هل للأم المتزوجة من أجنبي حق حضانة الأولاد؟
هل يجوز للأم أن تحتضن أولادها مع زواجها من أجنبي؟
مسألة حضانة الأم لأطفالها في حال زواجها من رجل آخر (أجنبي عن المحضونين) هي من المسائل الفقهية التي تناولها العلماء بناءً على نصوص الشريعة وقواعدها، وفيها تفصيل واجتهاد يهدف في المقام الأول إلى تحقيق مصلحة المحضون ..
عن عبدالله بن عمرو:" أنَّ امرأةً أتَتِ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ فقالَتْ يا رسولَ اللهِ ابْنِي هَذَا كانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً وحَجْرِي له حِوَاءً وثَدْيِيِ لَهُ سِقَاءً وزَعَمَ أَبوهُ أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنِّي قال: أنتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لم تَنْكِحِي"(أبو داود وأحمدواللفظ له).
أي الوالدين أحق بالولد في حضانة الأبناء؟
الشرع الحنيف أجاز للأم حضانة أولادها وأنها أحق بهم فهي أحن عليهم من أي مخلوق أخر ولكن إذا تزوجت الأم فتنتقل الحضانة منها لغيرها وفي هذا الحديث يبين لنا الرسول صلي الله عليه وسلم متي تنتقل الحضانة عن الأم
فقد قُدِّمَتِ الأُمُّ على الأَبِ في رِعَايةِ الوَلَدِ وحَضَانتِهِ، لاختِصاصِها بأُمورٍ ليستْ في الأبِ، وأيضًا لأنَّ الأُمَّ أرْفَقُ بالطِّفْلِ في وقْتِ الحَضَانَة مِن أبِيهِ، وفي هذا الحديثِ تأكيدٌ لهذا؛ حيثُ جاءتِ امْرَأةٌ لرسُولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ ابْنِيَ هذا كانَ بَطْنِي له وِعَاء، أي: وقْتَ حَمْلِه، تِسْعَة أشْهُرٍ بطْنِي له كالوِعَاءِ، وثَدْيِي له سِقَاءٌ، أي: وقْتَ رَضَاعتِه، لا سِقَاء له إلَّا مِن ثَدْيِي، وحِجْرِي له حِوَاء، أي: ربَّيْته وحَوَاه حِجْرِي بعدَ فِطَامِه، و"الحِوَاء" اسمٌ لِما يَحوِي الشَّيْءَ ويَحْفَظُه ويَحْرُسُه، وإنَّ أبَاه طَلَّقَنِي، وأرادَ أنْ يَنْتَزِعَه منِّي، أي: يَأْخُذَه منِّي كَرْهًا، فقال لها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (أنْتِ أحقُّ به ما لم تَنْكِحِي"
أي: ما لم تَتَزَوَّجِي؛ وذلك لأنَّها خُصَّت
بمعانِي الحَضَانة الَّتي لا يُشارِكُها فيها الأبُ؛ فقُدِّمَتْ عند المُنَازَعَةِ
في أمْرِ الابْنِ، ولا خِلافَ في أنَّ الأُمَّ أحَقُّ بالطِّفْلِ ما لم تتزَوَّج، فإذا
تزوَّجَتْ فلا حَقَّ لها في حَضَانتِه، ويكونُ في حَضَانِة أَبيهِ.
وقد قال كثير من العلماء والمحللين والحقوقين :"عندما نجد اليوم من ينادي بحضانة الأم في ظل زوج أخر غير أبيهم فهذا عبث ومخالفة صريحة لشرائع الدين .. وما نراه من حوادث بشعة قتل وزنا محارم ..الخ . إلا من هذه المخالفات الصارخة ؟؟
إليك توضيح للمشهد الفقهي والقانوني في هذا السياق:
الأصل الفقهي: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الأم إذا تزوجت من رجل أجنبي عن أطفالها، فإنها قد تسقط حضانتها، والسبب في ذلك كما يذكره الفقهاء هو "شفقة الزوج الجديد" التي قد لا تكون كشفقة الأب، أو انشغال الأم بحقوق الزوج الجديد عن رعاية الأطفال، مما قد يؤثر على مصلحتهم ..
قال ابن العربي في (أحكام القرآن): الخالة أحق بالحضانة بعد الجدة من سائر القرابة والناس .. هذا إذا كانت الخالة أيِّمًا، فأما إن تزوجت، وكان زوجها أجنبيا، فلا حضانة لها؛ لأن الأم تسقط حضانتها بالزوج الأجنبي، فكيف بأختها، وبأمها، والبدل عنها، فإن كان وليا لم تسقط حضانتها كما لم تسقط حضانة زوج جعفر؛ لكون جعفر وليا لابنة حمزة، وهي بنوة العم .. اهـ.
