تحديد يوم عرفة بدءاً وانتهاءاً
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله،
وعلى آله وصحبه، أما بعد:
فإن وقت الوقوف بعرفة يبدأ عند الجمهور من زوال الشمس يوم التاسع، وقال الحنابلة إنه يبدأ من طلوع الفجر يوم التاسع، ويمتد وقت الوقوف إلى طلوع فجر يوم النحر، فمن وقف في هذا الوقت ولو زمنا يسيراً، فقد وقف بعرفة وأتى بالركن، ومن وقف نهارا فقط، فالواجب عليه أن يمد الوقوف إلى الغروب، فإن دفع قبل الغروب وجب عليه أن يرجع ليقف بعد الغروب، فإن لم يقف بعد الغروب شيئا، فقد ترك واجبا من واجبات النسك، يلزمه لتركه دم، وحجه صحيح؛ لكونه أتى بالركن وهو الوقوف، والمصحح عند الشافعية أنه لا شيء على من دفع قبل الغروب، وأن مد الوقوف إلى الغروب سنة لا واجب، وهذا القول قوي في الدليل.
فيوم عرفة الذي تتعلق به أحكامه الشرعية للحاج وغيره، يبدأ من فجر اليوم التاسع من ذي الحجة، ويمتد إلى طلوع الفجر الصادق يوم عيد النحر، وينتهي وقت وقوف عرفة بالنسبة للحجاج بطلوع الفجر يوم النحر، أما ابتداء وقت الوقوف بعرفة فقد وقع فيه اختلاف:
فذهب الحنفية والشافعية إلى أن أوله زوال شمس يوم عرفة.
وذهب المالكية إلى أن وقت الوقوف هو الليل، وأما الوقوف نهاراً فواجب ينجبر تركه عمداً بغير عذر بدمٍ.
وعند الحنابلة: وقت الوقوف من طلوع الفجر يوم عرفة إلى طلوع الفجر من يوم النحر، وأما غير الحاج فينتهي يوم عرفة في حقه بغروب شمس يوم التاسع.
قال العلامة الشنقيطي رحمه الله مبينا الخلاف في المسألة، وما لأهل العلم في وقت الوقوف من الأقوال ما عبارته: وَالْحَاصِلُ: أَنَّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ، فَوُقُوفُهُ تَامٌّ إِجْمَاعًا، وَأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ، فَوُقُوفُهُ تَامٌّ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِلُزُومِ الدَّمِ،
وَأَنَّ مَنِ اقْتَصَرَ عَلَى النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، لَمْ يَصِحَّ وُقُوفُهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ: حَجُّهُ صَحِيحٌ. مِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَعَطَاءٌ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَهُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ.
وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ، فَقَالَ أَحْمَدُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَلْزَمُهُ دَمٌ، وَعَنِ الشَّافِعِيَّةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا دَمَ عَلَيْهِ. وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ. وَالثَّانِي: عَلَيْهِ دَمٌ. قِيلَ وُجُوبًا، وَقِيلَ: اسْتِنَانًا، وَقِيلَ: نَدْبًا. وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ عَلَى الْقَوْلِ بِهِ، كَمَا جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ. وَأَنَّمَا قِبلَ الزَّوَالُ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ لَيْسَ وَقْتًا لِلْوُقُوفِ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، خِلَافًا لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ. انتهى. ورجح الشيخ- رحمه الله-أن مد الوقوف إلى الغروب مستحب لا واجب فقال: وأما المقتصر على النَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ، فَلِحَدِيثِ عُرْوَةَ بْنِ مُضَرِّسٍ الطَّائِيِّ، وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ قَرِيبًا، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ صَحِيحٌ، وَبَيَّنَّا أَنَّ فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِيهِ: وَقَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ، فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ مُرَتِّبًا لَهُ بِالْفَاءِ عَلَى وُقُوفِهِ بِعَرَفَةَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْوَاقِفَ نَهَارًا يَتِمُّ حَجُّهُ بِذَلِكَ، وَالتَّعْبِيرُ بِلَفْظِ التَّمَامِ ظَاهِرٌ، فِي عَدَمِ لُزُومِ الْجَبْرِ بِالدَّمِ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلَهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ نَقْلٌ صَرِيحٌ فِي مُعَارَضَةِ ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَعَدَمُ لُزُومِ الدَّمِ لِلْمُقْتَصِرِ عَلَى النَّهَارِ، هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لِدَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ، كما ترى. انتهى.
والحاصل أن الأحوط ألا يدفع من بعرفة إلا بعد الغروب، وأن من دفع قبل الغروب، فالقول بعدم لزوم الدم له، وأن ما فعله جائز، قول قوي كما رأيت، وأما الحديث الذي ذكرت أن الشيخ المذكور حمله على حال الضرورة، فلا ندري ما مرادك به، وقد عرفت دليل الشافعية في المسألة وهو حديث عروة بن مضرس آنف الذكر..
ويستحب له عند بعض الفقهاء إحياء ليلة العيد
بالصلاة وقراءة القرآن، وغير ذلك من الأعمال الصالحات، قال الإمام النووي في المجموع:
واستحب الشافعي والأصحاب الإحياء مؤكداً الاجتهاد في الطاعة في أيام وليالي العشر الأول
من ذي الحجة كلها، لما ثبت في الأحاديث الصحيحة أنها أفضل أيام الدنيا، وقد أقسم الله
تعالى بها في كتابه، وقال صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن
أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله ولا الجهاد في سبيل الله؟!
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله
فلم يرجع من ذلك بشيء"( البخاري والترمذي وهذا لفظه).
