recent
أخبار عاجلة

خطبة الجمعة النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل ️اعداد وترتيب الشيخ علاءالشال

النصوص الشرعية بين الفهم الصحيح وسوء التأويل

 


 قصة تمهيدية من حياة الصحابة تبين ♦واقع سوء الفهم.

  منزلة النصوص الشرعية ووجوب التسليم لها مع الأدلة من الكتاب والسنة.

  منزلة العقل في فهم النصوص وضوابطه الشرعية.

  أسباب سوء التأويل (اتباع المتشابه، اتباع الهوى، الجهل بالمقاصد، الغلو).

  منهج الصحابة والتابعين في فهم النصوص مع شواهد وآثار.

  عواقب سوء التأويل على الفرد والمجتمع.

مقدمة وقصة تمهيدية

 الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا، وجعل السنة النبوية تبيانًا وهدى ورحمة للعالمين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

فاتقوا الله عباد الله، وأحسنوا فهم كتاب ربكم وسنة نبيكم، فإن الفهم الصحيح للنصوص الشرعية هو أصل الهداية والنجاة، وسوء التأويل من أعظم أسباب الانحراف والفتنة.

أبدأ معكم بقصة من حياة الصحابة الكرام

قصة الصحابي الجليل عدي بن حاتم رضي الله عنه،

حين نزل قول الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].

فأخذ عدي عقالين –أي خيطين– أبيض وأسود، فوضعهما تحت وساده، وجعل ينظر إليهما في الليل ليتبين له الأبيض من الأسود،

فلما أصبح أتى النبي وأخبره بما فعل، فتبسم النبي وقال: «إِنَّ وِسَادَكَ إِذًا لَعَرِيضٌ» أي: كأنك توسدت الأفق! ثم قال: «إِنَّمَا هُوَ سَوَادُ اللَّيْلِ وَبَيَاضُ النَّهَارِ».

هذه القصة نموذج بديع لحسن نية الصحابي، ولكنها في الوقت نفسه نموذج لسوء الفهم الظاهر الذي صرفه النبي بلطف وحكمة إلى الفهم الصحيح.

 فدلَّ ذلك على أن حسن النية لا يكفي، بل لا بد من العلم والفهم الصحيح للنصوص على مراد الله ورسوله.

  منزلة النصوص الشرعية ووجوب التسليم لها

أيها المسلمون، إن النصوص الشرعية –القرآن الكريم والسنة النبوية

هي مصدر التشريع الوحيد، وهي الوحي المنزل من عند الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

وقد أمرنا الله بالتسليم الكامل لها، فقال تعالى: ♦﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

 وقال عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

 وقال تعالى آمرًا باتباع السنة: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ [الحشر: 7]،

 وحذَّر من مخالفة أمره فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].

 وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي قال: «مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ» متفق عليه.

 فهذا الحديث العظيم يؤكد أن كل عمل ليس عليه أمر النبي فهو مردود غير مقبول.

  منزلة العقل في فهم النصوص وضوابطه

إن العقل السليم مفتاح لفهم النصوص على وجهها الصحيح، وهو الذي يميز بين الظاهر والباطن ويجمع بين الأدلة.

وقد قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].

 وقال تعالى في وصف المتقين: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: 18].

ولكن للعقل ضوابط شرعية، منها:

  ألا يُقدَّم العقل على النص الصحيح الثابت.

  أن يُفهم النص في سياقه الشرعي وبمراعاة اللغة العربية.

  أن يُردَّ ما تشابه منه إلى ما حكم منه.

 قال الله تعالى:"هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا"(آل عمران: 7).

  أسباب سوء التأويل

 أولاً: اتباع المتشابه دون الرجوع إلى المحكم. وهذه كانت آفة الخوارج الذين خرجوا على علي بن كرم الله وجهه.

قال ابن تيمية رحمه الله: «بدعة الخوارج إنما هي من سوء فهمهم للقرآن، لم يقصدوا معارضته لكن فهموا منه ما لم يدل عليه».

وقد صح عن النبي أنه قال فيهم: «يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ» رواه البخاري ومسلم.

 فمن علاماتهم سوء الفهم للنصوص.

 ثانيًا: اتباع الهوى والغلو والتشدد.

قال الله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: 26].

وقال النبي : «إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ» رواه النسائي وابن ماجه.

 ثالثًا: الجهل بمقاصد الشريعة الكلية.

ومقاصد الشريعة هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وكل ما خالف هذه المقاصد فهو من سوء الفهم والتطبيق.

  منهج الصحابة والتابعين في فهم النصوص

إن الصحابة رضي الله عنهم كانوا أعلم الناس بمراد الله ورسوله، وقد قاموا على تعظيم نصوص الوحيين وكمال التسليم لهما.

