recent
أخبار عاجلة

حكم المصافحة بعد الصلاة ، وقول تقبل الله. ️ محمد سعيد أبو النصر

 حكم المصافحة بعد الصلاة ، وقول تقبل الله.

  

 

 ️الحمد لله ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وصحابته الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد .

- إن من رحمة الله تعالى بعباده أن شرع لهم من الطاعات والقربات ما تتآلف به القلوب، وتُغفر به الذنوب، وتُصفّى به النفوس، وجعل الاجتماع على الخير من أعظم مقاصد هذا الدين الحنيف. وإن مما شاع بين المسلمين في أمصارهم وأعصارهم، وتوارثوه جيلاً بعد جيل، المصافحةُ بين المصلين عقب التسليم من الصلوات المكتوبة، حتى صارت سمة من سمات المساجد العامرة بالإيمان. وقد اختلفت أنظار العلماء فيها بين مُجِيزٍ لها وجعلها من السنن الحسنة الداخلة تحت عمومات الشرع، ومانعٍ عَدَّها من المحدثات التي لم ترد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن صحابته الكرام. وسنقف في هذا البحث على حقيقة هذه المسألة الفقهية، ونكشف عن أدلة الفريقين، وقد اقتضى حسن النظر أن نُقَسِّمَ القول في هذا الموضوع إلى مذهبين رئيسين:

  المذهب الأول: مذهب الجواز والاستحباب.

  المذهب الثاني: مذهب المنع والبدعية.

ثم نُتبعهما بترجيحٍ يكون فيصلاً في هذه القضية.

وقبل الخوض في غمار البحث، نقف مع أصلٍ عظيم من أصول الدين، وهو الحث على الألفة والسلام وإفشاء التحية بين المؤمنين، مصداقًا لقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَدۡخُلُوا۟ بُيُوتًا غَيۡرَ بُيُوتِكُمۡ حَتَّىٰ تَسۡتَأۡنِسُوا۟ وَتُسَلِّمُوا۟ عَلَىٰٓ أَهۡلِهَاۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ٢٧﴾ [النور: 27]. فهذا أصلٌ في مشروعية السلام عند القدوم واللقاء، فإذا انضم إليه الأخذ باليد صار ذلك من تمام التحية. وقال تعالى أيضًا: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٖ فَحَيُّوا۟ بِأَحۡسَنَ مِنۡهَآ أَوۡ رُدُّوهَآۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَسِيبًا ٨٦﴾ [النساء: 86]، فأمر برد التحية بأحسن منها، ولا ريب أن المصافحة مع السلام هي من أحسن صور التحية وأكملها، لما فيها من تواضع الجوارح مع اللسان، وامتزاج القلوب بالأبدان.

وسنبدأ بتفصيل المذهبين، مبتدئين بالمذهب القائل بالجواز، إذ هو الذي استفاضت به نصوص الفقهاء، وجرى عليه عمل المسلمين في أصقاع الأرض، معتمدين في ذلك على ما سطره العلماء المحققون، وما استقر عليه الفتوى بدار الإفتاء المصرية، ولا سيما فتوى فضيلة الدكتور شوقي علام، وغيرهم من أهل التحقيق والفضل."

  المذهب الأول: مذهب جواز المصافحة بين المصلين بعد الصلاة واستحبابها

إن القول بجواز المصافحة واستحبابها عقب الصلوات هو ما تطمئن إليه النفوس، وتتسع له الأدلة، وينتظم في سلك القواعد الفقهية والأصولية الراسخة. فهي شعيرة من شعائر التودد، وسنة حسنة سنها لنا الهدي النبوي بعمومه، وليست أمرًا حادثًا مبتورًا عن أصول الشرع. وهذا المذهب لا ينظر إليها بوصفها عبادةً مستقلةً موقوتةً بوقت، بل بوصفها فردًا من أفراد المصافحة المطلقة التي رغّب فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند كل لقاء.

قال الله تعالى مادحًا المؤمنين ومبينًا صفتهم: ﴿مُّحَمَّدٞ رَّسُولُ ٱللَّهِۚ وَٱلَّذِينَ مَعَهُۥٓ أَشِدَّآءُ عَلَى ٱلۡكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيۡنَهُمۡۖ تَرَىٰهُمۡ رُكَّعٗا سُجَّدٗا يَبۡتَغُونَ فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَرِضۡوَٰنٗاۖ سِيمَاهُمۡ فِي وُجُوهِهِم مِّنۡ أَثَرِ ٱلسُّجُودِۚ﴾ [الفتح: 29]، فالتراحم بين المؤمنين هو الأصل، والمصافحة صورة مشرقة من صور هذا التراحم، لا سيما إذا تعقبت عبادة عظيمة كالصلاة، حيث تلتقي القلوب على طاعة الله، ثم تتلاقى الأيدي بعد ذلك تأكيدًا على الأخوة الإيمانية. وقد استدل القائلون بالجواز بعدة أدلة عامة وخاصة، نُفصّلها في العناصر التالية:

