وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَضَعَ كُلُّ
شَيْءٍ لِإِرَادَتِهِ، وَذَلَّ كُلُّ شَيْءٍ لِعِزَّتِهِ، وَتَوَاضَعَ كُلُّ شَيْءٍ
لِكِبْرِيَائِهِ، وَاسْتَسْلَمَ كُلُّ شَيْءٍ لِقُدْرَتِهِ، الْحَمْدُ لِلَّهِ الْقَائِلِ
فِي مُحْكَمِ التَّنْزِيلِ: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ
اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾ [الرعد: ٢٨]. وَأَشْهَدُ
أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، أَوَّلٌ بِلَا ابْتِدَاءٍ،
وَآخِرٌ بِلَا انْتِهَاءٍ، الْوِتْرُ الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ،
وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
الْقَائِلُ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ،
ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ
وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» متفقٌ عليه. فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ
وَزِدْ وَبَارِكْ عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الْأَطْهَارِ،
وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
أَنَا لَسْتُ فِي الْحُجَّاجِ يَا رَبَّ
الْوَرَى******لَكِنَّ قَلْبِي بِالْمَحَبَّةِ كَبَّرَا
لَبَّيْكَ مَا نَبَضَ الْفُؤَادُ وَمَا
دَعَا دَاعٍ*****وَمَا دَمْعٌ بِعَيْنٍ قَدْ جَرَى
لَبَّيْكَ أُعْلِنُهَا بِكُلِّ تَذَلُّلٍ*****لَبَّيْكَ
مَا امْتَلَأَتْ بِهَا أُمُّ الْقُرَى
أَمَّا بَعْدُ….. فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي
أَيُّهَا الأَخْيَارُ بِتَقْوَى العَزِيزِ الغَفَّارِ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}
[آل عمران: 102]. عِبَادَ اللهِ: ((وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ))،
عُنْوَانُ وِزَارَتِنَا وَعُنْوَانُ خُطْبَتِنَا.
عَنَاصِرُ اللِّقَاءِ:
❖ أَوَّلًا: الذِّكْرُ حَيَاةُ الْقُلُوبِ.
❖ ثَانِيًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ!!
❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: التَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ
حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: بِدَايَةً مَا أَحْوَجَنَا
فِي هَذِهِ الدَّقَائِقِ المَعْدُودَةِ إِلَى أَنْ يَكُونَ حَدِيثُنَا عَنْ(( وَاذْكُرُوا
اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ ))، وَخَاصَّةً مَا زِلْنَا فِي رِحَابِ هَذِهِ
الْأَيَّامِ الْمُبَارَكَةِ؛ حَيْثُ أَدَّى الْحَجِيجُ حَجَّهُمْ، وَذَبَحَ الْمُضَحُّونَ
أَضَاحِيَّهُمْ، وَمَعَ غُرُوبِ شَمْسِ ثَالِثِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَنْتَهِي أَيَّامُ
الْعِيدِ، وَأَيَّامُ الْحَجِّ ، وَطَوَالَ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الْفَاضِلَةِ تَتَجَلَّى
عِبَادَةٌ هِيَ مِنْ أَشْرَفِ الْعِبَادَاتِ وَأَيْسَرِهَا؛ أَلَا وَهِيَ عِبَادَةُ
ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَخَاصَّةً وَأَنَّ الذِّكْرَ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ
لِلْحَجِّ، فَمَا شُرِعَ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ، وَلَا السَّعْيُ بَيْنَ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَا رَمْيُ الْجِمَارِ، وَلَا تَقْدِيمُ الْهَدْيِ، إِلَّا
لِإِقَامَةِ ذِكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ ۚ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ
فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ ۖ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ
وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وَخَاصَّةً وَمَا
أَحْوَجَنَا فِي زَمَنِ الْفِتَنِ وَالِانْشِغَالِ وَتَكَالُبِ الْهُمُومِ إِلَى أَنْ
نُكْثِرَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى؛ تَسْبِيحًا وَتَحْمِيدًا وَتَهْلِيلًا وَتَكْبِيرًا
وَاسْتِغْفَارًا وَصَلَاةً عَلَى النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ ﷺ، فَبِذَلِكَ تَحْيَا الْقُلُوبُ بَعْدَ
مَوْتِهَا، وَتَصْفُو النُّفُوسُ بَعْدَ كَدَرِهَا، وَيَفُوزُ الْعَبْدُ بِرِضْوَانِ
رَبِّهِ وَسَعَادَةِ الدَّارَيْنِ. وَخَاصَّةً وَنَحْنُ نَعِيشُ زَمَانًا غَفَلَ فِيهِ
الْكَثِيرُ مِنَ النَّاسِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَانْشَغَلُوا بِذِكْرِ النَّاسِ، وَالْخَوْضِ
فِي أَعْرَاضِهِمْ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
بِذِكْرِ اللَّهِ تَرْتَاحُ الْقُلُوبُ*******
وَدُنْيَاكَ بِذِكْرَاهُ تَطِيبُ
❖ أَوَّلًا: الذِّكْرُ حَيَاةُ الْقُلُوبِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: مَا مِنْ عِبَادَةٍ
مِنَ الْعِبَادَاتِ إِلَّا وَشَرَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الذِّكْرَ فِي أَثْنَائِهَا
أَوْ فِي خِتَامِهَا؛ لِيَبْقَى الْعَبْدُ مُتَّصِلًا بِرَبِّهِ، حَيًّا بِذِكْرِهِ،
مُعَلِّقًا قَلْبَهُ بِمَوْلَاهُ فَشَرَعَ سُبْحَانَهُ الذِّكْرَ فِي خِتَامِ الصَّلَوَاتِ،
وَأَمَرَ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهِ بَعْدَ أَدَاءِ هَذِهِ الْفَرِيضَةِ الْعَظِيمَةِ.
فَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا
وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ [النساء: 103]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ
الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا
اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: 10]. وَشَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى
الذِّكْرَ فِي خِتَامِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَحَثَّ عَلَى مُدَاوَمَةِ ذِكْرِهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى وَعَدَمِ الِانْقِطَاعِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ،
وَسَبَبُ طُمَأْنِينَةِ النُّفُوسِ، وَعُنْوَانُ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبِّهِ فَقَالَ
جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ
الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ
* ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ
غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: 198-199]. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ
مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: «الْأَيَّامُ
الْمَعْدُودَاتُ: أَيَّامُ التَّشْرِيقِ، وَالْأَيَّامُ الْمَعْلُومَاتُ: أَيَّامُ
الْعَشْرِ». فَإِذَا كَانَ الْحَاجُّ قَدْ أُمِرَ بِالذِّكْرِ فِي أَعْظَمِ مَوَاطِنِ
الْعِبَادَةِ، وَفِي خِتَامِ مَنَاسِكِهِ، فَإِنَّ الْمُسْلِمَ مَطْلُوبٌ مِنْهُ أَنْ
يَبْقَى عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ؛ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى
جُنُوبِهِ، فَلَا يَكُونُ الذِّكْرُ مَوْسِمًا يَنْقَضِي، وَلَا عِبَادَةً تَنْتَهِي
بِانْتِهَاءِ الْحَجِّ أَوِ الْعِيدِ، بَلْ هُوَ شِعَارُ الْمُؤْمِنِ فِي حَيَاتِهِ
كُلِّهَا. لِذَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَعُدُّونَ الذِّكْرَ غِذَاءً لِلْقُلُوبِ،
كَمَا أَنَّ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ غِذَاءٌ لِلْأَبْدَانِ، فَالْقَلْبُ بِغَيْرِ
ذِكْرِ اللَّهِ يَضْعُفُ وَيَقْسُو، وَبِذِكْرِهِ يَحْيَا وَيَزْدَادُ إِيمَانًا وَيَقِينًا.
لَذا حَثَّنا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ
الْمُبَارَكَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَيْسَتْ أَيَّامَ أَكْلٍ وَشُرْبٍ
فَقَطْ، بَلْ هِيَ أَيَّامُ ذِكْرٍ وَشُكْرٍ وَطَاعَةٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ. فَقَدْ
رَوَى أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدِهِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
أَنَّهُ قَالَ: «أَلَا وَإِنَّ هَذِهِ الْأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ، وَذِكْرِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». فَاجْتَمَعَ فِيهَا نَعِيمُ الْأَبْدَانِ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ،
وَنَعِيمُ الْأَرْوَاحِ بِذِكْرِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ وَشُكْرِهِ، وَهَذَا مِنْ كَمَالِ
هَذَا الدِّينِ وَيُسْرِهِ.
فَاللَّهَ اللَّهَ فِي اغْتِنَامِ هَذِهِ
الْأَيَّامِ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّسْبِيحِ وَالِاسْتِغْفَارِ،
وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى سَيِّدِ الْأَبْرَارِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ،
فَإِنَّهَا أَيَّامٌ مَعْدُودَاتٌ سَرْعَانَ مَا تَنْقَضِي، وَالسَّعِيدُ مَنْ مَلَأَهَا
بِذِكْرِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ.
وَكَيْفَ لَا؟! وَذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ
وَجَلَّ هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَغِذَاؤُهَا، وَنُورُهَا وَشِفَاؤُهَا، فَالْقَلْبُ
بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ يَذْبُلُ وَيَقْسُو، وَبِذِكْرِ اللَّهِ يَحْيَا وَيَطْمَئِنُّ
وَيَسْتَقِيمُ، وَالذِّكْرُ يُزِيلُ الْهُمُومَ وَالْغُمُومَ، وَيَشْرَحُ الصُّدُورَ،
وَيَمْلَأُ النُّفُوسَ سَكِينَةً وَرَاحَةً وَأَمْنًا، وَيُقَوِّي الصِّلَةَ بَيْنَ
الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، وَيَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ مُرَاقِبًا لِلَّهِ فِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ.
َقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ
ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ:
﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٤].
وَكَيْفَ لَا؟! وَالذِّكْرُ هُوَ التَّخَلُّصُ
مِنَ الْغَفْلَةِ وَالنِّسْيَانِ، فَتُمَجِّدُ وَتُقَدِّسُ وَتُسَبِّحُ الْوَاحِدَ
الدَّيَّانَ، فَذِكْرُ اللَّهِ تِرْيَاقُ الْمُذْنِبِينَ، وَأُنْسُ الْمُنْقَطِعِينَ،
وَكَنْزُ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَغِذَاءُ الْمُوقِنِينَ، وَحِيلَةُ الْوَاصِلِينَ، وَمَبْدَأُ
الْعَارِفِينَ، وَشَرَابُ الْمُحِبِّينَ، وَبِسَاطُ الْمُقَرَّبِينَ. وَالذِّكْرُ كَمَا
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: مَنْزِلَةُ الْقَوْمِ الْكُبْرَى الَّتِي مِنْهَا يَتَزَوَّدُونَ،
وَفِيهَا يَتَّجِرُونَ، وَإِلَيْهَا دَائِمًا يَتَرَدَّدُونَ، وَالذِّكْرُ قُوتُ الْقُلُوبِ
الَّتِي مَا فَارَقَهَا الذِّكْرُ صَارَتِ الْأَجْسَادُ قُبُورًا. لِذَا قَالَ الْمُصْطَفَى
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى
الْأَشْعَرِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: «مَثَلُ الْبَيْتِ الَّذِي يُذْكَرُ اللَّهُ
فِيهِ، وَالْبَيْتِ الَّذِي لَا يُذْكَرُ اللَّهُ فِيهِ: مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ».
