recent
أخبار عاجلة

خطبةعيد الأضحى المبارك الشيخ علاء الشال

  خطبةعيد الأضحى المبارك  



  قصة الصحابة: هدي سيدنا أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في الأضحية، وقمة فقههما في الدين.

 . فضل العشر من ذي الحجة: مكانة هذه الأيام العظيمة عند الله والأعمال المستحبة فيها.

 . الأضحية (سنة إبراهيم): مشروعيتها، شروطها، فضلها، والحكمة منها.

  صلاة العيد والتكبير: حكمهما وكيفيتهما من هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته.

  صلة الأرحام والفرح المباح: خلق كريم من أخلاق الإسلام وظهور نعمة الله.

  نص الخطبة 

 

 أولاً: قصة من قصص الصحابة - هدي الصديق والفاروق

أما بعد، فيا أيها المسلمون، إخوة الإيمان والإسلام...

أبدأ معكم اليوم أيها الأحبة بقصة عجيبة من قصص الصحابة الكرام، قصة قد تثير في نفوسكم العجب، ولكنها تحمل في طياتها أعظم معاني الفقه في الدين.

أما تسمعون؟ إن سيدنا أبا بكر الصديق، وسيدنا عمر بن الفاروق، رضي الله عنهما وأرضاهما، كانا لا يضحيان. كيف؟! خليفتا رسول الله، وأعلم الناس بسنة نبيهم، يتركان هذه الشعيرة العظيمة؟!

روى الإمام البيهقي في "السنن الكبير" بسند صحيح عن أبي سريحة الغفاري رضي الله عنه قال: "أدركت أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان"، وصحح هذا الأثر إمامان جليلان هما الإمام النووي وابن كثير رحمهما الله.

فما السرّ يا ترى؟ لقد خشي هذان الإمامان الفذّان أن يظنّ الجهّال من الناس والأعراب أن الأضحية واجبة، فيحمل الناس ما لا يطيقون. 

قال الإمام الشافعي رحمه الله: "بلغنا أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان، كراهية أن يقتدى بهما، فيُظن من رآهما أنها واجبة".

هذه أيها المسلمون قمّة الفقه في الدين، أن تترك العمل الصالح الفاضل لأنك تخشى أن يظن السفهاء أنه واجب فيشق عليهم، حتى لا تتحول السنة إلى بدعة. وهذا والله هو تمام الورع والنصح للأمة. فقولوا معي الآن جميعاً: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

ثانياً: فضل عشر ذي الحجة

أيها المسلمون، عباد الله، أوصيكم ونفسي بتقوى الله سبحانه وتعالى، فهي زادنا ليوم المعاد، وهي وصية الله للأولين والآخرين {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ} [النساء: 131].

نحن نعيش في هذه الأيام أياماً عظيمة، أياماً مفضّلة على سائر أيام العام. إنها العشر الأولى من ذي الحجة، وقد صحّ عن نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أنه قال: "مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ العَشْرِ". قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "وَلا الجِهَادُ في سَبيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِن ذلكَ بشيءٍ". فأدركوا والله فضل هذه الأيام، وأكثروا فيها من التسبيح والتهليل والتكبير والتحميد.

وهذا اليوم الذي نحن فيه -ألا وهو يوم النحر- هو أفضلها على الإطلاق.

 فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إِنَّ أَعْظَمَ الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ". ويوم القر هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة.

ويأتي بعد هذا اليوم أيام فاضلات وهي أيام التشريق، اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر.

فقد جاء في صحيح مسلم من حديث نبيشة الهذلي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ". فهي ليست أيام غفلة، بل هي أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه.

 ثالثاً: فضل يوم عرفة 

 

والله أيها المسلمون، إن لهذه العشر منزلة عظيمة، وفيها يوم عرفة الذي هو من أجلّ الأيام عند الله.

روى الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "مَا مِن يَومٍ أَكثَرَ مِن أنْ يُعتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبدًا مِنَ النَّارِ، مِن يَومِ عَرَفَةَ، وإنَّهُ لَيَدنُو، ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ المَلائِكَةَ، فيَقولُ: مَا أرَادَ هَؤُلَاءِ؟".