  الدليل الأول: عموم الأدلة على مشروعية المصافحة عند كل لقاء

الأصل في الشريعة الإسلامية أن المصافحة من السنن المرغب فيها، والتي تُكَفِّر الخطايا وتُذْهِب الأحقاد، ولم تُقَيَّد بوقت دون وقت، ولا بحال دون حال. وما دامت الصلاة تنتهي بسلام، فإن سلام المصلي على من بجانبه ولقاءه إياه بعد الانقطاع عنه أثناء المناجاة يعتبر "لقاءً" تشرع فيه المصافحة، فهي تندرج تحت عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُوا۟ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠﴾ [الحجرات: 10]، وأي صلة وإصلاح أعجل من مصافحة تمحو ذنوبًا وتجلب رحماتٍ؟!

وقد تواردت النصوص من السنة النبوية الشريفة على عموم مشروعية المصافحة بين الناس عند كل لقاء، وأنها من السنن الحسنة التي يغفر الله تعالى بها الذنوب، فعن البراءِ بن عازبٍ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ فَيَتَصَافَحَانِ، إِلَّا غُفِرَ لَهُمَا قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا» <أخرجه أحمد في "المسند"، وأبو داود والترمذي وابن ماجه في "السنن"، وابن أبي شيبة في "المصنف">.

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَقِيَ الْمُؤْمِنَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ فَصَافَحَهُ، تَنَاثَرَتْ خَطَايَاهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ وَرَقُ الشَّجَرِ» <أخرجه الطبراني في "المعجم الأوسط"، وابن شاهين في "الترغيب">.

ففي هذه الأحاديث دلالة واضحة على أن المصافحة مرتبطة بمطلق اللقاء؛ فكلما تحقق اللقاء شُرعت، سواء أكان ذلك في طريق، أو في سوق، أو عقب عبادة. ولم يرد دليل صحيح يُخرج لقاء المصلين عقب الصلاة من هذا العموم، بل هو داخل فيه دُخولاً أوليًّا؛ لما في ختام الصلاة من معنى اللقيا بعد الغيبة المعنوية بالانقطاع للمناجاة.

  الدليل الثاني: المصافحة من تمام التحية والسلام

لم تقتصر التحية في الإسلام على مجرد القول باللسان، بل أكملها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالأخذ باليد، وهذا يقتضي أن من سلم على أخيه وسلم عليه أخوه، فإن الفضل والكمال في أن يقرن القول بالفعل، فيأخذ بيده مصافحًا. وقد أرشدنا الله تعالى إلى الأخذ بالأسباب الظاهرة والباطنة في إشاعة المحبة، فقال: ﴿وَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡۚ لَوۡ أَنفَقۡتَ مَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مَّآ أَلَّفۡتَ بَيۡنَ قُلُوبِهِمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ أَلَّفَ بَيۡنَهُمۡۚ إِنَّهُۥ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٦٣﴾ [الأنفال: 63]، فالمصافحة سبب من أسباب هذا التأليف، إذ فيها لين الجانب وإذهاب الكِبْر وتقارب المشاعر.

فعَنِ ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مِنْ تَمَامِ التَّحِيَّةِ الأَخْذُ بِاليَدِ» <أخرجه الترمذي في "سننه"، والبيهقي في "شعب الإيمان">.

وعن أبي أمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «وَتَمَامُ تَحِيَّتِكُمْ بَيْنَكُمُ الْمُصَافَحَة» <أخرجه الترمذي في "السنن"، والشجري في "الأمالي">.

فإذا كان المصلي بعد سلامه قد شرع في تحية إخوانه، فإن تمام هذه التحية وكمالها هو المصافحة، إذ التحية لا تقتصر على رفع الصوت بالسلام، بل تمتد إلى الأخذ باليد، وهذا هو الهدي النبوي في أكمل صوره.

والمسلم وهو في صلاته في حال غياب وانقطاع عمن حوله، فإذا سلم منها كان حاله مع من يجاوره حال لقاء؛ فيسن له أن يبدأه بالسلام.