ومن أمثلة منهجهم:

 مثال   في غزوة بني قريظة،

قال النبي لأصحابه: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ"، فمن الصحابة من فهم النص على ظاهره فأخّر الصلاة حتى وصل إلى بني قريظة بعد خروج الوقت، ومنهم من فهم أن النبي أراد الحث على الإسراع، فصلوا في الطريق. ولم يُعنِّف النبي أحدَ الفريقين، بل أقر كلاًّ على اجتهاده مع العلم بأن الفهم الأول كان أخطأ. وهذا يدل على سعة صدره مع حرص الصحابة على تنفيذ أمره.

 مثال (2): قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ [المائدة: 105]،

 خطب في الناس فقال: «إِنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَضَعُونَهَا عَلَى غَيْرِ مَوْضِعِهَا» . أي: يسئون فهم المقصود منها، فأراد أبو بكر أن يبيّن لهم أن الآية لا تعني ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 مثال (3): قصة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه حين أخطأ في مسألة، فلما تبيّن له الصواب رجع وقال: «كُنْتُ أَقُولُ فِيهَا بِرَأْيِي، فَإِذَا جَاءَكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ شَيْءٌ فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَلْتَفِتُوا إِلَى قَوْلِ أَحَدٍ». فهذا منهج الصحابة: التسليم للنص وعدم التعصب للرأي.

 مثال (4): قصة ابن عباس رضي الله عنه مع الخوارج حين خرجوا على عليّ رضي الله عنه، فذهب إليهم وناظرهم حتى رجع منهم ألفان، وقد قال فيهم: «يَخْرُجُونَ مِنَ الْإِسْلَامِ كَمَا يَخْرُجُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ». وما كان خروجهم إلا بسبب سوء الفهم للنصوص واتباع المتشابه.

 ومن آثار التابعين: قال حسان بن عطية رحمه الله: «مَا ابْتَدَعَ قَوْمٌ بِدْعَةً فِي دِينِهِمْ إِلَّا نُزِعَ مِنْهُمْ مِثْلُهَا مِنَ السُّنَّةِ» رواه الدارمي.

 عواقب سوء التأويل

سوء التأويل ليس أمرًا هينًا، بل هو من أعظم أسباب:

 · ظهور البدع والفرق الضالة.

· التكفير والتفجير والغلو.

 · التفرق والاختلاف المحمود بين المسلمين.

 · تحريم الحلال وتحليل الحرام بغير علم.

 قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 159].

 وقال النبي : «تَرَكْتُ فِيكُمْ أَمْرَيْنِ لَنْ تَضِلُّوا مَا تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي» رواه مالك في الموطأ.

وقال : «افْتَرَقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَافْتَرَقَتِ النَّصَارَى عَلَى اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، وَسَتَفْتَرِقُ هَذِهِ الْأُمَّةُ عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» قالوا: مَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قال: «مَا أَنَا عَلَيْهِ وَأَصْحَابِي» رواه الترمذي وحسنه.

الخطبة الثانية

 

الحمد لله على فضله وإحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي إلى رضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.

أما بعد: فاعلموا عباد الله أن الفهم الصحيح للنصوص الشرعية إنما يكون باتباع منهج السلف الصالح من الصحابة والتابعين، الذين جمعوا بين العلم والعمل والورع والفهم السليم.

وقد حذرنا النبي من البدع والمحدثات، فقال: «وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ» رواه أبو داود والترمذي. وقال ابن مسعود رضي الله عنه: «اتَّبِعُوا وَلَا تَبْتَدِعُوا، فَقَدْ كُفِيتُمْ» رواه الدارمي.

فالواجب علينا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى كتاب الله وسنة رسوله ، وأن نأخذ النصوص بفهم سلف الأمة، وأن نعرف مقاصد الشريعة العامة، وألا نتعصب للرأي أو الهوى، وأن نستعين بالعلماء الراسخين في العلم، فهم ورثة الأنبياء.

أسأل الله العظيم أن يرزقنا الفهم الصحيح لدينه، وأن يجنبنا الزلل في التأويل، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه سميع قريب مجيب.

الدعاء الختامي

اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

اللهم فقهنا في الدين، وعلمنا التأويل الصحيح، واجعلنا من الراسخين في العلم.

اللهم احفظ علينا ديننا، وأصلح لنا أئمتنا وعلماءنا، واجمع كلمتنا على الحق والهدى.

اللهم اهدنا لأحسن الأقوال والأعمال والأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت.

اللهم أصلح أحوال المسلمين في كل مكان، واجمع شملهم على كتابك وسنة نبيك.

اللهم إنا نسألك العفو والعافية والمعافاة الدائمة في الدين والدنيا والآخرة.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

google-playkhamsatmostaqltradent