الْعَمَلُ شَرَفٌ وَكَرَامَةٌ،
وَالنَّصْبُ وَالِاحْتِيَالُ عَارٌ وَنَدَامةُ
العمل شرف وكرامة
النصب والاحتيال عار وندامة
الحمد لله الذي جعل العمل عبادة، وحث على
كسب الحلال، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي كان يعمل بيده ويأكل من عرق جبينه،
وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عباد الله:
فيقول الله تعالي:" وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى
عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ"(التوبة/105﴾.
عباد الله:" أمر من الله تعالى بالعمل الصالح وإتقانه، وعدم التكاسل. والله عز وجل الرقيب يراقب أعمالكم وسيجازيكم عليها.
يرى العمل أيضاً الرسول ﷺ والمؤمنون في الدنيا، حيث تظهر آثار الأعمال.
ويوم القيامة سيكون المرجع إلى الله تعالى الذي
يعلم السر والعلن، ويعلم الجهر ومايخفي وسيحاسب الجميع على أعمالهم.
وهذه الآية دعوة للاخلاص في العمل، والمراقبة الذاتية، والإتقان، حيث أن كل عمل سيظهر وسيحاسب عليه الإنسان..:"فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ"(الزلزلة/7-8).
عباد الله:" إن الله عز وجل خلق الإنسان ليُعمر الأرض، ولم يخلقه ليكون عالة على غيره.قال تعالي:"هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا"(هود/61).
وإن من أسمى القيم التي دعانا إليها الإسلام هي قيمة "العمل"؛ فالعمل ليس مجرد وسيلة للحصول على المال، بل هو شرف، وعزة نفس، وعبادة يتقرب بها المؤمن إلى الله.لدرجة أن الله عزوجل يدعو للعمل عقب العبادة مباشرة فمواصلة العمل عقب الطاعة والعبادة فيه شعور بقيمة العمل قال الله تعالي:" فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ"(الجمعة/10).
"فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا
فِي الْأَرْضِ " لطلب المكاسب والتجارات ولما كان الاشتغال في التجارة، مظنة الغفلة
عن ذكر الله، أمر الله بالإكثار من ذكره، فقال:" وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا" أي
في حال قيامكم وقعودكم وعلى جنوبكم،" لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ " فإن الإكثار من ذكر
الله أكبر أسباب الفلاح.
عباد الله:" وجعل الإسلام العمل وسيلة للطاعة والعبادة وكف النفس عن التسول والحاجة للناس أعطوه أومنعوه روي أنس بن مالك أنَّ رجلًا منَ الأنصارِ أتى النَّبيَّ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ يسألُهُ فقال: أما في بيتِكَ شيءٌ. قال: بلى حِلسٌ نلبسُ بعضَهُ ونبسُطُ بعضَهُ وقَعبٌ نشربُ فيهِ منَ الماءِ. قال: ائتني بِهِما.قال: فأتاهُ بِهِما فأخذَهُما رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ بيدِهِ وقال: من يشتري هذَين؟ قالَ رجلٌ: أَنا آخذُهُما بدِرهمٍ. قال: من يزيدُ على درهمٍ؟ مرَّتينِ أو ثلاثًا قالَ رجلٌ: أَنا آخذُهُما بدِرهَمين. فأعطاهما إيَّاهُ وأخذَ الدِّرهمينِ وأعطاهما الأنصاريَّ وقال: اشترِ بأحدِهِما طعامًا فانبذهُ إلى أَهْلِكَ واشترِ بالآخرِ قدومًا فأتني بِهِ. فأتاهُ بِهِ فشدَّ فيهِ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ عودًا بيدِهِ ثمَّ قالَ لَهُ: اذهب فاحتطِب وبع ولَا أرينَّكَ خمسةَ عشرَ يومًا. فذَهَبَ الرَّجلُ يحتطِبُ ويبيعُ فجاءَ وقد أصابَ عشرةَ دراهمَ فاشترى ببعضِها ثوبًا وببعضِها طعامًا. فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم: هذا خيرٌ لَكَ من أن تجيءَ المسألةُ نُكْتةً في وجهِكَ يومَ القيامةِ إنَّ المسألةَ لَا تصلحُ إلَّا لثلاثةٍ لذي فَقرٍ مدقعٍ أو لذي غُرمٍ مُفظعٍ أو لذي دمٍ موجعٍ"(أبو داودواللفظ له، والترمذي مختصراً، والنسائي بأصله مختصرًا).