  الدليل الثالث: فعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم وإقراره لمصافحة الصحابة بعد الصلاة

مما يؤكد أن المصافحة بعد الصلاة ليست بدعة مذمومة، أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يبادرون إلى الأخذ بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسح وجوههم بها بعد الصلاة؛ طلبًا للبركة. وهذا الفعل وإن قُصد به التبرك بذاته الشريفة، إلا أنه يدل من جهة على أن هيئة الالتقاء بالأيدي عقب الصلاة مباشرة كانت معروفة في زمنه عليه الصلاة والسلام، وقد أقرَّهم عليها، ولو كانت منكرة لَنَهَى عنها، فهو القائل سبحانه: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣ إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤﴾ [النجم: 3-4].

فعن أَبي جُحَيْفَةَ رضي الله عنه قال: "خَرَجَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالْهَاجِرَةِ إِلَى الْبَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ"، قال أبو جحيفة: "فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ وَأَطْيَبُ رَائِحَةً مِنَ الْمِسْكِ"  أخرجه البخاري في "صحيحه">.

وعن جابر بن يزيد بن الأسود، عن أبيه رضي الله عنه أنَّه صلى مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم صلاةَ الصبح، قال: فقام الناس يأخذون بيده يمسحون بها وجوههم، قال: فأخذتُ بيده فمسحتُ بها وجهي، فإذا هي أبردُ من الثلج، وأطيبُ ريحًا من المسك" <أخرجه أحمد، والدارمي في "مسنديهما"، وابن أبي عاصم في "الآحاد والمثاني"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والطبراني في "المعجم الأوسط"، وأصله عند أبي داود والترمذي في "السنن"، قال الترمذي: حسن صحيح، وصححه ابن حبان أيضًا>.

قال الإمام المحب الطبري في "غاية الإحكام في أحاديث الأحكام" (2/ 224، ط. دار الكتب العلمية): [وهذه الأحاديثُ كلُّها دالٌّ على شرعية التبرك بمسّ كفِّ من تُرجَى بركتُه؛ مصافحةً، أو مسحًا على عضو، أو غمسًا في ماء، كما تضمنته الأحاديث، فيُسْتَأْنَسُ به فيما تطابق الناس عليه من المصافحة بعد الصلوات في الجماعات، لا سيَّما في الصبح والعصر، ولا نكير في ذلك إذا اقترن به قصدٌ صالحٌ؛ من تبركٍ أو تودُّدٍ أو نحو ذلك] اهـ.

فالناظر بعين الإنصاف يجد أن الصحابة استغلوا فرصة إقبال النبي صلى الله عليه وآله وسلم من صلاته لملامسة يده الشريفة، وهذا يدل على أن هيئة الإقبال على المصلين عقب الصلاة ومصافحتهم كانت موجودة ولم يُنكرها، بل صارت ديدنًا للمسلمين بعد ذلك مع بعضهم.

  الدليل الرابع: جريان عمل المسلمين ونصوص الفقهاء على سنيتها

من القواعد الفقهية المجمع عليها أن ما جرى به عمل المسلمين جيلًا بعد جيل في سائر الأمصار، ولم يكن مخالفًا لنص قطعي، فإنه يكون دليلاً على مشروعيته. ولا يكاد يُعرف بلد إسلامي إلا والمسلمون فيه يتصافحون عقب الصلاة، وقد نص على سنية ذلك فحول العلماء في المذاهب المعتبرة، ولم يقصروها على وقت دون وقت، إذ لم يَرِد في الشرع ما يمنعها في هذا الوقت بالذات.

قال الله تعالى مادحًا أمة الإسلام: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلۡنَٰكُمۡ أُمَّةٗ وَسَطٗا لِّتَكُونُوا۟ شُهَدَآءَ عَلَى ٱلنَّاسِ وَيَكُونَ ٱلرَّسُولُ عَلَيۡكُمۡ شَهِيدٗاۗ﴾ [البقرة: 143]. فالأمة الوسط هي الأمة العدل التي لا تجتمع على ضلالة، وقد أجمعت عملياً على استحباب هذه المصافحة.

فأما كونها مما جرى عليه عمل المسلمين: فقال العلامة ابن الحاج في "المدخل" (2/ 288، ط. دار التراث): [قال الشيخ الإمام أبو عبد الله بن النعمان: رحمه الله إنه أدرك بمدينة فاس والعلماء العاملون بعلمهم بها متوافرون أنهم كانوا إذا فرغوا من صلاة العيد صافح بعضهم بعضًا] اهـ.

