فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ
الحَمْدُ للهِ الَّذِي أنْعَمَ عَلَينَا
بِنِعْمَةِ الإِسلَامِ، وَفَرَضَ عَلَينَا فُرُوضَهُ وَحَرَّمَ عَلَيْنَا حُرُمَاتِهِ،
وَجَعَلَنَا خَيرَ أمَّةٍ أخْرِجَتْ لِلنَّاسِ، تَأمُرُ بِالمَعْرُوفِ، وَتَنْهَى عَنِ
المُنْكَر، وتقاتل في سبيل الله وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ
لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ
عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ بِإِحْسَانٍ وَإِتْقَانٍ إِلَى
يَوْمِ الدِّيْنِ
فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ وَاعْلَمُوا
أَنَّ تَقْوَاهُ سَبِيلُ الخَيْرِ وَالرَّشَادِ، وَخَيْرُ زَادٍ لِيَوْمِ المَعَادِ،
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ
إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا اَلْمُسْلِمُونَ: يقول تعالى:
﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا
يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾، امر من الله تعالى بالتفكر والاعتبار بما حصل لغيره من الأمم
ليأخذ العبر والعظة لكي لا يقع في المحظور، وقد خلق للإنسان عقلاً يعقله ليقرأ به عِبَر
الزمان وحوادث الأيام؛ ليستفيد منها دروسًا نافعة يأخذ بصالحها ويتجنب سيئها، ويختم
الله تعالى ذلك ببيان أن المستفيد من تلك الآيات البينات هم أولو الألباب الذين أناروها
بالتفكر، فربحوا بذلك الاعتبار فمن تلك الآيات قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ
يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، وقد بين
الله تعالى كذلك عداء الكفار واستمرار قتالهم لامة الإسلام فقال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ
يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾
ومن هنا فان الناظر لتاريخ الحروب الصلـ.يبية
ولمالاتها الظالمة الاثمة التي تقودها امر.يكا على امة الإسلام اليوم، قد كشفت أمورا
كثيرة، جدير بالأمة الإسلامية أن تقف عليها لهزيمة اعدائها في حربها وفي سيرها في طريق
نهضتها الحقيقية وإقامة دولتها؛ دولة الخـ لافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة،
بادراك واقعها وأهدافها وتعرف حقيقة أعدائها.
أيها المؤمنون:
لقد كشفت هذه الحرب حقيقة حكام المسلمين
بوضوح خيانتهم للامة، ودون الاعتبار من فرعون وامثاله فهم لم يكتفوا بتمزيق الأمة إلى
كـ يانات هزيلة للمحافظة على كراسيهم المعوجة، ولم يقتصروا على تمكين الكفـ.ـار المسـ.ـتعمرين
من ثروات الأمة ومواقعها الاستراتيجية، بل إنهم لم ينصروا البلد الإسلامي الذي تعرّض
للهـ.ـجوم الوحـ.شي ولا حتى يدينوه، لكنهم ولشدة خيانتهم وتآمرهم على الأمة مع أعدائها
أدانوا هـ جمات إيران على القـ واعد الأمريكية التي في بلادهم، والتي كانت منطلقاً
للهـ جمات الأمريكية، وفتحوا أجواءهم ومياههم لأمر.يكا ويـ هود لمهـ ـاجمة إيران، ومنهم
من جعل نفسه خط الدفاع الأول عن كـ يان يـ هود، فتصدى للمسيّرات والصواريخ المتجهة نحو كـ.ـيان يـ.ـهود، فأسقطوا ما استطاعوا
إسقاطه منها على رؤوس شعوبهم، حتى لا تسقط فوق رؤوس يـ.ـهود المغتـصبين للأرض المباركة.
فهل أدرك المسلمون حقيقة حكامهم؟ وهل أدركوا ماذا يجب عليهم تجاههم؟
وكذلك فقد ثبت من خلال هذه الحرب أنّ الغرب
كلّه لا يستطيع محـ ـاربة الأمة الإسلامية بطائراته وصـ واريخه وأساطيله وحده، فلا
بدّ له من أرض قريبة يستند إليها وينطلق منها لمـ حاربة أية أرض إسلامية، كما في حـ
ربه على العراق مرتين، وفي حـ ربه على أفغـ ـانستان، وها هي أمر.يكا اليوم تعتمد على
أراضي دول الخليج والأردن والعراق وسوريا. فلو أنّ الأمة الإسلامية تخلّصت من الحكام
العملاء للغرب ووحّدت نفسها في دولة واحدة لما استطاع الغرب كله بقضه وقضيضه أن يحـ
ـاربها، فعلى الأمة أن تدرك هذه الحقيقة، وتتخلص من حكامها العملاء، وتتوحد في دولة
واحدة.
