دعوة الاسلام الى التراحم
إن الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا،
من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا
شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً
كثيراً.
قصة الأعرابي وحلم النبي ﷺ
مفهوم التراحم وأهميته
التراحم في القرآن الكريم
التراحم في السنة النبوية
نماذج من رحمة النبي ﷺ بالخلق
نماذج من رحمة الصحابة والتابعين
فضائل التراحم وآثاره
أيها المسلمون،
بداية نعيش مع قصة عظيمة تجسد خلقه ﷺ في الرحمة والتراحم:
☘️عن أَبي هريرة رضي الله عنه قال: (بال أعرابي
في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دعوه
وأهريقوا على بوله ذنوباً من ماء - أو سجلاً من ماء -؛ فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا
معسرين»)
.
لم يزجره، بل رفق به وأمر أصحابه بعدم معاقبته،
وبين لهم أنهم بعثوا للتيسير لا للتعسير.
فلما فرغ الأعرابي من بوله، دعاه النبي
ﷺ وسأله: «أَلَسْتَ بِمُسْلِمٍ؟» قال: بلى.
قال: «فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَبُولَ فِي الْمَسْجِدِ؟» قال: والذي بعثك بالحق
نبياً، ما قمت حتى رأيت أني في فلاة من الأرض.
فضحك النبي ﷺ من قوله وأمر بسكب الماء على بوله، ثم
قال: «إِنَّمَا بُنِيَ هَذَا الْمَسْجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلاَةِ وَقِرَاءَةِ
الْقُرْآنِ»
.
هكذا كان ﷺ يعلم الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والرحمة
التي وسعت الخلق أجمعين.
هذه القصة العطرة هي مدخلنا إلى موضوع اليوم:
دعوة الإسلام إلى التراحم.
أولاً: مفهوم التراحم وأهميته
التراحم: هو نشر الرحمة بين الناس، يعني
التآزر والتعاطف والتعاون، يعني بذل الخير والمعروف والإحسان لمن هو في حاجة إليه.
والرحمة رقة في القلب تقتضي الإحسان إلى
المرحوم.
يكفي الرحمة شرفاً وقدراً أنها صفة من صفات
الله عز وجل، يتضمنها اسمه الرحمن والرحيم، فالرحمن خاص بالله ولا يسمى به غيره، والرحيم
يوصف به غير الله.
والتراحم بين الخلق يعني نشر الرحمة بينهم،
يعني التآزر والتعاطف والتعاون، يعني بذل الخير والمعروف والإحسان لمن هو في حاجة إليه.
ثانياً: التراحم في القرآن الكريم
حث القرآن الكريم على الرحمة والتراحم في
مواضع كثيرة. قال تعالى:
﴿
فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ
لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ (آل عمران: 159).
وقال تعالى عن نبيه الكريم: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ
رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ
رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ (التوبة: 128).
🌴وقال سبحانه عن نبيه محمد ﷺ: ﴿ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً
لِلْعَالَمِينَ ﴾ (الأنبياء: 107).
وقال عز وجل واصفاً المؤمنين: ﴿ مُحَمَّدٌ
رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾
(الفتح: 29).
وقال سبحانه: ﴿ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى
نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ (الأنعام: 54).
ثالثاً: التراحم في السنة النبوية
جاءت السنة النبوية بالأحاديث العظيمة التي
تحث على التراحم.
فقد روى الإمام البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ:"ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» .
وروى البخاري ومسلم عن أبي موسى رضي الله
عنه أن النبي ﷺ قال:
«المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً» .
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال:
قال رسول الله ﷺ:
«الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ،
ارْحَمُوا أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ» .
وقال ﷺ فيما يرويه أبو هريرة رضي الله عنه:
«ارْحَمُوا تُرْحَمُوا، وَاغْفِرُوا يَغْفِرِ
اللَّهُ لَكُمْ»
.
وقال ﷺ فيما يرويه جرير بن عبد الله رضي الله
عنه:
«مَنْ لَا يَرْحَمِ النَّاسَ لَا يَرْحَمْهُ
اللَّهُ»
.
وروى أبو داود والترمذي وحسنه الألباني
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«لَا تُنْزَعُ الرَّحْمَةُ إِلَّا مِنْ شَقِيٍّ» .
وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
النبي ﷺ قال:
«لا يدخل الجنة منكم إلا رحيم» قالوا: يا
رسول الله، كلنا رحيم. قال: «ليس رحمة أحدكم نفسه، ولكن رحمة الناس» .
رابعاً: نماذج من رحمة النبي ﷺ بالخلق
كان رسول الله ﷺ أرحم الناس وأرأفهم بهم، المؤمنين ومن
لم يكن يدين بدين الإسلام. قال الله تعالى فيه: ﴿ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
﴾ .
ومن أبلغ صور رحمته بالخلق: ما رواه أَنَس
بْن مَالِكٍ رضي الله عنه قال:
«مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ
مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ» .
ورحمته تعدت البشر إلى غيرهم، فقد روى جابر
بن عبد الله رضي الله عنه:
أن النبي ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة،
فلما صنعوا له منبراً، صاحت النخلة صياح الصبي، فنزل النبي ﷺ فضمها إليه.
خامساً: نماذج من رحمة الصحابة والتابعين
سار صحابة رسول الله ﷺ على نهجه، واقتدوا به في رحمته. علي بن
الحسين رضي الله عنه، كان يحمل جرب الدقيق ليلاً على ظهره يعطيها فقراء أهل المدينة
حتى ظهرت آثار السواد على ظهره.
عمر بن عبد العزيز رحمه الله، كتب في أحد
رسائله: «إنه بلغني أن بمصر إبلاً نقَّالاتٍ، يُحمَل على البعير منها ألف رطل. فلا
أَعْرِفَنَّ أنه يُحمَل على البعير أكثر من ستمائة رطل». وكتب إلى صاحب السكك أن لا
يحمل أحد بلجام ثقيل ولا يُنخس بمقرعة لها حديدة.
شعبة رحمه الله، كان إذا رأى المسكين لا
يزال ينظر إليه حتى يغيب عن وجهه. وكان إذا قام في مجلسه سائل لم يحدث حتى يعطى.
سادساً: فضائل التراحم وآثاره
حين يرحم العبد رحمة الآخرين يحظى برحمة
الله في الدنيا والآخرة. قال تعالى: ﴿ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ
مِمَّا يَجْمَعُونَ ﴾ (آل عمران: 157).
ومن أعظم آثاره أنه يزيد التلاحم والأخوة،
وينهي الهجر والنزاع، ويطيل الأعمار ويزيد في الأرزاق.
أما من تجرد من الرحمة فقد حرم نفسه خيراً
عظيماً، كما قال ﷺ: «لاَ يَرْحَمُ اللهُ مَنْ لاَ يَرْحَمُ
النَّاسَ».
عباد الله،
نحن أمة أمرها الرحمة والتراحم؛ ديننا دين
الأخلاق والإنسانية. فلنرفق بعضنا ببعض، ولنرحم الضعفاء والمساكين، ولنكن كالجسد الواحد
والبنيان المرصوص. لنتذكر دائماً قول نبينا ﷺ: الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ〖17†L5-L6〗، ونسأل الله أن يلهمنا الرحمة في قلوبنا وأعمالنا.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم.
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد ﷺ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير
الهدي هدي محمد ﷺ.
إخوة الإيمان، تذكروا دائماً أن الجزاء
من جنس العمل، فلنحب للناس ما نحب لأنفسنا، ولنرحم الناس ليرحمنا الله. لنبادر إلى
التسامح والعفو، ولتكن شفقتنا شاملة للصغير والكبير، لضعيف والقوي، لأن التراحم هو
الطريق إلى محبة الله ورضوانه.
وصلوا وسلموا على نبيكم محمد ﷺ، كما أمركم الله بذلك: ﴿ إِنَّ اللَّهَ
وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا
عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ﴾.
اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين
اللهم ارحم ضعفنا وقلة حيلتنا، وفقرنا وفاقتنا،
ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.
اللهم ارحم أمة محمد ﷺ، وألف بين قلوبها، وأصلح ذات بينها، واهدها
سبل السلام.
اللهم ارحم الموتى من المسلمين والمسلمات،
المؤمنين والمؤمنات، وأدخلهم فسيح جناتك برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألك من الخير كله عاجله وآجله
ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.
اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى من الجنة.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار.
﴿ سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا
يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
﴾.