وقال العلامة الكوراني [ت: 893هـ] في "رفع الرَّيْب والالتباس" (ص: 49، ط. دار الصالح) [فإنَّ فعل ذلك ذائعٌ شائعٌ يفعله جَمٌّ غفيرٌ ممن يُقتَدَى بهم وغيرهم، لا سيما في الحرمين الشريفين زادهما الله شرفًا وتعظيمًا، وقُطْرِ اليمن] اهـ.

وهي مستنبطةٌ أيضًا من سؤال الناس للمفتين عن حكمها، وأنها مـمَّا قد شاع وذاع وداوم عليه مَن يُقتَدى بهم من أهل الفضل والصلاح؛ كما في "إجابة السائلين بفتوى المتأخرين" للعلامة الحانوتي [ت: 1010هـ] (ق: 6أ، مخطوط جامعة الملك سعود)؛ حيث ورد السؤال بما نصه: [ما قولكم فيمن يصافح بعد أداء الصلوات الخمس.. يفعلونها معتَقَدُو الناس -أي: ممن يُقتدَى بهم-؛ من القضاة، والمدرسين، والخطباء، والأئمة، والمشايخ، ويُصِرُّون على فعلها؟] اهـ.

وأما نصوص الفقهاء على سنيتها: فقال العلامة الطحطاوي الحنفي في حاشيته على "مراقي الفلاح" (ص: 530، ط. دار الكتب العلمية): [وكذا تُطلب المصافحة؛ فهي سنة عقب الصلاة كلها، وعند كل لُقِيٍّ] اهـ.

وقال العلامة الحانوتي في "إجابة السائلين بفتوى المتأخرين" (ق: 6أ)، ونقله عنه العلامة الشرنبلالي الحنفي [ت: 1069هـ] في "سعادة أهل الإسلام بالمصافحة عقب الصلاة والسلام" (ص: 54، ط. دار الصالح): [نصت العلماء رضي الله عنهم على أن المصافحة.. مسنونة، من غير أن يقيِّدوها بوقت دون وقت؛ لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَافَحَ أَخَاهُ وَحَرَّكَ يَدَهُ؛ تَنَاثَرَتْ ذُنُوبُهُمَا كَمَا يَتَنَاثَرُ الْوَرَقُ الْيَابِسُ مِنَ الشَّجَرَةِ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمَا مِائَةُ رَحْمَةٍ؛ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِأَسْبَقِهِمَا، وَوَاحِدَةٌ لِصَاحِبِهِ»، وقال أيضًا صلى الله عليه وآله وسلم: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ يَلْتَقِيَانِ.. الحديث»، فالحديث الأول يقتضي مشروعية المصافحة مطلَقًا؛ أعمّ من أن تكون عقب الصلوات الخمس والجمعة والعيدين أو غير ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يَخُصَّها بوقت دون وقت، فإذا فُعِلَت في أيِّ وقت كان؛ كانت من مقتضيات هذه الأدلة، وداخلة تحت عموماتها، ولا يُشتَرَط فعلُ النبي صلى الله عليه وآله وسلم المصافحة ولا أمرُه عليه الصلاة والسلام بالمصافحة؛ لأنَّ من المقتضيات ما أفاده الدليل، وإلا لَمَا كان يمكن العمل بعمومات الأدلة، مع أنَّ الدليل العام عند الحنفية حيث لم يقع فيه تخصيص هو من الأدلة الموجِبة لحكمه قطعًا كالدليل الخاص؛ حتى قالوا: إن الدليل العام يعارض الخاص لقُوَّتِه، والدليل هنا عامٌّ؛ لأن قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «مَنْ صَافَحَ أَخَاهُ..» إلى آخر الحديث عامٌّ؛ لأن صيغة (مَن) مِن صيغ العموم، وكذا صيغة (ما)، ويكفي هذا دليلًا على سُنِّيّة المصافحة] اهـ.

وقال الإمام النووي الشافعي في "المجموع شرح المهذب" (3/ 488، ط. دار الفكر): [والمختار أنْ يقال: إن صافحَ مَنْ كان معه قبل الصلاة: فمباحةٌ كما ذكرنا، وإن صافح من لم يكن معه قبل الصلاة عند اللقاء: فسنة بالإجماع؛ للأحاديث الصحيحة في ذلك] اهـ، ونقله الحافظ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري في "النفح الشذي شرح جامع الترمذي" (4/ 564، ط. دار الصميعي) مُقِرًّا له.

قال العلامة الفقيه داماد أفندي في "مجمع الأنهر" (1/ 256، ط. دار الكتب العلمية): [وكذا المصافحة؛ بل هي سنة عقيب الصلاة كلها، وعند الملاقاة كما قال بعض الفضلاء] اهـ.