وللذين لم يوفقهم الله للحج، فما أعظمه من أجر! عن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ، إِنِّي أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ"

. فهذا فضل عظيم لمن عجز عن الحج فصام هذا اليوم العظيم.

فبادروا أيها المؤمنون إلى الأعمال الصالحة، وأكثروا من الطاعات في هذه الأيام المباركة، قبل أن ينقضي الوقت وتفوت الفرصة.

 رابعاً: الأضحية - سنة أبينا إبراهيم 

 

أما بعدُ أيها المسلمون، فلا يخفى عليكم ما لهذا اليوم من فضل عظيم، فهو يوم يَشهد فيه المسلمون مناسكهم، وتُهراق فيه الدماء قربانا لله عز وجل، تقرباً إليه واتباعاً لسنة أبينا إبراهيم الخليل ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

إن الأضحية سنة مؤكدة عند جمهور العلماء وهي من أفضل القربات إلى الله تعالى. روى الإمام أحمد والترمذي بإسناد حسن عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: "أَقَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ يُضَحِّي".

وقد صحّ عن نبينا أنه قال في بيان وقتها: "إِنَّ أَوَّلَ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ، ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ، مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا، وَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ، لَيْسَ مِنَ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ".

وما أعظم الحكمة من تشريعها! إنها والله تربية للنفوس على طاعة الله والامتثال لأمره، وإعلان للتوحيد وذكر اسم الله عليها، وشكراً لنعم الله علينا، وإدخالاً للسرور على الفقراء والمساكين في هذا اليوم العظيم.

 خامساً: آداب العيد وأحكامه 

 

أيها المؤمنون بالله، من تمام شكر هذه النعمة أن نتمسك بهديه صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم، فنبدأ يومنا بالاغتسال والتطيب ولبس أحسن الثياب. عن ابن عمر رضي الله عنهما أن عمر بن الخطاب رأى حلة سيراء تباع، فقال: يا رسول الله، ابتع هذه الحلة، فتجمل بها للعيد وللوفود. كما يستحب للمسلم أن يذهب إلى صلاة العيد من طريق ويعود من طريق آخر، اقتداءً برسول الله صلى الله عليه وسلم.

ومن أعظم شعائر هذا اليوم إظهار التكبير، قال الله تعالى في محكم التنزيل: {وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [البقرة: 185]. وكان ابن عمر رضي الله عنهما إذا غدا إلى العيد كبر حتى يأتي المصلى، ويكبر حتى يخرج الإمام. وأخرج ابن أبي شيبة عن الزهري رحمه الله قال: "كان الناس يكبّرون في العيد حين يخرجون من منازلهم حتى يأتوا المصلى وحتى يخرج الإمام".

فأظهروا التكبير والفرح أيها المسلمون، فإنه من شعائر الدين التي أمرنا الله بها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} [المائدة: 2].

 خامساً: صلاة العيد 

 

أيها الإخوة المؤمنون، صلاة العيد شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، وقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يخرج إليها مشياً ويصليها ركعتين، يكبر في الأولى سبع تكبيرات بعد تكبيرة الإحرام، وفي الثانية خمس تكبيرات. فعن نافع قال: شهدت الأضحى والفطر مع أبي هريرة، فكبر في الركعة الأولى سبع تكبيرات قبل القراءة، وفي الآخرة خمس تكبيرات قبل القراءة.

 سادساً: صلة الأرحام والفرح المباح 

 

أيها المسلمون، إن من أعظم مقاصد هذا العيد أن نُدخل السرور على أنفسنا وأهلينا وأولادنا، في حدود ما أحل الله، ونتزاور ونتصافح ونتهادى، ونصل أرحامنا. صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيما يرويه عن ربه: "أنا الرحمن، وأنا خلقت الرحم وشققت لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتته". ففي أيام العيد تتأكد صلة الرحم، ويتزاور الأقارب والأحباب، ويتبادلون التهاني والدعوات الطيبة.

