وأذكروا الله في أيام معدودات
الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد فياعباد الله
يقول الله عز وجل :"وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ"(البقرة: 200)،
فهذه الأيام المعدودات هي أيام التشريق أيام ذكر الله -تعالى- وشكره، وإن كان الحقُّ أن يُذكر الله -تعالى- ويُشكر في كل وقت وحين, لكن يتأكد في هذه الأيام المباركة.
قال أهــــــــل التفسيـر: الأيام المعدودات: هي أيام التشريق الثلاثة بعد العيد؛ لِمَزِيَّتها وشرفها، وكون بقية أحكام المناسك تُفعل بها، ولكون الناس أضيافًا لله فيها، ولهذا حرُم صيامها، فللذكر فيها مزية ليست لغيرها ؛ ولذلك قال نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم وهو يخبرنا عن هذه الأيام بأنها أيام ذكــــر لله عز وجل، قال: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله"(مسلم).
وفي روايةأخري: "من كان صائماً فليفطر فإنها أيام أكل وشرب"(مسلم).
وعن عائشة -رضي الله عنها-: "لم يرخص في صيام أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي"(البخاري) .
وأيام التشريق هي الأيام الثلاثة بعد يوم النحر (الحادي عشر من شهر ذي الحجة، والثاني عشر، والثالث عشر)، وسبب التسمية بأيام التشريق؛ لأن الناس كانوا يُشرِّقون فيها لحوم الأضاحي؛ أي: يملِّحونها ويعرضونها للشمس؛ لحفظها من الفساد، وذلك لعدم وجود أجهزة التبريدوسبب التسمية بأيام التشريق: قيل: لأن صلاة العيد إنما تُصَلَّى بعد أن تشرُقَ الشمسُ.
، وقيل: لأن الهدايا والضحايا لا تُنحر حتى تشرُقَ الشمسُ، وقيل: لأن الناس كانوا يُشرِّقون فيها لحوم الهدي والأضاحي؛ أي: يُقدِّدونها ويُملِّحونها ويعرِّضونها للشمس؛ لحفظها من الفساد، وذلك لعدم وجود مثل هذه الوسائل الحديثة لحفظ اللحوم.
وأيام التشريق: هي الأيام التي يبيت فيها الحجيجُ بمنًى كواجب من واجبات الحج عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، يَلْزَمُ الدَّمُ لِمَنْ تَرَكَهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وهي الأيام التي يرمي الحجيجُ فيها الجمرات الثلاث (الصغرى، والوسطى، والكبرى) لكل جمرة سبع حَصيات، ويكبِّر الله مع كل حصاة.
ويُسمى اليوم الأول منها بيوم القر؛ لأن الحاج يقرُ فيها بمنًى، وهو أفضل أيام السنة بعد يوم النحر؛ للحديث: ((أعظمُ الأيامِ عند اللهِ يومُ النحرِ، ثم يومُ القَر))؛ [رواه أحمد]، ويوم القر هو: اليوم الحادي عشر؛ لأن الناس يقرون فيه بمنى؛ أي: يقيمون بها أيام التشريق.
وأيام التشريق: هي أيام عيد للمسلمين؛ عَن عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ((إِنَّ يَوْمَ النَّحْرِ وَيَوْمَ عَرَفَةَ وَأَيَّامَ التَّشْرِيقِ، هُنَّ عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ، وَهُنَّ أَيَّامُ أَكَلٍ وَشُرْبٍ))؛ [رواه الترمذي، وصححه الألباني في صحيح الترمذي.]
وأيام التشريق: هي أيام أكل وشُرب وذكر لله عز وجل؛ ففي صحيح مسلم عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلِيِّ رضي الله عنه قَالَ: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَيامُ التَّشْرِيقِ أَيامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وذكرٍ لله))، وفي رواية: ((من كان صائمًا فليُفطر، فإنها أيام أكل وشرب)).
ولذلك يحرُم صيام هذه الأيام؛ ففي صحيح البخاري عن عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قالت: "لم يرخِّص النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أيام التشريق أن يُصَمنَ إِلَّا لمن لم يجدِ الهدي"؛ فمن كان مُعتادًا عَلَى صيام الأيام البيض، فليعلم أن يوم الْثَّالِث عشر من ذي الحجة يوم لا يصح صيامه، وَإِنَّمَا يبدأ صيام أيام البيض من يوم الرَّابِع عشر، وَالخَامِس عشر، ويعوض ذلك بيوم السَّادِس عشر.