واما الامر الاخر فقد كشف ان استغناء الأمة
الإسلامية بثرواتها التي ينهبها الكـ فار المستـ ـعمرون من النفط والغاز ما يُغنيها
أولاً، ولا يستغني عنه العالم ثانياً، وغيرهما من المعادن والمياه والأرض الزراعية
والمناخ المتنوع، فهي تستطيع أن تبني قوتها الذاتية بنفسها دون الحاجة للآخرين
وقد كشفت الحرب كذلك أهمية ما تملكه الأمة
الإسلامية من مضائق بحرية وممرات مائية، فقد ظهرت أهمية مضيق هرمز وقد وصفوه بأنه سلاح
نووي، فما بالكم بالتحكم في مضائق المسلمين باب المندب او قناة السويس او مضيق جبل
طارق، ومضيقي البوسفور والدردنيل في تركيا، فلو عادت هذه المضائق وممراتها إلى سلطان
المسلمين لما استطاعت أمر.يكا الاقتراب من بلاد المسلمين ولما فكّرت بالاعتداء عليها،
ولحسبت لذلك ألف حساب . ولكن ذلك لا يمكن دون التخلص من الحكام العملاء وبيعة خليفة
واحد للمسلمين جميعا.
وكذلك نبّهت هذه الحـ رب أن الأمة الإسلامية
أمة واحدة من دون الناس، حتى لو تفرّق حكامهم العملاء بحسب ولاءاتهم لأسيادهم، بغض
النظر عن مذاهبهم وطوائفهم، ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾، فأمر.يكا وكـ يان يـ
هود قد وضعوا المسلمين في سلة واحدة، والعجب من بعض المسلمين الذين يفرّقون بين المسلمين،
وينحازون إلى جانب كـ يان يـ هود ضد إيران! منساقين وراء ما سعت إليه أمر.يكا بعد احتلالها
العراق من تمزيق المسلمين سنة وشيـ.ـعة، ومن يومها تولّى كِبرَ هذه الدعوة علماء السلاطين
أيها المسلمون:
لقد تكشفت أمور متعلقة بالقوة الأمر.يكية
لم تكن بحسبان كثير من أبناء الأمة الإسلامية، أهمها عجز الكـ.ـفار عن مواجهة المسلمين
وجهاً لوجه، وأنهم يقتصرون بمهاجمة الطيران والصـ واريخ والمسيّرات عن بعد، ولقد أثبتت
الحـ ربان السابقتان: حـ رب روسيا في أوكرانيا، وحـ رب غـ زة؛ أثبتتا أن مخزون الغرب
من تلك الأسـ لحة والذخـ ائر محدود يمكن أن ينفد، وتبيّن أن أقصى ما يمكن أن يفعلوه
هو التدمير والقـ تل، وكل هذا لا يعني الانتصار في الحـ رب، فلقد أحس ترا.مب بورطته
في هذه الحـ رب، وأخذ يبحث عن سبل للخروج منها بماء وجهه القبيح وها هو قد تنازل لشروط
إيران ظانّاً أن النصر سيكون في المفاوضات، ويبدو حتى الان أنّه قد خاب فأله فهو يراوغ
وقد يغدر لتحقيق نصر اعلامي مزعوم
فيا أيها المسلمون، ويا أهل القوة فيهم:
ألم تنكشف لكم حقيقة أمر.يكا وما آلت إليه؟ ألم تدركوا بعد أنكم قادرون على الوقوف
في وجه أمر.يكا، بل قادرون على هزيمتها وردّها إلى عزلتها؟ بل إنكم قادرون على إقامة
دولة الخـ.ـلافة الراشدة الثانية على منهاج النبوة، وتكونون بها قادرين على حمل الإسلام
إلى العالم كله رسالة هدى ونور وعدل؟ بل يمكنكم ذلك بالعمل لإقامة الخلافة ونصرة العاملين
المخلصين وبيعة امام يقتل من ورائه ويتقى به، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ
بِنَصْرِ اللَّهِ﴾، ادْعُوْا اللهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالإِجَابَةِ وَاسْتَغْفِرُوا
اللهَ العَظِيمَ
الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ:
الحَمْدُ للهِ، وَالصَّلَاَةُ وَالسَّلَاَمُ
عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آلِه وَأَصْحَابِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمَا كَثِيرَا.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ:
لقد أدركت أمر.يكا خسارتها وأدرك معها العالم
كله، فلجأت إلى المفاوضات التي تعودنا فيها أن نعطي عدونا ما عجز عن أخذه في الحروب،
وقد خسرت استراتيجيا وها هم قادة باكستان عملاء أمر.يكا يحاولون اقناع ايران بتسليم
أسلحتها النووية، ونزع سلاحها لتمكين عدوها من هزيمتها، والعجب كذلك انحياز بعض المسلمين
لعدو الأمة ضد إيران، بحجة ما فعلته إيران في العراق وسوريا وغيرهما، علماً أن الذي