عن طائفة من الصحابة أنهم كانوا يهنئون بعضهم بعضاً في يوم العيد، يقول أحدهم لصاحبه: تقبل الله منا ومنك، كما ذكر ذلك الإمام ابن تيمية رحمه الله. وقد كان السلف الصالح رضوان الله عليهم يحرصون على إدخال السرور على أهليهم وأولادهم، وإظهار البهجة والفرح بالعيد. عن طاووس رحمه الله أنه كان لا يدع جارية له إلا أمرها فخضبت يديها ورجليها ليوم الفطر والأضحى يقول: يوم عيد.

فأحيوا أيها المسلمون هذه السنة النبوية، وأظهروا الفرح والسرور في حدود الشرع، وواصلوا أرحامكم، وتزاوروا، وتهادوا تحابوا.

 سابعاً: فضل التكبير وأيام التشريق 

 

أيها المؤمنون بالله، ألا وإن لهذا العيد تكبيرات مطلقة من فجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق، وتكبيرات مقيدة عقب الصلوات المفروضة. فقولوا: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. وهذه الأيام هي أيام أكل وشرب وذكر لله، فليست أيام صيام بل هي أيام طعام وشراب وعبادة وذكر.

وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكبّرون في أيام العشر، ويرفعون أصواتهم بالتكبير في الأسواق والطرقات. قال ابن عمر رضي الله عنهما: كان يخرج إلى العيدين من المسجد فيكبر حتى يأتي المصلى، ويكبر حتى يأتي الإمام.

 

العظة والعبرة: استحضار قصة إبراهيم عليه السلام

أيها الأحبة في الله، يجب أن لا ننسى المعنى الحقيقي لهذا العيد، فهو يحيي في قلوبنا قصة الأب الحنيف إبراهيم عليه السلام وابنه البار إسماعيل عليهما السلام، حين قال إبراهيم لابنه: {يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ} [الصافات: 102].

فلما أسلما وتله للجبين، وناداه ربه: {أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 104-107].

في هذه القصة العظيمة دروس بليغة لنا أيها المسلمون: فيها التسليم الكامل لله والامتثال لأمره. فيها الصبر على البلاء والمحن. فيها التضحية بأغلى ما نملك في سبيل الله. وقد جعل الله هذه القصة خالدة يتذكرها المسلمون في كل عام، ليعلموا أن طاعة الله مقدمة على كل شيء، وأن التضحية والفداء هما أساس هذه الأمة.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيماً لشأنه، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وإخوانه، وسلّم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فاتقوا الله أيها المسلمون فيما بقي من أعماركم، واعلموا أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشرّ الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة.

أيها الإخوة المؤمنون، ألا وإن في أيامنا هذه فرصة عظيمة للتقرب إلى الله، وباباً من أبواب الخير مفتوحاً، فلنستغله قبل أن نندم.

واعلموا أن الله أمركم بأمر بدأ فيه بنفسه، فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً} [الأحزاب: 56].

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد.

 

الدعاء الختامي

اللهم لك الحمدُ كلُّه، وإليك المشتكى وأنت المستعان، وبك المستغاث ولا حول ولا قوة إلا بك. اللهم أعد علينا هذه الأيام المباركة أعواماً عديدة وأزمنة مديدة، ونحن في صحة وعافية وأمن وإيمان، واجعلنا ممن صام يوم عرفة فغفرت له ذنوب سنتين، وممن ضحى فكانت أضحيته ذخراً له عندك يوم القيامة.

اللهم تقبّل من حجاج بيتك الحرام حجهم، واشكر سعيهم، واغفر ذنبهم، واجعلهم عتقاء من النار، واجعل حجهم حجاً مبروراً وسعياً مشكوراً وذنباً مغفوراً.

اللهم تقبل أضاحينا وقرابيننا، وأبدلنا بها خيراً منها في الدنيا والآخرة، واجعلها سبباً لدخولنا جناتك، ونجاتنا من عذابك.

اللهم أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك والمشركين، ودمر أعداء الدين، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً، وسائر بلاد المسلمين يا رب العالمين.

اللهم فرج هم المهمومين، ونفس كرب المكروبين، واقض الديون عن المدينين، واشف مرضانا ومرضى المسلمين، وارحم موتانا وموتى المسلمين، وأصلح أحوالنا وأحوال المسلمين.

اللهم اجعلنا ممن يسمعون القول فيتبعون أحسنه، وأدخلنا برحمتك في عبادك الصالحين.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent