recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة صُوَرٌ مِنَ التَّرَاحُمِ في الإسلام الشيخ عبدالناصربليح

  صُوَرٌ مِنَ التَّرَاحُمِ في الإسلام 



الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين

أما بعد فياعباد الله 

 قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي وَصْفِ الْأُمَّةِ الْمَرْحُومَةِ:"مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ"(الْفَتْحِ: 29)، فَجَعَلَ التَّرَاحُمَ عَلَامَةً فَارِقَةً.

رُحَمَاءُ فِيمَا بَيْنَهُمْ وهناك صور كثيرة وعديدة من صور الرحمة في الإسلام 

 نذكر بعضاً من هَذِهِ الصُّوَرَ وَالْمَوَاقِفَ لِلتَّرَاحُمِ بَيْنَ جَمِيعِ فِئَاتِ الْمُجْتَمَعِ؛ لِنُطَبِّقَهَا عَمَلِيًّا عَلَى أَرْضِ الْوَاقِعِ

عباد الله : الرَّحْمَةُ فِي مِيزَانِ الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ شِعَارًا أَجْوَفَ، إِنَّمَا هِيَ سُلُوكٌ يَتَجَلَّى عَمَلِيًّا فِي كُلِّ مَدَارِكِ الْحَيَاةِ.

  فَيَتَرَحَّمُ الْمُسْلِمُ عَلَى أَهْلِهِ، ويبر والديه .وَيُحْسِنُ إِلَى وَلَدِهِ، وَيَرْفُقُ بِزَوْجِهِ، وَيَصِلُ رَحِمَهُ، وَيُكْرِمُ جَارَهُ.

  فَمِنْ صُوَرِ الرَّحْمَةِ،الرحمة بالوالدين 

عباد الله:" وتلك وصية المولي عز وجل :"وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا"( الإسراء / 24).

الرَّحْمَةُ بِالنِّسَاءِ:

وَهَذِهِ هِيَ وَصِيَّةُ الرَّسُولِ  لِأُمَّتِهِ. فَكَانَ  دَائِمًا يَقُولُ لِأَصْحَابِهِ: "اسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا"(الْبُخَارِيُّ)، 

وَقَالَ: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي"(التِّرْمِذِيُّ، صَحِيحٌ).

جَاءَ الْإِسْلَامُ وَالْمَرْأَةُ تُورَثُ كَالْمَتَاعِ، فَجَعَلَ لَهَا مَهْرًا:"وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً"(النِّسَاءِ: 4)، وَأَوْجَبَ نَفَقَتَهَا وَلَوْ كَانَتْ غَنِيَّةً.

وَحَرَّمَ وَأْدَ الْبَنَاتِ فَقَالَ:"وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ"(التَّكْوِيرِ: 8-9).

 وَقَالَ فِي الْبَنَاتِ: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذِهِ الْبَنَاتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النَّارِ" (الْبُخَارِيُّ).

 وَقَالَ فِي الْيَتِيمِ واليتيمة: "أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ"(الْبُخَارِيُّ).

وَقَالَ فِي الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ: "السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"(الْبُخَارِيُّ).

هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالضُّعَفَاءِ، دِينٌ جَاءَ وَالْمَرْأَةُ تُدْفَنُ حَيَّةً فَحَرَّمَ ذَلِكَ، وَجَعَلَ تَرْبِيَةَ الْبَنَاتِ حِجَابًا مِنَ النَّارِ، وَرَفَعَ الْيَتِيمَ إِلَى جِوَارِ النَّبِيِّ فِي الْجَنَّةِ، وَجَعَلَ السَّاعِيَ عَلَى الْأَرْمَلَةِ كَالْمُجَاهِدِ. فَأَيُّ قَانُونٍ فِي الدُّنْيَا كَرَّمَ الضَّعِيفَ قَبْلَ 1400 سَنَةٍ كَمَا كَرَّمَهُ الْإِسْلَامُ

 وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِكِبَارِ السِّنِّ:

