وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ
أيام التشريق، وبعضٌ من مكانتها.
تعريف الذكر، وبيان أنواعه، ومكانته.
. خمسةٌ من أثر ذكر الله (عزّ وجلّ) في ترقية
النفس البشرية.
من فوائد ذكر الله (تسعةٌ
من فوائد ذكر الله تعالى).
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه
الكريم: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ
فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا
اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}[البقرة:203]، وأشهد أن لا إله
إلا الله وحده لا شريك له، امتدح الذاكرين وأعلى شأنهم، وبارك فيهم، وفي أوقاتهم، وأشهد
أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، خيرُ من ذكر ربه، وعرف حدوده، وتمسك بشرعه، فاللهم صلّ
وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد أيها الأحبة الكرام:
أيام التشريق، وبعض مكانتها
فعن سيدنا محمد بن مسلمة (رضي الله عنه)
قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم) : (إِنَّ لِرَبِّكُمْ عَزَّ وَجَلَّ فِي أَيَّامِ
دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ، فَتَعَرَّضُوا لَهَا، لَعَلَّ أَحَدَكُمْ أَنْ تُصِيبَهُ مِنْهَا
نَفْحَةٌ لَا يَشْقَى بَعْدَهَا أَبَدًا)(المعجم الأوسط، رقم:6243)، والمؤمن الكيس
الفطن هو الذي يغتنم تلك الأيام، ويتعرض لتلك النفحات بالطاعات والعبادات، ومن تلك
الأيام المباركة أيام التشريق التي نحيا ونعايشها أوسطها الآن.
وأيام التشريق: هي الأيام الثلاثة بعد يوم
النحر، يوم الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة، وسبب تسميتها بأيام
التشريق؛ أن العرب كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي، أي: يقطعونها، ويشققونها، ويقددونها،
بتعريضها لأشعة الشمس حتى تجف ولا تفسد. وقيل: لأن صلاة العيد لا تكون إلا بعد شروق
الشمس، وهذه الأيام تبع ليوم العيد فسميت بأيام التشريق. وقيل لأن الهدايا والضحايا
لا تنحر إلا بعد شروق الشمس.
وأيام التشريق خطب فيها نبينا (صلى الله
عليه وسلم) خطبتين: في حجته الوحيدة في الإسلام حجة الوداع في العام العاشر الهجري،
فقد خطبَ النبي (صلى الله عليه وسلم) أولَ أيام التشريق (يوم القرّ)، وخطبَ أوسطِ أيام
التشريق (يومَ النفر الأول أو يوم الرؤوس).
وأيام التشريق هي الأيام التي يبيت الحجيج
لياليها في منطقة (مِنَى)، ويرمون بها الجمرات الثلاث: جمرة العقبة الصغرى (الأولى)،
وهي التي تلي مسجد الخيف، أو مسجد إبراهيم (عليه السلام) على أقل من ميل عن مكة من
جهة عرفات، ثم الوسطى، ثم جمرة العقبة الكبرى (الأخيرة) في آخر منى من جهة مكة كل واحدة
بسبع حصيات من الحصو الذي التقطته الحجيج من منطقة (المزدلفة) أو من الطريق في وادي
محسّر.
وأيام التشريق هي أيامُ أكلٍ، وشربٍ، وذكرٍ
لله (عزّ وجلّ)، كما قال نبينا (صلى الله عليه وسلم): (أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ
أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ)(مسند أحمد، رقم:20722، السنن الكبرى للنسائي، رقم:4168).
وأيام التشريق: هي الأيام المعدودات التي
أمر الحق تبارك وتعالى بذكره فيها، فقال سبحانه وتعالى: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ
مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ
فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ
تُحْشَرُونَ}[البقرة:203].
فمن أعظم الخصال التي يتحلى بها المرء أن
يكون ذاكرًا لله (عزّ وجلّ)، فلقد أمرنا الحق تبارك وتعالى بذكره كثيرًا، فقال سبحانه
وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا*وَسَبِّحُوهُ
بُكْرَةً وَأَصِيلًا}[الأحزاب:42،41]، وقال (صلى الله عليه وسلم) مخاطبًا صحابته، ومعلمًا
أمته: (أَلِظُّوا بِيَا ذَا الجَلَالِ وَالإِكْرَامِ)(سنن الترمذي، رقم:3525)، ألظوا:
أي الزموا ذلك، فالعبادة الوحيدة التي يحسن المبالغة والتشدد فيها هي ذكر الله (عزّ
وجل)، قال (صلى الله عليه وسلم): (أَكْثِرُوا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا: مَجْنُونٌ)(مسند
أحمد، رقم:11653).
