recent
أخبار عاجلة

الغش في غشاء البكارة وأثره في عقد الزواج . محمد سعيد أبو النصر

الغش في غشاء البكارة وأثره في عقد الزواج

 يقولون_ونصحح

 قال المستشار عبد الرحمن محمد، رئيس لجنة إعداد مشروع قانون الأحوال الشخصية، في برنامج «حضرة المواطن» على قناة «الحدث اليوم»، كلامٌ خلاصته:

«إن غشَّ الزوجةِ للزوجِ في غشاءِ البكارةِ لا يمنحه حقَّ فسخِ عقدِ الزواج، ولكن من حقِّ الزوج أن يطلِّق الزوجة وفقًا للمذاهب الفقهية. وإن غشاءَ البكارةِ ليس من شروط صحة عقد الزواج ولا من أركانه. وإن أحكامَ محكمةِ النقضِ وقال المحكمة الدستوريةِ أكدت أن الغشَّ في غشاءِ البكارةِ ليس سببًا لفسخ العقد. وإن الأزهرَ أقرَّ بأحقية الزوج في الطلاق فقط وفق المذاهب الشرعية. وإن فسخَ العقد يختلف في آثاره عن الطلاق، فالفسخ لن يمنح المرأة أيَّ حقوق".

 ️ الرد عليه

تعالوا لنقف وقفة شرعية وبحثية لنبين حجم التدليس والكذب في هذا الطرح الذي يفتح أبواب الفجور ويهدم قيم العفة، وسنفند هذه المزاعم  بالنصوص الشرعيةوالأدلة الفقهية.

  إن هذا الكلام فيه تدليسٌ ومغالطة، وإن المذهب الحنفي قد نصَّ على الفسخ في بعض صور الغشِّ والتدليس والعيوب، وليس الأمر كما صُوِّر للناس على أنه لا سبيل إلا الطلاق، لأن الطلاق معناه تحميل الرجل تبعاتِ غشٍّ لم يرضَ به ابتداءً، ولأن مهرَ البكر ليس كمهر الثيب، ومَن خَدَعَ وغشَّ وتعمَّد إظهارَ خلاف الحقيقة فقد وقع في التدليس المحرَّم شرعًا.

  لقد ادعى المتحدث أن المذاهب تقر بالطلاق فقط ولا تقر بالفسخ، وهذا تدليس ظاهر؛ فجمهور الفقهاء، ومنهم المذهب الحنفي في المعتمد من القواعد العامة للتدليس والخيارات، يرى أن الغش الذي ينبني عليه فوات صفة مشروطة في العقد يعطي الحق في طلب الفسخ (التفريق  للغرر الفاحش).

  إن القول بأن الزوج يطلق فقط يعني استحقاق المرأة للمهر كاملاً أو نصفه، فهذا قلب للموازين؛ إذ كيف تُكافأ الغاشة بمال الرجل؟

 قال سبحانه وتعالى:"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"(البقرة، /٤٢)..

 جريمة الغش وضياع الأمانة في الميثاق الغليظ.

- إن إجازة هذا الغش هو دعوة صريحة للبنات للتحلل من العفة، والاعتماد على رتق غشاء البكارة لإخفاء الفاحشة، وهو كذب ينسف أساس الزواج القائم على المودة والرحمة.

  لقد اعتبر الإسلام الغش من الكبائر التي تنزع بركة العقد.

  عن أبي هريرة قال رسول الله : "مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا، وَمَنْ غَشَّنَا فَلَيْسَ مِنَّا"(مسلم).

  كيف يسكن رجل لامرأة بدأت حياتها معه بخديعة طبية تخفي خلفها علاقات محرمة؟ إن هذا ليس زواجاً بل هو "تدليس فاحش".

 خطورة الغش والتدليس في الشريعة الإسلامية

 الإسلام قام على الصدق والأمانة، ونهى عن الغش والخداع والتدليس في جميع المعاملات، والزواج من أعظم العقود وأخطرها.

قال تعالى:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ"(التوبة/١١٩).

وقال سبحانه:"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ"(البقرة، / ٤٢).

وقال جل جلاله:"إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ"(الأنفال، / ٥٨).

  وقد جاء الوعيد الشديد في السنة على الغش والخداع.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مرَّ على صُبرةِ طعامٍ فأدخل يدَه فيها فنالت أصابعُه بللًا، فقال: "مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ؟» قال: أصابتْه السماءُ يا رسولَ الله، فقال صلى الله عليه وسلم: «أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي"(مسلم).

  فإذا كان الغش في بيع الطعام من كبائر الذنوب، فكيف بالغش في عقد الزواج الذي تُبنى عليه الأنساب والحقوق والأعراض؟!