بل إن من التأكيد على سنيتها واستحبابها في كل وقت وعقب كل صلاة: أنَّ بعض الفقهاء قد استوحش مما اعتاد عليه الناس في زمانه من الاقتصار عليها عقب صلاتي الصبح والعصر دون غيرهما من الصلوات، وعَدَّه من التفريط في القيام بهذه السنة وإن كان لا بأس به؛ لكونها سنة على كل حال. قال الإمام النووي في "الأذكار" (ص: 266، ط. دار الفكر): [واعلم أنَّ هذه المصافحة مستحبة عند كل لقاء، وأما ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاتي الصبح والعصر فلا أصل له في الشرع على هذا الوجه، ولكن لا بأس به؛ فإن أصل المصافحة سُنَّة، وكونُهم حافظوا عليها في بعض الأحوال وفرَّطوا فيها في كثير من الأحوال أو أكثرها لا يُخْرِجُ ذلك البعضَ عن كونه من المصافحة التي ورد الشرع بأصلها] اهـ.

وقال العلامة أحمد المنقور في "الفواكه العديدة في المسائل المفيدة" (1/ 127، ط. شركة الطباعة العربية): [قال محي الدين: مصافحة مَنْ كان معه قبل الصلاة، فمباحة كما ذكر، وإلا فمستحبة؛ لأن المصافحة عند اللقاء سنة بالإجماع، وكونها خَصَّها ببعض الأحوال وفرَّط في أكثرها؛ لا يخرج ذلك البعض عن كونه مشروعًا فيه] اهـ.

  الدليل الخامس: القول بالمصافحة لا يعارض أذكار ختام الصلاة

إن من أقوى ما يستند إليه المانعون أن المصافحة تشغل المصلي عن أذكار ختام الصلاة.

ويرى المجيزون أن كلا الأمرين مندوب إليه ولا تعارض بينهما البتة، وإن استلزم ذلك ترتيبًا فالبدء بالمصافحة أولى؛ لأن المصافحة مقيدة بأول اللقاء، أما الأذكار فوقتها موسع.

قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيۡتُمُ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱذۡكُرُوا۟ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمۡۚ﴾ [النساء: 103]، فالآية الكريمة تأمر بذكر الله عقب الصلاة ولكن دون تقييد بخشية أن يشغل المسلم نفسه بغير الذكر كالتسليم على إخوانه، فالأمر واسع.

قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري" (2/ 328، ط. دار المعرفة): [الذكر المذكور يقال عند الفراغ من الصلاة، فلو تأخر ذلك عن الفراغ؛ فإن كان يسيرًا بحيث لا يُعَدُّ مُعرِضًا، أو كان ناسيًا أو متشاغلًا بما وَرَدَ أيضًا بعد الصلاة كآية الكرسي؛ فلا يضر] اهـ.

قال شيخ الإسلام ابن حجر الهيتمي في "تحفة المحتاج في شرح المنهاج" (2/ 105، ط. المكتبة التجارية بمصر): [وانصرافه لا ينافي ندب الذكر له عقبها؛ لأنه يأتي به في محلّه الذي ينصرف إليه، على أنه يؤخذ من قوله: (بعدها) أنه لا يفوت بفعل الراتبة] اهـ.

قال العلامة ابن القاسم العبادي في "حاشيته عليه" (2/ 105): [وقد يقال: وقوعُهُ بعد توابعها وإن طالت لا يخرجه عن كونه بعدها، فليتأمل] اهـ.

وقال العلامة القليوبي في "حاشيته على منهاج الطالبين" (1/ 198، ط. دار الفكر): [(والذكر بعدها) أي: عقبها؛ فيفوت بطول الفصل عرفًا] اهـ.

وقال العلامة البهوتي في "كشاف القناع" (1/ 365، ط. دار الكتب العلمية): [يُسَنُّ ذكر الله والدعاء والاستغفار عقب الصلاة المكتوبة كما ورد في الأخبار على ما ستقف عليه مُفَصَّلًا. قال ابن نصر الله في الشرح: والظاهر أن مرادهما أن يقول ذلك وهو قاعد، ولو قاله بعد قيامه وفي ذهابه فالظاهر أنه مُصِيبٌ للسنة أيضًا؛ إذ لا تحجير في ذلك، ولو شُغِل عن ذلك ثم تذكَّره فذكَرَهُ فالظاهر حصول أجره الخاص له أيضًا إذا كان قريبًا لعذر] اهـ.