تعريف الذكر، وبيان أنواعه، ومكانته
وذكر الله (عزّ وجلّ): ضد الغفلة عنه ونسيانه،
وهو ما يجري على لسان العبد وقلبه من تسبيح الله وتنزيهه وحمده والثناء عليه، ودعائه،
والتضرع إليه، والالتجاء والاعتماد عليه، ووصفه بصفات الكمال ونعوت الجلال والجمال.
وذكر الله (عزّ وجلّ) على ثلاث مراتب:
(أولها): الذكر باللسان فقط، وهو ما يجري
على اللسان من التسبيح والتحميد والتعظيم والثناء، والدعاء، والرعاية، كقوله تعالى:
{سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى}[الأعلى:1]، أي: قل سبحان الله، وهذا الذكر هو أقل
المراتب.
(ثانيها): الذكر بالقلب أو الجوارح فقط،
وهو استحضار عظمةِ الله وجلالِه، والخوف من بطشه وعذابه وعقابه، فتتحرك الأعضاء والجوارح
لأوامر الله وتكفّ عما نهى عنه، أو هو كما قال الإمام ابن القيم: (الخلاص من القيود،
والبقاء مع الشّهود، ولزوم المسامرة)،كقوله تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ
تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ وَلا
تَكُنْ مِنَ الْغافِلِينَ} [الأعراف:205]، وهذا الذكر هو أوسط المراتب.
(ثالثها): الذكر باللسان والقلب معًا، كقوله
تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا
اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ
وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ}[آل عمران:135]، أي: ذكروا
الله بقلوبهم، فاستغفروا بألسنتهم لذنوبهم، وهي أعلاها، وأعظمها أجرًا، وأكثرها ثوابًا
وفضلا.
وذكر الله (عزّ وجلّ) هو حياة القلوب والأرواح:
فقد قال نبينا (صلى الله عليه وسلم): (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ
يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ)(صحيح البخاري:6407، صحيح مسلم:779)،
فلا ينتفع بمدد الله وعونه ونصره...الخ إلا الذاكر لربه كما سيأتي.
وذكر الله (عزّ وجلّ) أفضل الطاعات والعبادات،
وأعظمها: ولا عجب فهو الدافع والمحرك للجوارح والأعضاء بالطاعات والعبادات، فقد قال
نبينا (صلى الله عليه وسلم): (أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ، وَأَزْكَاهَا
عِنْدَ مَلِيكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إِنْفَاقِ
الذَّهَبِ وَالوَرِقِ، وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا
أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ؟). قالوا: بلى. قال: (ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى)(سنن
الترمذي، رقم:3377)، ولذا كان بعض العارفين يقول: مساكين أهل الدنيا، خرجوا منها، وما
ذاقوا أطيب ما فيها. قيل: وما أطيب ما فيها؟. قال: محبة الله تعالى ومعرفته وذكره،
ولذكر الله (عزّ وجلّ) فوائدَ كثيرة أوصلها بعضهم لأكثر من مائة فائدة، وهذا بعضٌ منها:
تسعةٌ من فوائد ذكر الله تعالى
1ـ أنّ الذكرُ سببٌ في معية الله وفي مدده
وعونه ونصره وفتحه، قال (صلى الله عليه وسلم): (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ
ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ
ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ
مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ
تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي
أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً)(صحيح البخاري:7405، صحيح مسلم:2675)، وهذا كناية عن مقابلة
إحسان العبد بعظيم فضل الله (عزّ وجلّ) وثوابه وأجره، فالله (عزّ وجلّ) ليس بعيدًا
فيتقرب، والله لا يمشي ولا يهرول، ومن فوائد ذكر الله (عزّ وجلّ) أيضًا.