عباد الله :" ومن صور التراحم في الإسلام الرحمة بكبار السن فَقَدْ جَاءَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِيهِ عَامَ الْفَتْحِ يَقُودُهُ نَحْوَ رَسُولِ اللَّهِ  وَرَأْسُهُ كَالثَّغَامَةِ بَيَاضًا مِنْ شِدَّةِ الشَّيْبِ، فَرَحِمَ النَّبِيُّ  شَيْخُوخَتَهُ وَقَالَ: "هَلَّا تَرَكْتَ الشَّيْخَ فِي بَيْتِهِ حَتَّى أَكُونَ أَنَا آتِيهِ فِيهِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: هُوَ أَحَقُّ أَنْ يَمْشِيَ إِلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَنْ تَمْشِيَ إِلَيْهِ."(مَجْمَعُ الزَّوَائِدِ لِلْهَيْثَمِيِّ)

وَهُوَ الْقَائِلُ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَيُوَقِّرْ كَبِيرَنَا"(الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ) .

  وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْأَطْفَالِ وَالصِّبْيَانِ:

عباد الله:" وَلَنَا الْقُدْوَةُ فِي حَبِيبِنَا ، فَقَدْ كَانَ  رَحِيمًا بِالْأَطْفَالِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:" قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ  الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ وَعِنْدَهُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ التَّمِيمِيُّ جَالِسًا، فَقَالَ الْأَقْرَعُ: إِنَّ لِي عَشَرَةً مِنَ الْوَلَدِ مَا قَبَّلْتُ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ  ثُمَّ قَالَ: مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ:" مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا لَهُ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكَانَ ظِئْرُهُ قَيْنًا فَكَانَ يَأْتِيهِ وَإِنَّ الْبَيْتَ لَيُدَخَّنُ فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ"(مُسْلِمٌ).

  وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْمُخْطِئِ: 

فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَامَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي الْمَسْجِدِ، فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ فَقَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ : دَعُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى بَوْلِهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ، أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ"( الْبُخَارِيُّ).

وَعَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ الْحَكَمِ السُّلَمِيِّ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ، إِذْ عَطَسَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ، فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ، فَرَمَانِي الْقَوْمُ بِأَبْصَارِهِمْ، فَقُلْتُ: وَا ثُكْلَ أُمِّيَاهْ، مَا شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَيَّ؟ فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ عَلَى أَفْخَاذِهِمْ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُونَنِي، لَكِنِّي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي، مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ، وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ، فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي وَلَا ضَرَبَنِي وَلَا شَتَمَنِي، قَالَ:" إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ، لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ، إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ"(مُسْلِمٌ).

 فَمِنْ رَحْمَةِ الْإِسْلَامِ بِالْمُخْطِئِ وَالْعَاصِي.. السِّتْرُ قَبْلَ الْحَدِّ

قَالَ  لِمَنْ أَشَارَ عَلَى مَاعِزٍ بِالِاعْتِرَافِ: "لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ" (أَبُو دَاوُدَ، حَسَنٌ).

وَقَالَ: "مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ"(مُسْلِمٌ).

وَلَمَّا لُعِنَ شَارِبُ الْخَمْرِ، قَالَ : "لَا تَلْعَنُوهُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ إِلَّا أَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ"(الْبُخَارِيُّ).

وَجَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَصَبْتُ حَدًّا فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَهُ، فَقَالَ لَهُ: "قَدْ غُفِرَ لَكَ"( الْبُخَارِيُّ).

هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْمُذْنِبِ وَالْعَاصِي.

دِينٌ يُقَدِّمُ السِّتْرَ عَلَى الْفَضِيحَةِ، وَيَقُولُ لَكَ: "لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ كَانَ خَيْرًا لَكَ"، وَيَمْنَعُكَ أَنْ تَلْعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ لِأَنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيَجْعَلُ صَلَاةً وَاحِدَةً تَمْحُو الْحَدَّ. هَذَا هُوَ بَابُ الرَّحْمَةِ الْمَفْتُوحُ الَّذِي لَا يُغْلَقُ أَبَدًا.

  وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ:

قَالَ  فِي الْخَدَمِ: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ"(الْبُخَارِيُّ).

خَادِمُكَ سَمَّاهُ الْإِسْلَامُ "أَخَاكَ"، وَأَمَرَكَ أَنْ تُطْعِمَهُ مِمَّا تَأْكُلُ.

وَقَالَ فِي الْأَجِيرِ: "أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ"(ابْنُ مَاجَهْ، صَحِيحٌ).

فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْإِنْسَانُ رَحِيمًا بِالْخَدَمِ وَالْعَبِيدِ لِضَعْفِهِمْ. فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: "خَدَمْتُ النَّبِيَّ  عَشْرَ سِنِينَ فَمَا قَالَ لِي أُفٍّ وَلَا لِمَ صَنَعْتَ وَلَا أَلَّا صَنَعْتَ"، وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: "مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ  شَيْئًا قَطُّ بِيَدِهِ وَلَا امْرَأَةً وَلَا خَادِمًا إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ فَيَنْتَقِمَ مِنْ صَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ شَيْءٌ مِنْ مَحَارِمِ اللَّهِ فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ"( الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

وَعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: "كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتًا: اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ. فَقَالَ: أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ"(مُسْلِمٌ).

  وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْكُفَّارِ:

فَالرَّحْمَةُ فِي الْإِسْلَامِ لَمْ تَقْتَصِرْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَحَسْبُ، فَعِنْدَمَا قِيلَ لَهُ  ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ قَالَ: "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً"(مُسْلِمٌ).

 وَقَالَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ – لَمَّا جَاءَهُ مَلَكُ الْجِبَالِ لِيَأْمُرَهُ بِمَا شَاءَ-:" بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ، لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا "(الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ).

وَلَمَّا أُصِيبَ فِي أُحُدٍ قَالَ لَهُ الصَّحَابَةُ الْكِرَامُ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ:" إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَبْعَثْنِي طَعَّانًا وَلَا لَعَّانًا، وَلَكِنْ بَعَثَنِي دَاعِيَةً وَرَحْمَةً، اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (شُعَبُ الْإِيمَانِ لِلْبَيْهَقِيِّ).

وَهَكَذَا شَمِلَتِ الرَّحْمَةُ جَمِيعَ أَطْيَافِ الْمُجْتَمَعِ حَتَّى غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا هُوَ عَيْنُ التَّرَاحُمِ فِي الْإِسْلَامِ.

الرَّحْمَةُ بِالْمُخَالِفِ الْمُسَالِمِ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ

فَمِنْ رَحْمَةِ الْإِسْلَامِ الرَّحْمَةُ بِالْمُخَالِفِ الْمُسَالِمِ مِنْ كُلِّ مِلَّةٍ

قَالَ تَعَالَى:"لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ"(الْمُمْتَحَنَةِ: 8).

وَعَادَ النَّبِيُّ  غُلَامًا يَهُودِيًّا كَانَ يَخْدُمُهُ لَمَّا مَرِضَ "(الْبُخَارِيُّ).

وَقَامَ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ، فَقِيلَ: إِنَّهَا جِنَازَةُ يَهُودِيٍّ، فَقَالَ: "أَلَيْسَتْ نَفْسًا؟" (الْبُخَارِيُّ).

وَكَتَبَ  لِأَهْلِ نَجْرَانَ النَّصَارَى: "وَلِنَجْرَانَ وَحَاشِيَتِهَا جِوَارُ اللَّهِ وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلَّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ" <ابْنُ سَعْدٍ، الطَّبَقَاتُ>.

وَرَأَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ شَيْخًا يَهُودِيًّا يَسْأَلُ النَّاسَ، فَقَالَ: "مَا أَنْصَفْنَاكَ، أَخَذْنَا مِنْكَ الْجِزْيَةَ شَابًّا ثُمَّ ضَيَّعْنَاكَ شَيْخًا"، وَأَمَرَ لَهُ بِرَاتِبٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ "( الْخَرَاجُ لِأَبِي يُوسُفَ). أو قال :" أكلتم شبيبته ولم ترحموا شيخوخته

هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ الْمُسَالِمِينَ.

دِينٌ يَأْمُرُكَ بِالْبِرِّ وَالْقِسْطِ مَعَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْكَ، وَنَبِيُّهُ يَعُودُ غُلَامًا يَهُودِيًّا وَيَقِفُ لِجِنَازَةِ يَهُودِيٍّ احْتِرَامًا لِلنَّفْسِ الْبَشَرِيَّةِ، وَيُعْطِي النَّصَارَى عَهْدًا عَلَى كَنَائِسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ. فَالرَّحْمَةُ فِي الْإِسْلَامِ لَيْسَتْ لِلْمُسْلِمِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ لِكُلِّ نَفْسٍ مُسَالِمَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ.

