واذكروا الله في أيامٍ معدودات
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام
على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد،
معاشر المسلمين، أوصيكم ونفسي بتقوى الله
عز وجل، فهي خير زاد وأكرم عُدة.
القصة
أحب أن أبدأ معكم بقصة من نور الصحابة،
عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه. كان عمر يخرج ليلاً يتفقد أحوال الرعية،
وفي إحدى الليالي سمع بكاء أطفال متواصلًا. اقترب فإذا بامرأة وأطفال صغار، فقالت:
هؤلاء الأطفال يبكون من الجوع، وليس في القدر طعام، إنما وضعت ماءً لأوهمهم أني أطبخ
لهم حتى يناموا. ففاضت عينا عمر بالدموع، وحمل على ظهره كيسًا من الدقيق والسمن إلى
بيتهم، وطبخ بيده وأطعمهم حتى شبعوا. ثم جلس يراقبهم وهم يأكلون حتى غلبهم النوم. فقال
موقفًا يليق بمن يستشعر الحساب: "أتحمل عني وزري يوم القيامة؟".
إنه من يستشعر عظمة الله في كل لحظة، في
السراء والضراء. وهذا ما سنتحدث عنه اليوم، عن آية عظيمة أمرنا فيها ربنا بالذكر في
أيام معدودات.
ملخص العناصر الرئيسية
سنتحدث -بإذن الله- في خطبتنا اليوم عن
ستة محاور:
1. الأيام المعدودات ومفهومها وسبب تسميتها
بأيام التشريق.
2. فضل ذكر الله تعالى وشرف هذه الأيام.
3. ضوابط الذكر المأمور به (التكبير المقيد
والمطلق).
4. الأكل والشرب والذكر في هذه الأيام.
5. فضائل وخصائص الأيام المعدودات.
6. الحث على الإكثار من الدعاء والتوبة.
الشرح والأدلة
العنصر الأول: الأيام المعدودات ومفهومها وسبب تسميتها بأيام التشريق
إن الأيام المعدودات التي أمرنا الله بذكره
فيها هي أيام التشريق الثلاثة: الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من شهر ذي الحجة.
وقد أجمع المفسرون على هذا القول،
فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
"الأيام المعدودات: أيام التشريق".
وسميت أيام التشريق بهذا الاسم لأن الحجاج
كانوا يشرقون فيها لحوم الأضاحي والهدايا، أي ينشرونها ويقددونها تحت الشمس. ويومها
الأول يسمى "يوم القَرّ"؛ لأن الحجاج يقرون فيه بمنى ولا يجوز النفر فيه،
والثاني "يوم النفر الأول"، والثالث "يوم النفر الثاني".
العنصر الثاني: فضل ذكر الله تعالى وشرف
هذه الأيام
إن هذه الأيام أيام عظيمة خصها الله بالذكر،
وفي حديث عبد الله بن قرط رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أَعْظَمُ
الأَيَّامِ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ الْقَرِّ". ويوم القر
هو أول أيام التشريق.
وهي أيام قال عنها النبي صلى الله عليه
وسلم: "أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ لِلَّهِ"
(رواه مسلم، حديث صحيح). وهذا دليل على عظم شأنها وجمعها بين العبادة والتمتع بما أحل
الله.
العنصر الثالث: ضوابط الذكر المأمور به
(التكبير المقيد والمطلق)
إن ذكر الله في هذه الأيام له صورتان: ذكر
مقيد بعقيب الصلوات، وذكر مطلق في كل الأوقات.
فأما التكبير المقيد: فيبدأ من صلاة الصبح
يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق، وهذه الأيام كلها أيام عيد لأهل الإسلام.
وقد صح عن الصحابة رضوان الله عليهم أنهم كانوا يلتزمون بهذا التكبير، فعن عمر بن الخطاب
وابن عمر رضي الله عنهم أنهم كانوا يكبرون في منى تلك الأيام، خلف الصلوات، وعلى فراشهم،
وفي مجالسهم وممشاهم.
وأما التكبير المطلق: فيشرع في جميع هذه
الأيام، ويكون بالصيغة المشهورة: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله، الله
أكبر الله أكبر ولله الحمد".
العنصر الرابع: الأكل والشرب والذكر في
هذه الأيام
لقد جمعت هذه الأيام بين المتعة الدنيوية
المشروعة والعبادة الروحية العظيمة. فيشرع فيها الأكل من لحوم الأضاحي والهدايا، وهذا
من نعمة الله علينا التي يجب أن نشكره عليها. كما ورد في الحديث: "إِنَّ اللَّهَ
لَيَرْضَى عَنِ الْعَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا أَوْ يَشْرَبَ
الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا".