وقال الموصلي في (المختار): من لها الحضانة إذا تزوجت بأجنبي سقط حقها. اهـ.
وجاء في (الموسوعة الفقهية) ضمن الشروط الخاصة بالحواضن من النساء: ألا تكون الحاضنة متزوجة من أجنبي من المحضون، لأنها تكون مشغولة بحق الزوج، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: "أنت أحق به ما لم تنكحي". فلا حضانة لمن تزوجت بأجنبي من المحضون، وتسقط حضانتها من حين العقد عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة، وبالدخول عند المالكية، وهو احتمال لابن قدامة في المغني ... هذا بالنسبة لزواج الحاضنة من أجنبي من المحضون، فإن تزوجت بذي رحم محرم من المحضون كالجدة إذا تزوجت بجد الصبي، أو تزوجت بقريب ولو غير محرم من المحضون كابن عمه، فلا تسقط حضانتها، وهذا عند الجمهور - المالكية، والحنابلة، والشافعية - في الأصح. اهـ.
وعلى هذا القول من عدم سقوط حق المرأة في الحضانة إذا تزوجت بغير ذي رحم محرم من المحضون؛ فإن حضانة الأنثى تنقطع ـ على القول المختار ـ ببلوغ الفتاة سن الاشتهاء، وترجع الفتاة إلى أبيها.
استثناءات تسقط القاعدة: لم يجمع العلماء على سقوط الحضانة مطلقاً بمجرد الزواج. فقد ذكر كثير من الفقهاء (خاصة الحنابلة وبعض الحنفية والمالكية) أن الحضانة لا تسقط في حالات محددة إذا كان في ذلك مصلحة للمحضون، ومنها:إذا لم يوجد من هو أحق بالحضانة من الزوج الجديد (مثل عدم وجود جدة أو خالات)
إذا رضي من له الحق في الحضانة بعد الأم (كالأب أو الجدة) ببقاء الأطفال مع الأم وزوجها، وسكت عن طلبهم.
تغير الفتوى والقانون (المصلحة): في العصر الحديث، تبنت العديد من قوانين الأحوال الشخصية في الدول العربية والإسلامية مبدأ أن "الحضانة تدور مع مصلحة المحضون وجوداً وعدماً". فإذا ثبت للقاضي أن بقاء الطفل مع أمه وزوجها الجديد أصلح له من أخذه منها (بسبب أخلاق الزوج، أو رغبة الطفل، أو غيرها)، يجوز إبقاء الحضانة لها
وأخيرًا: ننبه على أن سقوط حق الحضانة عن الأم إذا تزوجت ليس محل اتفاق، بل محل خلاف وتفصيل، قال ابن القيم في (زاد المعاد): قد اختلف في سقوط الحضانة بالنكاح على أربعة أقوال:
أحدها: تسقط به ذكرا كان أو أنثى، وهو قول مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في إحدى الروايات عنه.
والثاني: لا تسقط بحال، وهو قول الحسن، وابن حزم.
والثالث: إن كان الطفل بنتا، لم تسقط الحضانة، وإن كان ذكرا سقطت، وهذه رواية عن أحمد - رحمه الله تعالى - وقال في رواية مهنا: إذا تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها. قيل له: والجارية مثل الصبي؟ قال: لا، الجارية تكون معها إلى سبع سنين. وحكى ابن أبي موسى رواية أخرى عنه: أنها أحق بالبنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ.
والرابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل، لم تسقط حضانتها، وإن تزوجت بأجنبي سقطت. ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يكفي كونه نسيبا فقط، محرما كان أو غير محرم، وهذا ظاهر كلام أصحاب أحمد، وإطلاقهم.
الثاني: أنه يشترط كونه مع ذلك ذا رحم محرم، وهو قول الحنفية.
الثالث: أنه يشترط مع ذلك أن يكون بينه وبين الطفل ولادة، بأن يكون جدا للطفل، وهذا قول بعض أصحاب أحمد، ومالك، والشافعي. اهـ
خلاصة القول:لا يعتبر
القول ببقاء الحضانة للأم عند زواجها "عبثاً" عند القائلين به، بل هو اجتهاد
مبني على مراعاة مصلحة الطفل وتغير الظروف الاجتماعية التي قد تجعل بقاءه مع أمه، حتى
وإن تزوجت، أصلح له من نقله إلى بيت آخر.