recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة الإسلامُ.. دستورُ الرحمةِ الأولِ في تاريخِ البشريةِللشيخ محمد عبد التواب سويدان

  الإسلامُ.. دستورُ الرحمةِ الأولِ في تاريخِ البشريةِ 


إنَّ الحمدَ للهِ نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَن يهدِه اللهُ فلا مُضلَّ له، ومَن يُضللْ فلا هاديَ له. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، كتبَ على نفسِه الرحمةَ فقالَ سبحانَه: {كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ")الأنعام: 54(، وقالَ: {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ} [الأعراف: 156]. وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه اللهُ تعالى رحمةً مُهداةً للعالمينَ، فقالَ عزَّ من قائلٍ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدِك ورسولِك محمدٍ، وعلى آلِه وأصحابِه، ومَن تبعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ.

 أما بعدُ: فيا عبادَ اللهِ، أوصيكم ونفسيَ المُقصِّرةَ بتقوى اللهِ، فإنَّها وصيةُ اللهِ للأولينَ والآخرينَ: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131]. 

أيُّها المؤمنون: إنَّ هذا الدينَ العظيمَ الذي شرَّفَنا اللهُ به، أجملُ ما يُوصَفُ به أنَّه *دينُ الرحمةِ*. فالرحمةُ هي روحُه، وقانونُه، وغايةُ تشريعاتِه وإنَّنا اليومَ سنُسمعُكم وقائعَ ثابتةً من صحيحِ البخاريِّ ومسلمٍ وكتبِ السِّيَرِ، تشهدُ أنَّ الإسلامَ رحمةٌ من الفاتحةِ إلى الخاتمةِ.

 المظهرُ الأول: رحمةُ اللهِ تعالى في أصلِ التشريعِ والتكليفِ*

افتتحَ ربُّنا جلَّ جلالُه مائةً وثلاثَ عشرةَ سورةً من كتابِه بقولِه: {بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ}.

وكتبَ كتابًا فهو عندَه فوقَ العرشِ: "إنَّ رحمتي غلبتْ غضبي" [متفق عليه].

وبنى هذا الدينَ على اليُسرِ، فقالَ: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185].

فِي الْعِبَادَاتِ نَفْسِهَا* مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا عِبَادَةً إِلَّا وَجَعَلَ فِيهَا الرَّحْمَةَ. 

 فِي الصَّلَاةِ:* قَالَ :  "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ"* *[متفق عليه]*.

 وَكَانَ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ خَفَّفَ صَلَاتَهُ رَحْمَةً بِأُمِّهِ *[البخاري]*. 

 فِي الصِّيَامِ:* *{وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ}* *[البقرة: 185]*. وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي رَحْمَةً بِهَا وَبِوَلَدِهَا.

فالمريضُ يُفطرُ، والمسافرُ يَقصُرُ، والعاجزُ يُصلِّي قاعدًا.

وشرعَ التيممَ رحمةً بالمريضِ والمسافرِ إذا عَدِمَ الماءَ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43].

 فِي الزَّكَاةِ: جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَرَحْمَةً بِالْفَقِيرِ، *{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا}* *[التوبة: 103]*. وَجَعَلَ فِيهَا حَقًّا لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. 

 فِي الْحَجِّ:* *{وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا}* *[آل عمران: 97]*. قَيَّدَهُ بِالاسْتِطَاعَةِ رَحْمَةً بِالضَّعِيفِ وَالْفَقِيرِ. وَمَنْ عَجَزَ بَدَنُهُ وَمَالُهُ سَقَطَ عَنْهُ.

 وجعلَ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، والسيئةَ بمثلِها وقد تُمحى. وقالَ في الحديثِ القدسيِّ: "يا ابنَ آدمَ، لو بلغتْ ذنوبُك عنانَ السماءِ ثم استغفرتَني غفرتُ لكَ ولا أُبالي" [الترمذي، صحيح].

 هذه رحمةُ الإسلامِ بالعبادِ في التكليفِ

فانظرْ يا عبدَ اللهِ: ربُّك يبدأُ كتابَه بالرحمةِ، ويكتبُ على نفسِه الرحمةَ، ويُريدُ بك اليُسرَ لا العُسرَ. فأيُّ دينٍ في الأرضِ أسقطَ عن المريضِ والمسافرِ ما أسقطَه الإسلامُ؟ هذا هو دينُك، فاحمدِ اللهَ عليه.