عباد الله:" وقد دعا الاسلام للكسب الحلال والأكل الحلال والملبس الحلال قال تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ"(البقرة، / 168).
يا أيها الناس كلوا من رزق الله الذي أباحه لكم في الأرض، وهو الطاهر غير النجس، النافع غير الضار بكدكم وعرقكم فخير طعام ماأكلته من كدك وجهدك وتعبك يقول النبي صلي الله عليه وسلم : "ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده"(البخاري).
عباد الله :" والعمل
يرفع قدر صاحبه، ويحفظ كرامته، ويغنيه عن ذل السؤال. إن اليد التي تعرُق في طلب الرزق
الحلال هي يد يحبها الله ورسوله.
و عن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن قامت الساعة و في يد أحدكم فسيلة , فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها"(البخاري).
فالمسلم يستمر في عمل الخير ومنه
الغرس، ولو كان قبل القيامة بلحظات، فإنه مأجور على ذلك
شَجَّعَتِ الشَّريعَةُ الإسْلاميَّةُ على
إعْمارِ الأرضِ وزِراعَتِها، كما رغَّبَتِ المُسلِمَ ليكونَ إيجابِيًّا في كُلِّ أحْوالِه،
وأنْ يكونَ نافِعًا لنَفْسِهِ ولغَيْرِه، وقد حَثَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم
على كُلَّ فِعلٍ من أفعالِ البِرِّ والإحْسانِ والصَّدَقَةِ والنَّفْعِ للغير حتَّى
ولو لم يَرَ الفاعلُ ثَمرتَه، كما قال في هذا الحَديثِ: "إنْ قامَتِ السَّاعَةُ
"، أي: إذا ظَنَّ أحَدُكُم ظَنًّا أكيدًا أنَّ القِيامَةَ بأشْراطِها ومُواصَفاتِها
قد قامَتْ "وفي يَدِ أحَدِكُم فَسِيلَةٌ"، أي: نَبْتَةٌ صَغيرةٌ مِنَ النَّخْلِ،
"فإنِ اسْتَطاعَ أنْ لا تَقومَ حتى يَغْرِسَها فلْيَغْرِسْها"، أي: يَزْرَعُها
في التُّرْبَةِ، ولا يَتْرُكُ عَمَلَ الخَيْرِ والنَّفْعِ، وهذه مُبالَغَةٌ وحَثٌّ
على فِعلِ الخَيْرِ حتى في أحْلَكِ الظُّروفِ، ولو ظَنَّ صاحِبُه انْعِدامَ الانْتِفاعِ
به، ومِن أنْواعِ الخَيْرِ غَرْسُ الأَشْجارِ وحَفْرُ الآبارِ لتَبْقَى الدُّنْيا عامِرَةً
إلى آخِرِ أَمَدِها، فكما غَرَسَ غَيْرُك ما شَبِعْتَ به؛ فاغْرِسْ لِمَنْ يَجِيءُ
بعدَك، وقد ذَكَرَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم في أحاديثَ أُخْرى فَضْلَ الغَرْسِ
والزَّرْعِ، لِمَا فيه من إِطْعامِ الناسِ والطَّيْرِ والدَّوابِّ، ولِمَا فيه من تَوْفيرِ
الأقْواتِ، وكما يَدُلُّ هذا الحَديثُ على أنَّ عَمَلَ الإنْسانِ الخَيْرَ بيَدِهِ
أَمْرٌ مَحْمودٌ.
وفي الحَديثِ: الحضُّ على استمراريَّةِ
العملِ في الخَيرِ إلى آخِرِ لَحظةٍ في العُمُرِ .
أيها المسلمون:
إن العمل الجاد، سواء كان يدوياً أو عقلياً،
هو الذي يبني الأمم ويحقق التنمية. لا تحتقروا عملاً شريفاً مهما كان صغيراً، فالعار
هو الكسل، والعار هو القعود عن طلب الرزق مع القدرة عليه.
والعمل والكسب الحلال يجعل صاحبه مستطيعاً يؤدي فرائض الله فلا يحج الا بمال ولايزكي إلا إذابلغ ماله النصاب ..
والسعي علي الأباء له فضل الشهادة وكذلك السعي علي نفسه يعفها والسعي علي اولاد صغار فعن كعب بن عجرة قال :"مر على النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ رجلٌ فرأى أصحابُ النبيِّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ من جلَدِه ونشاطِه فقالوا: يا رسولَ اللهِ لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟! فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ: إنْ كان خرج يسعى على ولدِه صغارًا فهو في سبيلِ اللهِ وإن كان خرج يسعى على أبوين شيخين كبيرين فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى على نفسِه يعفُّها فهو في سبيلِ اللهِ وإنْ كان خرج يسعى رياءً ومفاخرةً فهو في سبيلِ الشيطانِ"(الطبراني).