   الفارق الجوهري بين فسخ العقد وبين الطلاق .

  الطلاق إنهاءٌ للعقد من جهة الزوج مع ترتب أحكام الطلاق المعروفة.

  أما الفسخ فهو نقضُ العقد بسبب عيبٍ أو تدليسٍ أو سببٍ شرعيٍّ يمنع بقاء العقد على صورته.

  ولهذا فرَّق الفقهاء بين الفسخ والطلاق في العِدَد وعدد الطلقات وبعض الآثار المالية.

إن البعض  يدعي أن  الفسخ يظلم المرأة، والحقيقة أن "الطلاق" هو الذي يظلم الرجل في حالة الغش؛ لأن الطلاق يترتب عليه حقوق مالية (مهر، نفقة، متعة)، بينما الفسخ لعلة الغش يسقط هذه الحقوق أو يسترد بها الرجل ما دفع.

  مهر البكر (العذراء) يختلف تقديراً وعرفاً وشرعاً عن ثمن من فقدت بكارتها في الفاحشة، فمساواتهما ظلم بيّن.

 قال سبحانه وتعالى:"أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا ۚ لَا يَسْتَوُونَ"(السجدة/ ١٨).

  إن إجبار الزوج على الطلاق بدلاً من الفسخ هو إجبار له على دفع ثمن غشٍ لم يرتكبه، وهو أكل لأموال الناس بالباطل.

   عن أبي حميد الساعدي

قال رسول الله :"لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ"( أحمد  والبزار ، وابن حبان بمعناه).

  المهر يختلف باختلاف الصفات والأوصاف

  قرر الفقهاء أن الناس تختلف رغباتهم في النكاح، وأن الأوصاف المؤثرة معتبرة عرفًا وفقهًا.

 ومن هنا كان التدليس في الصفات المؤثرة بابًا من أبواب الظلم وأكل أموال الناس بالباطل.

قال تعالى:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ"( النساء/٢٩).

  والزواج قائمٌ على الرضا الصحيح المبني على البيان لا على الغش والتزييف.

  الزواج في الإسلام مبناه على الصراحة والطمأنينة

  الزواج ليس صفقةً تجاريةً مجردة، بل هو ميثاقٌ غليظ.

قال تعالى:"وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"(النساء/٢١).

  ومن مقاصد الزواج حصول السكن والمودة والطمأنينة، ولا يمكن أن يتحقق ذلك مع الخداع والكتمان.

قال سبحانه:"وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً"(الروم/٢١).

  ولذلك قرر الفقهاء أن التدليس في النكاح مؤثر، وأن إخفاء العيوب المؤثرة مما يثبت به الخيار عند عند أهل العلم.

   "نزع الناس من إسلامهم" ونشر الفجور .

إن هذه القوانين التي تيسر إخفاء الفاحشة وتمنع الفسخ هي في حقيقتها "عصرنة للفجور" وتجريد للمجتمع من قيم الغيرة والعفة.

  إن من تسير على "حل شعرها" وتزني ثم تأتي برقعة بكارة اصطناعية لتمثل دور العفيفة، هي آثمة شرعاً، ومن يشرعن لها هذا الغش شريك لها في الإثم.

  قال سبحانه وتعالى:"لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۙ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ"(النحل/٢).

  المسألة ليست مجرد "غشاء"، بل هي أمانة وصدق، والله وصف الزواج بالميثاق الغليظ.

  قال تعالى:"وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَىٰ بَعْضُكُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا"(النساء/٢١).

  التحذير من إشاعة الفاحشة والتساهل في أمر الزنا

  إن من أخطر ما يفسد المجتمعات تهوينُ شأن الفواحش، وتصويرُ العلاقات المحرمة وكأنها أمورٌ هينة لا أثر لها.

قال تعالى:"وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا"( الإسراء/٣٢ ).

وقال سبحانه:"إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(النور/١٩).

  والواجب على العلماء والإعلاميين أن يربطوا الناس بالعفة والطهارة والصدق، لا أن يُهوِّنوا من آثار الغش والخداع

  الوجوب الفقهي لاسترداد التكاليف والمهر.

- يجب شرعاً وقانوناً -بناءً على قواعد العدالة- أن يُفسخ العقد إذا تزوج بكرا وجودها ثيبا فللرجل حق استرداد ما دفعه؛ لأن الرضا بالعقد كان مبنياً على صفة مفقودة.

  القاعدة الفقهية تقول: "المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً"، والناس لا تتزوج إلا على أساس العفة والبكارة في حال الأبكار.