ولهذا كان لزاماً على المؤمن أن يستعين بالنعمة على الطاعة، قال الحافظ ابن رجب رحمه الله في «لطائف المعارف»: "وفي قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "إنها أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل" إشارةٌ إلى أن الأكل في أيام الأعياد والشرب إنما يستعان به على ذكر الله -تعالى- وطاعته, وذلك من تمام شكر النعمة أن يستعان بها على الطاعات, وقد أمر الله -تعالى- في كتابه بالأكل من الطيبات والشكر له, فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله، وبدَّلها كفراً، وهو جديرٌ أن يُسْلَبَها!! كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها *** فإن المعاصي تُزيل النعم
وداوم عليه بشكر الإله *** فشكر الإله يُزيل النقم
وجاء في حديث عبد الله بن قرط أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أعظم الأيام عند الله يوم النحر، ثم يوم القَرّ"(أحمد).
ولما كانت هذه الأيام هي خير ختام لأيام موسم فاضل, وتأتي عقب أفضل أيام وأجلها عند الله عز وجل والتي تبدأ بيوم القر حيث قال صلي الله عليه وسلم :" إنَّ أعظمَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ تبارَكَ وتعالَى يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القَرِّ"(أبوداود) .
فالحجاج فيها يكمِّلون حجهم, وغير الحجاج يختمونها بالتقرب إلى الله -تعالى- بالضحايا بعد عمل صالح في أيام العشر؛ استُحبَّ أن يُختم هذا الموسم بذكر الله -تعالى- للحجاج وغيرهم.
وذكر الله –تعالى- في أيام التشريق من أفضل العبادات وأجلّها, بل عده معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أفضل عبادة على الإطلاق, إذ قال: "ما عَمِلَ آدمي عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله تعالى, قالوا: يا أبا عبد الرحمن! ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا, إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع"؛ لأن الله يقول في كتابه: "وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ" (العنكبوت: 45)،
فذكْره تعالى فيه حياة القلوب وطمأنينتها وسكينتها، كما قال تعالى:"أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ"(الرعد: 28).
مَنْ ذَكَرَ الله في كل أحيانه هانت عليه الدنيا وما فيها, فلا يشقى بها, لأنه يذكر خالقها, ويعلم أن ما عنده خير وأبقى.
الذكر سنة سنها الله عقب بعض العبادات
نعم عباد الله :" تلك سنة سنَّها الله عز وجل عقب انتهاء بعض العبادات:
الذكرعقب كل صلاة؛
فمن ذلك الذكر عقب الصلاة؛ جاء القرآن العظيم بالأمر به في قوله تعالى:"فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ".. (النساء/103).
وفي ذكر صلاة الجمعة قال تعالى:"فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(الجمعة/).
دبر الصلوات المكتوبة: ويُستحب فيها الاستغفار ثلاثاً، والتسبيح والتحميد والتكبير (33 مرة)، وختمها بالتهليل، وقراءة آية الكرسي.عقب الوضوء: يستحب التشهد وقول: (اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ التَّوَّابِينَ، وَاجْعَلْنِي مِنَ الْمُتَطَهِّرِينَ).
- عن معاذ - رضي الله عنه: أن رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - أخذ بيده، وقال: «يا معاذ، والله إني لأحبك» فقال: «أوصيك يا
معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك» . رواه
أبو داود بإسناد صحيح
- عن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال:
جاء أعرابي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: علمني كلاما أقوله. قال: «قل
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله
رب العالمين، ولا حول ولا قوة إلا بالله العزيز الحكيم» قال: فهؤلاء لربي، فما لي؟
قال: «قل: اللهم اغفر لي، وارحمني واهدني، وارزقني» . رواه مسلم.
- عن عبدالله بن بسر رضي الله عنه أن رجلًا
قال: يارسول الله ، إن شرائع الإسلام قد كثرت علي فأخبرني بشيء أتشبث به قال
"لا يزال لسانك رطبًا من ذكر الله".