يوم عرفة عند الإمام أبي حنيفة (رحمه الله)
أهم المسائل المتعلقة بيوم عرفة عند أبي
حنيفة:
1. تحديد يوم عرفة للحاج:
عند الإمام أبي حنيفة، يعتبر يوم عرفة هو
التاسع من ذي الحجة بحسب رؤية الهلال في بلد الحاج، لا بحسب وقوف الناس بعرفة.
أي لو أخطأ الناس ووقفوا بعرفة في اليوم
الثامن أو العاشر نتيجة خطأ في تحديد الهلال، فلا يصح وقوفهم عند أبي حنيفة، لأنه يشترط
أن يكون الوقوف في اليوم التاسع الشرعي الحقيقي.
> بينما جمهور العلماء، كالإمام مالك والشافعي
وأحمد، يرون أن العبرة بوقوف الناس بعرفة، لا بالرؤية الفلكية أو الحساب، فإذا وقف
الناس بعرفة في يوم معين،
فهو يوم عرفة ولو خالف الحساب.
2. صيام يوم عرفة لغير الحاج:
يستحب صيام يوم عرفة لغير الحاج عند جميع
العلماء، ومنهم الإمام أبو حنيفة، لما ورد في الحديث الصحيح أن صيامه يكفّر سنتين:
ماضية ومستقبلة.
3. دعاء يوم عرفة:
يُستحب الإكثار من الدعاء يوم عرفة، وهو
يوم مشهود، وأفضل الدعاء كما في الحديث:
>
"خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي:
لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك
وله الحمد وهو على كل شيء قدير."
فضلـ يوم عرفةعند الإمام أبي حنيفة
هو كفضل هذا اليوم في الشريعة الإسلامية عمومًا، إذ لم يخالف الإمام أبو حنيفة في بيان الفضائل العامة ليوم عرفة الواردة في النصوص، وإنما جاءت بعض اجتهاداته الفقهية في مسائل الوقوف وصحة الحج،
فضائل يوم عرفة عند أبي حنيفة (وغيره من
الأئمة):
أفضل أيام السنة:
يوم عرفة من أعظم الأيام عند الله، وهو من الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة، التي أقسم الله بها في قوله: "والفجر، وليالٍ عشر"(الفجر: 1-2).
صيامه يكفّر سنتين:
عن النبي ﷺ: "صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله والسنة التي بعده"(مسلم).
وهذا مستحب لغير الحاج، وأبو حنيفة يقر
بهذه السنة ويحث عليها.
يوم إكمال الدين:
نزلت فيه الآية:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"(المائدة: 3).
وهذه الآية نزلت يوم عرفة، كما في الصحيح.
يوم العتق من النار:
قال النبي ﷺ: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدًا من النار من يوم عرفة"
(مسلم).
وهذا يشمل كل من وقف بعرفة، بل وسائر المسلمين
الذين يتوجهون فيه إلى الله بالدعاء والرجاء.
خير الدعاء:
كما قال ﷺ: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة"(الترمذي).
خلاصة موقف أبي حنيفة:
الإمام أبو حنيفة يرى فضل يوم عرفة كما
ورد في النصوص الصحيحة، ويؤكد على استحباب:
صيامه لغير الحاج.
الإكثار من الذكر والدعاء فيه.
التهيؤ له بالنية الخالصة.
ولم يُنقل عنه ما يخالف في الفضل، وإنما كان اجتهاده دقيقًا في مسائل الوقوف بعرفة للحجاج،
كيف تستغل يوم عرفة؟ (على مذهب أبي حنيفة)
أولًا: إن لم تكن حاجًّا
. الصيام (سنة مؤكدة):
صيام يوم عرفة مستحب مؤكد لغير الحاج، ويُرجى
أن يكفّر سنتين (ماضية ومستقبلة).
عند أبي حنيفة: الصوم مستحب بشدة، ولا يُكره،
بل يُثاب عليه عظيمًا.
2. الإكثار من الدعاء:
أفضل ما يقال:
"لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء
قدير"
ادعُ لنفسك، لوالديك، وللأمة، وتذكّر أن
الله يعتق فيه من النار أكثر من أي يوم آخر.
3. الذكر والتكبير:
استحب الحنفية التكبير المطلق من أول ذي
الحجة، والمقيد بعد كل صلاة من فجر يوم عرفة إلى عصر اليوم الرابع من العيد (13 ذو
الحجة).
الصيغة المشهورة:
>
"الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله
الحمد"
4. التوبة والاستغفار:
استغل هذا اليوم في تصفية قلبك، وطلب العفو
من الله، فهو يوم عتق ومغفرة.
5. قراءة القرآن والصدقة:
أكثر من تلاوة القرآن والصدقات، فالأجر
في العشر مضاعف، ويوم عرفة أفضلها.
ثانيًا: إن كنت حاجًّا
الوقوف بعرفة (ركن الحج الأعظم):
عند أبي حنيفة: الوقوف يكون من زوال الشمس
(الظهر) إلى فجر يوم النحر.
يجب أن يكون الوقوف يوم التاسع الحقيقي
حسب رؤية الهلال (عنده تشديد في صحة الوقوف).
من وقف فيه لحظة بعد الزوال فقد أدرك الحج.
الاشتغال بالدعاء:
يُستحب أن يكون أكثر وقت الحاج في عرفة
دعاءً وخشوعًا، مستقبلًا القبلة.
توصيات عملية:
العبادة وقتها ملاحظات
صيام يوم عرفة من الفجر إلى المغرب لغير
الحاج
صلاة الظهر والعصر جمع تقديم للحاج بعرفة
الدعاء والذكر طوال اليوم أفضل الدعاء دعاء
يوم عرفة
التكبير بعد الصلاة من فجر عرفة إلى عصر
رابع أيام العيد