2ـ أنه سببٌ من أسباب القوة البدنية، ومعينٌ
على قضاء الأعمال وإنجازها، فعن أبي هريرة (رضي الله عنه)، أن فاطمة (رضي الله عنها)
أتت النبي (صلى الله عليه وسلم) تسأله خادمًا، فشكت إليه العمل، فقال: (مَا أَلْفَيْتِيهِ
عِنْدَنَا)، ثم قال: (أَلَا أَدُلُّكِ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْ خَادِمٍ؟ تُسَبِّحِينَ
ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ
أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، حِينَ تَأْخُذِينَ مَضْجَعَكِ)(صحيح مسلم، رقم:2728)، ومن
فوائد ذكر الله (عزّ وجلّ) أيضًا.
3ـ أنّه سببٌ في ثناء الله (عزّ وجلّ) على
العبد ومدحه أمام الملأ الأعلى من الملائكة، فعن معاوية (رضي الله عنه): إن رسول الله
(صلى الله عليه وسلم) خرج على حلقة من أصحابه، فقال: (مَا أَجْلَسَكُمْ؟). قالوا: جلسنا
نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، ومن به علينا، قال: (آللَّهِ مَا أَجْلَسَكُمْ
إِلَّا ذَاكَ؟). قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: (أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ
تُهْمَةً لَكُمْ، وَلَكِنَّهُ أَتَانِي جِبْرِيلُ فَأَخْبَرَنِي، أَنَّ اللهَ (عَزَّ
وَجَلَّ) يُبَاهِي بِكُمُ الْمَلَائِكَةَ)(صحيح مسلم، رقم:2701)، وهذا الحديث دليلٌ
على جواز الاجتماع على ذكر الله، وجواز ذكره في جماعة، ومن فوائد ذكر الله (عزّ وجلّ)
أيضًا.
4ـ أنّ الملائكة تحفّ مجالس الذكر، وتفرح
بالذاكرين، وتتنزل عليهم بالرحمات، قال (صلى الله عليه وسلم): (لَا يَقْعُدُ قَوْمٌ
يَذْكُرُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ إِلَّا حَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ
الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ)(صحيح
مسلم، رقم:2700)، ومن فوائد ذكر الله (عزّ وجلّ) أيضًا.
5ـ أنّ الذاكرين الله والذاكرات سابقون لجميع
البشر في الأجر والثواب والأحوال السنية في الدنيا، وفي دخول الجنة وإحراز الدرجات
العليا يوم القيامة، قال (صلى الله عليه وسلم): (...سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ). قالوا:
وما المفردون يا رسول الله؟. قال: (الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ)(رواه
مسلم، رقم:2676)، وعن الحسن البصري: (إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ
قَالَ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ أَيْنَ الَّذِينَ كَانَتْ
تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ، يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا
وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ؟ قَالَ: فَيَقُومُونَ فَيَتَخَطُّونَ رِقَابَ النَّاسِ
قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي فَيَقُولُ: سَيُعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ
أَيْنَ الَّذِينَ كَانُوا لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ، وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللهِ؟
قَالَ: فَيَقُومُونَ فَيَتَخَطُّونَ رِقَابَ النَّاسِ قَالَ: ثُمَّ يُنَادِي أَيْضًا
فَيَقُولُ: سَيَعْلَمُ أَهْلُ الْجَمْعِ مَنْ أَوْلَى بِالْكَرَمِ أَيْنَ الْحَمَّادُونَ
عَلَى كُلِّ حَالٍ؟ قَالَ: فَيَقُومُونَ وَهُمْ كَثِيرٌ ثُمَّ تَكُونُ التَّبِعَةُ
وَالْحِسَابُ عَلَى مَنْ بَقِيَ)(شعب الإيمان للبيهقي، رقم:682)، ومن فوائد ذكر الله
(عزّ وجلّ) أيضًا.