  وَمِنْهَا: الرَّحْمَةُ بِالْحَيَوَانِ وَالطُّيُورِ؛

عباد الله:" وَلَنَا الْقُدْوَةُ فِي حَبِيبِنَا  فِي رَحْمَتِهِ بِالْحَيَوَانِ وَالطُّيُورِ، فَقَدْ تَجَاوَزَتْ إِنْسَانِيَّتُهُ  ذَلِكَ كُلَّهُ إِلَى الْحَيَوَانِ وَالْبَهِيمَةِ، فَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ  دَخَلَ حَائِطًا لِرَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَإِذَا فِيهِ جَمَلٌ فَلَمَّا رَأَى النَّبِيَّ  حَنَّ وَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ، فَأَتَاهُ  فَمَسَحَ ظَفَرَاهُ فَسَكَتَ، فَقَالَ : "مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ؟ لِمَنْ هَذَا الْجَمَلُ؟" فَجَاءَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ: "أَفَلَا تَتَّقِي اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِي مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَيَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ"(أَبُو دَاوُدَ)، "وَتُدْئِبُهُ: أَيْ تُكْرِهُهُ وَتُتْعِبُهُ وَزْنًا وَمَعْنًى)، وَقَدْ مَرَّ  بِبَعِيرٍ قَدْ لَحِقَ ظَهْرُهُ بِبَطْنِهِ فَقَالَ: "اتَّقُوا اللَّهَ فِي هَذِهِ الْبَهَائِمِ الْمُعْجَمَةِ فَارْكَبُوهَا صَالِحَةً وَكُلُوهَا صَالِحَةً"(أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ).

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ  فِي سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الْحُمَرَةُ، فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ، فَجَاءَ النَّبِيُّ ، فَقَالَ:"مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِلَيْهَا". (أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ).

وَقَالَ : "إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذِّبْحَةَ" "(مُسْلِمٌ). 

وَقال صلي الله عليه وسلم:"دَخَلَتِ امْرَأَةٌ النَّارَ فِي هِرَّةٍ حَبَسَتْهَا، وَدَخَلَتْ بَغِيٌّ الْجَنَّةَ فِي كَلْبٍ سَقَتْهُ "(الْبُخَارِيُّ) وَقَالَ: "فِي كُلِّ كَبِدٍ رَطْبَةٍ أَجْرٌ" "(الْبُخَارِيُّ).

وقال :"(وَ بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ

 خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ

 مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى

 الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه. قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟ فَقَالَ: "في كُلِّ

 كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ"(متفقٌ عليه).

 فَهَذِهِ بَغِيٌّ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَأَتْ كَلْبًا يَلْهَثُ عَطَشًا، فَسَقَتِ الْمَرْأَةُ الْكَلْبَ، فَغَفَرَ اللَّهُ لَهَا ذُنُوبَهَا، وَلِلَّهِ دَرُّ مَنْ قَالَ:

 إِذَا كَانَتِ الرَّحْمَةُ بِالْكِلَابِ *** تَغْفِرُ الْخَطَايَا لِلْبَغَايَا

فَكَيْفَ تَصْنَعُ الرَّحْمَةُ *** بِمَنْ وَحَّدَ رَبَّ الْبَرَايَا؟

  دِينُنَا دِينُ الرَّحْمَةِ

وَأَمَّا الشَّجَرُ، فَقَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا فَيَأْكُلُ مِنْهُ طَيْرٌ أَوْ إِنْسَانٌ إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَةٌ"(الْبُخَارِيُّ) وَنَهَى عَنْ قَطْعِ السِّدْرِ "(أَبُو دَاوُدَ).

 عباد الله:" هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْحَيَوَانِ وَالْبِيئَةِ.

عباد الله :" ديننا دِينٌ يَجْعَلُ سَقْيَ الْكَلْبِ سَبَبًا لِدُخُولِ الْجَنَّةِ، وَحَبْسَ الْهِرَّةِ سَبَبًا لِدُخُولِ النَّارِ، وَيَجْعَلُ غَرْسَ الشَّجَرَةِ صَدَقَةً جَارِيَةً. فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالَهُ مَعَ الْحَيَوَانِ وَالْجَمَادِ، فَكَيْفَ يَكُونُ حَالُهُ مَعَ الْإِنْسَانِ؟

أما عندما يتحول الكلب إلي سبع ضاري لايعرف الوفاء والإخلاص الذي عرفناه عنه وتحول لكلب عقور فهنا لابد أن يقتل لقول رسول الله صلي الله عليه وسلم :"لاضرر ولاضرار" وقال صلي الله عليه وسلم :" خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والفأرة، والحية، والكلب العقور "(صحيح).