  الكذب في هذا الموضع هو تدليس باطل ، وما بني على باطل فهو باطل.

  عن حكيم بن حزام ،قال :"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما"(البخاريومسلم)فإذا كانت البركة تُمحق في بيع دراهم، فكيف بميثاق الزواج والأعراض؟!

  هل الغش في البكارة مؤثرٌ في عقد الزواج؟

  نص الفقهاء إلى أن التغرير والتدليس إذا ترتب عليه ضررٌ بيِّن فللزوج حقُّ الفسخ أو الرجوع بالمهر بحسب التفصيل الفقهي.

 وقد أكد الفقهاء على أن الصفات التي يختلف بها المهر والرغبة إذا وقع فيها غشٌّ وتدليس فللمتضرر حقُّ المطالبة ورفع الضرر.

  والقول بأن الأمر لا يترتب عليه إلا الطلاق فقط  كذب على دين الله وعلى الفقه الحنفي

؛ لأن الطلاق يوقع تبعاتٍ ماليةً واجتماعيةً على الزوج مع كونه مغرورًا مخدوعًا.

  التوبة مفتوحة ولكن الحقوق لا تُهدر

 لا شك أن باب التوبة مفتوح، وأن الله يقبل التائبين.

قال تعالى:"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا"(الزمر/٥٣).

  لكن التوبة لا تعني إباحة الكذب والتدليس وأكل الحقوق.

  فالواجب الصدق والبيان، ومن أخفى عيبًا مؤثرًا فقد عرَّض نفسه للإثم والنزاع والخصومات.

- عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا"(البخاري  ومسلم ).

- وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"الْمُؤْمِنُ أَخُو الْمُؤْمِنِ، فَلَا يَحِلُّ لِمُؤْمِنٍ بَاعَ مِنْ أَخِيهِ بَيْعًا فِيهِ عَيْبٌ إِلَّا بَيَّنَهُ لَهُ"(ابن ماجه  وحسنه جماعة من أهل العلم وأحمد ) بنحوه

  فإذا كان بيان العيب واجبًا في البيع، فبيانه في النكاح أولى وأعظم.

  وخلاصة القول

  الغش والتدليس محرمان شرعًا باتفاق المسلمين.

  عقد الزواج قائم على الصدق والبيان والأمانة.

 إخفاء العيوب المؤثرة والتغرير بالطرف الآخر بابٌ من أبواب الظلم.

  مسألة الفسخ والتدليس فيها تفصيلٌ بين الفقهاء، وليس صحيحًا إطلاق القول بأنه لا أثر للغش إلا الطلاق فقط.

  الواجب على المسلمين حفظ الأعراض، والدعوة إلى العفة والطهارة، والتحذير من الفواحش والغش والخداع.

  كما يجب أن تُعرض القضايا الشرعية بدقةٍ وأمانة، بعيدًا عن التهوين أو التلبيس أو إهدار حقوق الناس.

  الخاتمة : نداء إلى الضمير والدين .

يا أيها المشرعون، اتقوا الله في شباب المسلمين، ولا تنزعوا الناس من دينهم وأخلاقهم باسم التحديث. إن إباحة الغش ودعوة البنات للتساهل في العفة بحجة أن "العقد لا يفسخ" هو هدم للأسرة المسلمة.

  الفسخ هو الحل العادل لحفظ كرامة الرجل الذي خُدع، ولزجر من تسول لها نفسها العبث بالأعراض ثم الاختباء خلف نصوص قانونية ضالة.

  ختم الله في آيات الطلاق والزواج بقوله :"تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا ۚ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ"(البقرة/ ٢٢٩).

فيا عالم يا بني ادمين ، عودوا إلى شرع الله وكفاكم تدليساً على الناس، فإن الموعد الله، وعند الله تجتمع الخصوم.

إن الشريعة الإسلامية شريعةُ عدلٍ ورحمةٍ وطهارة، تحفظ الحقوق وتصون الأعراض وتمنع الظلم والخداع، فلا يجوز لمسلمٍ أن يغشَّ أو يدلِّس أو يُظهر خلاف الحقيقة في أعظم العقود وأخطرها. وإن المجتمعات لا تستقيم إلا بالصدق والعفاف والأمانة، وإذا انتشر الغش والخداع ضاعت الثقة وفسدت البيوت وكثرت الخصومات.

  ونسأل الله تعالى أن يحفظ المسلمين والمسلمات، وأن يرزق شباب الأمة وبناتها العفة والطهارة والصدق، وأن يجنبهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن.

  

google-playkhamsatmostaqltradent