وقد كان من فعله صلى الله عليه وآله وسلم أن يُقْبِل على أصحابه رضوان الله عليهم بعد صلاته مباشرة، وقبل ما كان يقوله من الدعاء صلى الله عليه وآله وسلم. فعن عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما قال: "صلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأصحابه صلاة الصبح، ثم أقبل على أصحابه بوجهه" <أخرجه ابن أبي عاصم في "السنة"، وابن أبي حاتم في "العلل"، وأبو موسى الأصبهاني في "اللطائف من دقائق المعاني">. قال العلامة المناوي في "فيض القدير" (1/ 395، ط. المكتبة التجارية): [فقد ورد أنه كان إذا صلى أقبل على أصحابه، فيُحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقوله بعد أن يقبل بوجهه على أصحابه؛ فلا تدافع] اهـ.

  الدليل السادس: المصافحة سبب لقبول الدعاء واستجابته

إن المصافحة ليست مجرد عادة اجتماعية، بل هي عبادة قلبية وبدنية جعلها الله سببًا لتناثر الخطايا وقبول الدعاء، وأي وقت يكون فيه الدعاء أرجى من وقت الفراغ من الصلاة؟ قال تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ﴾ [غافر: 60]. والمؤمن يتحرى أسباب الإجابة، ومن أنفَسِها هذه المصافحة المباركة.

وقد جاء في الحديث فضل الدعاء وأن المصافحةَ سببٌ للاستجابة والقبول: فعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ مُسْلِمَيْنِ الْتَقَيَا فَأَخَذَ أَحَدُهُمَا بَيَدِ صَاحِبِهِ، إِلَّا كَانَ حَقًّا عَلَى اللهِ أَنْ يَحْضُرَ دُعَاءَهُمَا وَلَا يَرُدَّ أَيْدِيَهُمَا حَتَّى يَغْفِرَ لَهُمَا» <أخرجه أحمد والبزار وأبو يعلى في "مسانيدهم"، والضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة">.

ونص الفقهاء على استحباب اقتران المصافحة بالدعاء: قال الإمام النووي في الأذكار" (ص: 266): [ويُستحبّ مع المصافحةِ: البشاشةُ بالوجه، والدعاءُ بالمغفرة وغيرها] اهـ. وقال العلامة الخطيب الشربيني في "مغني المحتاج" (6/ 18، ط. دار الكتب العلمية): [وتُنْدَبُ المصافحةُ مع بشاشةِ الوجهِ والدعاءِ بالمغفرةِ وغيرِها للتلاقي] اهـ. وهذا هو الحاصل في عرف الناس وعاداتهم؛ حيث يَجْمَعُونَ بين المصافحة والدعاء عقب الصلاة –بقول: "حرمًا" و"جمعًا"، أو "تقبل الله" و"مِنَّا ومنكم"-، وهما أصلان جاءَ الشرع بهما وحثَّ عليهما؛ لإشاعة الألفة والمودة بين المسلمين.

  المذهب الثاني: مذهب منع المصافحة عقيب الصلاة وعدها من البدع

يقابل هذا المذهبَ فريقٌ من العلماء ينظرون إلى المسألة من زاوية أن العبادات توقيفية، وأن ما لم يثبت تخصيصه بوقت معين من قبل الشارع لا يجوز إلحاقه به، ويرون أن المصافحة عقب الصلاة لم تثبت بخصوصها عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أصحابه، بل هي مما أحدثه الناس فأصبح بدعة. وقد نادى بهذا الرأي بعض أهل العلم قديمًا وحديثًا، معتمدين على أصول في اتباع الأثر وترك المحدثات.

قال الله تعالى آمرًا نبيه: ﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣١﴾ [آل عمران: 31]، فالآية الكريمة صريحة في وجوب الاتباع، فما لم يفعله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا أرشد إليه، فليس لنا أن نفعله على وجه التدين والعبادة.

 الدليل الأول: اعتبار العبادات توقيفية وعدم ورود نص خاص

الأصل في العبادات التوقيف، بمعنى أنه لا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله، ولا يجوز الاستحسان فيها بالعقل أو العادة. والمصافحة عقب الصلاة، بوصفها قربة وعبادة مؤقتة بهذا الوقت، لم يرد فيها نص، وما لم يرد فيه نص فإحداثه بدعة.

قال تعالى: ﴿ٱلۡيَوۡمَ أَكۡمَلۡتُ لَكُمۡ دِينَكُمۡ وَأَتۡمَمۡتُ عَلَيۡكُمۡ نِعۡمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ ٱلۡإِسۡلَٰمَ دِينٗاۚ﴾ [المائدة: 3]، فمن زعم أن المصافحة بعد الصلاة من الدين بخصوصها، فعليه أن يأتي بدليل من الوحي، وإلا كان متزيدًا في الدين ما لم يأذن به الله. وقد قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله:

"لا أصل للمصافحة، ولا لقول، 'تقبل الله' بعد الفراغ من الصلاة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن أصحابه رضي الله عنهم" انتهى. "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (13 / 171).