6ـ أنّ ذكر الله (عزّ وجلّ) مكفرٌ للذنوب
والخطايا، ففي حديث (حلق الذكر) يقول الحق تبارك وتعالى للملائكة بعد أن سألهم وهو
أعلم ـ عن ما يقوله الذاكرون، وعن ما يتمنونه، وعن ما يتعوذون منه: (قَدْ غَفَرْتُ
لَهُمْ فَأَعْطَيْتُهُمْ مَا سَأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجَارُوا) (اللفظ
لمسلم، رقم:2689)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ،
فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ خَطَايَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ)(صحيح
البخاري، رقم:6405)، ويقول (صلى الله عليه وسلم): (سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ). قالوا:
وما المفردون يا رسول الله؟. قال: (المُسْتَهْتَرُونَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ، يَضَعُ الذِّكْرُ
عَنْهُمْ أَثْقَالَهُمْ فَيَأْتُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ خِفَافًا)(سنن الترمذي، رقم:3596)،
والاستهتار بالشيء: الولوع به، والإفراط فيه، فلا يتحدث بغيره، ولا يفعل غيره، ومن
فوائد ذكر الله (عزّ وجلّ) أيضًا.
7ـ ذكر الله (عزّ وجلّ) باب عظيم من أبواب
الحسنات، ويقوم مقام أعظم الصدقات، قال (صلى الله عليه وسلم): (مَنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ
إِلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ
رِقَابٍ، وَكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ،
وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ
يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)(صحيح
البخاري، رقم:3293)، وعن أم هانئ (رضي الله عنها) قالت: أتيت إلى رسول الله (صلى الله
عليه وسلم)، فقلت: يا رسول الله، دلني على عمل فإني قد كبرت وضعفت وبدنت، فقال: (كَبِّرِي
اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَاحْمَدِي اللَّهَ مِائَةَ مَرَّةٍ، وَسَبِّحِي اللَّهَ
مِائَةَ مَرَّةٍ خَيْرٌ مِنْ مِائَةِ فَرَسٍ مُلْجَمٍ مُسْرَجٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ،
وَخَيْرٌ مِنْ مِائَةِ بَدَنَةٍ، وَخَيْرٌ مِنْ مِائَةِ رَقَبَةٍ)(سنن ابن ماجه، رقم:3810)،
ومن فوائد ذكر الله (عزّ وجلّ) أيضًا.
8ـ أنّ ذكر الله (عزّ وجلّ) سبب في الاستظلال
بظل عرش الرحمن يوم لا ظل إلا ظله، قال (صلى الله عليه وسلم): (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ
اللَّهُ فِي ظِلِّهِ، يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ:....وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ
خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ)(صحيح البخاري:660، صحيح مسلم:1031)، ومن فوائد ذكر الله
(عزّ وجلّ) أيضًا.
9ـ أنّ ذكر الله (عزّ وجلّ) سببٌ في النجاة
من عذاب النيران، قال (صلى الله عليه وسلم): (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا،
مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا (عدّها وحفظها) دَخَلَ الْجَنَّةَ)( صحيح
البخاري:7392، صحيح مسلم:2677)، وقال (صلى الله عليه وسلم): (عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا
النَّارُ: عَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ، وَعَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ
اللَّهِ)(سنن الترمذي، رقم:1639)، والمراد بالعين: جميع الجسد.
عباد الله: البر لا يبلى، والذنب لا ينسى،
والدّيّان لا يموت، اعمل ما شئت كما تدين تدان، فادعوا الله......