 المظهرُ الثاني: رسولُ الرحمةِ .. ومواقفُه التي وسعتْ كلَّ شيء*

كانَ رحمةً تمشي على الأرضِ. يُقبِّلُ الحسنَ والحسينَ، فيقولُ له الأقرعُ بنُ حابسٍ: إنَّ لي عشرةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحدًا. فيقولُ : "مَن لا يَرحم لا يُرحم" [البخاري]. وكانَ إذا سمعَ بكاءَ الصبيِّ في الصلاةِ تجوَّزَ فيها، رحمةً بأمِّه [البخاري].

وخدَمَه أنسٌ عشرَ سنينَ، فما قالَ له أُفٍّ قطُّ [البخاري]. وجاءتْه امرأةٌ من غامدٍ قد زنتْ وهي حُبلى، تُريدُ أن يُطهِّرَها، فردَّها حتى تضعَ، ثم حتى تُفطمَ ولدَها. عامانِ كاملانِ وهو يُؤجِّلُ الحدَّ، رحمةً بطفلٍ رضيعٍ لا ذنبَ له [مسلم].

ودخلَ بستانًا لرجلٍ من الأنصارِ فإذا جملٌ، فلما رأى النبيَّ حنَّ وذرفتْ عيناه، فمسحَ سَراتَه وذِفراه فسكنَ، ثم قالَ: "أفلا تتقي اللهَ في هذه البهيمةِ التي ملَّكَك اللهُ إياها؟ فإنَّه شكا إليَّ أنَّك تُجيعُه وتُدئبُه" [أبو داود، صحيح].

 هذه رحمةُ الإسلامِ المُتجسِّدةُ في نبيِّه

نبيٌّ يُؤجِّلُ حدًّا من حدودِ اللهِ سنتينِ من أجلِ رضيعٍ، ويخففُ الصلاةَ لبكاءِ طفلٍ، ويبكي لبكاءِ جملٍ جائعٍ. فهل رأتِ البشريةُ رحمةً تمشي على الأرضِ مثلَ هذه الرحمةِ؟

 المظهرُ الثالث: رحمةُ الإسلامِ بالمرأةِ والضعيفِ واليتيمِ والمسكين 

جاءَ الإسلامُ والمرأةُ تُورثُ كالمتاعِ، فجعلَ لها مهرًا: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]، وأوجبَ نفقتَها ولو كانت غنيةً.

وحرَّمَ وأدَ البناتِ فقالَ: {وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَتْ} [التكوير: 8-9] وقالَ : "استوصوا بالنساءِ خيرًا" [البخاري]، وقالَ: "خيرُكم خيرُكم لأهلِه، وأنا خيرُكم لأهلي" [الترمذي، صحيح].

وقالَ في البناتِ: "مَن ابتُليَ من هذه البناتِ بشيءٍ فأحسنَ إليهنَّ كنَّ له سِترًا من النارِ" [البخاري ].

وقالَ في اليتيمِ: "أنا وكافلُ اليتيمِ في الجنةِ كهاتين" [البخاري].

وقالَ في الأرملةِ والمسكينِ: "الساعي على الأرملةِ والمسكينِ كالمجاهدِ في سبيلِ اللهِ" [البخاري].

 هذه رحمةُ الإسلامِ بالضعفاءِ

دينٌ جاءَ والمرأةُ تُدفنُ حيةً فحرَّمَ ذلك، وجعلَ تربيةَ البناتِ حجابًا من النارِ، ورفعَ اليتيمَ إلى جوارِ النبيِّ في الجنةِ، وجعلَ الساعيَ على الأرملةِ كالمجاهدِ. فأيُّ قانونٍ في الدنيا كرَّمَ الضعيفَ قبلَ 1400 سنةٍ كما كرَّمَه الإسلامُ؟

 المظهرُ الرابع: رحمةُ الإسلامِ في الحربِ والسِّلمِ.. وثيقةٌ سبقتِ العالمَ 

وضعَ النبيُّ قانونًا للحربِ فقالَ: "اغزوا باسمِ اللهِ، ولا تغُلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا" [مسلم].