لَفْظُ مُسْلِمٍ، وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ: «مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ، وَالَّذِي
لَا يَذْكُرُ رَبَّهُ: مَثَلُ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ». فَيَا لَهُ مِنْ تَصْوِيرٍ صَادِقٍ
دَقِيقٍ لِمَا يَفْعَلُهُ الذِّكْرُ مِنْ قُوَّةٍ وَحَيَاةٍ فِي نَفْسِ الْمُؤْمِنِ،
وَنُورٍ فِي قَلْبِهِ يَهْتَدِي بِهِ.
وَكَيْفَ لَا؟! وَلَقَدْ زَيَّنَ اللَّهُ
جَلَّ وَعَلَا بِالذِّكْرِ أَلْسِنَةَ الذَّاكِرِينَ، كَمَا زَيَّنَ بِالنُّورِ أَبْصَارَ
النَّاظِرِينَ، فَاللِّسَانُ الْغَافِلُ عَنْ ذِكْرِ مَوْلَاهُ كَالْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ،
وَالْآذَانِ الصَّمَّاءِ، وَالْيَدِ الشَّلَّاءِ. فَالذِّكْرُ جِلَاءُ الْقَلْبِ؛ لِقَوْلِ
أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: (جِلَاءُ الْقَلْبِ ذِكْرُ اللَّهِ). وَمَا
طَابَتِ الدُّنْيَا إِلَّا بِذِكْرِهِ، وَلَا طَابَتِ الْآخِرَةُ إِلَّا بِعَفْوِهِ،
وَلَا طَابَتِ الْجَنَّةُ إِلَّا بِرُؤْيَتِهِ، كَمَا قَالَ ذُو النُّونِ الْمِصْرِيُّ.
فَمَنْ شَغَلَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ قَذَفَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ
نُورَ الِاشْتِيَاقِ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى. وَالْغَفْلَةُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
دَمَارٌ فِي الدُّنْيَا وَهَلَاكٌ فِي الْآخِرَةِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَمَنْ يَعْشُ
عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف:
٣٦]. قِيلَ: نُسَلِّطُ ظَلَمَةَ الْجِنِّ عَلَى ظَلَمَةِ الْإِنْسِ، فَالْغَفْلَةُ
عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ دَمَارٌ فِي الدُّنْيَا وَهَلَاكٌ فِي الْآخِرَةِ، يَا رَبِّ سَلِّمْ.
فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ
يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ،
وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
فَعَلَيْكُمْ -عِبَادَ اللَّهِ- بِذِكْرِ
اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ، وَطُمَأْنِينَةٌ لِلنُّفُوسِ،
وَنُورٌ لِلصُّدُورِ، وَسَبَبٌ لِلْفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. وَإِيَّاكُمْ
وَالِاشْتِغَالَ بِذِكْرِ النَّاسِ، وَتَتَبُّعِ عَوْرَاتِهِمْ، وَالْخَوْضِ فِي أَعْرَاضِهِمْ
بِالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالْبُهْتَانِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ دَاءٌ يُفْسِدُ الْقُلُوبَ،
وَيُمَزِّقُ الْمُجْتَمَعَاتِ، وَيَذْهَبُ بِالْحَسَنَاتِ. وَقَدْ صَدَقَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ حِينَ قَالَ».عَلَيْكُمْ
بِذِكْرِ اللَّهِ؛ فَإِنَّهُ شِفَاءٌ، وَإِيَّاكُمْ وَذِكْرَ النَّاسِ؛ فَإِنَّهُ دَاءٌ».
فَمَنْ شَغَلَ لِسَانَهُ بِذِكْرِ اللَّهِ حُفِظَ مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْآفَاتِ، وَمَنْ
عَمَرَ وَقْتَهُ بِالتَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَالِاسْتِغْفَارِ لَمْ يَجِدْ فُرْصَةً
لِلْوُقُوعِ فِي أَعْرَاضِ الْخَلْقِ.