كما يشرع فيها التسمية والتكبير عند ذبح
النسك، ووقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتد إلى آخر أيام التشريق عند جماعة من العلماء.
العنصر الخامس: فضائل وخصائص الأيام المعدودات
إن لهذه الأيام خصائص عديدة، منها:
1. أنها أيام مشهودة للخير والبركة: ففيها
تقبل الأعمال الصالحة، وتكثر فيها الحسنات.
2. أنها أيام تكفير السيئات: فعند الإكثار
من الطاعات فيها تمحى الخطايا وتُرفع الدرجات.
3. أنها أيام تجتمع فيها القلوب على طاعة الله:
فيجتمع الحجاج في منى، ويجتمع المسلمون في أرجاء المعمورة على ذكر الله.
4. أنها أيام رحمة ومغفرة: فالأبواب مفتوحة،
والخيرات متاحة، والرحمة نازلة.
العنصر السادس: الحث على الإكثار من الدعاء
والتوبة
لقد حثنا النبي صلى الله عليه وسلم على
الإكثار من الدعاء في هذه الأيام المباركة، فقال عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ
لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ". فاغتنموا هذه الفرصة، وأكثروا
من الدعاء والتوبة والاستغفار، فمن لم يسأل الله يغضب عليه. فاسألوه بأسمائه الحسنى
وصفاته العلى أن يغفر لكم ويرحمكم ويعتق رقابكم من النار.
الخاتمة
عباد الله، إن الأيام المعدودات نعمة عظيمة
من الله علينا، جعلها أيام شكر وذكر وطاعة. فلا نضيِّعها بالغفلة واللهو، بل نجعلها
محطات لزيادة التقوى والقرب من الله.
وختامًا، نسأل الله أن يجعلنا من الذاكرين
الله كثيراً والذاكرات، وأن يتقبل منا صالح الأعمال، وأن يعتق رقابنا من النار، وأن
يجعلنا من عباده الصالحين.
الدعاء
اللهم تقبل منا صالح الأعمال، واغفر لنا
ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا، وانصرنا على القوم الكافرين. اللهم أعنا على
ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واجعلنا من عبادك الصالحين. اللهم إنا نسألك حبك وحب من يحبك،
وحب كل عمل يقربنا إلى حبك. اللهم اجعلنا من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات، وأتم
علينا نعمتك، وأسبغ علينا رحمتك، ولا تحرمنا لذة النظر إلى وجهك الكريم يوم القيامة.
ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وصلى الله على نبينا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
خطبة الجمعة: الترابط الأسري
المقدمة
الحمد لله الذي جعل من أنفسنا أزواجًا،
وجعل بيننا مودةً ورحمة، خلقنا من نفسٍ واحدة وبثَّ منا رجالاً كثيرًا ونساءً، وربط
القلوب بالأرحام، وألزمنا بحسن العشرة وصلة الرحم. أحمده سبحانه وأشكره على نعمة الأهل
والبيت، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده
ورسوله، بعثه رحمة للعالمين، وأرسله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، صلى الله عليه وعلى آله
وصحبه أجمعين، وعلى كل من اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين.
أما بعد، فيا عباد الله، اتقوا الله حق
تقاته، فإن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم.
القصة
وأبدأ معكم – أيها المؤمنون – بقصة من نور
الصحابة، عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، قالت: كان لنا فراش ينام عليه رسول الله
صلى الله عليه وسلم، فجاء رجل من أهل بيتي، فضرب الباب، فقام النبي ﷺ فدخل بيتي، فأهوى إلى الفراس فكأنه جمعه
فوضعه في البيت، فقلت: يا رسول الله، لو وسعته؟ قال: «إنا أهل بيت لا نأكل الصدقة».
وكان العباس رضي الله عنه قد أتى بصدقة، فأباها النبي ﷺ، فقال العباس: مرهم فلا يأكلوها، قال:
«لا أرضى حتى يكونوا هم يأكلونها»، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ فقال: «ما أُبالِي لو أن لي مثل أُحُدٍ
ذهبًا، فأعلم أن لي أهلاً يكونون عندي».
إنها قصة تترجم معاني الوفاء والتكافل والتراحم،
أسرة واحدة تجمعها رابطة الدين والنسب، تعمل جهدها لتربية أبنائها على الفضيلة، وتؤثرهم
على نفسها.
العناصر الرئيسية
أيها المسلمون، إن حديثنا اليوم عن نعمة
عظيمة ومنحة ربانية، إنه حديثنا عن: الترابط الأسري، وسيكون حديثنا في سبعة محاور،
هي:
1. مفهوم الأسرة ومكانتها في الإسلام.
