recent
أخبار عاجلة

هل الفئران مسخ أمة من بني إسرائيل؟

هل الفئران مسخ أمة من بني إسرائيل؟


 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:

روي أبو هريرة عن رسول الله صلي الله عليه وسلم أنه قال:" فُقِدَت أُمَّةٌ مِن بَني إسرائيلَ، لا يُدرى ما فعَلَت، ولا أُراها إلَّا الفَأرَ، ألا تَرَونَها إذا وُضِعَ لها ألبانُ الإبِلِ لَم تَشرَبْه، وإذا وُضِعَ لها ألبانُ الشَّاءِ شَرِبَتْه؟ قال أبو هُرَيرةَ: فحَدَّثتُ هذا الحَديثَ كَعبًا، فقال: آنتَ سَمِعتَه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم؟ قُلتُ: نَعَم، قال ذلك مِرارًا، قُلتُ: أأقرَأُ التَّوراةَ؟ قال إسحاقُ في رِوايَتِه: لا نَدري ما فعَلَت"(البخاري، ومسلم).

وفي رواية أخري عن أبي هريرة أيضاً"فُقِدَت أُمَّةٌ مِن بَني إسرائيلَ لا يُدرى ما فعَلَت، وإنِّي لا أُراها إلَّا الفارَ؛ إذا وُضِعَ لَها ألبانُ الإبِلِ لَم تَشرَبْ، وإذا وُضِعَ لَها ألبانُ الشَّاءِ شَرِبَت. فحَدَّثتُ كَعبًا فقال: أنتَ سَمِعتَ النَّبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم يَقولُه؟ قُلتُ: نَعَم، قال لي مِرارًا، فقُلتُ: أفَأقرَأُ التَّوراةَ؟"(البخاري ، ومسلم).

معاني الحديث وشرحه:

"فقدت أمة من بني إسرائيل": يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى جماعة أو قبيلة من بني إسرائيل، والتي مسخها الله (أي حول صورهم عقاباً لهم) بسبب عصيانهم لأوامره.

·من أقوال ابن القيم

"ولا أراها إلا الفأر": يرجح النبي صلى الله عليه وسلم بناءً على قرائن وسلوكيات معينة أن الفئران هي بقايا المسوخ من تلك الأمة.

"القرينة السلوكية": لاحظ النبي صلى الله عليه وسلم أن الفئران إذا قُدّم لها حليب الإبل ترفض شربه، وإذا قُدّم لها حليب الغنم (الشاء) شربته. وبما أن اليهود في شريعتهم يحرم عليهم لحم وحليب الإبل، فقد اعتبر النبي ذلك علامة ترجح أن الفئران من سلالة تلك الأمة الممسوخة.

عاقَبَ اللهُ سُبحانَه وتعالَى جَماعةً مِن اليهودِ على سُوءِ فِعلِهم واستِحلالِهم ما حرَّمَه اللهُ عليهم، مع تَحايُلِهم بالحِيَلِ الشَّيطانيَّةِ على أوامرِ اللهِ سُبحانَه ونَواهِيه، فمَسَخَهم اللهُ قِرَدةً وخَنازيرَ؛ قال تعالَى:"وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ"(المائدة: 60).

وفي هذا الحديثِ يُخبِرُ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّ طائفةً مِن بَني إسرائيلَ فُقِدتْ، والمرادُ أنَّها مُسِخَت، كما في رِوايةِ مُسلمٍ، ولا يُعلَمُ ما وَقَع لهم، ثمَّ أخبَرَ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنَّه يظُنُّ أنَّ اللهَ سُبحانَه مسَخَها لجِنسِ الفأرِ، وعَلامةُ ذلك أنَّه إذا وُضِعَ لها ألْبانُ الإبلِ لم تَشرَبْ؛ لأنَّها كانتْ مُحرَّمةً على بَني إسرائيلَ، وإذا وُضِعَ لها ألْبانُ الشَّاءِ شَرِبتْ، والشَّاءُ جمْعُ شاةٍ، وهي الغَنمُ.

ثمَّ قال أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه:"فحدَّثتُ كعبًا" أي: كعْبَ الأحبارِ، وفي رواية مسلم: «فقال له كعب: أسمِعتَ هذا من رسولِ الله صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ؟! قلْتُ: نعمْ"، فكرَّرَ سُؤالَه مرَّاتٍ، كأنَّه تَعجَّبَ مِن هذا القولِ، أو استَنكَرَه، أو ظنَّه مِن قَولِ أبي هُرَيرةَ ومِن عِندِ نفْسِه، فقال أبو هُرَيرةَ رَضيَ اللهُ عنه لكَعْبٍ:"أفأقرَأُ التَّوراةَ؟!" أي: هلْ أنا أقرَأُ التَّوراةَ حتَّى أنقُلَ منها؟! وعندَ مُسلمٍ قال:"أفأُنزِلَت علَيَّ التَّوراةُ؟!" أي: أنا لا أقْرَؤها، بلْ لا أقولُ إلَّا ما سَمِعتُه مِن رَسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ.

والظَّاهرُ مِن الحديثِ: أنَّه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ قال ذلك اجتهادًا منه وظنًّا قبْل أنْ يُخبَرَ مِن اللهِ تعالَى أنَّه لم يَجعَلْ لمسْخٍ نَسْلًا ولا عَقِبًا، كما ثبَتَ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وذُكِرَ عندَ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ القِرَدَةُ والخنازيرُ، فقال: إنَّ اللهَ لم يَجعلْ لمَسخٍ نسْلًا ولا عَقِبًا، وقد كانتِ القِردةُ والخنازيرُ قبْل ذلك، كما في صَحيح مُسلِمٍ وغيرِه، وعلى هذا يُحمَلُ قولُه صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ:"لا أُراها إلَّا الفأرَ"، وكأنَّه كان يظُنُّ ذلك، ثمَّ أُعلِمَ بأنَّها ليستْ هي.

ظن وتوقع وقرينة من رسول الله صلي الله عليه وسلم

ففي هذا الحديث يخبر النبي صلى الله عليه وسلم بأنه يظن ويتوقع أن الفأر مسخ، لأنها لا تشرب ألبان الإبل، وبنو إسرائيل لا يشربون ألبان الإبل، فجعل ذلك قرينة على أن الفأرة من بقايا من مسخ من بني إسرائيل، وهذا الإخبار هو من ظن النبي صلى الله عليه وسلم، وليس وحيا، كما يدل عليه قوله صلى الله عليه وسلم: لا أُراها ـ أي: لا أظنها، ومما يدل على الجزم بذلك ما جاء في صحيح مسلم عن ابن مسعود: أن النبي صلى الله عليه وسلم، ذكرت عنده القردة والخنازير من مسخ، فقال صلى الله عليه وسلم: إن الله لم يجعل لمسخ نسلا ولا عقبا، وقد كانت القردة والخنازير قبل ذلك.

فهنا خبر جازم بأن المسخ لا نسل لهم ولا عقب، فيكون ما جاء في حديث أبي هريرة بشأن الفأر مقولا قبل أن يوحى إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما جاء في خبر ابن مسعود هذا، قال ابن الجوزي: لا أُراها ـ أي لا أظنها، والظاهر أنه قال هذا بظنه، ثم أعلم بعد ذلك فقال ما سبق في مسند ابن مسعود: إن الله لم يمسخ مسخا فيجعل له نسلا ولا عاقبة. اهـ.

وقال القرطبي: ما ذكره في الفأرة لما قال: فُقِدت أمَّة من بني إسرائيل لا أدرى ما فَعَلت، ولا أراها إلا الفأر ـ كان هذا منه صلى الله عليه وسلم ظنًّا، وحدسا قبل أن يوحى إليه: إن الله تعالى لم يجعل لمسخٍ نسلاً ـ فلما أوحي إليه بذلك زال عنه ذلك التخوُّف، وعلم أن الضَّبَّ، والفأر ليسا من نسل ما مُسِخ، وعند ذلك أخبرنا بقوله: إن الله لم يجعل لمسخٍ نسلاً. اهـ.

وفي الإفصاح لابن هبيرة: أما قوله: لا أراها إلا الفأر ـ فإنه يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يقطع بذلك، وقد سبق في مسند ابن مسعود: إن الله لم يمسخ مسخًا، فيجعل له نسلا ـ فالعمل على ذلك الذي قطع عليه. اهـ.

وفي الكوثر الجاري للكوراني: فُقِدَت أمَّةٌ من بني إسرائيل لا يُدرى ما فعلت، وإني لا أراها إلا الفَأْر ـ فإن قلت: روى ابن مسعود أن رسول الله قال: لم يجعل الله لمن مسخ نسلًا ـ رواه مسلم، قلت: هنا إخبار لم يكن عن وحيٍّ، وإنما استدل على ذلك بأنها لم تشرب ألبان الإبل، لأنها كانت محرَّمة على بني إسرائيل، ولما علم وحيًا أخبر به جزمًا -كما في رواية مسلم- فلا إشكال. اهـ.

توقع الرسول وقرينته ليس فيها أي عيب 

وليس في خطأ ظن النبي صلى الله عليه وسلم في مثل هذا أي غض أو نقص من جليل مقامه ورفيع مكانته، وقد أخرج مسلم في صحيحه عن موسى بن طلحة، عن أبيه، قال: مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوم على رءوس النخل، فقال: ما يصنع هؤلاء؟ فقالوا: يلقحونه، يجعلون الذكر في الأنثى فيلقح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أظن يغني ذلك شيئا ـ قال: فأخبروا بذلك فتركوه، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: إن كان ينفعهم ذلك فليصنعوه، فإني إنما ظننت ظنا، فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا، فخذوا به، فإني لن أكذب على الله عز وجل.

 

google-playkhamsatmostaqltradent