ختان الإناث في ميزان الفقه والمقاصد
هل هو "عبادة" أم "عادة" أثبت الطب ضررها؟
المدخل (بين قداسة الدين وسطوة العادة)
كثيراً ما يختلط على الناس ما هو من صميم
"الدين" وما هو من موروثات "العادات والتقاليد".
وقضية (ختان الإناث) هي أوضح مثال على هذا
الخلط؛ حيث توارثتها بعض المجتمعات وألبسوها ثوباً دينياً، ظناً منهم أنها "عفة
وطهارة".
ولكن عندما نضع هذه الممارسة تحت مجهر
"أصول الفقه" و"مقاصد الشريعة" و"الطب الحديث"، تتكشف
لنا حقائق مذهلة تغير النظرة تماماً.
فهل ختان البنات فريضة شرعية أم عادة طبية تجاوزها الزمن؟
مناقشة أدلة المتمسكين بالعادة:
أول خطوة للفقيه هي فحص الأدلة.
والمفاجأة الأكاديمية هنا أن جميع الأحاديث
التي يستدل بها المتمسكون بختان الإناث إما (ضعيفة لا تصح)، وإما (صحيحة ولكنها لا
تدل على الوجوب أو الاستحباب)، #وإليك البيان:
الحديث الأول:
(أَشِمِّي ولا تَنْهِكي...) [أخرجه أبو داود].
الرد: حديث ضعّفه كبار أئمة الجرح والتعديل،
#وقال الإمام أبو داود نفسه عقب إخراجه: "ليس هو بالقوي".
وقال الإمام ابن المنذر: "ليس في الختان خبر يُرجع إليه، ولا سُنة تُتبع" [تلخيص الحبير لابن حجر، ج4، ص 83].
الحديث الثاني:
(الختان سُنة للرجال، مَكْرُمَة للنساء)
[أخرجه أحمد والبيهقي].
الرد:حديث ضعيف جداً باتفاق الحفاظ، في
إسناده راوٍ مدلس ومجهول.
وقد ضعفه الإمام البيهقي نفسه، وغيره من
أئمة الحديث.
فلا يُبنى حكم يمس أجساد البشر على حديث بهذا الضعف.
الحديث الثالث:
:"إذا التقى الخِتَانَانِ وجب الغُسل"(مسلم).
الرد: الاستدلال بكلمة "الختانان" على ختان المرأة هو جهل بلغة العرب؛ فالعرب تستخدم أسلوب (التغليب)، كتسمية الأب والأم بـ (الأبوين)، وتسمية التمر والماء بـ (الأسودين). فإطلاق لفظ (الختانان) هو تغليب لختان الرجل، ولا يثبت تشريعاً للمرأة، كما نص الإمام ابن قدامة في (المغني).
الحديث الرابع:
(خمس من الفطرة... وذكر منها: الختان) [متفق
عليه].
الرد: هذا اللفظ العام يُحمل على الذكور فقط، تماماً كما يُحمل (قص الشارب) المذكور في نفس الحديث على الذكور دون الإناث.
الميزان المقاصدي (تغير الفتوى بتغير المعطيات الطبية)
قد يقول قائل: "لكن بعض المذاهب الفقهية
(كالشافعية) أوجبته، والجمهور قالوا إنه (مَكْرُمَة)!".
هنا يتدخل الأصولي ليوضح قاعدة (تحقيق المناط):
الفقهاء القدامى بنوا أحكامهم على
"المعرفة الطبية" في زمانهم.
أما اليوم، فقد أجمع الطب الحديث على أن
ما يُمارس اليوم هو (تشويه للأعضاء التناسلية، ويسبب أضراراً جسدية ونفسية كارثية.
والشريعة مبنية على الحديث الصحيح: (لا
ضَرَرَ ولا ضِرَار) [أخرجه ابن ماجه].
فإذا تحولت الـ (مَكْرُمَة) المظنونة قديماً إلى (ضَرَرٍ مُحَقَّق) طبياً اليوم، فإن الحكم الشرعي ينقلب فوراً إلى (التحريم القاطع)؛ عملاً بالقاعدة الأصولية: (دَرْءُ المَفَاسِدِ مُقَدَّمٌ عَلَى جَلْبِ المَصَالِحِ) [الأشباه والنظائر للسيوطي, ص 87].
الاستثناء الطبي (ماذا لو قررت الطبيبة الحاجة لتدخل جراحي؟)
هنا يجب التفريق بصرامة بين "العادة
المجتمعية" وبين "العلاج الطبي".
إذا عُرضت الفتاة على طبيبة ثقة ومختصة،
وقررت بعد الفحص أن هناك (حالة مرضية أو عيباً خَلْقياً) يستدعي تدخلاً جراحياً في
هذا المكان (كاستئصال زوائد تسبب التهابات أو آلاماً)، #فهذا ليس ختاناً، بل هو (تداوٍ
وعلاج مشروع).
الحكم هنا: (جائز بل ومطلوب شرعاً)؛ لأنه يدخل تحت باب "إزالة الضرر" و"التداوي" الذي أمر به النبي ﷺ، ويكون بقرار طبي فردي لحالة مرضية، وليس ممارسة جماعية تُفرض على الفتيات الأصحاء.
مسؤولية ولي الأمر (سد باب التحايل)
الشريعة الإسلامية جعلت الأب والأم رعاة
ومؤتمنين على أجساد أبنائهم، لقوله ﷺ: (كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ).
إخضاع الفتاة لعملية الختان إرضاءً للعادات
هو خيانة لهذه الأمانة وتعدٍّ على جسد سليم.
وقد نص الفقهاء على أن ولي الأمر (يَضْمَن)
ويأثم إذا أحدث ضرراً بمن تحت ولايته.
#واليوم، يُعد إقدام الولي على هذا الفعل، أو التحايل لفعله في الخفاء (جريمة يعاقب عليها القانون)، ويأثم فاعلها شرعاً لمخالفته ولي الأمر (الدولة) في قانون يُحقق مصلحة عامة ويدرأ مفسدة محققة.
. الموقف الإفتائي المعاصر (إجماع المؤسسات)
بناءً على المعطيات الطبية القاطعة، حسمت
المؤسسات الدينية الكبرى هذا الجدل:
دار الإفتاء المصرية:
أصدرت سلسلة فتاوى رسمية قاطعة (أبرزها
عام 2007 و2018)، نصت صراحة على أن: (ختان الإناث حرام شرعاً، وتجرمه القوانين، وأنه
من قبيل العادات السيئة التي أثبت الطب ضررها البالغ).
مؤتمر الأزهر الشريف: في مؤتمره العالمي
(2006م)، صدر البيان الختامي بإجماع العلماء على أن ختان الإناث لم يرد فيه نص شرعي
صحيح يُلزم المسلمين به، وأنه عادة ضارة يجب إيقافها.
الخلاصة:
ختان الذكور "شعيرة تعبدية" أثبت
الطب فوائدها، أما ختان الإناث فهو "عادة مجتمعية" أثبت الطب الحديث أضرارها
الكارثية.
والفقه الإسلامي الرحيب لا يُشرّع الإضرار
بالبشر. وأي تدخل في جسد الأنثى لا يجوز إلا بقرار طبي لعلاج حالة مرضية محددة، ومن
يتعدى على جسد بناته إرضاءً للعادة فهو آثم شرعاً ومجرم قانوناً.
حماية جسد الأنثى ونفسيتها هو المقصد الشرعي الأعظم.
والحمد لله رب العالمين