حتي إذا كانت القطط أو الكلاب تؤذي كالكلب العقور، فإنه يقتل،    الكلب العقور يقتل في الحل والحرم، وهكذا القط الذي يؤذي يأكل الدجاج، يأكل الحمام، ولا ينفع طرده، بل يطرد ويأتي ويأكل ويؤذي فإنه يقتل.

أما إذا تيسر طرده وإبعاده من دون قتل، فإنه يكفي ولا يقتل، وكذلك لا يقتل بالنار؛ لأن النار لا يعذب بها إلا الله يقتل بغير النار، يقتل بالسم بالضرب إذا لم يتيسر الخلوص منه إلا بذلك.أما إذا تيسر طرده وإبعاده وتخويفه حتى يبتعد فلا يقتل.

فإذا اضطر الإنسان إلى قتل القط  لإيذائه، وعدم التخلص منه بغير ذلك، فلا بأس لكن بغير النار، أما الكلب فلا يقتل إلا إذا كان عقورًا، ولكن يطرد إذا كان يؤذي يطرد، يطرد من المزرعة يطرد من الحارة يبعد ولا يقتل إلا إذا كان يؤذي الآخرين، إذا كان يعض الناس، يعقر الناس

  دَوَائِرُ الرَّحْمَةِ الْمُتَّسِعَةُ

وَمِنْ أَجْمَلِ صُوَرِ الرَّحْمَةِ: لِينُ الْجَانِبِ، وَسُهُولَةُ الْمُعَامَلَةِ، وَتَقْدِيمُ الْمَحَبَّةِ عَلَى الْغِلْظَةِ، وَالْيُسْرِ عَلَى الْعُسْرِ، وَالْعَفْوِ عَلَى الِانْتِقَامِ.

  وَتَتَّسِعُ دَائِرَةُ الرَّحْمَةِ لِتَشْمَلَ كَفَالَةَ الْيَتِيمِ، وَإِغَاثَةَ الْمَلْهُوفِ، وَمُوَاسَاةَ الْفُقَرَاءِ، وَالْإِصْلَاحَ بَيْنَ النَّاسِ.

فَبِهَذِهِ الْأَعْمَالِ تَحْيَا الْقُلُوبُ وَتَزْهُو الْحَيَاةُ، فَتَصْلُحُ الْأُسَرُ، وَتَسْتَقِيمُ الْمُجْتَمَعَاتُ، وَتَتَحَقَّقُ الْأُخُوَّةُ الْحَقَّةُ.

الخطبة الثانية

الحمدلله رب العالمين والصلاة والسلام علي أشرف المرسلين وبعد 

  فلازلنا نواصل الحديث حول صور من رحمة الإسلام 

ورَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّشْرِيعِ وَالتَّكْلِيفِ بَنَى اللَّهُ هَذَا الدِّينَ عَلَى الْيُسْرِ، فَقَالَ تَعَالَى:"يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ"(الْبَقَرَةِ: 185).

وَقَالَ جَلَّ وَعَلَا:"لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا"(الْبَقَرَةِ: 286).

وَقَالَ سُبْحَانَهُ:"وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ"(الْحَجِّ: 78).

  رَحْمَةُ اللَّهِ فِي الْعِبَادَاتِ - مَا فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْنَا عِبَادَةً إِلَّا وَجَعَلَ فِيهَا الرَّحْمَةَ وَالرُّخْصَةَ.

  فِي الصَّلَاةِ:

قَالَ : "إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ وَالسَّقِيمَ وَالْكَبِيرَ" (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

  وَكَانَ إِذَا سَمِعَ بُكَاءَ الصَّبِيِّ خَفَّفَ صَلَاتَهُ رَحْمَةً بِأُمِّهِ "(الْبُخَارِيُّ).