- عن أبي موسى رضي الله عنه قال: قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ
مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ».
- عن أبي هريرة وأبي سعيد رضي الله عنهما
أنهما شهدا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال "لا يقعد قوم يذكرون الله
إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة وذكرهم الله فيمن عنده".
- قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم
" أفضل الذكر: "لا إله إلا الله وأفضلالدعاء: الحمد لله".
- قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن
آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس.
- قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للصحابة:
«ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق
الذهب والفضة، ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم»، قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: «ذكر الله عز وجل» صحيح الجامع.
- عن جابر رضي الله عنه رفعه إلى النبي صلى
الله عليه وسلم قال "ما عمل آدمي عملا أنجى له من العذاب من ذكر الله تعالى قيل
ولا الجهاد في سبيل الله قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا أن يضرب بسيفه حتى ينقطع".
- عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم يسير في طريق مكة فمر على جبل يقال له جمدان فقال: سيروا
هذا جمدان، سبق المفردون"، قالوا: وما المفردون يا رسول الله ؟ قال: الذاكرون
الله كثيرا والذاكرات.. رواه مسلم.
بعد الصدقة: يشرع الدعاء للمتصدق بالقبول والمغفرة
الذكرعقب الحج
وبعد الحج والعمرة: أمر الله تعالى بالإكثار من ذكره والاستغفار بعد إفاضة الحجيج. الذكرعقب الحج أمر بذلك فقال تعالى:"فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً"..(البقرة/).
وينبغي للذاكر أن يتدبر الذكر الذي يقوله, ويفهم معناه، فذلك أدعى للخشوع والتأثر به, ومن ثم صلاح القلب.
ويتأكد في هذه الأيام المباركة؛ التكبير
المقيد بأدبار الصلوات المكتوبات, والتكبير المطلق في كل وقت إلى غروب شمس اليوم الثالث
عشر، للحجاج ولسائر أهل الأمصار.. وقد كان عمر -رضي الله عنه- يكبر في قبته بمنى فيسمعه
أهل المسجد فيكبرون, ويكبر أهل الأسواق حتى ترتج منىً تكبيراً .. وكان ابن عمر -رضي
الله عنهما- يكبر بمنى تلك الأيام, وخلف الصلوات, وعلى فراشه, وفي فسطاطه ومجلسه وممشاه
تلك الأيام جميعاً ..
وكانت ميمونة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم ورضي الله عنها- تكبر يوم النحر، وكان النساء يكبرن خلف أبان بن عفان وعمر بن عبد العزيز ليالي التشريق مع الرجال في المساجد كما في صحيح البخاري.
بل بلغ من أهمية التكبير المقيد بأدبار الصلوات أن العلماء قالوا: يقضيه إذا نسيه, فإذا نسي أن يكبر عقب الصلاة فإنه يكبر إذا ذكر، ولو أحدث أو خرج من المسجد ما لم يَطُلِ الفصلُ بين الصلاة والتكبير .. وهكذا التكبير المطلق مشروع أيضاً في الأسواق وفي البيوت وفي المساجد وفي الطرقات؛ تعظيماً لله -تعالى- وإجلالاً له, وإظهاراً لشعائره
الخطبة الثانية:الحمد لله والصلاة والسلام علي رسول الله وبعد فياعباد الله
في ذات يوم كان النبي صلى الله عليه وسلم جالسًا بين أصحابه الكرام رضي الله عنهم، فبدأ يحدثهم عن فضل من فضائل هذا الدين، وعمل من أعماله العظيمة، فسألهم سؤالًا يحفِّزهم ويشجِّعهم على معرفة هذا العمل؛ فقال لهم: "ألَا أنبئكم بخير أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والفضة، وخير لكم من أن تَلقَوا عدوكم، فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟"، الصحابة رضي الله عنهم تعجبوا؛ ما هــــذا العمل الذي هـــــــو أفضـــــل من الصدقات ومن الجهاد في سبيـــل الله؟ ((قالوا: بلى، قال: ذكر الله تعالى)) [1]؛ ﴿ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35].