فعل ذلك هو النظام الإيراني المجرم الذي يدور في فلك أمر.يكا، منفّذاً مخططاتها ومؤامراتها
على الأمة الإسلامية، وليس اهل إيران جميعا فهو الذي قام بذلك، ولا يقلّ إجرام نظام
إيران بحقّ الأمة عن إجرام بقية الحكام، فتاريخ الحكام العملاء في بلاد المسلمين الأسود
مليء بالإجرام في حق المسلمين، انظر إلى السعودية ومعها الإمارات في الحـ رب على اليمن،
وانظر إلى تآمر الأنظمة في دول الخليج والأردن وتركيا ومصر والعراق ولبنان على الثـ
ورة السورية والقضاء عليها بالقوة وبالمال السياسي القذر، وانظر إلى تآمرهم مع أمر.يكا
في الحـ رب في السودان، ولا ننسى أجرام كثير من الحكام العملاء بحق شعوبهم، فمنهم من
قصفهم بالطائرات والبراميل المـ تفجرة، ومنهم من قصـ ف شعبه بالسـ لاح الكيماوي، ومنهم
من أهلك كثيراً من شعبه بإثارة فتن وعصبيات، ومنهم من قتل المتظاهرين في الميادين،
ومن أولئك الحكام العملاء من ساعد كـ يان يـ.ـهود في حـ ربه على غـ زة فأمدّه بالنفط
والغاز، ومنهم من أمدّه بالمواد التموينية، ومنهم من حمى حدوده ليمنع الأمة من نصـ
رة أهل غـ زة، ومنهم حاكم سوريا الذي خطف الثورة ويريد تمييع أهلها ويتراقص طاعة للشياطين
الذين دمروا الشام، وتركوها في بحار الدماء والمجال لا يتسع لذكر جـ رائم الحكام العملاء
وأنظمتهم في بلاد المسلمين، فهل تتحمل الشعوب وزر جـ.رائم حكامهم وأنظمتهم الراسمالية
التي فرضوها على المسلمين؟، وها هي الحرب قد زادتهم كشفاً وتعرية، وبيّنت أنهم ليسوا
سوى أدوات بيد الكـ فار المستـ ـعمرين، وانهم عرابي سلام وأدوات تطبيع وليس لهم من
الأمر شيء، ولم تتمكّن أمر.يكا من حمايتهم ولا حتى حماية قـ واعدها في بلادهم
أيها المسلمون:
ان على الامة ان تأخذ العبرة والعظة والاستفادة
من الدروس لتأخذ موقعها وتعود كما كانت الدولة الأولى في العالم، فالنظام الدولي الكافر
في الرمق الأخير وان التحالفات الدولية في طريقها الى الزوال، وان الأدوات الأمر.يكية
التي كانت تهيمن بها على السياسة الدولية فقدت كثيراً منها، فحلف الناتو خذل أمر.يكا،
وهيئة الأمم المتحدة سبق أن أدار تر.امب ظهره لها، وانسحب من كثير من منظماتها
ونحن اليوم نعيش فترة انقلاب عالمي وانتهاء
للهيمنة الاقتصادية والعسكرية الامر.يكية على العالم التي تصدعت وتآكلت أمام قوة الصين،
وباتت قوة الدولار وهيمنته في وضع حرج، وهي الان تهدم نفوذها السياسي وتحكمها في النظام
الدولي ومؤسساته والقرارات الدولي، تهدمه بمعولها وبمخالفاتها للقانون الدولي، والاهم
من ذلك قوتها العسكرية التي كان يخشاها منافسوها، بل ورقتها الأخيرة والرادع الحقيقي
لمنع تمرد الخصوم، فقد عرتها الحرب على إير.ان وأثبتت فشلها أمام قوة دولة من دول العالم
الثالث حسب تصنيفهم. إن أمر.يكا هي الخاسر الاستراتيجي في هذه الحرب، وهو زلزال استراتيجي
سيكون له تداعياته المدمرة على أمر.يكا وستظهر نتائجه قريباً. فهل تدرك إيران هذه الحقيقة
وتدرك منهاج النبوة وتعود وتنبذ الطائفية وتعتق نفسها من الدوران بفلك أمريكا من جديد.
وهل يدرك المسلمون أن قوة العمل السياسي قبل القوة العسكرية، وإن قوة الأمة في عقيدتها
ودولتها التي تجسد عقيدتها وتنفذ سياساتها بشريعة ربها، في دولة خلافة على منهاج النبوة
تقيم الدين وتردع المعتدين
فالخلافة هي لمشروع الوحيد القادر على هزيمة
الصـ.ـليبيين واعوانهم فهو مشروعٌ لا تعوقه حدود، ولا تمزّقه طائفية، بل يقوم على عقيدةٍ
صحيحة ورسالةٍ عالمية، وروحٍ قتالية. قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الْإِمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَلُ
مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ»، فكونوا من العاملين لها ومن رجالها، ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾،