الرحمة بين الزوجين
الحمد لله الذي جعل بين الزوجين مودة ورحمة،
وأمرنا بالمعاشرة بالمعروف وحسن العشرة. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له،
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فأوصيكم ونفسي بتقوى الله القائل في كتابه
العزيز: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم:21].
أيها المسلمون، حديثنا اليوم عن
سمة عظيمة وخلق كريم،
عن الرحمة بين الزوجين،
تلك الهدية الربانية التي جعلها الله أساساً
للحياة الزوجية السعيدة.
ولنبدأ قصتنا بقصة عطرة من قصص الصحابة
رضي الله عنهم، تجسد هذه الرحمة بأجلى معانيها.
كان أبو طلحة رضي الله عنه من كبار الصحابة،
ولما خطب أم سليم – رضي الله عنها – وكانت مسلمة وهو كافر، قالت له: "والله ما
مثلك يا أبا طلحة يُرد، ولكنك رجل كافر، وأنا امرأة مسلمة، ولا يحل لي أن أتزوجك، فإن
تسلم فذاك مهري، ولا أسألك غيره". فأسلم وكان إسلامه مهرها، فكان ذلك المهر أكرم
مهر سمع به. رواه النسائي
.
هذه القصة تظهر لنا أن أساس الزواج الصحيح
هو الإيمان والتقوى، فالرحمة ثمرة من ثمار الإيمان.
واعلموا أن الله تعالى جعل الزواج ميثاقاً
غليظاً قائماً على المودة والرحمة. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "المودة هي:
المحبة، والرحمة هي: الرأفة، فإن الرجل يمسك المرأة إما لمحبته لها، أو لرحمة بها".
♦العنصر الأول: مفهوم الرحمة بين الزوجين
وأهميتها
الرحمة بين الزوجين ليست مجرد عاطفة، بل
هي سلوك عملي يتجسد في التعامل باللطف والحنان والتسامح.
وهي أرقى درجات الحب، لأن الحب قد يأتي
ويذهب، أما الرحمة فهي تظل قائمة حتى في أوقات الشدة والابتلاء.
وقد حثنا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
على أن نكون رحماء فيما بيننا، وبين أن رحمتنا بالآخرين سبب لنيل رحمة الله.
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الرَّاحِمُونَ يَرْحَمُهُمُ الرَّحْمَنُ، ارْحَمُوا
أَهْلَ الْأَرْضِ يَرْحَمْكُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ». رواه أبو داود والترمذي
وقال: حديث حسن صحيح. وأهل الأرض هنا هم
جميع الناس، والزوجة أولى الناس برحمة زوجها.
العنصر الثاني: وصايا النبي صلى الله عليه
وسلم بالإحسان إلى الزوجات
لقد أوصى نبينا صلى الله عليه وسلم بالنساء
خيراً في أكثر من موضع، وجعل الإحسان إليهن علامة على كمال الرجولة والإيمان.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ
خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». رواه الترمذي وابن ماجه وصححه
الألباني.
وهذا الحديث دليل عظيم على أن حسن العشرة
مع الزوجة من أفضل الأعمال وأحبها إلى الله.
وجاء في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ
خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ، وَإِنَّ أَعْوَجَ شَيْءٍ فِي الضِّلَعِ أَعْلَاهُ، فَإِنْ ذَهَبْتَ
تُقِيمُهُ كَسَرْتَهُ، وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَزَلْ أَعْوَجَ، فَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ
خَيْرًا».
وهذا الحديث يذكرنا بأهمية التغاضي عن بعض
العيوب وعدم المطالبة بالكمال، لأن الكمال لله وحده.
العنصر الثالث: مظاهر الرحمة بين الزوجين
في السنة النبوية
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم الأب
والقدوة في الرحمة مع زوجاته، حتى وصفته السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: «كَانَ
أَلْيَنَ النَّاسِ، وَأَكْرَمَ النَّاسِ، وَكَانَ رَجُلاً مِنْ رِجَالِكُمْ إِلَّا
أَنَّهُ كَانَ ضَحَّاكًا بَسَّامًا».
ومن مظاهر رحمته صلى الله عليه وسلم أنه
كان يسابق زوجاته ويداعبهن، ويثني عليهن ويكرمهن. بل كان إذا أتعبته كثرة المسؤوليات
لم يمنعه ذلك من الرفق بهن وحسن عشرتهن. وقد قال صلى الله عليه وسلم في حديث عظيم:
«لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ».
والفرك هو البغض، أي لا ينبغي للمؤمن أن يبغض زوجته المؤمنة، فإذا كره منها خلقاً فليذكر
ما فيها من أخلاق حميدة أخرى. وهذا من أعظم مبادئ الصلح والاستمرارية.
العنصر الرابع: نماذج من رحمة الصحابة والتابعين
بأزواجهم
كان الصحابة والتابعون رضوان الله عليهم
قدوة في حسن العشرة والرحمة مع الزوجات، ولم يكن ذلك نقصاً في مروءتهم بل كان دليلاً
على كمال إيمانهم.
فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أنه
شوهد والنعاس يغالبه وهو قائم يصلي، فنصحته زوجته بأن ينام قليلاً، فابتسم في وجهها
وشكرها على نصحها، فكان هذا دليلاً على قبوله للنصيحة وتقديره لزوجته.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان من
شدة رحمته بأهله يحرص على توفير الراحة لهم، وكان يشاركهم في شؤونهم ويخفف عنهم. كما
روي أنه كان يقبل رأس زوجته عاتكة بنت زيد رضي الله عنها، وهذا يدل على حبّه لها ورحمته
بها.
ومن أقوال التابعين في هذا الشأن، قال عمرو
بن العاص رضي الله عنه: "لَا أَمَلُّ ثَوْبِي مَا وَسِعَنِي، وَلَا أَمَلُّ زَوْجَتِي
مَا أَحْسَنَتْ عُشْرَتِي، وَلَا أَمَلُّ دَابَّتِي مَا حَمَلَتْنِي، إِنَّ الْمَلَلَ
مِنْ سِيِّئِ الْأَخْلَاقِ".
وهذا يدل على أن دوام الحياة الزوجية يحتاج
إلى صبر وتغافل عن الأمور الصغيرة.
العنصر الخامس: ثمرات الرحمة في الحياة
الزوجية
إن ثمار الرحمة بين الزوجين لا تعد ولا
تحصى، فهي تؤدي إلى:
· استقرار الأسرة، فإن الأسرة المتراحمة هي
الأساس المتين للمجتمع السليم.
· استقرار الأولاد وتربيتهم على المودة والأخلاق
الحميدة. وقال صلى الله عليه وسلم: «الدنيا متاعٌ، وخيرُ متاعِها المرأةُ الصالحة».
رواه مسلم.
· رحمة الله تعالى، فالراحمون يرحمهم الرحمن،
فكلما كان الزوج رحيماً بزوجته وأسرته، كانت رحمة الله تشمله في الدنيا والآخرة.
نسأل الله العظيم أن يرزقنا الرحمة في حياتنا
الزوجية، وأن يؤلف بين قلوبنا.
الخطبة الثانية
الحمد لله الذي هدانا للإسلام، وجعل بيننا
مودة ورحمة، ونشكره على نعمة الزواج التي بها نستقر ونطمئن. وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.
اللهم ارحمنا برحمتك يا أرحم الراحمين،
اللهم ألف بين قلوبنا، وأصلح ذات بيننا، واهدنا سبل السلام، وأخرجنا من الظلمات إلى
النور.
اللهم احفظ أزواجنا وأبناءنا، واجعل بيوتنا
عامرة بطاعتك، مملوءة بمحبتك ورضاك. اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك.
وصلِ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
دعاء الخطبة:
اللهم إنا نسألك أن تجعل بين أزواجنا مودة
ورحمة، وأن تبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، وأن تجعلنا من عبادك الصالحين. اللهم قوي
روابط الألفة والمحبة بيننا، واهدنا لأحسن الأخلاق والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
واصرف عنا سيئها لا يصرف عنا سيئها إلا أنت.
اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين
الأحياء منهم والميتين، إنك سميع قريب مجيب الدعوات.
سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على
المرسلين، والحمد لله رب العالمين.