فَاللهَ اللهَ فِي أَلْسِنَتِكُمْ، وَاجْعَلُوهَا
رَطْبَةً بِذِكْرِ اللَّهِ، وَمُعَطَّرَةً بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَمَشْغُولَةً بِمَا يَنْفَعُكُمْ فِي
دِينِكُمْ وَدُنْيَاكُمْ؛ فَإِنَّ الذِّكْرَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ، وَذَخِيرَةُ الْعَبْدِ
يَوْمَ يَلْقَى رَبَّهُ. وَخَاصَّةً إِذَا اعْتَادَ اللِّسَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ
وَتَعَالَى، انْقَادَ لِلطَّاعَةِ، وَقَادَ الْجَوَارِحَ إِلَى كُلِّ خَيْرٍ وَفَضِيلَةٍ؛
فَإِنَّ اللِّسَانَ تَرْجُمَانُ الْقَلْبِ، وَمِفْتَاحُ الْأَعْمَالِ، فَإِذَا صَلَحَ
بِذِكْرِ اللَّهِ صَلَحَتْ سَائِرُ الْجَوَارِحِ ، لِذَا كَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ
الثَّبَاتِ عَلَى الْحَقِّ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَى الطَّاعَةِ أَنْ يُعَوِّدَ الْمُسْلِمُ
لِسَانَهُ ذِكْرَ اللَّهِ وَقَوْلَ الْحَقِّ فَإِنْ عَوَّدْتَهُ الذِّكْرَ وَالطَّاعَةَ
وَالصِّدْقَ، أَلِفَهَا وَاسْتَقَامَ عَلَيْهَا، وَإِنْ عَوَّدْتَهُ الْغِيبَةَ وَاللَّغْوَ
وَالْبَاطِلَ، أَلِفَهَا وَاعْتَادَهَا. وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَائِلُ:
عَوِّدْ لِسَانَكَ قَوْلَ الْحَقِّ تَحْظَ
بِهِ*****إِنَّ اللِّسَانَ لِمَا عَوَّدْتَ مُعْتَادُ
❖ ثَانِيًا: اللَّهَ اللَّهَ فِي ذِكْرِ الرَّحْمَنِ
بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ!!
أَيُّهَا السَّادَةُ: إنَّ ذِكْرَ اللَّهِ
عَزَّ وَجَلَّ لَيْسَ عِبَادَةً مُؤَقَّتَةً بِزَمَانٍ دُونَ زَمَانٍ، وَلَا بِمَكَانٍ
دُونَ مَكَانٍ، بَلْ هُوَ عِبَادَةُ الْعُمْرِ كُلِّهِ، وَشِعَارُ الْمُؤْمِنِ فِي
لَيْلِهِ وَنَهَارِهِ، وَفِي سَفَرِهِ وَإِقَامَتِهِ، وَفِي سِرِّهِ وَعَلَانِيَتِهِ.
لِذَا أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ بِكَثْرَةِ ذِكْرِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب:
٤١-٤٢]. وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا
تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢]. وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي وَصْفِ أُولِي الْأَلْبَابِ:
﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران:
١٩١]. فَالْمُؤْمِنُ الصَّادِقُ يَذْكُرُ رَبَّهُ إِذَا أَصْبَحَ وَإِذَا أَمْسَى،
وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَإِذَا خَرَجَ، وَإِذَا أَكَلَ وَإِذَا شَرِبَ، وَإِذَا رَكِبَ
وَإِذَا نَزَلَ، فَيَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ مُلَازِمًا لَهُ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ.
وَقَدْ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ، فَدَلَّ عَلَى
الذِّكْرِ، وَهَذَا رَجُلٌ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ رَضِيَ اللَّهُ
عَنْهُ، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ قَدْ
كَثُرَتْ عَلَيَّ، فَأَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ بِهِ. قَالَ: «لَا يَزَالُ لِسَانُكَ
رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ
حَسَنٍ. فَاللَّهَ اللَّهَ فِي ذِكْرِ الرَّحْمَنِ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَفِي
السِّرِّ وَالْجِهَارِ، وَعِنْدَ الرَّخَاءِ وَالشِّدَّةِ، وَفِي الصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
وَهَذَا أَحَدُ الصَّالِحِينَ قَالَ لِجُلَسَائِهِ
يَوْمًا: أَنَا أَعْلَمُ مَتَى يَذْكُرُنِي رَبِّي؟ فَتَعَجَّبَ النَّاسُ فَسَأَلُوهُ:
كَيْفَ ذَلِكَ؟ أَيْ مَتَى يَذْكُرُكَ رَبُّكَ؟ قَالَ: أَمَا قَرَأْتُمْ قَوْلَ اللَّهِ
تَعَالَى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ...} [البقرة: 152]، فَإِذَا ذَكَرْتَ مَوْلَاكَ
ذَكَرَكَ مَوْلَاكَ. وَمَنْ أَنْتَ حَتَّى يَذْكُرَكَ مَوْلَاكَ؟! أَنْتَ الْعَبْدُ
الضَّعِيفُ الذَّلِيلُ الَّذِي لَا تَمْلِكُ لِنَفْسِكَ حَوْلًا وَلَا طَوْلًا، وَلَا
حَيَاةً وَلَا نُشُورًا، إِذَا ذَكَرْتَ مَوْلَاكَ ذَكَرَكَ مَوْلَاكَ، بَلْ ذَكَرَكَ
اللَّهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَئِكَ، فَفِي الْحَدِيثِ الْقُدُسِيِّ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ- قَالَ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي،
وَأَنَا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُنِي، إِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي،
وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ
مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ. لِذَا قَالَ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: مَا مِنْ يَوْمٍ إِلَّا وَالْجَلِيلُ
سُبْحَانَهُ يُنَادِي: عَبْدِي مَا أَنْصَفْتَنِي، عَبْدِي أَذْكُرُكَ وَتَنْسَانِي،
وَأَدْعُوكَ إِلَيَّ فَتَذْهَبُ إِلَى غَيْرِي، وَأُذْهِبُ عَنْكَ الْبَلَايَا، وَأَنْتَ
مُعْتَكِفٌ عَلَى الْخَطَايَا، يَا ابْنَ آدَمَ مَاذَا تَقُولُ غَدًا إِذَا مَا جِئْتَنِي؟!