الخطبة الثانية:
النصب والاحتيال عار وهلاك
عباد الله:
إذا كان العمل شرفاً، فإن السعي وراء المال بطرق ملتوية هو "عار" في الدنيا و"خزي وندامة " في الدنيا والآخرة.
لقد انتشرت
في زماننا ظواهر النصب والاحتيال، والغش، وأكل أموال الناس بالباطل، سواء في الأسواق
أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
إن المحتال، المستريح الذي يستولي علي أموال السذج وربما الطماعين لأنه ليس هناك نصاب إلاكان هناك طماع ..
وهذا النصاب وإن ظن أنه ذكي، فهو في الحقيقة ساقط من عين الله وعيون الناس. إن النصب والاحتيال نوع من أنواع السرقة، وهو حرام شرعاً. يقول تعالى:"وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ"(البقرة/188).
يا من تتاجرون بأحلام الناس، ويا من تغشون
في بضاعتكم، ويا من توهمون الناس بغير الحقيقة لتأخذوا أموالهم: اتقوا الله! إن المال
الحرام لا يبارك الله فيه، بل هو سحت يدخل النار، ويمحق البركة من الحياة والرزق.
أيها الأخوة الكرام:
ليكن شعارنا: "رزق قليل حلال، خير
من كثير حرام". لنكن صادقين في أعمالنا، مخلصين في معاملاتنا، حافظين لأماناتنا.
الرزق الحرام هو ما اكتسبه العبد بطرق غير مشروعة، وهو يجلب العقوبة ونزع البركة. ورغم أن الله هو الرزاق، فإن الرزق الحرام يمنع قبول الدعاء ويؤدي إلى سخط الله، فالواجب طلب الحلال وإن قلّ، وتجنب الحرام وإن كثر، فالحلال يورث الطمأنينة والحرام يورث القلق.
المال الحرام هو ما دخل بغير حق، وهو يمحو البركة في الصحة والمال، كما قال تعالى: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا}. والحرام لايدوم وإذا دام دمر
والله لا يبارك في الحرام،
والاعتقاد بأن الله يرزق من الحرام عند الغضب لا أصل له في الأحاديث، وإنما يرزق الله
العباد لابتلائهم.
و الكسب الحرام يبعد العبد عن الله ويمنع قبول الأعمال، و"كل لحم نبت على سحت فالنار أولى به".
عباد الله:" والمسلم ألا يستعجل الرزق بطلب
الحرام، فما عند الله لا يُنال إلا بطاعته، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه..
لَا تَعْجَلَنَّ فَلَيْسَ الرِّزْقُ بِالْعَجَلِ
الرِّزْقُ فِي اللَّوْحِ مَكْتُوبٌ مَعَ الْأَجَلِ
فَلَوْ صَبَرْنَا لَكَانَ الرِّزْقُ يَطْلُبُنَا
لَكِنَّهُ خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلِ
النَفسُ تَجزَع أَن تَكونَ فَقيرَةً
وَالفَقرُ خَيرٌ مِن غِنىً يُطغيها
وَغِنى النَفوسِ هُوَ الكَفافُ وَإِن أَبَت
فَجَميعُ ما في الأَرضِ لا يَكفيها
هي القناعة فاحفظها تكن ملكًا
لو لم تكن لك إلاّ راحة البدنِ
وانظر لمن مَلَكَ الدنيا بأجمعها
هل راح منها بغير القطن والكفنِ
لا تخضعنْ لمخلوقٍ على طمعٍ
فإنَّ ذلك نقصٌ منك في الدين
لن يقدر العبدُ أن يعطيك خردلةً
إلاّ بإذن الذي سوَّاك من طينِ
فلا تصاحب غنيًا تستعزَّ به
وكُن
عفيفًا وعظِّم حُرمة الدينِ
واسترزق الله ممّا في خزائنهِ
فإنّ رزقك بين الكاف والنونِ
واستغني بالله دنيا الملوك كما
استغنىَ الملوك بدنياهم عن الدينِ
اللهم ارزقنا رزقاً حلالاً طيباً، وبارك
لنا فيه، وقنا شر الحرام والنصب والاحتيال، وأعزنا بـالعمل الشريف، واجعلنا من عبادك
الصالحين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.