هل يقع الطلاق بمجرد جريان اللفظ على اللسان دائماً؟
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، أما بعد:
لا يقع الطلاق بمجرد جريان اللفظ على اللسان دائماً.وفقاً للجمهور"ومنهم المالكية والشافعية والحنابلة"، يشترط لوقوع الطلاق القصد وإرادة التلفظ به.
أهم الحالات التي لا يقع فيها الطلاق رغم النطق به هي:
سبق اللسان: إذا أخطأ الزوج وتكلم بالطلاق دون قصد أو التوى لسانه أثناء
محاولة التحدث بكلمة أخرى.
فإذا كانت عبارة: (طلاق) قد انطلق بها لسانك من غير أن تقصد النطق بها، فلا يلزمك شيء عند جمهور أهل العلم،
ففي الموسوعة الفقهية :" من قال لزوجته اسقيني فجرى على لسانه أنت طالق, فإن الطلاق لا يقع عند الشافعية والحنابلة, لعدم القصد ولا اعتبار للكلام بدون القصد.
وقال الحنفية: يقع به الطلاق وإن لم يكن مختاراً لحكمه لكونه مختاراً في التكلم, ولأن الغفلة عن معنى اللفظ أمر خفي وفي الوقوف على قصده حرج.
وقال المالكية: المراد من القصد قصد النطق باللفظ الدال عليه في الصريح والكناية الظاهرة وإن لم يقصد مدلوله وهو حل العصمة، وقالوا: إن سبق لسانه بأن أراد أن يتكلم بغير الطلاق, فالتوى لسانه فتكلم بالطلاق فلا شيء عليه إن ثبت سبق لسانه في الفتوى والقضاء, وإن لم يثبت فلا شيء عليه في الفتوى ويلزمه في القضاء .انتهى.
الغضب الشديد: إذا بلغ الغضب بالزوج حداً يفقده الوعي والإدراك، بحيث لا يعي ما يقول ولا يتحكم في تصرفاته.
الحكاية: كأن يردد
الزوج اللفظ ليحكيه عن غيره أو لشرح مسألة دون أن يقصد إيقاع الطلاق على زوجته.
الحلف بالطلاق (التعليق): إذا قال الزوج "عليّ الطلاق إن فعلتِ كذا" وكان قصده التهديد أو الحث على فعل شيء ومنع الزوجة منه، وليس إنهاء الزواج، ففي هذه الحالة يقع الطلاق يميناً وعليه كفارة يمين عند الكثير من العلماء المعاصرين، ولا يقع طلاقاً.
وإن قصدت النطق من غير نية فهو طلاق معلق، لأن صريح الطلاق لا يحتاج إلى نية، وما نطقت به كاف لوقوع اليمين. وعليه،
قال ابن القيم -رحمه الله- في إعلام الموقعين: وصرّحوا أن الرجل لو علّق طلاق امرأته بشرط، فظن أن الشرط قد وقع، فقال: "اذهبي فأنت طالق"، وهو يظن أن الطلاق قد وقع بوجود الشرط، فبان أن الشرط لم يوجد، لم يقع الطلاق، ونص على ذلك ابن تيمية
المُكرَه والمُجبر: لا يقع طلاق من أُجبر عليه تحت التهديد والضغط.
مشروعية الطلاق
فالطلاق مشروع لإنهاء الرباط الوثيق بين
الرجل وزوجته، وليس الغرض منه العبث أو التسلط على المرأة.
ولهذا راعى الشرع فيه أموراً تقتضي التأني
والتبصر قبل الإقدام عليه، ككونه في طهر لم تجامع فيه المرأة، وأن لا يقدم الزوج عليه
إلا عند وجود أسباب تستدعيه كحصول الشقاق والخلاف، وفشل محاولات الإصلاح ورأب الصدع.
وإذا أراد الرجل أن يطلق زوجته فينبغي أن
يستعمل اللفظ الصريح كقوله: أنت طالق.
وأما استعمال ما ذكرت، فلا ندري وجهه وما
الحامل عليه، هل هو الخوف من التصريح بلفظ الطلاق أمام الزوجة، أو التعمية والإيقاع
في الحيرة، باستعمال ألفاظ لا تعرف الزوجة المراد منها؟
وهذا كله لا يليق بالمؤمن الذي يخاف الله
تعالى ويتقيه، ويعلم خطر الطلاق وعواقبه.
وهذه الجملة من قالها وأراد بها طلاق زوجته،
فإن زوجته تطلق في المشهور من مذهب مالك رحمه الله، وذلك لأن المالكية يرون أن كل كلام
يتكلم به الإنسان إن أراد به الطلاق فإنه يلزمه، كقوله لزوجته: اسقني الماء أو ادخلي
أو اخرجي أو كلي أو اشربي أو غير ذلك.
والجمهور من الحنفية والحنابلة والشافعية لا يوقعون الطلاق بمثل هذه الجملة، ولو نوى بها الإنسان الطلاق، وحجتهم في ذلك أن الطلاق لا يقع بالنية بمجردها، وأن اللفظ هنا غير صالح للطلاق، بخلاف ما لو قال: اخرجي أو اذهبي أو خليتك أو حبلك على غاربك..