وَكَيْفَ لَا؟! وَذِكْرُ اللَّهِ سَبَبٌ
مِنْ أَسْبَابِ الْفَلَاحِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَنِ اتَّصَفَ بِالْفَلَاحِ
فَقَدْ فَازَ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ
كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [الجمعة: 10]. بَلْ أَهْلُ الذِّكْرِ هُمْ أَهْلُ
السَّبْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، جَعَلَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ مِنْهُمْ بِفَضْلِهِ
وَمَنِّهِ وَجُودِهِ وَكَرَمِهِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ ﷺ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ مَكَّةَ، فَمَرَّ
عَلَى جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ: جُمْدَانُ، فَقَالَ: «سِيرُوا هَذَا جُمْدَانُ، سَبَقَ
الْمُفَرِّدُونَ». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
بَلِ الذِّكْرُ مِنْ أَحَبِّ الْأَعْمَالِ
إِلَى اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ
اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟
قَالَ: «أَنْ تَمُوتَ وَلِسَانُكَ رَطْبٌ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ.
بَلْ ذِكْرُ اللَّهِ يَرْفَعُ الدَّرَجَاتِ
وَيُزَكِّي النُّفُوسَ، وَهُوَ خَيْرٌ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْجِهَادِ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ
مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ
وَالْوَرِقِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ
وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟» قَالُوا: بَلَى. قَالَ: «ذِكْرُ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ
وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
بَلْ ذِكْرُ اللَّهِ يُنَجِّي الْإِنْسَانَ
مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، فَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا قَطُّ أَنْجَى لَهُ
مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَحْمَدُ. وَعَنْ
أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
إِذَا ذَهَبَ ثُلُثَا اللَّيْلِ قَامَ فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا اللَّهَ،
اذْكُرُوا اللَّهَ، جَاءَتِ الرَّاجِفَةُ، تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ، جَاءَ الْمَوْتُ
بِمَا فِيهِ، جَاءَ الْمَوْتُ بِمَا فِيهِ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. فَذِكْرُ اللَّهِ
سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ.
بَلْ ذِكْرُ اللَّهِ سَبَبٌ مِنْ أَسْبَابِ
مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ وَدُخُولِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَالذَّاكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾
[الأحزاب: 35]. بَلْ ذِكْرُ اللَّهِ يُطْمَئِنُّ الْقُلُوبَ الْحَائِرَةَ وَالنُّفُوسَ
الشَّارِدَةَ، قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ
بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. بَلْ
يُبَاهِي اللَّهُ مَلَائِكَتَهُ بِالذَّاكِرِينَ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي
سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: خَرَجَ مُعَاوِيَةُ عَلَى حَلْقَةٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَقَالَ:
مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قَالُوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللَّهَ... فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ».
فَهَذِهِ الْمُبَاهَاةُ مِنَ الرَّبِّ تَعَالَى دَلِيلٌ عَلَى شَرَفِ الذِّكْرِ وَفَضْلِهِ.
بَلْ ذِكْرُ اللَّهِ مِيرَاثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا
ذَهَبَ أَبُو هُرَيْرَةَ إِلَى السُّوقِ فَرَأَى النَّاسَ قَدِ انْشَغَلُوا بِالْبَيْعِ
وَالشِّرَاءِ، قَالَ لَهُمْ: أَيُّهَا النَّاسُ، مِيرَاثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ
عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُوَزَّعُ فِي الْمَسْجِدِ. فَذَهَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا دَرَاهِمَ
وَلَا دَنَانِيرَ، وَإِنَّمَا وَجَدُوا حِلَقَ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ، فَقَالَ لَهُمْ:
هَذَا مِيرَاثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوَرِّثْ
دِرْهَمًا وَلَا دِينَارًا.
وَاللَّهِ مَا طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلَا غَرَبَتْ*****إِلَّا
وَحُبُّكَ مَقْرُونٌ بِأَنْفَاسِي
وَلَا جَلَسْتُ إِلَى قَوْمٍ أُحَدِّثُهُمْ*****إِلَّا
وَأَنْتَ حَدِيثِي بَيْنَ جُلَّاسِي.
فَاذْكُرْهُ وَسَبِّحْهُ وَقَدِّسْهُ وَمَجِّدْهُ،
فَإِذَا ذَكَرْتَهُ ذَكَرَكَ، وَإِنِ اسْتَغْفَرْتَهُ غَفَرَ لَكَ، وَإِنْ تُبْتَ إِلَيْهِ
تَابَ عَلَيْكَ، وَإِنْ طَلَبْتَهُ وَجَدْتَهُ، وَإِنْ وَجَدْتَهُ وَجَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ،
وَإِنْ فَقَدْتَهُ فَقَدْتَ كُلَّ شَيْءٍ.
فَقَطْرَةٌ يَا رَبِّ مِنْ فَيْضِ*****
جُودِكَ تَمْلَأُ الْأَرْضَ رِيًّا
وَنَظْرَةٌ بِعَيْنِ رِضَاكَ ******تَجْعَلُ
الْكَافِرَ وَلِيًّا
فَيَا هَذَا، نَفَسُكَ مَعْدُودٌ، وَعُمْرُكَ
مَحْسُوبٌ، فَكَمْ أَمَّلْتَ أَمَلًا، وَانْقَضَى الزَّمَانُ وَفَاتَكَ، وَلَا أَرَاكَ
تَفِيقُ حَتَّى تَلْقَى وَفَاتَكَ. فَاحْذَرْ زَلَلَ قَدَمِكَ، وَخَفْ طُولَ نَدَمِكَ،
وَاغْتَنِمْ حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، فَالْمَوْتُ قَادِمٌ لَا مَحَالَةَ. فَاذْكُرْ
رَبَّكَ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً، كَمَا قَالَ رَبُّنَا: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا
تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205].
اللَّهُ رَبِّي لَا أُرِيدُ سِوَاهُ
*** هَلْ فِي الْوُجُودِ خَالِقٌ إِلَّا هُوَ؟!
الشَّمْسُ وَالْبَدْرُ مِنْ آيَاتِ قُدْرَتِهِ
*** وَالْبَرُّ وَالْبَحْرُ فَيْضٌ مِنْ عَطَايَاهُ
الطَّيْرُ سَبَّحَهُ، وَالْوَحْشُ مَجَّدَهُ
*** وَالْمَوْجُ كَبَّرَهُ، وَالْحُوتُ نَاجَاهُ
وَالنَّمْلُ تَحْتَ الصُّخُورِ الصُّمِّ
قَدَّسَهُ *** وَالنَّحْلُ يَهْتِفُ حَمْدًا فِي خَلَايَاهُ
وَالنَّاسُ يَعْصُونَهُ جَهْرًا؛ فَيَسْتُرُهُمْ
*** وَالْعَبْدُ يَنْسَى وَرَبِّي لَيْسَ يَنْسَاهُ
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ
اللَّهَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ. الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا حَمْدَ إِلَّا
لَهُ، وَبِاسْمِ اللَّهِ، وَلَا يُسْتَعَانُ إِلَّا بِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ،
صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا.
❖ ثَالِثًا وَأَخِيرًا: التَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ
حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ.
أَيُّهَا السَّادَةُ: إِنَّ التَّرَابُطَ
الْأُسَرِيَّ هُوَ الْأَسَاسُ الْمَتِينُ الَّذِي يَقُومُ عَلَيْهِ بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ،
وَهُوَ السُّورُ الْحَصِينُ الَّذِي يَحْفَظُ الْأُسْرَةَ مِنَ التَّفَكُّكِ وَالضَّيَاعِ،
فَإِذَا تَمَاسَكَتِ الْأُسْرَةُ وَسَادَ بَيْنَ أَفْرَادِهَا الْوُدُّ وَالرَّحْمَةُ
وَالتَّعَاوُنُ، نَعِمَ الْمُجْتَمَعُ بِالْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالطُّمَأْنِينَةِ.
وَقَدْ جَعَلَ الْإِسْلَامُ التَّرَابُطَ الْأُسَرِيَّ مِنْ أَعْظَمِ الْقُرُبَاتِ،
فَأَمَرَ بِصِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَبِرِّ الْوَالِدَيْنِ، وَالْإِحْسَانِ إِلَى الزَّوْجِ
وَالزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ
بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾. وَمَا
أَحْوَجَنَا الْيَوْمَ إِلَى تَعْزِيزِ هَذَا التَّرَابُطِ فِي ظِلِّ مَا نَرَاهُ مِنْ
تَفَكُّكٍ أُسَرِيٍّ وَقَطِيعَةٍ بَيْنَ الْأَقَارِبِ، فَبِالتَّوَاصُلِ وَالتَّزَاوُرِ
وَالتَّسَامُحِ وَالتَّغَافُلِ عَنِ الزَّلَّاتِ تَبْقَى الْأُسَرُ مُتَمَاسِكَةً،
وَتَنْشَأُ الْأَجْيَالُ عَلَى الْمَحَبَّةِ وَالِاحْتِرَامِ. فَالتَّرَابُطُ الْأُسَرِيُّ
حَيَاةُ الْمُجْتَمَعِ، وَقُوَّتُهُ، وَسَبَبُ اسْتِقْرَارِهِ، وَبِفَقْدِهِ تَضْعُفُ
الْعَلَاقَاتُ، وَتَتَفَكَّكُ الْأُسَرُ، وَتَكْثُرُ الْمَشْكِلَاتُ، فَاللَّهَ اللَّهَ
فِي صِلَةِ الْأَرْحَامِ، وَالْحِرْصِ عَلَى تَمَاسُكِ الْأُسَرِ، فَفِي ذَلِكَ خَيْرُ
الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ.
إِنَّ وُقُوعَ الْخِلَافِ سُنَّةٌ بَشَرِيَّةٌ،
وَوُجُودُ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ أَمْرٌ لَا مَفَرَّ مِنْهُ، وَلَكِنْ
كَيْفَ يُمْكِنُنَا أَنْ نَتَعَامَلَ مَعَهُ، وَأَنْ نَتَجَاوَزَهُ، وَأَنْ نَلْتَقِيَ
عِنْدَ نُقْطَةِ اتِّفَاقٍ تَقْطَعُ النِّزَاعَ؟
لَقَدْ أَكَّدَ الْقُرْآنُ عَلَى وَصِيَّةٍ
جَلِيلَةٍ حِينَ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَٱلَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ
وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ وَٱضْرِبُوهُنَّۖ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا
عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: 34]. ﴿فَعِظُوهُنَّ﴾ بِالنُّصْحِ وَالتَّوْجِيهِ وَالتَّعْلِيمِ
مَرَّةً وَاثْنَتَيْنِ وَعَشْرًا، وَلَا تَمَلُّوا مِنْ ذَلِكَ.