(الخطبة الثانية)
((من سبل المحافظة على الترابط الأسري
الحمد لله ربّ العالمين، والعاقبة للمتقين،
ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن
سيدنا محمدا عبده ورسوله الصادق الوعد الأمين، اللهم صلّ عليه ، وعلى آله وصحبه أجمعين،
وبعد:
فقد رأينا بعضًا من فوائد ذكر الله (عزّ
وجلّ) في تلك الأيام المباركة، بعد أن علمنا حقيقته ومراتبه، وبقي لنا في تلك الجمعة
المباركة أن نذكر ببعضٍ من سبل المحافظة على الترابط الأسري، فصلة الأرحام من أوجب
الواجبات علينا في هذه الأيام، فأقول:
1ـ من سبل المحافظة على الترابط الأسري،
تنظيم الأدوار داخل الأسرة، فالقوامة، وقيادة سفينة الأسرة شأن الرجال، ورعاية بيت
الزوجية، والقيام على شئونه، وإصلاح أموره من شأن النساء، قال تعالى: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ
عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا
مِنْ أَمْوَالِهِمْ}[النساء:34]، وقال (صلى الله عليه وسلم) قال: (إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ
خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا قِيلَ
لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ)(مسند أحمد، رقم:1661)،
وعن أسماء بنت أبي بكر (رضي الله عنهما) قالت: (تَزَوَّجَنِي الزُّبَيْرُ، وَمَا لَهُ
فِي الأَرْضِ مِنْ مَالٍ وَلاَ مَمْلُوكٍ، وَلاَ شَيْءٍ غَيْرَ نَاضِحٍ وَغَيْرَ فَرَسِهِ،
فَكُنْتُ أَعْلِفُ فَرَسَهُ وَأَسْتَقِي المَاءَ، وَأَخْرِزُ غَرْبَهُ وَأَعْجِنُ،
وَلَمْ أَكُنْ أُحْسِنُ أَخْبِزُ، وَكَانَ يَخْبِزُ جَارَاتٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ،
وَكُنَّ نِسْوَةَ صِدْقٍ، وَكُنْتُ أَنْقُلُ النَّوَى مِنْ أَرْضِ الزُّبَيْرِ الَّتِي
أَقْطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ) عَلَى رَأْسِي، وَهِيَ
مِنِّي عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ...)(صحيح البخاري:5224، صحيح مسلم:2182)، فلو قام كل
واحد في الأسرة بدوره الذي حددته له الشريعة الإسلامية؛ لاستقرت الأسرة المسلمة، وما
تهدمت أركانها بالطلاق وغيره، واختفت المشاحنات والخلافات بين أفرادها، وأخرجت الأسرة
للمجتمع والوطن والعروبة والإسلام أفردا صالحين مصلحين.
2ـ ومن سبل المحافظة على الترابط الأسري،
المعاشرة بالمعروف بين جميع أفراد الأسرة، وخلاصة المعاشرة بالمعروف: تطييب الأقوال،
وتحسين الأفعال والهيئات ـ حسب القدرة ـ واستدامة البِشر، والملاطفة بين أطرافها، ومنه،
قيام الجميع بالحقوق والواجبات الواجبة عليه تجاه الأخر كما سيأتي، ومنه، العفو والصفح
والحلم، والتحلي بالصبر كما سنرى، والتعامل بالأخلاق الحسنة، والسجايا الكريمة...وهكذا،
قال تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ
تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا}[النساء:19]، وعن ابن
عباس (رضي الله عنهما) قال: (إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَتَزَيَّنَ لِلْمَرْأَةِ، كَمَا
أُحِبُّ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِي الْمَرْأَةُ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلَهُنَّ
مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ}[البقرة:228]، وَمَا أُحِبُّ أَنْ أَسْتَنْظِفَ
جَمِيعَ حَقِّي عَلَيْهَا، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ: {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ
دَرَجَةٌ}[البقرة:228]) (مصنف ابن أبي شيبة، رقم:19263)، ولنا في حديث أبي زرع الطويل
وحسن معاملته لزوجته نموذج ومثال ودرس وعبرة، حتى قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
للسيدة عائشة (رضي الله عنها): (كُنْتُ لَكِ كَأَبِي زَرْعٍ لِأُمِّ زَرْعٍ)(صحيح مسلم،
رقم:2448).
3ـ ومن سبل المحافظة على الترابط الأسري،
الإصلاح، ورأب الصدع، ولمّ شمل أفراد الأسرة عند حدوث أي مشكلة، فالبشر ليسوا ملائكة
معصومين، وكل ابن آدم خطاء، ولو قدر لبيت أن يسلم من خلاف أو خطأ لكان بيت النبوة فيجب
الإصلاح بين الزوجين المتخالفين، لقوله تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا
فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا
يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا}[النساء:35]،
وقال تعالى: {وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا
جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ
الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ
خَبِيرًا}[النساء:128].
اللهم ارفع عنا الوباء والبلاء والغلاء،
وأمدنا بالدواء والغذاء والكساء، اللهم اصرف عنّا السوء بما شئت، وكيف شئت إنك على
ما تشاء قدير، وبالإجابة جدير، اللهم ارفع مقتك وغضبك عنّا، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء
منّا، اللهمّ آمين، اللهمّ آمين.