وأوصى أبو بكرٍ جيشَه: "لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبيًّا ولا كبيرًا هرمًا، ولا تقطعنَّ شجرًا مُثمرًا" [الموطأ].

ولما فتحَ مكةَ، وقد أُوذيَ وأُخرجَ وقُتلَ أصحابُه، وقفَ وقالَ: "يا معشرَ قريشٍ، ما ترونَ أني فاعلٌ بكم؟" قالوا: أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمٍ. فقالَ: "اذهبوا فأنتمُ الطلقاءُ" [ابن هشام].

 وفي الطائفِ لما آذوه ورموه بالحجارةِ حتى أدمَوا قدميه، جاءَه ملكُ الجبالِ يستأذنُه أن يُطبقَ عليهم الأخشبين، فقالَ: "بل أرجو أن يُخرجَ اللهُ من أصلابِهم مَن يعبدُ اللهَ وحدَه لا يُشركُ به شيئًا" [البخاري ].

*هذه رحمةُ الإسلامِ حتى في ساحةِ القتالِ.* 

دينٌ يضعُ للحربِ قانونًا يمنعُ قتلَ النساءِ والأطفالِ وقطعَ الشجرِ قبلَ أن تعرفَ الدنيا "اتفاقيات جنيف". وقائدٌ يُفتحُ له بلدُه فيعفو عن عشرةِ آلافِ مقاتلٍ بكلمةٍ: "اذهبوا فأنتمُ الطلقاءُ" هذه هي الرحمةُ التي عجزتْ عنها حضاراتُ الأرضِ كلِّها.

 المظهرُ الخامس: رحمةُ الإسلامِ بالخادمِ والأجيرِ والأسيرِ والمدين 

قالَ في الخَدَمِ: "إخوانُكم خَوَلُكم، جعلَهم اللهُ تحتَ أيديكم، فمَن كانَ أخوه تحتَ يدِه فليُطعمْه مما يأكلُ، وليُلبسْه مما يلبَسُ" [البخاري].

وقالَ في الأجيرِ: "أعطوا الأجيرَ أجرَه قبلَ أن يجفَّ عرقُه" [ابن ماجه، صحيح].

وأما الأسرى، فكانَ الصحابةُ يُؤثرونَ أسارى بدرٍ بتمرِهم ويأكلونَ هم الخبزَ، لوصيةِ رسولِ اللهِ [ابن هشام].

وقالَ تعالى في المدينِ المُعسِر: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ} [البقرة: 280].

 هذه رحمةُ الإسلامِ بالطبقةِ العاملةِ والضعيفةِ

خادمُك سمَّاه الإسلامُ "أخاك"، وأمرَك أن تُطعمَه مما تأكلُ. وأجيرُك أمرَك أن تُعطيَه أجرَه قبلَ أن يجفَّ عرقُه. والأسيرُ الذي يُقاتلُك له حقُّ الطعامِ قبلَك. والمدينُ المُعسِرُ لا يُهانُ بل يُنظَرُ. فأيُّ نظامٍ عماليٍّ وحقوقيٍّ في الأرضِ سبقَ الإسلامَ إلى هذا؟

** حَتَّى الْحُدُودُ الَّتِي يَتَشَدَّقُ بِهَا الْجَاهِلُونَ هِيَ قِمَّةُ الرَّحْمَةِ بِالْمُجْتَمَعِ, قَالَ اللَّهُ: *{وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}* *[البقرة: 179]*. قَتْلُ قَاتِلٍ وَاحِدٍ رَحْمَةٌ تُحْيِي أُمَّةً، وَتَحْقِنُ دِمَاءَ الآلَافِ. 

وَمَعَ ذَلِكَ فَتَحَ بَابَ الْعَفْوِ: *{فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ}* *[البقرة: 178]*. 

وَدَرَأَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ: *"ادْرَؤُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ"* *[رواه ابن عدي]*. وَاشْتَرَطَ فِي الزِّنَا أَرْبَعَةَ شُهُودٍ، وَفِي السَّرِقَةِ النِّصَابَ وَالْحِرْزَ. كُلُّ هَذَا رَحْمَةٌ بِالْمُتَّهَمِ حَتَّى لَا يُظْلَمَ.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.