2. بر الوالدين: أساس البناء الأسري.
3. حقوق الزوجين: المودة والرحمة أساس الحياة.
4. تربية الأبناء: القدوة والمسؤولية.
5. صلة الرحم: جسور المحبة والألفة.
6. أسباب تقوية الروابط الأسرية في ضوء الكتاب
والسنة.
7. آثار ومخاطر التفكك الأسري على الفرد والمجتمع.
️الشرح والأدلة
العنصر الأول: مفهوم الأسرة ومكانتها في
الإسلام
الأسرة المسلمة هي الخلية الأولى في بناء
المجتمع، وهي اللبنة الأساسية التي يقوم عليها صرح الأمة الإسلامية بأسره. فالأسرة
إذا صلحت صلح بها المجتمع بأسره، وإذا فسدت فسد المجتمع بأكمله. إنها المدرسة الأولى
التي يتخرج منها الأجيال، مصداقًا لقول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا
رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: 1]. وفي موضع آخر، يذكرنا ربنا بنعمته
قائلاً: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ
أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ [النحل: 72].
أيها المسلمون، إن السكن والطمأنينة في
البيوت نعمة عظيمة؛ سلوا عنها من فقدها؛ لتدركوا أهميتها، سلوا المشردين والمفككة بيوتهم
عن حالهم؛ لتدركوا من أي منة أنتم فيها.
العنصر الثاني: بر الوالدين: أساس البناء
الأسري
لقد أمرنا الله تعالى بالإحسان إلى الوالدين
وجعل ذلك وصية عظمى، قال الله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ [النساء: 36]، وقال سبحانه: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا
تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ
الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا
وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ
وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 23-25].
وبر الوالدين من أحب الأعمال إلى الله بعد
الصلاة؛ ففي صحيح البخاري عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه قال: سألتُ رسول الله صلى
الله عليه وسلم أي العمل أفضل؟ قال: «الصلاة على ميقاتها» ، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم بر
الوالدين» ، قلت: ثم أي؟ قال: «الجهاد في سبيل الله» . وفي الرواية الصحيحة عن أبي
هريرة رضي الله عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله، مَن أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال:
«أمك» ، قال: ثم مَن؟ قال: «أمك» ، قال: ثم مَن؟ قال: «أمك» ، قال: ثم مَن؟ قال: «أبوك»
. قال العلامة ابن كثير رحمه الله: الوالدان هما سبب وجود الإنسان، ولهما عليه غاية
الإحسان؛ فالوالد بالإنفاق، والوالدة بالإشفاق.
العنصر الثالث: حقوق الزوجين: المودة والرحمة
أساس الحياة
يقول الله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ
خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ
مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم:
21]. فهذه الآية تحوي أسس الحياة الزوجية السعيدة: المودة وهي الحب، والرحمة وهي الشفقة
والتعاون، فهما الركيزتان الأساسيتان لترابط الأسرة.
وقد أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالنساء
خيرًا، فقال في حجة الوداع: «اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا» . وقال صلى الله عليه
وسلم: «لا يَفْرَكُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقًا رَضِيَ مِنْهَا
آخَرَ، أَوْ قَالَ غَيْرَهُ» رواه مسلم. وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لأَخِيهِ مَا يُحِبُّ
لِنَفْسِهِ» متفق عليه. وعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، ما
حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: «أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ،
وَلاَ تَضْرِبِ الوَجْهَ، وَلاَ تُقَبِّحْ، وَلاَ تَهْجُرْ إِلاَّ فِي البَيْتِ» رواه
أبو داود وأحمد.
العنصر الرابع: تربية الأبناء: القدوة والمسؤولية
الأبناء أمانة في أعناق الآباء والأمهات،
ورعايتهم حق واجب. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ
عَلَى الفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»
رواه البخاري.
وقد كان النبي ﷺ أسوة حسنة في التعامل مع الأبناء، فقد
رُوي أنه كان يُطيل السجود إذا ركب الصبي على ظهره في صلاته، وأخرج البخاري عن عروة
بن الزبير قال: كان الحسن والحسين يركبان على ظهر النبي ﷺ وهو يصلي. وقال الحبيب المصطفى: «مُرُوا
أَوْلاَدَكُمْ بِالصَّلاَةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ، وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ
أَبْنَاءُ عَشْرٍ» رواه أبو داود.