- وسئل أيضا: "هناك من الناس من يزيد في الأذكار بعد الصلاة كقول بعضهم: 'تقبل الله'...؟" فأجاب: "هذا ليس من الذكر، بل هذا من الدعاء إذا فرغ وقال: 'تقبل الله منك' ومع ذلك لا نرى أن يفعلها الإنسان... لأن مثل هذه الأمور إذا فعلت لربما تتخذ سنة فتكون مشروعة بغير علم" . "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (13 / 211).

وكما ورد في فتاوى "الإسلام سؤال وجواب": "الأصل في الحكم على أمر ما من أمور العبادات أنه سنة أو بدعة، هو وروده عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عدم وروده؛ فما كان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فهو سنة، وما لم يكن دينا للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فليس لنا اليوم دينا". روى أبو داود (4607) وغيره، عن العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: قال رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( ... مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ؛ تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ ) . صححه الألباني. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "أهل السنة والجماعة يقولون في كل فعل وقول لم يثبت عن الصحابة: هو بدعة؛ لأنه لو كان خيرا لسبقونا إليه، لأنهم لم يتركوا خصلة من خصال الخير إلا وقد بادروا إليها"  "تفسير ابن كثير" (7 / 278-279).

  الدليل الثاني: تقييد المباح بالوقت يجعله بدعة إضافية

يرى علماء هذا المذهب أن أصل المصافحة سنة عند اللقاء، ولكن تقييدها بوقت معين (وهو ما بعد الصلوات) واعتيادها بهذا القيد يجعلها بدعة إضافية، إذ تصير عند عامة الناس كأنها من تمام الصلاة، مع أن السلف لم يفعلوها بهذه الصورة.

جاء في فتوى إسلام ويب: "فمصافحة المسلم لأخيه المسلم مشروعة ويؤجر عليها... إلا أن تقييد المصافحة بعقب الصلوات أو بعضها كما يفعله بعض الناس غير مشروع، بل هو بدعة كما نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال: المصافحة عقيب الصلاة ليست مسنونة بل هي بدعة. انتهى. وانظر الفتوى رقم: 8063. ومثلها في الحكم الدعاء الذي يقوله بعض الناس بعد الانتهاء من الصلاة وهو تقبل الله أو حرماً، ونحو ذلك مما لم يأتِ به الشرع".

  الدليل الثالث: خشية الاشتغال عن الأذكار المأثورة

من الأدلة التي يسوقها المانعون أن في المصافحة بعد الصلاة شغلًا عن الأذكار المأثورة التي كان يواظب عليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقد قال سبحانه: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب ٨﴾ [الشرح: 7-8]، قالوا: فأمره الله إذا فرغ من العبادة أن ينصب في الذكر والدعاء، لا أن ينشغل بمصافحة الناس. فالاقتصار على السنة أولى من الاشتغال بما لم يرد، لأنه يفضي إلى تفويت الأذكار الواردة أو تأخيرها.

  الترجيح والاختيار: مذهب الجواز هو المذهب الصحيح

بعد عرض أدلة الفريقين، والنظر في مقاصد الشريعة وقواعدها، يترجح لدينا -والله أعلم- مذهب القول بجواز المصافحة واستحبابها، لا سيما وأنه قول جمهور الأمة وعملهم الذي توارثوه، وهو ما تطمئن إليه النفس لوجوه نذكرها:

1. قوة الأدلة العامة وعدم وجود مخصص صحيح:

إن النصوص الشرعية الواردة في فضل المصافحة عند اللقاء نصوص مطلقة، ولا يجوز تقييد المطلق إلا بدليل. ودعوى أن المصلين ليسوا في حال لقاء لأنهم كانوا مجتمعين، دعوى مردودة؛ لأن المصلي في صلاته منقطع عن الناس مشغول عنهم، فإذا سلم عاد إلى حيز اللقاء، فأشبه الداخل إلى المسجد أو القادم من سفر. قال تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ﴾ [الحجرات: 13]، فالتعارف والتآلف مطلوب، وأعقاب الصلاة من أحسن الأوقات له.