 الخطبة الثانية 

الحمدُ للهِ ربِّ العالمين، نحمَدُه سبحانَه على نعمةِ الإسلامِ، ونحمدُه على أن جعلَنا من أمةِ الرحمةِ المُهداةِ. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه، أرسلَه بالهدى ودينِ الحقِّ رحمةً للعالمين. اللهمَّ صلِّ وسلِّم وبارِك عليه، وعلى آلِه وصحبِه أجمعين.

 أما بعدُ: فيا عبادَ اللهِ، إذا كانتِ هذه رحمةَ الإسلامِ بالإنسانِ من المَهدِ إلى اللَّحدِ، فإنَّ رحمةَ هذا الدينِ لم تقفْ عندَ حدودِ الإنسانِ، بل جاوزتْه إلى كلِّ كبدٍ رطبةٍ، وإلى كلِّ شجرةٍ خضراءَ. لأنَّ الذي أنزلَ هذا الدينَ هو ربُّ العالمينَ، لا ربُّ الناسِ وحدَهم.

*المظهرُ السادس: رحمةُ الإسلامِ بالحيوانِ والبيئةِ*

قالَ : "إنَّ اللهَ كتبَ الإحسانَ على كلِّ شيءٍ، فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلةَ، وإذا ذبحتُم فأحسِنوا الذِّبحةَ" [مسلم]. ودخلتِ امرأةٌ النارَ في هرَّةٍ حبستْها، ودخلتْ بغيٌّ الجنةَ في كلبٍ سقتْه [البخاري] وقالَ: "في كلِّ كبدٍ رطبةٍ أجرٌ" [البخاري]

وأما الشجرُ، فقالَ: "ما من مسلمٍ يغرسُ غرسًا فيأكلُ منه طيرٌ أو إنسانٌ إلا كانَ له به صدقةٌ" [البخاري] ونهى عن قطعِ السِّدرِ [أبو داود ].

 هذه رحمةُ الإسلامِ بالحيوانِ والبيئةِ  

دينٌ يجعلُ سقيَ الكلبِ سببًا لدخولِ الجنةِ، وحبسَ الهرةِ سببًا لدخولِ النارِ، ويجعلُ غرسَ الشجرةِ صدقةً جاريةً. فإذا كانَ هذا حالَه مع الحيوانِ والجمادِ، فكيفَ يكونُ حالُه مع الإنسانِ؟

 المظهرُ السابع: رحمةُ الإسلامِ بالمخطئِ والعاصي.. السِّترُ قبلَ الحدِّ 

قالَ لمَن أشارَ على ماعزٍ بالاعترافِ: "لو سترتَه بثوبِك كانَ خيرًا لك" [أبو داود، حسن].

وقالَ: "مَن سترَ مسلمًا سترَه اللهُ في الدنيا والآخرةِ" [مسلم]. ولما لُعنَ شاربُ الخمرِ، قالَ : "لا تلعنوه، فواللهِ ما علمتُ إلا أنَّه يُحبُّ اللهَ ورسولَه" [البخاري].

وجاءَه رجلٌ فقالَ: يا رسولَ اللهِ، أصبتُ حدًّا فأقمْه عليَّ، فحضرتِ الصلاةُ فصلَّى معه، فقالَ له: "قد غُفرَ لك" [البخاري].

 هذه رحمةُ الإسلامِ بالمُذنبِ والعاصي

دينٌ يُقدِّمُ السترَ على الفضيحةِ، ويقولُ لك: "لو سترتَه بثوبِك كانَ خيرًا لك"، ويمنعُك أن تلعنَ شاربَ الخمرِ لأنَّه يُحبُّ اللهَ ورسولَه، ويجعلُ صلاةً واحدةً تمحو الحدَّ. هذا هو بابُ الرحمةِ المفتوحُ الذي لا يُغلقُ أبدًا.

 المظهرُ الثامن: رحمةُ الإسلامِ بالمخالفِ المسالمِ من كلِّ مِلَّة 

قالَ تعالى: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ} [الممتحنة: 8]. وعادَ النبيُّ غلامًا يهوديًّا كانَ يخدمُه لما مرِضَ [البخاري].

وقامَ لجنازةِ يهوديٍّ، فقيلَ: إنَّها جنازةُ يهوديٍّ، فقالَ: "أليستْ نفسًا؟" [البخاري].