فما دام الأمر
هكذا، فتعالَوا لنعيش مع ذكر الله تعالى، ولو أنك نظرت إلى واقع المسلمين اليوم، لَوجدتَ
الكثير منهم يمسي ويصبح غافلًا، يقضي ليله ونهاره في الحديث عن الدنيا، أصبح أكثرنا
غافلين عن ذكر الله، ذاكرين للدنيا.
هل تدرون أن الكون كله يُسبِّح؟ الطير في الهواء، والحوت في الماء، النملة في جحرها، الدواب والشجر، الجبال والحجر، الهواء والماء، الأرض والسماء؛"تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا "(الإسراء: 44)، "أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ "(النور: 41).
ولذلك سيدنا يونس عليه السلام لما خرج من قومه مغاضبًا، وركب البحر في سفينة، وأُلقِيَ في البحر وابتلعه الحوت، وعندما أصبـــــــــــح في ظلمات ثلاث، سمع سيــدنا يـونس عليه السلام صوت تسبيح الأسمـاك، فلما سمع الأسماك تسبح أخذ يلهَج بذكـــــــــر الله؛ ﴿ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 87]، فاستجاب الله تعالى لسيدنا يونس عليه السلام، لمَّا تعلق قلبه به، وصار لسانه يلهَج بذكره؛ ﴿ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 88]، ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ﴾ [الصافات: 143، 144] فذكرُه لله قبل أن يقع في بطن الحوت هو الذي نجَّاه من بطن الحوت.
ولذلك وصف النبي صلى الله عليه وسلم الذي يذكر ربه بالحي، والذي لا يذكر ربه بالميت؛ فقال: "مَثَلُ الذي يذكر ربه والذي لا يذكر، مَثَلُ الحى والميت"() ،
وقال بعض العلماء: "الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء؟"
،
فالذكر للمؤمن كالماء للسمك، فإذا كان السمك لا يعيش بلا ماء، فكيف يعيش المؤمن بلا
ذكرٍ لله؟
ولو نظرت إلى واقع سلفنا الصالح، لَرأيتهم يذكرون الله كثيرًا؛ هذا سيدنا أبو هريرة رضي الله عنه كان له خيط فيه ألف عقدة، فلا ينام حتى يسبح به، وكان خالد بن معدان يسبح كل يوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات وُضع على سريره ليُغسَّل، فجعل يشير بأصبعه يحركها بالتسبيح"
وهذا سيدنا إبراهيم بن أدهم رحمه الله مرَّ على رجل يتحدث فيما لا يعنيه، فوقف عليه وقال: كلامك هذا ترجو به الثواب؟ قال: لا، قال: أفتأمن عليه العذاب؟ قال: لا، قال: فما تصنع بكلام لا ترجو عليه ثوابًا، وتخاف منه عقابًا، عليك بذكر الله تعالى[7].
وكان يحيى بن معاذ رحمه الله يناجي ربه قائلًا: "إلهي لا يطيب الليل إلا بمناجاتك... ولا يطيب النهار إلا بطاعتك... ولا تطيب الدنيا إلا بذكرك... ولا تطيب الآخرة إلا بعفوك... ولا تطيب الجنة إلا برؤيتك".
بل كان الصالحون من هذه الأمة يعلِّمون أبناءهم أن يذكروا الله، ويشجعونهم على المحافظة والاستمرار عليه.
يقول أحد السلف: "إذا انكشف الغطاء للناس يوم القيامة عن ثواب أعمالهم لم يَرَوا عملًا أفضل ثوابًا من الذكر، فيتحسر عند ذلك أقوام فيقولون: ما كان شيء أيسر علينا من الذكر"
فعلى الواحد منا أن يُكْثِرَ من ذكر الله، وأن يحرص على أذكار الصباح والمساء، فبها يحفظنا الله من شرور الدنيا وأهوال يوم القيامة، وأختم كلامي بوصية النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا معاذ رضي الله عنه بعد أن أخذ بيده: ((يا معاذ، والله إني لأحبك، والله إني لأحبك))، فقال: "أوصيك يا معاذ، لا تدعَنَّ في دُبُرِ كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك"().
فقل - يا أخي - دبر كل صلاة: اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ولا تجعلنا من الغافلين.