2. انضباط علة الاستحباب:

علة استحباب المصافحة هي مطلق اللقاء، وقد وجد هذا المعنى عقب الصلاة، فيثبت الحكم تبعًا لوجود علته. وهذا ما قرره الحنفية وغيرهم بأن دلالة العام قطعية ما لم يطرأ عليها تخصيص. والمصافحة سبب لمغفرة الذنوب وتناثرها، فأي عبادة أحق بأن تتبع بمحو الخطايا من الصلاة التي هي مكفرة للذنوب؟

3. عمل الأمة واتفاق فقهائها:

لا تكاد تجد مصرًا من الأمصار ولا عصرًا من العصور يخلو من هذه الممارسة الطيبة، وقد أقرها علماء المذاهب الأربعة كما نقلناه. وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تَجْتَمِعُ أُمَّتِي عَلَى ضَلالَةٍ» يدل على أن ما اجتمع عليه المسلمون واتفقوا على استحسانه، فهو خير وبركة، ما لم يصادم نصًا. وقد قال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ جَآءُو مِنۢ بَعۡدِهِمۡ يَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لَنَا وَلِإِخۡوَٰنِنَا ٱلَّذِينَ سَبَقُونَا بِٱلۡإِيمَٰنِ﴾ [الحشر: 10]، وهذه المصافحة من أعظم أسباب التواصل والمغفرة بين الإخوة.

4. رفع الحرج والتضييق:

إن إدخال هذا الفعل الطيب تحت طائلة البدعة والضلالة فيه من العسر والحرج ما لا يرضاه الله تعالى، قال عز من قائل: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلۡيُسۡرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلۡعُسۡرَ﴾ [البقرة: 185]. فكيف يكون فعل يزيد المؤمنين محبة وقربى سببًا للوعيد والضلال؟! إن إشاعة السلام والمصافحة في هذه الأزمان التي كثرت فيها القطيعة والجفاء لهو من أحب الأعمال إلى الله، وهو داخل في عموم قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا۟ عَلَى ٱلۡبِرِّ وَٱلتَّقۡوَىٰۖ﴾ [المائدة: 2].

5. عدم صحة دعوى المعارضة بين المصافحة والأذكار:

قد بينا أن الشارع الحكيم لم يضيق على المصلين في أمر الأذكار البعدية، بل جعلها على السعة، حتى إن من قام إلى صلاة السنة أو خرج من المسجد ثم ذكر الله أجزأه ذلك. ولو كان في المصافحة تفويت للأذكار المأثورة، لكان التبسم ورد السلام والانصراف للمصالح الضرورية أولى بالمنع، لكن الشرع جاء بالتيسير، فجاز الجمع بين المصافحة والذكر، كلٌّ في حينه.

6. حمل قول الصحابة على الأصل:

أما حديث أخذ الصحابة بيد النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومسحهم بها، فغاية ما فيه أنهم التمسوا بركة يده الشريفة، وهو وإن كان خاصًا بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم بجسده، إلا أنه دل بعمومه على مشروعية هيئة التصافح والتلاقي بالأيدي عقب الصلاة، وإلا لكان الصحابة ينصرفون دون ذلك، ولكنه كان عادة حسنة لهم، فأقرهم الشرع.

  الخاتمة .

بناءً على ما تقدم، وتأسيسًا على ما حررناه، فإننا نخلص إلى أن المصافحة بين المصلين بعد التسليم من الصلاة لهي من  المستحبات ، وعليها عمل المسلمين ونصوص الفقهاء سلفًا وخلفًا، جيلًا بعد جيل، وهي داخلة في عموم مشروعية المصافحة والسلام بين الناس في كل لقاء أو استقبال، كما أنها تطبيق عملي لما ينبغي أن تشتمل عليه نية المصلي حال تسليمه من الصلاة بالسلام على من هو جاره فيها، من طلب الأجر والثواب على فعل هذا الأمر المندوب.

 الدعاء  

نسأل الله تعالى أن يؤلف بين قلوب المسلمين، وأن يجعل هذا البحث خالصًا لوجهه الكريم، نافعًا لعباده، مقرِّبًا لسنتهم، جامعًا لشملهم،

اللَّهُمَّ أَلِّفْ بَيْنَ قُلُوبِنَا، وَأَصْلِحْ ذَاتَ بَيْنِنَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَنَجِّنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَجَنِّبْنَا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ.

اللَّهُمَّ اجْعَلْ مَسَاجِدَنَا عَامِرَةً بِالْمَحَبَّةِ وَالْإِيمَانِ، وَاجْمَعْ شَمْلَنَا عَلَى الْقُرْآنِ، وَتَقَبَّلْ مِنَّا صَلَاتَنَا وَطَاعَاتِنَا، وَاجْعَلْنَا لِبَعْضِنَا رُحَمَاءَ.

اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ، وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا، رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ.

، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

 

google-playkhamsatmostaqltradent