الألفاظ المستعملة في الطلاق على ثلاثة أضرب:
الأول: الطلاق الصريح، كقوله: أنت طالق، فهذا يقع به الطلاق ولو لم ينوه.
الثاني: الطلاق بالكناية، كقوله: الحقي بأهلك ونحوه، فهذا يقع به الطلاق إذا نواه.
الثالث: الطلاق بلفظ أجنبي لا صريح ولا كناية، كقوله: اسقني الماء ونحوه، ومنه ما ذكرته في السؤال حسبما يظهر منه، فهذا لا يقع به الطلاق ولو نواه.
هذا هو مذهب الجمهور، قال الشافعي رحمه الله في كتاب الأم: وإن كلم امرأته بما لا يشبه الطلاق وقال: أردت به الطلاق، لم يكن طلاقاً، وإنما تعمل النية مع ما يشبه ما نويته به.
وقال ابن قدامة: فأما ما لا يشبه الطلاق ولا يدل على الفراق، كقوله: اقعدي وقومي وكلي وشربي... وبارك الله فيك وغفر الله لك، وأشياء من ذلك، فليس بكناية ولا تطلق به وإن نوى. انتهى.
وذهب المالكية إلى وقوع الطلاق به بالنية، قال خليل بن إسحاق: وإن قصده بكاسقني الماء، قال شارحه التاج والإكليل: وضرب ثالث من النطق وهو ما ليس من ألفاظ الطلاق ولا محتملاته، نحو قوله: اسقني ماء وما أشبهه، فإن ادعى أنه أراد به الطلاق فقيل: يكون طلاقاً. انتهى.
وفى حال وقوع الطلاق فلك مراجعة زوجتك قبل تمام عدتها إذا لم تكن هذه هي طلقتها الثالثة. وعدتها تنتهي بطهرها من الحيضة الثالثة بعد الطلاق، أو مضي ثلاثة أشهر إن كانت لا تحيض لصغر أو كبر، أو وضع حملها إن كانت حاملا، وتحصل رجعتها بقولك أرجعتك مثلا، أو ببعض ما تصح به الرجعة،
فمن حلف بالطلاق
على فعل شيء أو تركه أو حصول شيء أو عدم حصوله، ثم جرى الأمر على خلاف ما حلف عليه،
فقد طلقت منه زوجته سواءً قصد الطلاق أو لم يقصد، وعلى هذا أكثر أهل العلم وهو الراجح،
وعليه؛ فما دام هذا الرجل يحلف باستمرار قائلاً "علي الطلاق لن يحدث كذا..."
ثم يحدث ما حلف عليه، فقد طلقت منه زوجته من أول يمين صدرت منه بهذه الصورة، فإن لم
يكن راجعها قبل انقضاء عدتها فقد بانت منه بينونة صغرى يمكنه بعدها أن يتزوجها بعقد
جديد ومهر وولي وشاهدين.
وإن كان قد راجعها
بعد وقوع الطلاق ثم أوقع الطلاق ثم راجعها ثم أوقع الطلاق فقد بانت منه بينونة كبرى،
ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ثم يطلقها؛ بشرط ألاّ يكون محللاً.
ونود أن نوضح هنا
كيفية الرجعة فنقول: الرجعة تحصل بالقول وبالفعل، وقد قسم الفقهاء الأقوال إلى قسمين:
الأول: صريح كلفظ
راجعتك أو ارتجعتك إلى نكاحي، وهذا القسم تصح به الرجعة ولا يحتاج إلى نية.
الثاني: كناية
وهي الألفاظ التي تحتمل معنى الرجعة ومعنى آخر غيرها، مثل أن يقول لها "أنت عندي
كما كنت" فيحتمل كما كنت زوجة ويحتمل كما كنت مكروهة، ولذلك تحتاج هذه الألفاظ
إلى نية من الزوج، وهو أدرى بنفسه ويصدّق فيما ادعى.
وأما الأفعال:
فقد ذهب الحنفية إلى أن الجماع ومقدماته كاللمس والتقبيل ونحوهما بشهوة تحصل به الرجعة.
وذهب المالكية
إلى صحة الرجعة بالفعل كالوطء ومقدماته كالتقبيل بشهوة بشرط أن ينوي الزوج بهذه الأفعال
الرجعة.
وذهب الشافعية
إلى عدم صحة الرجعة بالفعل مطلقاً سواء كان بوطء أو مقدماته، وسواء كان الفعل مصحوباً
بنية الزوج للرجعة أو لا.
وذهب الحنابلة
إلى التفريق بين الوطء وبين مقدماته فرأوا أن الرجعة تحصل بالوطء ولو لم ينو الرجعة.
وأما مقدمات الوطء
فقد اختلفوا في حصول الرجعة بها، والرواية المعتمدة عندهم عدم حصول الرجعة بها.