وكتبَ لأهلِ نجرانَ النصارى: "ولنجرانَ وحاشيتِها جوارُ اللهِ وذمةُ محمدٍ النبيِّ على أنفسِهم وملَّتِهم وأرضِهم وأموالِهم" [ابن سعد، الطبقات ].

وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَيْخًا يَهُودِيًّا يَسْأَلُ النَّاسَ، فَقَالَ: "مَا أَنْصَفْنَاكَ، أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ شَابًّا ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ شَيْخًا"، وَأَمَرَ لَهُ بِرَاتِبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ *[الخراج لأبي يوسف]*. 

وَقَالَ سُبْحَانَهُ: *{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}* *[المائدة: 8]*. الْعَدْلُ وَاجِبٌ حَتَّى مَعَ مَنْ تُبْغِضُهُ

 هذه رحمةُ الإسلامِ بغيرِ المسلمينَ المسالمينَ

دينٌ يأمرُك بالبِرِّ والقسطِ مع مَن لم يُقاتلْك، ونبيُّه يعودُ غلامًا يهوديًّا ويقفُ لجنازةِ يهوديٍّ احترامًا للنفسِ البشريةِ، ويُعطي النصارى عهدًا على كنائسِهم وأموالِهم. فالرحمةُ في الإسلامِ ليستْ للمسلمِ فقط، بل هي لكلِّ نفسٍ مسالمةٍ على وجهِ الأرضِ.

فيا عبادَ اللهِ، هذه مظاهرُ الرحمةِ في دينِكم. فالإسلامُ رحمةٌ بالجنينِ، والطفلِ، والمرأةِ، واليتيمِ، والخادمِ، والأسيرِ، والمدينِ، والكافرِ المسالمِ، والحيوانِ، والشجرِ.

فمَن أرادَ أن يرحمَه اللهُ، فليرحمْ خلقَ اللهِ، فإنَّ النبيَّ قالَ: "الراحمونَ يرحمُهم الرحمنُ، ارحموا مَن في الأرضِ يرحمْكم مَن في السماءِ" [الترمذي، صحيح].

فَمَاذَا عَلَيْنَا بَعْدَ هَذَا الْبَيَانِ؟* 

*1. أَنْ نَعِيشَ الرَّحْمَةَ:* فِي بُيُوتِنَا، وَمَسَاجِدِنَا، وَأَسْوَاقِنَا، وَطُرُقَاتِنَا. *"الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا مَنْ فِي الأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ"* *[الترمذي]*. 

*2. أَنْ نَنْشُرَ الرَّحْمَةَ:* كُونُوا سُفَرَاءَ رَحْمَةٍ لِدِينِ الرَّحْمَةِ. ابْتِسَامَتُكَ رَحْمَةٌ، كَلِمَتُكَ الطَّيِّبَةُ رَحْمَةٌ، عَفْوُكَ عَمَّنْ ظَلَمَكَ رَحْمَةٌ. 

 3. أَلَّا نَقْنَطَ مِنَ الرَّحْمَةِ:  مَهْمَا عَظُمَ ذَنْبُكَ، فَرَحْمَةُ اللَّهِ أَعْظَمُ. *{إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}* *[يوسف: 87]*. 

 4. أَنْ نَدْعُوَ بِالرَّحْمَةِ:* كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ : *"اللَّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ"* *[أبو داود] .

اللَّهُمَّ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، ارْحَمْنَا فَإِنَّكَ بِنَا رَاحِمٌ، وَلَا تُعَذِّبْنَا فَأَنْتَ عَلَيْنَا قَادِرٌ. 

اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا مَفَاتِيحَ لِلرَّحْمَةِ، مَغَالِيقَ لِلْقَسْوَةِ. 

اللَّهُمَّ لَا تَنْزِعِ الرَّحْمَةَ مِنْ قُلُوبِنَا فَنَشْقَى. 

اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِينَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِينَ، وَدَمِّرْ أَعْدَاءَ الدِّينِ. 

اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَفُكَّ أَسْرَهُمْ، وَاشْفِ مَرِيضَهُمْ، وَارْحَمْ مَيِّتَهُمْ. 

*{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}* *[البقرة: 201]*.

*عِبَادَ اللَّهِ:* *{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}* *[النحل: 90]*. 

فَاذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ. وَأَقِمِ الصَّلَاةَ.

 

google-playkhamsatmostaqltradent