﴿وَٱهْجُرُوهُنَّ فِي ٱلْمَضَاجِعِ﴾ بِأَنْ تُوَلِّيَهَا
ظَهْرَكَ عَلَى الْفِرَاشِ بِحَيْثُ لَا يُعْلَمُ الْخِلَافُ بَيْنَكُمَا، حَتَّى الْأَوْلَادُ
فِي الْبَيْتِ. ﴿وَٱضْرِبُوهُنَّ﴾ لَا عَلَى الْحَقِيقَةِ الْمُؤْذِيَةِ، بَلْ عَلَى
مَعْنَى الزَّجْرِ وَالتَّعْبِيرِ عَنْ عَدَمِ الرِّضَا. وَلْيَجْعَلْ كُلٌّ مِنْكُمَا
الْحَسَنَاتِ شَافِعَةً لِلسَّيِّئَاتِ، كَمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ: «فَلْيَهَبْ سَيِّئَاتِهَا
لِحَسَنَاتِهَا َخَلُّقًا بِأَخْلَاقِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَإِنَّهُ يُذْهِبُ السَّيِّئَاتِ
بِالْحَسَنَاتِ». وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ
قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ
مُؤْمِنَةً؛ إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ» أَوْ قَالَ: «غَيْرَهُ».
فَعَلَى كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَنْ يُحْسِنَ صُحْبَةَ الْآخَرِ، حَتَّى فِي حَالَةِ
كُرْهِهِ لَهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْوَفَاءِ وَلَا مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ أَنْ تُنْسِيَ
هَفْوَةٌ وَاحِدَةٌ سَنَوَاتٍ مِنَ الْمَوَدَّةِ وَالْإِحْسَانِ، أَوْ أَنْ تُطْمِسَ
زَلَّةٌ عَابِرَةٌ مَحَاسِنَ كَثِيرَةً وَفَضَائِلَ جَمَّةً. قَالَ جَلَّ وَعَلَا:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِۚ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا
شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 19]. فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ
كَرِهَهُ الْإِنْسَانُ وَكَانَتْ عَاقِبَتُهُ خَيْرًا، وَكَمْ مِنْ صِفَةٍ لَمْ تُعْجِبْ
أَحَدَ الزَّوْجَيْنِ فِي صَاحِبِهِ، ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ مَعَ الْأَيَّامِ أَنَّ
وَرَاءَهَا خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَجْرًا عَظِيمًا، وَذُرِّيَّةً صَالِحَةً، وَبَيْتًا
مُسْتَقِرًّا. فَالْعَاقِلُ لَا يَنْظُرُ إِلَى الْعُيُوبِ فَقَطْ، بَلْ يُوَازِنُ
بَيْنَ الْمَحَاسِنِ وَالْمَسَاوِئِ، وَيَتَذَكَّرُ أَيَّامَ الْوِفَاقِ عِنْدَ وُقُوعِ
الْخِلَافِ، وَأَيَّامَ الْإِحْسَانِ عِنْدَ حُلُولِ التَّقْصِيرِ، فَبِذَلِكَ تَدُومُ
الْمَوَدَّةُ، وَتَسْتَقِرُّ الْأُسْرَةُ، وَيَسْعَدُ الْبَيْتُ الْمُسْلِمُ. وَتَذَكَّرُوا
أَيُّهَا الْأَخْيَارُ: خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَمَا أَكْرَمَ النِّسَاءَ
إِلَّا كَرِيمٌ، وَمَا أَهَانَهُنَّ إِلَّا لَئِيمٌ.
فَالْخَيْرِيَّةُ الْحَقَّةُ لَيْسَتْ فِي
حَالِ الرِّضَا فَقَطْ، بَلْ فِي وَقْتِ الْغَضَبِ أَيْضًا، فَعِنْدَ الْغَضَبِ تَظْهَرُ
مَعَادِنُ الرِّجَالِ، وَيُعْرَفُ صَاحِبُ الْخُلُقِ الْكَرِيمِ مِنْ غَيْرِهِ. وَقَدْ
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي «صَحِيحِهِ» عَنْ عَائِشَةَ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنِ ابْنِ
عَبَّاسٍ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي «الْكَبِيرِ» عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ،
عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ
لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي». فَمِيزَانُ الْخَيْرِيَّةِ لَيْسَ فِي
حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ الْبُعَدَاءِ وَالْمُجَامَلَةِ لِلنَّاسِ فِي الْمَجَالِسِ
وَالطُّرُقَاتِ فَحَسْبُ، بَلْ فِي حُسْنِ الْعِشْرَةِ مَعَ الزَّوْجَةِ وَالْأَوْلَادِ
وَأَهْلِ الْبَيْتِ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى مَا يَكُونُ مِنْ طَبَائِعِهِمْ وَأَخْطَائِهِمْ.