ومن العدل بين الأبناء ما نبه إليه النبي
ﷺ بقوله: «اتَّقُوا اللهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ
أَوْلاَدِكُمْ» . وقال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ كَانَ لَهُ ابْنَتَانِ فَأَحْسَنَ
إِلَيْهِمَا، كَانَتَا لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ».
العنصر الخامس: صلة الرحم: جسور المحبة
والألفة
لقد أمر الله تعالى بالإحسان إلى الأرحام،
وجعل ذلك من علامات الإيمان. قال سبحانه: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ [الإسراء:
26]. في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
«إِنَّ اللهَ خَلَقَ الْخَلْقَ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْهُمْ قَامَتِ الرَّحِمُ فَقَالَتْ:
هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قَالَ: نَعَمْ! أَمَا تَرْضَيْنَ
أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟! قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَذَاكِ
لَكِ» . وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم
قال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ،
فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ»
.
ومن روائع قصص الصحابة في صلة الرحم ما
ورد في حق أبي بكر الصديق رضي الله عنه، قال تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور: 22]، وكان لأبي بكر ابن خالة يُدعى مسطح بن أثاثة، وكان
مسطح ممن خاض في حديث الإفك، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه؛ فنزلت الآية تحضه على العفو
والصلة فعفا وأحسن.
العنصر السادس: أسباب تقوية الروابط الأسرية
في ضوء الكتاب والسنة
إن من أعظم أسباب ترابط الأسرة أن يجتمع
أفرادها على دين الله والإخلاص له؛ بأن يكون الاجتماع الأسري والترابط بين أفراده قائمًا
على الوازع الديني الذي يدفع إلى البر والتقوى. وقد وصف الله المؤمنين بأنهم ﴿رُحَمَاءُ
بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: 29]. والمودة التي جعلها الله بين الزوجين من موجبات السكن والاستقرار.
والتشاور بين الزوجين سنة ربانية؛ قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى:
38]، وتطبيقه في الأسرة يسهل حل الخلافات ويوطد المحبة.
وإبليس يضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه،
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن أعظمهم فتنة من يفرق بين المرء وزوجته. قال جابر
رضي الله عنه عن النبي ﷺ: «إنَّ إبْلِيسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى
الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ، فَأَدْنَاهُمْ مِنْهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ
فِتْنَةً… يَجِيءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُولُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ
وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ، فَيُدْنِيهِ مِنْهُ، وَيَقُولُ: نِعْمَ أَنْتَ» رواه مسلم. فإدراك
هذا يدفعنا إلى التحصن بطاعة الله وترابط القلوب.
العنصر السابع: آثار ومخاطر التفكك الأسري
على الفرد والمجتمع
أيها المسلمون، إن التفكك الأسري من أعظم
ما يهدم المجتمعات ويضيع الأجيال. قال نبينا محمد ﷺ: «مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ
عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ» متفق عليه. وقد حذر الله من إفشاء الأسرار والزنا،
فقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً﴾ [الإسراء:
32]. إن التفكك يقود إلى انتشار الفواحش وضياع الأولاد. وكثير من أسر المسلمين أصبحت
تعاني من فتور العلاقات بين الأبناء والآباء، وضعف التواصل الأسري، الأمر الذي قد ينتج
عنه غربة الأبناء عن دينهم وتفكك المجتمعات. وفي المقابل، إذا صلحت الأسرة بنيت مجتمعات
قوية أمينة، وإذا فسدت الأسر ضاعت ثمارها.
الخاتمة
أيها المسلمون، إن الأسرة في الإسلام لوحة
مضيئة ومرآة عاكسة لسمو تعاليم القرآن. فلنحرص على توثيق أواصرنا، ولنكثف من جلسات
الحوار والتشاور فيما بيننا؛ لأن الأسرة هي الدعامة الأساسية لبناء مجتمع قوي. تعالوا
نضع نصب أعيننا قول الرسول ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ
عَنْ رَعِيَّتِهِ». فراعوا الله في أهليكم، وخافوه في تربيتكم لأبنائكم، وتواصلوا مع
أرحامكم، لتكونوا ممن قال فيهم نبيكم ﷺ: «خيرُكم خيرُكم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
اللهم اجعلنا مفاتيح للخير مغاليق للشر.
الدعاء
اللهم ألِّف بين قلوب أزواجنا وأولادنا، واجمعنا على طاعتك. اللهم ارزقنا الود والرحمة في بيوتنا، وأصلح لنا أبناءنا وذرياتنا، واجعلهم قرة أعين لنا، وهب لنا من لدنك رحمة، وبارك لنا في أزواجنا وذرياتنا، وأعذنا من قطع الأرحام وتفكك البيوت. اللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.