· وَقَالَ : "صَلِّ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا، فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَعَلَى جَنْبٍ" (الْبُخَارِيُّ).

  فِي الصِّيَامِ:

قَالَ سُبْحَانَهُ:"وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ"(الْبَقَرَةِ: 185).

 وَالْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ تُفْطِرُ وَتَقْضِي رَحْمَةً بِهَا وَبِوَلَدِهَا.

  فِي أَحْكَامِ التَّخْفِيفِ:

  الْمَرِيضُ يُفْطِرُ، وَالْمُسَافِرُ يَقْصُرُ، وَالْعَاجِزُ يُصَلِّي قَاعِدًا.

  وَشَرَعَ التَّيَمُّمَ رَحْمَةً بِالْمَرِيضِ وَالْمُسَافِرِ إِذَا عَدِمَ الْمَاءَ أَوْ عَجَزَ عَنِ اسْتِعْمَالِهِ: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النِّسَاءِ: 43].

  فِي الزَّكَاةِ:

· جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرَةً لِلْمَالِ وَرَحْمَةً بِالْفَقِيرِ،"خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا"(التَّوْبَةِ: 103).وَقَالَ سُبْحَانَهُ:"وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ"(الذَّارِيَاتِ: 19).

وقد وعد الله عزوجل الذين يؤتون الزكاة بأن تشملهم رحمته الواسعة قال تعالي:"وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ ۚ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ"(الأعراف/156).

ومن رحمة الإسلام أن جعل الزكاة بوقت فزكاة المال والتجارة إذا حال عليها الحول وبلغت نصاباً مقدار خمسة وثمانون جرام ذهب أو خمسمائة وخمسة وخمسون جرام فضة .. يخرج ربع العشر 2,5%

وزكاة الزروع وقت الحصاد :" كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ "(الأنعام/141).

وقال صلي الله عليه وسلم :" فيما سَقَتِ السَّماءُ والعُيونُ أو كان عَثَريًّا العُشرُ، وما سُقيَ بالنَّضحِ نِصفُ العُشرِ. "(البخاري).

  فِي الْحَجِّ:

قَالَ تَعَالَى:"وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا"(آلِ عِمْرَانَ: 97).

وَقَدْ قَيَّدَهُ اللَّهُ بِالِاسْتِطَاعَةِ رَحْمَةً بِالضَّعِيفِ وَالْفَقِيرِ.

وَقَالَ : "إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ"(مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ).

• وَمَنْ عَجَزَ بَدَنُهُ وَمَالُهُ سَقَطَ عَنْهُ.

  سَعَةُ رَحْمَةِ اللَّهِ وَمَغْفِرَتِهِ:

قَالَ تَعَالَى:"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ"(الزُّمَرِ: 53).

وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ الْحَسَنَةَ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَالسَّيِّئَةَ بِمِثْلِهَا وَقَدْ تُمْحَى.

· وَقَالَ : "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِ مِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تُكْتَبْ، وَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ."( مُسْلِمٌ )

وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: "يَا ابْنَ آدَمَ، لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِي غَفَرْتُ لَكَ وَلَا أُبَالِي"(التِّرْمِذِيُّ)..

هَذِهِ رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْعِبَادِ فِي أَصْلِ التَّشْرِيعِ وَالتَّكْلِيفِ.

فَانْظُرْ يَا عَبْدَ اللَّهِ: رَبُّكَ يَبْدَأُ كِتَابَهُ بِالرَّحْمَةِ، وَيَكْتُبُ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ،ورحمته سبقت غضبه ورحمته واسعة  وَيُرِيدُ بِكَ الْيُسْرَ لَا الْعُسْرَ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْكَ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.

فَأَيُّ دِينٍ فِي الْأَرْضِ رَاعَى أَحْوَالَ الْعِبَادِ كَالْإِسْلَامِ، فَأَسْقَطَ عَنِ الْمَرِيضِ، وَخَفَّفَ عَنِ الْمُسَافِرِ، وَرَخَّصَ لِلْعَاجِزِ؟

هَذَا هُوَ دِينُكَ، دِينُ الرَّحْمَةِ وَالْيُسْرِ، فَاحْمَدِ اللَّهَ عَلَيْهِ، وَاسْأَلْهُ الثَّبَاتَ عَلَيْهِ.


google-playkhamsatmostaqltradent