صُونُوا بُيُوتَكُمْ مِنَ الضَّيَاعِ، وَابْنُوا أُسَرَكُمْ عَلَى السِّتْرِ وَالْمَوَدَّةِ
وَالرَّحْمَةِ، وَصُونُوهَا عَنِ الْعُيُونِ وَعَنِ التَّدَخُّلِ وَعَنِ إِفْشَاءِ
الْأَسْرَارِ، وَتَحَلَّوْا بِالْحِلْمِ وَالْعَفْوِ وَطَلَبِ الْمَعَاذِيرِ، فَإِنَّ
الْبُيُوتَ إِذَا فُقِدَ فِيهَا السِّتْرُ ضَاعَ فِيهَا الْأَمَانُ، وَإِذَا غَابَتْ
عَنْهَا الرَّحْمَةُ تَفَكَّكَتِ الْعَلَاقَاتُ وَتَشَتَّتَتِ الْأُسَرُ. وَقَدْ رُوِيَ
عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «إِذَا أَصْبَحَ إِبْلِيسُ بَثَّ
جُنُودَهُ، فَيَقُولُ: مَنْ أَضَلَّ يَوْمَهُ مُسْلِمًا أَلْبَسْتُهُ التَّاجَ الَ:
فَيَجِيْءُ هَذَا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى طَلَّقَ امْرَأتهُ، فَيقُوْلُ:
يُوْشِكُ أَنْ يتَزَوَّجَ، قَالَ: وَيَجِيْءُ هَذا فَيقُوْلُ: لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى
عَقَّ وَالِدَيهِ، فَيقُوْلُ: يُوْشِكُ أَنْ يَبَرَّهُمَا، وَيجِيءُ هَذَا فَيقُوْلُ:
لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى أَشَرَكَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أَنْتَ، وَيجِيْءُ هَذَا فَيَقُوْلُ:
لَمْ أَزَلْ بِهِ حَتَّى قتَلَ، فَيَقُوْلُ: أَنْتَ أنتَ، وَيُلْبِسهُ التَّاجَ». فَفِي
هَذَا التَّحْذِيرِ الْبَالِغِ إِشَارَةٌ إِلَى خُطُورَةِ تَفْكِيكِ الْبُيُوتِ، وَخُصُوصًا
بِالطَّلَاقِ الَّذِي هُوَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ عِنْدَ اللَّهِ، فَكَمْ مِنْ بَيْتٍ
دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ مِنْ بَابِ سُوءِ الْفَهْمِ وَقِلَّةِ الصَّبْرِ وَتَضْخِيمِ
الْخِلَافِ. فَالْعَاقِلُ مَنْ حَفِظَ بَيْتَهُ، وَسَتَرَ أَهْلَهُ، وَرَاعَى حُقُوقَهُمْ،
وَتَجَاوَزَ عَنْ زَلَّاتِهِمْ، وَقَدَّمَ الْمَحَبَّةَ عَلَى الْمُشَاحَّةِ، وَالْعَفْوَ
عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ، فَبِذَلِكَ تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ وَتَطِيبُ الْبُيُوتُ وَتَسْعَدُ
الْأُسَرُ. لذا يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ - أَصَالَةً - أَنْ يَكُونَ نَاصِحًا لِزَوْجِهِ،
آمِرًا لَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْحُسْنَى، مُرَبِّيًا لَهَا عَلَى الطَّاعَةِ، مُعِينًا
لَهَا عَلَى الْخَيْرِ، صَابِرًا عَلَى التَّوْجِيهِ وَالتَّذْكِيرِ، فَإِنَّ الْبُيُوتَ
الصَّالِحَةَ إِنَّمَا تُبْنَى عَلَى الْقِيَامِ بِحُقُوقِ اللَّهِ قَبْلَ حُقُوقِ
الْعِبَادِ. قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾
[طه: 132]. وَعَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تُحَافِظَ عَلَى حَقِّ زَوْجِهَا، وَأَنْ تُحْسِنَ
مُعَاشَرَتَهُ، وَلَا تُهْمِلَ شَيْئًا مِنْ حُقُوقِهِ وَحَاجَاتِهِ بِمَا يَسْتَطِيعُهُ
الْعُرْفُ وَالْمَعْرُوفُ، فَإِنَّ الْحَيَاةَ الزَّوْجِيَّةَ قِوَامُهَا عَلَى التَّوَادِّ
وَالتَّرَاحُمِ وَالتَّفَاهُمِ وَالْوَفَاءِ. وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى
اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «خَيْرُ النِّسَاءِ مَنْ تَسُرُّكَ إِذَا
أَبْصَرْتَ، وَتُطِيعُكَ إِذَا أَمَرْتَ، وَتَحْفَظُ غَيْبَكَ فِي نَفْسِهَا وَمَالِكَ».
فَهَذَا مِيزَانُ الْبَيْتِ السَّعِيدِ: سُرُورٌ عِنْدَ اللِّقَاءِ، وَطَاعَةٌ فِي
الْمَعْرُوفِ، وَأَمَانَةٌ فِي الْغَيْبِ، فَإِذَا تَحَقَّقَتْ هَذِهِ الْمَعَانِي
اسْتَقَامَتِ الْحَيَاةُ الزَّوْجِيَّةُ، وَسَادَتِ الْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ، وَصَلَحَ
الْبَيْتُ وَصَلَحَ بِصَلَاحِهِ الْمُجْتَمَعُ. فَاتَّقُوا اللَّهَ فِي أَهْلِيكُمْ،
وَأَحْسِنُوا إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قَائِمَةً عَلَى
الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْعَفْوِ وَالصَّفْحِ، فَبِذَلِكَ تَدُومُ الْمَحَبَّةُ،
وَتَسْعَدُ الْأُسَرُ، وَيَقْوَى بِنَاءُ الْمُجْتَمَعِ.
يَا شَاكِيًا هَمَّ الْحَيَاةِ وَضِيقَهَا****
أَبْشِرْ بِخَيْرٍ فَرَبُّكَ قَدْ أَبَانَ الْمَنْهَجَ
مَنْ يَتَّقِ الرَّحْمَنَ جَلَّ جَلَالُهُ*****
يَجْعَلْ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا
حَفِظَ اللهُ مِصْرَ مِنْ كَيْدِ الكَائِدِينَ،
وَشَرِّ الفَاسِدِينَ، وَحِقْدِ الحَاقِدِينَ، وَمَكْرِ المَاكِرِينَ، وَاعْتِدَاءِ
المُعْتَدِينَ، وَإِرْجَافِ المُرْجِفِينَ، وَخِيَانَةِ الخَائِنِين