهِ من الأوْقاتِ .
فضائل ذكر الله تعالي:"
ذِكْرُ اللهِ تعالَى وتَكبيرُه وتَعظيمُه مِن أعظمِ الأُمورِ التي تَرفَعُ الدَّرَجاتِ عندَ اللهِ سُبْحانَه وتَعالى. وعنه صلي الله عليه وسلم قال:"ما أَهَلَّ مُهِلٌّ قطُّ إلّا بُشِّرَ، ولا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قطُّ إلّا بُشِّرَ، قيل: بالجنةِ؟ قال: نَعَمْ"( الطبراني في المعجم الأوسط ). وفي هذا الحَديثِ يَقولُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليْه وسلَّمَ: "ما أَهَلَّ مُهِلٌّ قَطُّ إلَّا بُشِّرَ"، والإهْلالُ: هو رَفْعُ الصَّوْتِ بالذِّكْرْ مُطْلَقًا، ويحتمِلُ أنْ يَكونَ المرادُ هنا الإهْلالَ بحَجٍّ أو عُمرةٍ، فيَرْفَعُ صَوْتَه بالتَّلْبِيَةِ، "ولا كَبَّرَ مُكَبِّرٌ قَطُّ" بأنْ يقولَ: (اللهُ أكبَرُ)، "إلَّا بُشِّرَ، قيلَ: بالجَنَّةِ ؟ قال: نَعَمْ"، فمَنْ فَعَلَ ذلك بَشَّرَتْه المَلائكَةُ عِندَ الاحتِضارِ، أو يومَ خُروجِه مِن قَبره، أو يُبشَّرُ عِندَ موتِه وفي قَبْرِه وحِينَ يُبعَثُ- بأنَّ له الجَنَّةَ بإهْلالَه أو بِتَكْبيرِه. وهذا مِن الحَثِّ على ذِكْرِ اللهِ سُبْحانَه بهذه الأذْكارِ، مع الحَثِّ على الحَجِّ والعُمْرةِ؛ لِيَنالَ المُسْلِمُ غُفْرانَ الذُّنوبِ، والفَوْزَ بالجَنَّةِ.(مصدر الشرح: الدرر السنية)
ويَكونُ هذا التَّكبيرُ عَقِبَ الصَّلواتِ
المَفروضةِ مِن فجرِ يَومِ عَرَفةَ حتَّى نِهايةِ أيَّامِ التَّشريقِ
ففضل الذكر والتكبيرالعمل الصالح في هذه الأيام أحب إلى الله من العمل في غيرها، وللذكر والتكبير فيها مزية عظيمة، حيث ورد عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله عنهما أنهما كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما، لإحياء هذه الشعيرة..
وقد هُجِر التكبير في هذا الزمان - خاصة
في أول العشر- فلا تكاد تسمعه إلا نادرًا،
فلنحرص على العمل به في مواضعه لإحياء السنة وتذكير الغافلين.
فلنحرص على إحياء هذه السُّنَّة المباركة، بتطبيقها وحث الناس عليها، حتى ننال أجر الذكر والتكبير، وأجر إحياء سنة من سنن المصطفى صلى الله عليه وسلم.